إشارات وأصداء - ميخائيل عيد

آراء - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثلاث كلمات

إلى ذكرى شاعر فقير سألته ماذا تفعل؟‏

فابتسم وقال: "أكتب ما أُغيظ به أقوى دولة في العالم"!..‏

إنهم يريدونك أن تتنفس من منخرهم أو عدّوك إرهابياً..‏

المثقف والمواجهة‏

في كل كلام تكون البداية هي الأصعب، إذ على الكلمات الأولى يتوقف مسار الخطاب، وختامه. وسأحدد بداية بعض الصوى على الدروب إلى نهاية الخطاب... فأنا لن أسأل: من هو المثقف؟ فالإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى كلام كثير. ولن أتكلم على "العالم الجديد".. فما يدعونه جديداً في عالمهم ليس بالجديد بل هو عودة إلى القديم جداً، أو هو استمرار للقديم جداً، فمنذ أن عرف الإنسان الطمع والجشع بدأت المعركة بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وهي تدور منذ تلك الأزمنة في ميادين شتى، وتظهر في مظاهر شتى. وليس من جديد في جوهر الأمر ولن يكون مادام نظام استغلال الإنسان للإنسان قائماً.‏

أما مسألة المواجهة فهي مدار الكلام، وهي متعددة الوجوه، والميادين والوسائل متحدة في الجوهر. وقد يكون السؤال الأول في هذا المنحى هو: مواجهة من؟. وكيف؟.. فثمة مواجهة مع الذات، وأخرى مع البنية المجتمعية القائمة، وثالثة مع التخلف العلمي والثقافي، إضافة إلى مواجهات على صعيد المطلق، وأخرى على صعيد الممكن، ومواجهات على أساس من الثوابت أوفي مجرى التحولات، وبين ما يقتضيه التفرد الإبداعي وما تقتضيه الحياة في المجتمع أو المؤسسة الثقافية، فالمبدع مواطن في وطن، وإنسان يحمل مسؤولية كبيرة عن مصير الناس جميعاً في كل الأوطان.‏

وطبيعي أن تكون مواجهة أعداء الوطن في المرتبة الأولى بين كل المواجهات مادامت الأخطار الخارجية العدوانية تتهدد الأوطان.‏

ويكون المبدع في مركز هذه المواجهات، ويكون إبداعه مميزاً بقدر مايجسد الجوهري منها. وإني لأزعم أن كل، أوجلّ، ماينبغي أن يقال قد قيل. وتبقى المسألة أن نعمل مسترشدين بما قيل أو يقال.. وإذ نعود إلى الكلام فكأننا نريد أن نغسل أيدينا من فساد العالم، شاهدين على إفساد المفسدين له.‏

وتتمثل مأساتنا الكبرى في أن التاريخ يغفر خطايا الحاكمين والقادة أو يعزو أخطاءهم إلى الملابسات والظروف في حين لا يغفر هفوات المفكرين والمبدعين ولا يسامحهم.‏

وتنبع عظمة المفكرين والمبدعين من قسوة مأساتهم ومن ضخامة مسؤوليتهم أمام الحاضر الذي سيصير تاريخاً وأمام المستقبل الذي لا انتهاء له.‏

إن قضية المثقفين في جوهرها، هي قضية المستقبل البشري، ومن هنا يولد الموقف الحدّي في الثقافة، حيث لا هوادة ولا حلول وسط، فهنا يواجه الخير الشر، ويواجه الحق الباطل، إذ يواجه الصواب الخطأ، ويجابه الجميلُ القبيح.. وعلى رجل الثقافة المبدع أن يكون ملوناً بكل ألوان الجمال وعليه مثل ذلك ومن أجل ذلك ألاّ يكون متلونا... وشتان مابين الملون بألوان الحياة والمتلون كالحرباء وفاقاً لظروف المكان.‏

والمثقف المبدع يسعى إلى الأجمل وسط قذارات العالم وبشاعاته، وتظل المثل العليا بوصلته الهادية في مسعاه... فليس جميلاً ماينافي المثل، وليست مثلاً عليا تلك التي ليست جميلة.‏

ولكن الحياة لا تعرض علينا القبيح والجميل، منفصلين ثم تطلب منا أن نختار بل هي تعرضهما متداخلين متشابكين ويكون علينا حينئذٍ أن نتحرك ببطء، وأن نمعن النظر، وكثيراً مايضعنا السادة بين المطرقة والسندان ثم يسألوننا: أيهما الأفضل والأجمل؟ وكثيراً مايجرون الدراسات للأنظمة الاستبدادية ولم تعرف الإنسانية حتى الآن سوى الأنظمة الاستبدادية إلا في فترات نادرة، ثم يعقدون المقارنات بينها ويسألون: أيّها تختار؟ ويتكلمون على الموت قتلاً، وعلى الموت جوعاً، وعلى الموت جهلاً ثم يفاضلون بين موت وموت وقد يباهي كل فريق منهم بأن القتل الذي اختاره للآخرين هو القتل الأجمل، أو القتل الأرحم، أو القتل الأمجد...‏

إن الدخول في لعبتهم فخ يهلك من يقع فيه. وليس في مقدور المثقفين المخلصين لشرف الثقافة والإنسان ولتاريخ شعبهم وحضارتهم سوى رفض شروط اللعبة هذه وطرح الأمور طرحاً مختلفاً، أو لن تكون ثقافة ولن تكون مدنية بل غابة صارت أشجارها أعمدة من الإسمنت أو الرخام وصارت كهوفها صالات قصور، أما وحوشها وثعابينها فقد غيرت جلودها ومخالبها وأنيابها ولكنها زادت ضراوة وشرهاً إلى الدماء.‏

ومذ صار للناس سلاطين والمثقفون بين شرين: أن يصيروا خدماً للسلاطين يرون "حسناتهم" ويتعامون عن سيئاتهم أو أن يُحاصروا سياسياً واجتماعياً وهم فوق ذلك محاصرون بالرذائل والمستفيدين منها، ومحاصرون بالقدر وبعيوبهم الذاتية التي أقدامهم على عتبة إنسانيتهم حين لا يقوون على أغماض عيونهم عنها.‏

إن طريق الخير ضيقة ووعرة، فالخير محصور والشر منتشر، إن النار في كل شيء وفي كل مكان، والطريق إلى جهنم العار معبدة وعريضة... أما الجنة ففي مكان قصي وخفي ومحروس جيداً... الجميع يستطيعون دخول النار ولا يستطيع الجميع دخول الجنة... ولجنة الإبداع رصد من كلمات حية... وللكلمات قشور صلبة وعلينا أن نكسر قشورها.. والقشور لا تذعن إلاّ للأيدي المؤمنة والقلوب النقية.. ونحن في عالم يكاد يصبح كومة من القاذورات... ويقال لنا: إنها مشيئتكم...‏

نحن لم نخير في المجيء إلى العالم، ولن تكون لنا مشيئة بعد أن نرحل، فلنغتنم فسحة العمر المتاحة لنا كي نعبر برجولة عن مشيئتنا... أن نبدع الجمال الذي فيه الحق والخير وأن نصفع القبح الذي فيه الشر والباطل، وقد يكون الطغيان أبشع وجوه الشر والباطل.‏

ونصطدم بجدار الحلقة الشيطانية المفرغة: نريد فلا نستطيع، والذين يستطيعون لا يريدون.. ونظل نكافح ولا نتراجع...‏

ويقال لنا: ألستم حمقى يقيمون أعراسهم بين أنياب الموت التي مزقت أسلافهم؟..‏

ونهتف كلا.. بل سنكون حمقى إذا استسلمنا للشر وأذعنا للباطل... إن الخيار هنا واضح ومحدد: إما السمو والنقاء أو النذالة والقذارة... وفي قدر المبدعين شيء من قدر الأنبياء الذين يرجمون، لأنهم يرفضون أن يكونوا فاترين من غير زمان ومن غير مسافة.‏

ورسالة المبدع أن يشهد، والإبداع شهادة لا يخمد مرور القرون توهجها.‏

وقد لا تفيد شهادة المبدع أهل الزمن الذي هو منه. فالكثيرون من المبدعين يشهدون بالحق أمام قضاة لا يعرفون الحق، ويدعون إلى الاستقامة في زمن صار فيه الناس يعتمدون على صدق الصادق وشهامة الشهم وكرم الكريم كي يكذبوا عليهم ويسرقوهم ويغشوهم..ويكون على المبدعين أن يبقوا منتصبين في زمن الانحناء.‏

جاء في كتاب كليلة ودمنة: "والواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها وتأديبها بحكمتها وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الإعوجاج عن العدل"(ص43)، وجاء في مكان آخر: "فكرهت أن يموت أو أموت ومايبقى على الأرضّ إلاّ من يقول إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه، فإن قال قائل إنه لم يمكنه كلامه خوفاً على نفسه قالوا كان الهرب منه ومن جواره أولى به، والإنزعاجُ عن الوطن شديد، فرأيتُ أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذراً"(ص44).‏

ولقد قال بيدبا رأيه للطاغي وقبل الطاغي الموعظة.. أوهكذا تقول الحكاية..‏

تقول لي السنديانة: كن مثلي تظل أخضر في كل الفصول.‏

وينتابني أحياناً شعور بأنني مسؤول عن هلاك أول مخلوق وقع في أول شرك نصبه الإنسان.‏

أنا لا أعرف غاية الحياة لكن صلف الجبابرة يغضبني ويخجلني تكالب الناس على توافه الدنيا.‏

ويحدث أحياناً أن يكون تيار النكوص جارفاً فلا يبقى أمامي سوى أن أتشبث بالصخور وأبقى منتصباً..‏

وكم حاولت أن أسند العالم المتهاوي بكلماتي وحدها.. وكم حاصرتني هموم الناس فصرخت بهم: كيف ستصلحون إذا كان الذين يستطيعون إصلاحكم فاسدين..‏

وكنت أتذكر ماقالته لي السنديانة.. فأضرب جذوري في تربة شعبي وأصمد...‏

ونرفع شعار المواجهة فبماذا نواجه وكيف. وهل لدينا من وسيلة سوى الكتابة... إننا نكتب مصورين أحوال المرضى والجياع، فيتسلى الأغنياء والأقوياء بقراءة ما نكتب ويتنعمون.. وندخل هنا إحدى الحلقات المفرغة الأخرى.... فلمن نكتب إذا كان أولياء الأمور لا يقرأون، وحين يقرأون لا يحركون ساكناً إلا إذا أرادوا معاقبتنا على ماكتبنا.‏

لمن نكتب ومن ندعو إلى الحكمة، ولو كان الفاسدون يستجيبون لصوت الحكمة لماكانوا فاسدين...‏

الحكماء يستفيدون من جنون المجانين ويزدادون حكمة لأنهم حكماء والمجانين لا يستفيدون من حكمة الحكماء لأنهم مجانين.. فلماذا لا نكف عن دعوة المجانين إلى التعقل؟‏

وندور في حلقة مفرغة أخرى، إن وسائل الإعلام العالمية الكبرى في أيدي غيرنا.. وأكثرها في أيدي أعدائنا... والإعلام المعادي يحرض العالم ضدنا ثم يستفتيه بشأن العدوان علينا.‏

أما وسائل أعلامنا فقاصرة ومقصرة وهي لا تصل إلاّ إلى بعضنا... فمن نخاطب؟ هل نكتب كي نقول للفلسطيني إن أرضه مغتصبة؟.. إنه يعرف ذلك... والفقير يعرف أنه فقير.. ولقد اعتدنا إما القدح أو المدح.. فإذا امتدحوك جعلوك ملاكاً وإذا ذمّوك جعلوك شيطاناً... وتظل إنسانيتك ضائعة. ونظل نطرح قضايا "خلافية" في حين يعمل الآخرون.‏

وكم قلت: أعمل حذاء أرّقع حذاء الدنيا فلا يضطرب مسيرها لكنني فشلت.‏

وكم قلت لجاري الغني: لن يكون الدود الذي سيأكل جسدك أرحم من الدود الذي سيأكلني.. وكان يقول ساخراً: أبق جائعاً وسوف آكل كل الطيبات إلى أن يأتي ذلك الحين.‏

وقلت: نحتكم إلى التاريخ.. ورأيت التاريخ مقبرة عظيمة نقشت على شاهدات قبورها أسماء قليلة وضاعت أسماء كثيرة.. وكانت بين الأسماء الباقية أسماء طغاة وجبارين..‏

وفطنت إلى أنهم يسرقون أطايب الحياة ويشوهون جمالها ثم يرغمون الشعراء والفلاسفة والمؤرخين على امتداح مناقبهم وهجاء خصومهم.‏

وكدت أضيع بين آراء المتكلمين.. وها إنني أشهد ميلاد جاهلية جديدة...‏

.....‏

....‏

قال صاحبي بمرارة: أعرف أنه يدفع لي مما قبضه ثمناً للخيانة.. وأنا أشتري خبزاً وآكل... فأنا جائع.. اللقمة مرة ومقرفة وابتلعها لأن الجوع أمرّ وأدهى.. أما الكرامة فكلمة يتشدق بها الذين لم يعرفوا الجوع... وحين بقيت صامتاً نظر إليَّ وصاح: أيها الشرفاء الجبناء! إن أوطانكم تمزق وتباع وأنتم صامتون.. وبقيت صامتاً... فأنا أرى الكثيرات من السالومات يرقصن في قصور الحاكمين ولا أرى رأساً ليوحنا واحد على طبق من الفضة.. فهل استولى الذعر على الجميع وخرست ألسنة الحق!‏

لا أنكر أنهم يغتالون بعضنا بكواتم الصوت ويقيدون الكثيرين منا بقيود الحاجة، وحين تستعبد الحاجة الإنسان لا حاجة لتكبيله بالسلاسل"، لكنني أرى الكثيرين يتهالكون على الموائد الدسمة ويرضى آخرون حتى بالفضلات.‏

وإذا دارت معركة أرى الجبناء والأوغاد يتقدمون في آخرها ويقطفون التفاحة الذهبية.. ويظل لسان حال الشرفاء يردد مع عنترة: أغشى الوغى وأعف عند المغنم.‏

وانظر بعين الحكمة فأرى جنون العالم.‏

يقولون: إن عمر الإنسان على الأرض قد تجاوز ملايين السنين. وأسأل: أما حان له أن يبلغ سن الرشد؟ ولم أر مخلوقاً يفاخر بقتل أبناء جنسه سوى الإنسان.‏

ولو تأملنا جمال الكائنات ماعملنا على إيذائها.‏

ونطمح إلى إقامة المجتمع الصالح، والمجتمع الصالح لا يبنى بالأيدي الملوثة والضمائر الفاسدة، والمجتمع الفاسد يلوث الأيدي ويفسد الضمائر... وندخل الحلقة المفرغة من جديد, تظهر دعوات إلى الإصلاح أو إلى الثورة، وتولد أيديولوجيات، حتى إذا انتصرت إحداها وأقامت سلطة لها وصارت قادرة على الإصلاح فسدت وانقلبت إلى نقيضها... ولقد قيل: السلطة تفسد، أمّا السلطة المطلقة فتفسد إفساداً مطلقاً.‏

وجاءت أديان ودعت إلى المحبة ونبذت الكراهية والشر ثم صارت إلى أيدي السلاطين أو صار لها سلاطينها فمارسوا أبشع الجرائم باسم الرحمة والمحبة، ودعت أديان إلى إقامة العدل وقصاص المذنبين فأرانا الحاكمون القصاص ومارأينا العدل.‏

يقول جلال الدين الرومي:"إنني وجيه لو أوليتموني وجوهكم"...‏

فمتى نولي الإنسان وجوهنا؟‏

إن الينابيع تتفجر من الأعماق النقية، فكيف نحافظ على نقاوة الأعماق؟ العلماء يدمرون كوكباً كي يبنوا مصنعاً. ويعدون أطنان المتفجرات لقتل عصفور الأرض المغرد. يشغلنا اليومي عن الأزلي أو يشغلنا الأزلي عن اليومي فلا نرى الماضي والحاضر والمستقبل معاً.‏

والمنافقون يجعلون اللغة وسيلة لقول الباطل.‏

قال صاحبي: مادام الجميع يريدون أن نصير حميراً يمتطونها إلى أغراضهم فلماذا نتعب أذهاننا في أمر من سوف يمتطينا؟‏

قلت: هو الوطن!‏

قال: يحن الإنسان دائماً إلى مسقط الرأس، فإلى أين يتجه القلب العاشق إذ صارت الحياة جحيماً في مسقط الرأس؟‏

قلت: ليس للإنسان سوى مسقط رأس واحد.‏

قال: أشعر أحياناً أنني فارغ كبئر نزحت مياهها، خاوٍ كأرض قفر تأكل فيها الجرذان صغارها إذ لا تجد ما تأكله فيعتريني ... الخوف!‏

قلت: مامن شيطان أسوأ من الخوف! لكن القنوط أقسى... فلا تقنط.‏

تمتم في مايشبه الهمس: لوكان الناس فاضلين ما أحتاج أحد منهم إلى الخبز، ومكافحة الشر بالكراهية وحدها تدمر العالم بخيره وشره فأين أجد الأمل؟‏

وندخل حلقة مفرغة جديدة: فكل إنسانية من قبل الضعفاء في مثل هذا العالم المتوحش تخدم الوحوش والمفسدين وعدم الإنسانية يحولنا إلى فاسدين!‏

....‏

.......‏

عشت دهراً أرى الصعود أصعب من النزول،وها أنذا أرى الشباب يذهب مبكراً وتأتي الحكمة متأخرة.‏

ورحت أفسر مالا أفهمه بما أفهمه ولم يبدُ لي ذلك مفارقة. وقد رأيت من الأمور الخارقة أن نوجد في العالم، وأنها لمسؤولية كبرى أن نكون للعالم.‏

ورأيتهم يضعونني أمام طريقين: أن أموت جوعاً أو أن أموت فساداً... وكان عليَّ أن أجد الطريق الثالث.‏

ورأيتهم يمزقون لحمي وسمعتهم يتأففون من سماع أنيني.‏

وأقمت في خيالي سراباً لأوهم نفسي بقرب الارتواء.‏

وخسرنا المعارك أو أخرجنا منها، ولم نستسلم... كنا ندرك أننا الأقوى لكنا مازلنا متفرقين ولم نصبح قلعة بعد...‏

وتقاتلنا كي يثبت كل منا، على طريقته، أن الله موجود ولم نتفق على حق الإنسان بالوجود..‏

وسمحنا لأنفسنا باسم الله العادل أن نقتل أكرم مخلوقاته لأنه لايرى الأمور كما نراها.‏

ورأيتهم يحاربوننا كي يثبتوا حقهم في أن يأكلوا حقوقنا... وسمعتهم يزعمون إنهم حماة حقوق الإنسان...‏

وخرجت من بيننا جماعة وراحت تمص دماءنا كالعلق، وحين اعترضنا هاجمتنا كالزنابير...‏

قالوا: أطيعونا.. وإطاعة الشر معصية، وكنا لا نرغب في أن يصادقونا على الشر، ولا نرهب أن يعادونا على الفضل...‏

وخرج من بيننا مبدعون لا ينحنون في مجابهة الأعاصير والطغاة، وينحنون ليعنوا بطفل أو زهرة..‏

وبقينا ندعو إلى إصلاح الناس، ولو أرسل إلى الأفاعي ما أرسل للناس من حكماء وفلاسفة وشعراء لما بقيت قطرة من السم في ناب أفعى.‏

....‏

.......‏

في زمني يقتل الشعراء يا أماه! فكيف ولدتني ولي قلب شاعر؟‏

وأنا وارث الممالك العظيمة البائدة كم تمنيت أن أكون بومة تسكن في خربة متواضعة!‏

أبحث عمن يلعنني صادقاً فلا أجده، فكيف أصدق مديح الذين يمتدحونني؟ وقلت أتخلى عن أقنعتي فخسرت أصدقائي.‏

حين كانوا أقوياء واجهتهم بعيوبهم ودفعت الثمن، وحين صاروا ضعفاء دافعت عن حسناتهم ودفعت الثمن..‏

وقلت أحتمي بالكلمات.... وتكون الكلمة اسماً لشيء ثم يزول الشيء وتبقى الكلمة. وتكون الكلمة غطاء نحجب به حقيقة مشاعرنا، ثم تتغير الحقيقة ويبقى الغطاء... ومن ثم أدركت أن ليس ما تبيضه دجاجات قريحتي ذهباً كله.‏

وأدركت أن النظريات كمجلات "الموضة"، تعلمنا كيف نصنع الثياب ولا نجد فيها ثياباً... وكنت أشخص الأدواء وأصف الدواء وأترك لغيري صنعه!..‏

وأقول أنجو منكم. فأهرب إليكم..‏

وصنفونا جميعاً في عداد العالم الثالث إذ لم يكونوا قد اخترعوا عالماً رابعاً والعالم واحد لكنه منقسم إلى فقراء وأغنياء أو إلى بشر وذئاب.‏

وإننا لنرى ذئاب القرى التي كانت عالمنا الصغير تنتشر في العالم الكبير وتتكاثر... ولا تغير يذكر في حالة الطقس. ولا فارق بين ذئب من هنا وآخر من هناك.‏

فما تغير هو الأسماء.. نيرون، وهولاكو وغيرهم لبسوا ثياباً جديدة وأطلقوا على أنفسهم أسماء جديدة.‏

كان المتوحشون القدامى يهاجموننا مكشرين عن أنيابهم والهراوات في أيديهم ثم يمزقون لحومنا ويشربون دماءنا، أما المتوحشون الجدد فيأتون بحماية الطائرات والبوارج مبتسمين عن أسنانهم الصناعية ويسحبون دماءنا بالمحقنة ثم يشربونها كما يشربون الشمبانيا أو يبيعونها ويشترون بثمنها مخدرات وشمبانيا... ويسمون هذا مدنيه، ويطلقون على نهبهم اسم الحرية، وعلى قتلنا اسم العدل، ويفعلون هذا وذاك باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان ونظل في الحالين نندب دمنا الذي أهدره "أخوتنا في الإنسانية".‏

ولا تغير يذكر في حالة الطقس.‏

لقد قال لهم أجدادنا: لا... ونقول لهم: لا، ونستنكر، ونتّهم، ونُدين، وينخدع بعضنا أو يلين، ويقول بعضنا إن جذور أمتنا السنديانية ضاربة في أعماق التاريخ والجغرافية، وستبقى فروعها خضراء.‏

ونراهم يقطعون الفروع ويحفرون عميقاً كي يقتلعوا الجذور... فيقول مؤمن: لكنهم لن يستطيعوا.... وأقول: ربما... لكنهم يلحقون بنا أضراراً فادحة... ونتداعى إلى المواجهة... ولولا الخطر ما تداعينا.‏

والمطلوب الآن ليس الاكتفاء بالرفض، والاستنكار والإدانة الكلامية، فطوال عقود لم نفعل سوى ذلك... وصرت أستحي من إعلان تضامني الكلامي مع هذا القطر العربي أو ذاك.‏

المطلوب الآن تنظيم المواجهة وتوحيد صفوف المواجهين قطرياً وعربياً وفي إطار مجموعة عدم الانحياز، وعلى صعيد العالم... فلا غنى عن إقامة جبهة المظلومين المقاومين.‏

وسمعت وأسمع أصواتاً تقول شاكية أو باكية: لقد انهار سندنا الأقوى وحصننا الحصين.‏

وأقول صراحة: لم تبدأ المعركة مع قيام الاتحاد السوفييتي ولن تنتهي بزواله... والتوجه العلمي نحو حل مشكلات بناء المجتمع العادل والمتطور كان قائماً قبل قيام الاتحاد السوفييتي وسيبقى قائماً بعده. والمثل العليا والقيم الأخلاقية كانت قائمة وستبقى مابقي الإنسان إنساناً.‏

إن أكثر مايدهشني من أمر بعض الناس، ومنهم بعض المثقفين هو أنهم يرددون في كل مناسبة: ماذا نفعل وقد اختل توازن القوى لصالح أمريكا والغرب. وكانوا قبل خراب البصرة الأخير يسمون قوة التوازن الكبرى تلك إمبراطورية الشر، وكان بعضهم يزعم أنها عدو الإنسانية الأول.‏

فإذا كانت كذلك فما الذي تغير؟ وإذا لم تكن كذلك فهل التغير في توازن القوى يجعل الخير شراً، والحق باطلاً، والجمال قبحاً... إن تغير توازن القوى يفرض علينا أن نرص صفوفنا أكثر، وأن نحزم أمرنا أكثر، وأن نقيم تحالفاً راسخاً مع كل القوى التي ترى من ويلات النظام "العالمي الجديد" مثل ما نرى أو أكثر مما نرى...‏

وليس قيام الاتحاد السوفييتي هو السبب في قيام الحرب الباردة.. لقد قام الاتحاد السوفييتي في غمار حرب ساخنة بين الذئاب الإمبرياليين. وماداموا ذئاباً وإمبرياليين فإن الحروب الباردة والساخنة ستنشب في ماكان يسمى معسكرهم. إن إلقاء تبعات كل مصائب العالم على عاتق الاتحاد السوفييتي مسألة غير صحيحة وجائرة. ولكونها كذلك فهي ضارة وخطرة جداً... فلم يكن الاتحاد السوفييتي أول من صنع الأسلحة الذرية ولم يكن آخر من دعا إلى تدميرها..‏

أما المسألة المطروحة علينا نحن المثقفين فتبقى كما كانت: مع من أنتم؟ مع الشعوب أم مع أعدائها، مع الفلسطينيين الذين اغتصبت أرضهم وتكسرت عظامهم أم مع الصهاينة الغاصبين مكسري العظام، مع الخير أم مع الشر؟‏

إن المثقف لا يكون جديراً باسمه بالمعلومات وحدها بل بموقفه النبيل من قضايا الحرية الإنسانية ومن التقدم الاجتماعي.. فليس مثقفاً من يقف في صفوف الرجعية والتخلف. إذ لا يمكن أن يكون المرء الشيء ونقيضه في آن واحد.‏

لقد طور الغرب العلم والصناعة على حساب الأخلاق والقيم، وتمسكنا زمناً ما بالقيم، على حساب العلم ثم راح الغرب يغزونا في عقر دارنا بروحه الاستهلاكية ولا أخلاقيته، وليس مستبعداً أن نصبح في زمن غير بعيد من غير علم ومن غير قيم إذا لم نعمل على إحباط مايخطط لنا.‏

إن الإنسانية وحدها، والقيم الأخلاقية وحدها لن تحمينا في معركتنا مع الذئاب، والويل لنا إذا صرنا ذئاباً وفقدنا إنسانيتنا.‏

وتبقى الحرب هي الحرب... تحتاج ماتحتاج إليه من قوة ومن رباط الخيل. ورباط الخيل المعاصر هو التطور العلمي ـ التقني...‏

وأبتسم إشفاقاً إذ أسمع بعض المثقفين يقول بوقار الأكاديميين ومهابتهم: لكن التكنولوجيا الحديثة بأيدي الغرب فماذا نفعل؟‏

فهل نسوا أن الكثير من أموال الغرب هو منا.. وأن ما ينقصنا أولاً هو إرادة المواجهة ومن ثم وسائلها وأدواتها.. فإذا توافرت الإرادة الحازمة توافرت الأدوات والوسائل... ولا ننسين أننا نملك سلاحي النفط والمال...‏

لقد اختار بعضنا التعامل مع مهربي المخدرات وامتلأت أسواقنا بها... وكان في وسعهم أو وسع سواهم التعامل مع المتاجرين بالتكنولوجيا ومع مهربيها إذا لم يكن في وسعهم إقامة المعاهد الضرورية لإنتاجها.‏

ولعل أبشع مافي واقعنا هو أن أموال الأغنياء حتى في أفقر بلداننا تهرب إلى الخارج وتوظف في مصارف الأعداء ثم تتبعها الكوادر المتعلمة وهي تخرج من البلاد بجوازات سفر غير مزورة، ونبقى مفتقرين إلى المال والعلم ونستجديهما من الذين اغتنوا بأموالنا وثمرات عقولنا.. وندفع الثمن مضاعفاً.. ونتخلف على كل صعيد..‏

ولم أسمع في حياتي أن غنياً موّل فقيراً واستعبد له، أو أن عميلاً مول سيده الذي يعمل لحسابه إلا أغنياء العرب وجل حاكميهم.. وإنه لسبق تاريخي يسجل لهم أو عليهم..‏

قالت القدماء: كل شيء يخدم القوي... وأكاد أزعم أن حتى معرفة الحقيقة لا تفيد الضعفاء بل تضرهم.. فماذا أفدنا سوى وجع الرأس من معرفة أمثال هذه الحقائق... وهل يفرحنا أن نعرف أننا صرنا طوائف في الزمن الذي يعملون فيه على توحيد العالم.‏

وربما كانت كبرى أخطائنا أن نحسب منا من ليسوا منا.‏

إن الموقف من الشر مسألة شخصية، لكن مواجهته تتطلب عملاً جماعياً منسقاً وحازماً. وهذا يلزمنا بإقامة مؤسسات مدنية ديموقراطية حديثة على أساس من العلم الحديث، تتفتح عبرها إنسانية الإنسان وتتطور مواهبه، وتوظف فيها ثمار الجهود والمواهب، وتكون وسيلة لحماية المواطن، حيث لا سيادة إلاّ للقانون، وبها نقهر عدونا الداخلي المتجلي في التخلف على كل صعيد، والذي لا يقل خطراً عن كل أعدائنا الخارجيين، فلولاه كان خطر هؤلاء أهون شأناً.‏

إن عدونا يحاصرنا بالبوارج من الخارج وبالجهل والتخلف والعملاء من الداخل دافعاً إيانا إلى حافة اليأس... وإذا دب اليأس في القلوب أُسلمت أحصن القلاع من غير مقاومة... وإننا لمطالبون بالدعوة إلى محاربة اليأس، وإلى ترسيح الإيمان بجدوى المقاومة... ولا ضير في أن نبدأ مما يكاد يساوي الصفر وفي مثل هذه الأجواء غير المؤاتية...‏

فليس من سبيل سوى الكفاح.. ذلك هو قدرنا، وفي ذلك كل جدارتنا فإذا لم يبق أمامنا سوى الموت نكون قد أدينا الرسالة ومتنا في سبيل الخير والعدل والحرية ومجد الإنسان.‏

وليكن في صدر شعاراتنا النضالية شعار الدعوة إلى سحب الأرصدة العربية من المصارف الغربية وتوظيفها في بلادنا، ففي ذلك قوة لنا وإضعاف لعدونا... وليرمنا بحجر ذلك المسؤول العربي الذي لا أرصدة له في المصارف الأجنبية..‏

وإذا لم تسحب الأرصدة العربية من المصارف الغربية فلتستخدم أداة للضغط السياسي خدمة لمصالح الأمة.. وذلك أضعف الأيمان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244