إشارات وأصداء - ميخائيل عيد

آراء - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أصــــــــــداء

-1-‏

كثيرون هم الذين يصطنعون التواضع استجداءً لمزيد من المديح. نسمع أحدهم يقول بما يشبه النبرة الصادقة: لا كامل بين البشر، إن عيوبنا كثيرة، وأخطاءنا لا تُحصى. وإذا سألته أن يذكر عيباً واحداً من عيوبه شخر ونخر واستكبر وتجبر..فتدرك أنه ما كان يعني ما يقول أو أنه كان يستثني نفسه حين ورد في كلامه ضمير "نا"... أو أنه كان يتوقع منا أن نقول له: "حاشاك أن يلم بك العيب أو أن تعرف الخطأ." ثم يعتبر مجاملتنا شهادة لا مطعن في صدقها.‏

أما الصعاب فخلقت لتمتحن بها عزائم البشر لكن الكثيرين يدورون حولها متجنبين مواجهتها. قد يكون مبرراً أن أتجنب المجابهة إذا فرضت عليَّ وأنا غير مستعد لها.. أما أن أختار المواجهة ثم ألوذ بالفرار فذلك ضعف ومسلك غير مقبول... وتتكرر أمثال هذا الموقف في الترجمة. إن الأعمال الجيدة عسيرة على الترجمة.‏

ونحن نعجب بالعمل الجيد فنسرع في ترجمته فنسيء إليه. ويكون ذنبه جماله... وما أقبح أن نجعل الجمال ذنباً.‏

وإذا كنا نشكو كثرة الشعراء وندرة الشعر فإننا لنشكو أيضاً كثرة الترجمات والمترجمين وندرة الجودة... وإذا اعترض معترض، وقلَّ الذين يعترضون والذين يسمعون، قيل له: إنه التنافس التجاري وضرورات السوق، وقد أصبحت "المؤسسات الثقافية" كذلك الكائن الأسطوري النهم الذي شرع يلتهم جسده حين لم يجد ما يأكله، أجل... إن الكثير من المؤسسات الثقافية بدأ يلتهم الثقافة ويحولها إلى سلع للمتاجرة... ولم يبق لما يتاجرون به صلة بالثقافة الحقيقية. إنها جثة ما كان ثقافة.‏

إن دور النشر الجادة تعمل على ترجمة عمل سبق أن تُرجم إذا وجدت في تلك الترجمة عيباً.. أما المتاجرون فيعيدون نشر أعمال كانت ترجمتها الأولى جيدة أو مقبولة بعد أن تُشوَّه إلى هذا الحد أو ذاك.‏

فما معنى ذلك؟ أهو الجهل وحده؟‏

وهل تفلح أمة يشرف الجهلة على مسائل تثقيفها؟‏

والمتاجرون يربحون والجادون يخسرون... والفقراء منشغلون عن المكرمات بالفقر والأغنياء بالغنى...‏

أمّا المثقفون فلهم الصبر والسلوان أو الموت قهراً‏

-2-‏

في فمي كثير من المرارة... تعلمت الكلام ولم أتعلم فضيلة الصمت. أعرف أن الصمت معيب الآن... لكنني أشعر أن الكلام وحده معيب أيضاً... وأرى الآخرين يتكلمون فأدرك فداحة الأمر. فالمثقفون من ذوي النوايا الطيبة يتبارون في ما يمكن أن يقال في واقع الحال...‏

والواقع معادلته بسيطة: نريد فلا نستطيع، والذين يستطيعون لا يريدون.‏

ونتجادل حول نقص هذا البرنامج أو ذاك ونتخاصم... وتبقى القضايا هي القضايا..‏

قال أحد الشعراء:‏

أقول وقد شدّوا لساني بنسعة أمعشرَ قومي أطلقوا من لسانيا!‏

فطرح منذ تلك الأيام مسألة الديمقراطية التي لا توجد إلا حيث يوجد قانون...‏

وقال شاعر آخر:‏

ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقتُ ولكنَّ الرماح أجرّتِ‏

فطرح مسألة ارتباط المبدع بالمؤسسة الاجتماعية... والمؤسسة الكبيرة تخلق رجالها الكبار كما يخلق الكبار مؤسساتهم الكبيرة...‏

والمؤسسة الإعلامية - الثقافية ليست غاية بذاتها بل هي وسيلة تخدم الغاية السياسية والاجتماعية وهي النهوض الشامل بالأمة وبالإنسانية..‏

إن المناخ الديمقراطي رئة الإبداع، وعمل المبدعين نواة تكوين المؤسسات الكبيرة، وهي تزيد من فاعلية العمل السياسي الذي هو الرأس المخطط والموجه، وإذا كان الرأس ذكياً والأيادي نظيفة تضاعف تأثير المؤسسات.‏

وتبقى المسألة: إلى من نتوجه بكلامنا؟‏

يصلي الناس قائلين: قدّوس القوي... ونحن محتاجون إلى مؤسسات ثقافية قوية.. فهل سيقيمها العرب الأغنياء الذين يوظفون أموال الأمة في مصارف الأعداء أو في مواخيرهم؟‏

وهل نذكِّر أهلنا بأن العدو جعل المؤسسات الإعلامية عملاً مربحاً له؟‏

وأتذكر أن من أخاطبهم يعرفون ما أقوله وما لا أقوله فما جدوى الكلام؟‏

ـ 3 ـ‏

"ولست أمتلك ما أنتم جديرون به."‏

الوقوف أمام الرائع أمر لا يوصف، هو حال من الاندهاش والغبطة على شيء من الرهبة، هو تلاقي ذروة الانفعال وذروة السكينة والاطمئنان معاً. كان الصوفيون يتبعون طرقاً طويلة ومضنيه للوصول إلى هذه الحال أو ما يخيل لهم أنه يماثلها.‏

والمثول في الحضرة ورؤية الرائع فرصتان لا تسنحان إلا نادراً. أما التعبير عن الرائع أو تصويره أو تجسيده فأمر لا يقوى عليه إلا نبي أو شاعر وصل به فكره وخياله الجباران إلى مشارف النبوة.‏

مازلت أحفظ منذ سنوات طفولتي ترنيمة دينية كان إبراهيم ابن عمي يرتلها في كنيسة بلدتنا المشتى. كنت أنخطف مع نبرات صوته الآسر المتماوج في جواء الكنيسة الباردة ويرتعش جسدي النحيل البردان ارتعاشات مازلت حتى اليوم أنتشي لذكراها، وأشعر شعوراً عجيباً بها.‏

بقيت فترة طويلة أسمع الترنيمة ولا أفهم معناها جيداً. كنت أذهل لوقعها العذب المتدفق، وأشعر أن روحي تتحرر من قيود خفية قاسية... فهل الغناء المبدع، في جوهره، إطلاق لروح الشاعر التي أودعها في كلمات الأغنية؟‏

أجل...‏

وتحرير الروح المبدعة من إسار الكلمات هو إيصال وهج الروح المبدعة إلى أرواحنا وتحريرها من رتابة العادي والفاتر، هو امتزاج بالجوهر بعد اختراق السطحي العارض.‏

ها أنا ذا وقد شخت وقرأت الكثير من الشعر العربي والعالمي ما زلت أعجب لتلك الترنيمة الكنسية، وما زلت أكتشف فيها الإيحاءات الجديدة والعميقة.‏

أيعود السبب إلى كونها ارتبطت بمشاعر حارة من أيام طفولتي؟ ربما! لكنني أسأل نفسي: ولماذا لم يكن لسواها مالها من الأثر؟‏

لا... إن سحرها كامن فيها.. وسحرها هو الذي جعل المشاعر حارة في تلك الأزمنة البائسة الباردة.‏

تقول كلمات الترنيمة كما أحفظها منذ ذلك الزمن:‏

"إنني أشاهد خِدرَك مزيّناً يا مخلّصي‏

ولستُ أمتلك لباساً للدخول إليه...‏

فأبهجْ حِلّة نفسي‏

يا مانح النور وخلصني!‏

الكلمات معدودات وبسيطات... فأية طاقة روحية أُودعت فيها؟ كم من القلق والارتباك في وقوف الإنسان أمام خِدْر الرائع المزين وهو لا يمتلك اللباس المناسب للوقوف هناك؟‏

قد يكون الرائع قصيدة أو لوحة أو عقيدة دينية وقد يكون فعلاً إنسانياً فردياً أو عملاً جمعياً كالانتفاضة الفلسطينية.‏

كم شعرت بالحرج أمام هذا الخدر الخلاصي الفلسطيني المزين بحزم الرجال وعنفوان الإباء الإنساني، ودم الشهادة!‏

إنني أُشاهد انتفاضتكم أيها الأطفال ولست أمتلك لباساً للدخول إلى هيكل روعتها، فأبهجوا حلة نفسي، واجعلوا كلماتي لائقة ببعض ما تجترحون من أعمال كبيرة في زمن الصغائر هذا.‏

كم تمنيت لو أن لي حنجرة مثل حنجرة إبراهيم ابن عمي لأرتل أنشودة نضالكم في الكنائس والمساجد والساحات... إن نضالكم هو الصخرة التي ستقام عليها صروح عصرنا القادم، عصر تحرير الأرض، عصر الإخاء والمحبة..‏

إن أرواحنا تتدفأ بوهج جراحكم وعنفوانكم فتتحرر من قيودها وتتخذ لها أجنحة من سطوع الدم الغاضب، وها هي ذي تصلي كطفل نحيل يرتعش:‏

فأبهج حلة نفسي‏

يا مانح النور‏

وخلّصني!‏

-4-‏

تحمل همومك وتطوف بها في الأزقة، تحجب البيوت المتلاصقة عن ناظريك لوحة الوطن، تعيش أيامك يوماً فيوماً بل تجعلك الهموم تعيش ساعة فساعة فلا ترى في ما حولك تاريخاً ولا يجمح بك الخيال إلى المستقبل.‏

وتتاح لك فرصة السفر، ترتفع الطائرة، تنظر إلى أرض الوطن من شاهق، تزول التضاريس الصغيرة وتتوهج لوحة أشمل. ينبعث من أعماقك صوت دافئ يعلو على هدير المحركات: أيتها الأرض الأم! كم أنت رائعة!‏

في الوطن حقول ومدارس ومنازل. الحقول خضراء تشقها دروب صغيرة تؤدي إلى البيوت. الناس في الأوطان كلها يكدحون ويزرعون الحقول، وفي المساء يستعجلون الرجوع إلى المنازل فترسم أقدامهم دروباً وسط الخضرة... الطائرة تحلق عالياً والعين تنظر إلى الغابات والحقول والدروب والمنازل وترتسم في البال صورة أخرى، وتهب نسمة من حنين... إنه القلب يتوق إلى صورة الوطن.‏

تقلع الطائرة من مطار وتحط في مطار، يودعك أصدقاء ويستقبلك أصدقاء. تقترب من الوجوه الصديقة فتمتد إليك الأيادي مصافحة، تحس دفء النظرات وحرارة الكلمات، تنشغل بالتفاصيل وتتوالد في جسد اللوحة الشاملة هموم صغيرة. إنها الحياة.‏

قالت السيدة اللطيفة ماريانا بعد أن أوصلتني إلى الفندق:‏

-لم نضع برنامجاً لزيارتك، فاقترح ما تشاء.‏

قلت: لا أريد برامج. أتيت إلى صوفيا كي أرتاح قليلاً.‏

ابتسمت وقالت: حسناً! ضع البرنامج الذي يريحك.‏

قلت: أتمنى أن أرى بعض الأصدقاء، كارانفيلوف، وخايتوف، وتسوكوفا، وفيسلا، وكبرييل، و...‏

وعدنا إلى شوارع صوفيا.. . زرنا المتحف وحديقة قصر الثقافة.. التقينا شباناً من الوطن... كيف يصير العاديون في الوطن حميمين في الغربة؟ كان لقاؤنا في الوطن عادياً أما هنا في صوفيا فهو غير عادي. أهي الغربة!‏

وعدت إلى الفندق... وجدت ملحوظات كثيرة: اتصلت بك تسوكوفا وهي تريدك أن تتصل بها... هاك رقم الهاتف.. الكاتب الكبير ايفريم كارانفيلوف يدعوك إلى الغداء يوم كذا... فلا تشغل نفسك بموعد آخر... وكانت الملحوظة الحية هي أونا أورلينوفا وابن عمها أورلين... قالت أونا: "والدي يدعوك إلى زيارتنا فهيا!"‏

ومن يرفض دعوة أورلين أورلينوف وابنته أونا!‏

بعد اللقاء في اللجنة الثقافية قالت ماريا غورغيفا: عندنا سيدة تريد أن تراك...‏

كان لقاء لطيفاً... إنها السيدة فيسكا زوجة الفنان التشكيلي خريستو تسيتسين، وقد عملت سنوات في دمشق، كانت كلماتها حارة وصادقة: أدعوك وزوجي إلى العشاء في بيتنا غداً... وجاء الفنان في اليوم التالي وذهبنا إلى بيتهم... كنا في صوفيا ونتكلم البلغارية لكننا شعرنا جميعاً أننا في سهرة عائلية في دمشق...‏

فالأحاديث كلها تدور حول دمشق... وكان المعرض الذي أقامه "المعلم" تسيتسين بمناسبة عيد الجلاء عن سورية لا يزال حديث الأوساط الفنية. وكانت تسوكوفا حاضرة... وكان ملادينوف وزوجته... وجميعهم كانوا يعملون في القسم الثقافي في دمشق... وكان طبيعياً أن تصير السهرة دمشقية.‏

وأي شعور أجمل من أن يرى الإنسان أن الآخرين أيضاً يحبون وطنه؟‏

ومع إيفريم كارانفيلوف دار الحديث حول الحضارة العربية العريقة، وحول النقد والفلسفة، وكان كارانفيلوف، كما هو دائماً، ساحر الكلمة العجيبة الذي لا يقارب موضوعاً إلاّ حوّله إلى ذهب... بضع كلمات وتنفتح بوابة واسعة على حديقة مزهرة من الحقائق... كيف؟ إنه سر الموهبة والثقافة العميقة.‏

ويمر الوقت سريعاً... ويقدم لي كارانفيلوف آخر كتاب صدر له فابتسم وأخاطب نفسي: لن أتعب في البحث عن موضوع أترجمه.. لقد وفرّ عليَّ مشقة البحث.‏

وتأتي أونا ودورا بعد الظهر ونصل متأخرين بضع دقائق، ويعلو من الشرفة صوت الشاعر أورلين أورلينوف:‏

-هيا اسرعوا، نحن بانتظاركم! قد نحتاج إلى جلسة ثالثة!‏

وهنا أيضاً دار الحديث حول سورية والأدب العربي وحول العلاقات الثقافية بين بلادنا وبلغاريا... كان المستعرب المترجم سلافيان مصلاروف حاضراً. لقد ترجم كتاب ميخائيل نعيمة "سبعون" وهو عاكف على ترجمة "ألف ليلة وليلة"... قال سلافيان معتذراً:‏

"لديكم أدب غني جداً. يجب ترجمة الكثير منه، لكن الكوادر المؤهلة لا تزال قليلة عندنا. سنعمل على إعداد الكوادر الكافية".‏

وجاء ملادينوف يدعوني إلى العشاء فقلت: "أتيت كي أرتاح، يا صديقي.‏

قالت زوجته: ألا ترتاح عندنا؟ ابنتنا تنتظر أن تراك. أخبرناها أنك ستتعشى عندنا ففرحت. لا تعتذر.‏

وقفزت إلى ذهني صورة ماريا الصغيرة. لقد زارت منزلنا في دمشق مع والديها وأحبها أولادي وأحبتهم.‏

طوقت ماريا عنقي بذراعيها وهي تهتف: عمي، عمي!.. ثم أغدقت عليَّ وابلاً من القبلات. قلت لها:‏

-أنت لطيفة يا ماريا‏

قالت:‏

-عش عندنا يومين وسوف تغير رأيك...‏

وضحكنا جميعاً.‏

قالت أمها:‏

-حين يرد ذكر سورية في التلفاز تطلب ماريا من الحاضرين أن يصمتوا. وحين تشاهد فيلماً عن سورية تبكي بعد نهايته.‏

الأيام تمضي مسرعة... نظن أحياناً أننا لم نعش بل كنا نحلم.‏

ولكن وجوه الأصدقاء الجدد تطرق باب الذاكرة: جمال، يانا، خورشيد.. جميلة هي الحياة.‏

وها أنا ذا في مطار صوفيا... يتلاقى كثيرون ثم تفترق دروبهم.‏

المطارات نقاط حديثة لتقاطع دروب العالم. جلست قربي على المقعد امرأتان تحملان حقائب ثقيلة ساعدت إحداهما في حمل إحدى حقائبها إلى الطائرة... وجلست سيدتان تركيتان متعبتان قربي في الطائرة.‏

تبادلنا بضع كلمات بالإنكليزية... سألتني إحداهما عن أولادي وحدثتني عن أولادها.‏

بدا جلياً أن التعب قد أضنى الأقرب إليَّ فهي تكاد تغفو.‏

ثم أعلنت المضيفة: دقائق وتحط الطائرة في مطار اسطنبول.‏

هتفت السيدة الوسنى: اسطنبول!‏

وتألق رونق الحياة في عينيها.‏

وتمنت لي السيدتان الوصول إلى وطني بسلام.‏

لم ينتظرني أحد في المطار... ومع ذلك أحسست أن الوطن كله كان ينتظرني...‏

جميل جداً أن نجوب أرجاء الأرض وأن يكون لنا أصدقاء في كل مكان... لكن الأجمل هو الرجوع إلى الوطن.‏

جميلة هي الدروب الصغيرة التي تختصر الطريق وسط الحقول إلى المنازل... وأجمل منها الدروب من الموانئ إلى البيت.‏

الذين يكتبون الأغاني للوطن يعرفون أن الوطن أجمل من أجمل الأغنيات!‏

وكم كان رائعاً من قال:‏

"أتمنى لو أستطيع الموت‏

أكثر من مرة‏

فداء للوطن!"‏

أما أروع ما في الدنيا‏

فهو أن نعيش أغنى حياة‏

من أجل الوطن...‏

ـ 5 ـ‏

لا أعني بكلامي هذا فرداً معيناً ولا أقصد إلى التلميح إلى شخص ما ولا إلى بلاد ما، ولا إلى مؤسسة ما. فما أعنيه وأقصد إليه قد يشمل الكثيرين من هؤلاء وأولئك، في كل الأمكنة والأزمنة، وقد لا يعني أحداً إطلاقاً.‏

إنني أسوقه كلاماً عاماً، والعام يشمل الخاص ولكنه لا يحدده... وهو لا يشكل خطراً على أحد... وآمل ألاّ يتضايق منه أحد من الذين لا يعنيهم، أما الذين يعنيهم فهم لن يتضايقوا لأن ما صاروا إليه يعصمهم من الضيق بمثل هذه الكلمات.‏

كان لي صديق.. لا لم يكن صديقاً بل كان يزعم ذلك. وأمثال هذا الكائن لا صديق لهم. فهو صديق الجميع حين يكون محتاجاً إليهم.. وهذا الكائن، حتى لا أقول الرجل، كان عارياً وحافياً أو شبه عار وشبه حافٍ، وكان جم التواضع والتهذيب ثم استلم مؤسسة فإذا به يصبح مطقوماً على آخر طراز وليس هذا بالمستغرب، فهو شاطر ومن الظلم أن يبقى فقيراً، أما أن يضع تحت تصرفه الشخصي عدداً من السيارات وسائقيها فهو الأمر الذي حيرنا، إذ كان من "أصحاب المبادئ" التي تدعو إلى الاشتراكية...‏

وسمعت أن شخصاً ما قد استلم منصباً ما ففرح كثيراً وأحب أن يشاركه أحد ما هذا الفرح الكبير فتزوج امرأة جديدة تليق بالمقام الجديد، ودعا زوجته القديمة وأولاده إلى الرقص والخدمة في عرسه "تقديراً لهم على عشرتهم له أيام بؤسه"...‏

وتتوالى الوقائع والأخبار فتعقد الدهشة لساني ثم أُردد آه ما أغباني.. كيف أحاول أن أصعد في الزمن الهابط وقد أفلتت الأمور ولم يعد لها ضابط؟ وقد تبدلت أشياء كثيرة.. فأنا، على سبيل المثال، كنت أسمع من إذاعات عربية كثيرة أغنية فيروز الجميلة: "خبطة قدمكم عالأرض هداره" وكنت أحبها، وها أنا أسمع كل يوم "دغدغني وأنا دغدغته" ولم أعرف لماذا استبدلوا تلك بهذه إلى أن همس لي هامس وقال: السّرُ يا أخا الرجال هو أن فعل دغدغ يدغدغ هو الأكثر ممارسة على كر الليال.‏

وسبحان من يغير الأحوال.‏

وتخطر لي مسألة أخرى ليست بالطامة ولكنها قد تكون لأيامنا أظهر علامة.. إنها مسألة الديك الفصيح الذي يصيح حيث تتوجه الربح.. هل أدركتم ما أرمي إليه من غاية؟ إليكم إذن هذه الحكاية:‏

أعرف إنساناً كان في نظري كبيراً، وكنت أرى أن له شأناً خطيراً. وكنت ولا زلت ممن يسيرون إلى اليسار وكان يصرّ دائماً على أن يسبقني بأمتار. وكنت أغبطه وما كنت أغار.. ألسنا من فئة يتساند فيها الكبار والصغار؟.. أجل.. ولكن، ألا أخبركم بما جرى وصار؟.‏

يقول آخر الأخبار: إن صاحبنا هذا قد طار وعبر الدنيا إلى ما وراء البحار.. بلى.. لقد صار "دولارياً" أكثر من أهل الدولار، فسبحان الذي يغير الميول والأفكار ويحول "الثوريين" إلى سماسرة وتجار..‏

ورحم الله الأنقياء والأبرار فكم يلقون من عنت وعناء ولكم من بعدهم طول البقاء.. ولا حول ولا...‏

ـ 6 ـ‏

كلما ذكرت المثل الشعبي القائل: ضربني وبكى وسبقني واشتكى، أغرق في التأمل وتتداعى أفكاري أحياناً فأذهب في تصوراتي مذاهب شتى. وأحاول، أحياناً، أن استقرئ الأسباب التي دفعت من قال هذا المثل إلى قوله.‏

ولا أعرف لماذا لا يراودني أدنى ريب في شهامته وإبائه، وترّفعه.‏

أي الوقائع هي التي جعلت هذا الإنسان يعبر عن عشرات الوقائع المحتمل وقوعها في قول موجز؟‏

هل كان تلميذاً نجيباً في مدرسة اعتدى عليه زميل له ثم أسرع هذا الزميل إلى المعلم باكياً شاكياً، هل كان فقيراً اعتدى عليه أحد الأغنياء ثم أسرع ذلك الغني شاكياً إياه إلى ذوي السلطان ليلحقوا به المزيد من الأذى؟ أم تراه كان رئيس دولة أو ملكاً اعتدى على حدود بلاده جيران من رؤساء دول وملوك ثم زعموا أمام العالم أنه البادئ بالعدوان؟‏

وتخطر لي مسألة أخرى من نوع مختلف وهي: ألا يعيب هذا المثل الشعبي الصادق شكله الفني؟ ألا تبدو ثيابه بسيطة ورثه؟.. أما يعيبه اختتام جملتيه ببكى واشتكى؟‏

أما تذكرنا هاتان "القافيتان" بقيود الشعر وقيود النثر التي كبلت شعرنا ونثرنا طوال قرون من تاريخنا بأكملها؟..‏

وأراني أبتسم..‏

فها أنا أنساق وراء أسئلة أخرى أكثر إثارة للحرج:‏

فلماذا يريدنا بعضهم، باسم الحداثة، أن نرى البساطة الصادقة عيباً؟ ولماذا يريدوننا أن نصدق أن الشكل وحده، وأن القوالب وحدها المسؤولة عن سوء ما طرح ويطرح في سوق الأدب والفن من بضاعة فاسدة؟‏

فهل للحداثة أنموذج فني واحد أحد يخرج عن ملكوت الحداثة من لا يسجد له؟ أليست تلك قولبه جديدة؟‏

أليس ذلك صنمية جديدة؟ وهل الحداثة شكل وحسب؟‏

وأدرك أنني توغلت بعيداً وراء الأسئلة فأعود إلى المثل الشعبي بصيغته البسيطة ومعناه البسيط المذهل بعمق مدلوله وأرى وجوهاً أعرفها ووجوهاً لا أعرفها وكلها تضرب وتبكي ثم تسرع باكيه لتشتكي مطالبة بمزيد من الضرب للمضروبين...‏

ثم...‏

ألا ترون معي وسط زحام الوجوه وجوه بعض النقاد يلطمون وجه الأدب الملتزم المقاوم، كلما دق الكوز بالجرة، ثم يسارعون إلى البكاء والشكوى؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244