|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:38 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
آخــــر المطاف "إلى يفسييف الذي كشف السر فاختفى" غرائب الأخلاق في بلاد الواق الواق -1- وأخيراً وصلنا إلى البلاد العجيبة.. لم تكن الرحلة متعبة.. بل كنا منتعشين.. كان أجدادنا يسهبون في وصف الأهوال والمشاق التي يتكبدونها قبل الوصول إلى مشارف بلاد الواق الواق وكانت طبيعتها السحرية تفتن ألبابهم فيمعنون في وصف مشاهدها الغريبة ولا يبقى لديهم مايكفي لوصف طباع أهلها ولا أساليب تعاملهم.. وكان ماقرأته عن متاعب السفر إليها يقعدني ويثبط همتي لكنني تذكرت بعض ما قرأت عن لذة الوصول والمعاينة بعد تعب الرحلة وطول الاشتياق فلم أتردد طويلاً حين دعيت إلى القيام بهذه الرحلة. كانت المغريات كثيرة جداً.. فكل وسائط النقل مكيفة بأحدث وسائل التكييف التي توصلت إليها التقنية الحديثة.. ثم إن الفنادق.. لا.. قد لا تصدقون إذا قلت لكم إن أسعارها أكثر من مغرية.. وأعلن أنني أستغرب كيف لا يذهب إليها كل الذين يشكون من أزمة السكن أو يعيشون في المخيمات أو الحارات الشعبية. الأمر الوحيد البسيط الذي أزعجني قبل بداية الرحلة هو أن سمسار الرحلة أو الوسيط الذي اتصل بي قد طلب مني أن أحلق شاربي الذي يرافقني منذ أن نبت لي شارب وأن أصبغ شعري الذي يمتدح بياضه المجاملون الظرفاء من معارفي وقد دهشوا مرة حين سمعوا أنني اشتريت "بزة" من البالة. وقال أحدهم: لا، لاتلبس "طقما" لقد ألفناك هكذا، صرت جزء من تراثنا الشعبي وقد لانعرفك إذا غيرت قيافتك.. سألت الوسيط وقد أخافتني فكرة كوني صرت من التراث الشعبي فالعدو يسرق تراثنا ويزعم أنه تراثه: -كيف سيعرفني أهلي وأصحابي إذا صبغت شعري وحلقت شاربي؟ وقد أربكني الوسيط حين راح يقهقه ساخراً من "تخلفي" بل كاد يهتف: يا للحماقة! لكنه لفلفها وقال باسماً: يا للحمامة! أجل، الفرق بين كلمة حمامة وحماقة هو حرف واحد.. ولكن لماذا أتعب رؤوسكم بمثل هذه الأمور الصغيرة؟ لقد عودتكم أن أكتب لكم ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية وادعو القوى الشريفة إلى توحيد صفوفها وها أنا أشغلكم بالتفكير في الفرق "البسيط" بين كلمتين.. هل يرجع ذلك إلى تأثير الرحلة إلى بلاد الغرائب؟ محتمل.. ولكن، أليست حماقة، فعلاً، أن تكون حمامة في مثل هذا الزمن الذئبي، الأفعواني، الثعلباني الشرس؟! الآن فهمت لماذا غطى ذلك السمسار فمه بعد أن قالها وكأنه قال منكراً ثم غطى كل شيء بابتسامة سمسار محترف. لقد تعودنا إهمال الأمور الصغيرة لدى معالجة الأمور الكبرى السترايتجية.. وأنا أدخل في التفاصيل لغايات أسلوبية لا أكثر.. أنا أحب الحكايات منذ صغري وجمال الحكاية من جمال تفاصيلها فالمعذرة. المهم أنني حلقت شاربي وصبغت شعري وقد عللت نفسي بأن أعتزل الأصدقاء والأهل زمناً فينمو شاربي وتذهب آثار الصباغ. وحين سألتني نفسي: وكيف تعتزلني؟ قلت حانقاً: حتى أنت، أيتها الأمّارة بالسوء؟ أنا أقوم "بتجربة" وليست تنازلاً. لا... وأذكر أن السمسار قد تهلل فرحاً حين رآني وأدرج اسمي في عداد جوقة تساند فرقة غناء استعراضية.. كان لها اسم لا أذكره ولكنه أصبح الآن: القاقات الأربع وقد عدلت اسمها بمناسبة هذه الرحلة إلى البلاد العجيبة لقرابة اسم القاق من اسم الواق.. وسارت أموري دون متاعب. جلس الوسيط قربي في الطائرة ثم مال نحوي وهمس في أذني: -ستنال الفرقة إعجابك.. فرقة محترمة.. وقد تكتب لها أغنية خاصة إذا تكيفت مع الجو.. أجل للفرقة أجواؤها الخاصة.. وأنت تعرف.. لايعرف الوجد إلا من يكابده.. وضحك اللعين ضحكة كالتي أرسلها حين حلقت شاربي وصبغت شعري فاستفزني.. ولكنني صبرت.. فهل أضيع كل هذه المغريات من أجل تفاهة سمسار؟ ..حماقة! ونزلنا من الطائرة. لم أصدق أنني في بلاد العجائب والغرائب... واجهة المطار لاتلفت نظر من ألَف الأسفار.. فهي مبنية على الطريقة الأوروبية وليس ثمة ما تمتاز به.. أما الغرابة ففي مناظر الطبيعة التي تتغير باستمرار.. فبينما كنت أنظر إلى جبل شامخ يكسوه الشجر العجيب وتسيل الجداول نقية على سفوحه رأيته يتحول أمام ناظري ليصبح سهلاً مقفراً تعول فيه رياح حقود تندفع معربدة بين بقايا أشواك يابسة. رأى السمسار دهشتي فاقترب مني وهمس في أذني: -انتبه إلى مفاتيح ضبط أمواج دماغك. قلت له: -لم أفهم قصدك. ثم ظننته يمزح فابتسمت له مجاملاً.. قال وهو يشير إلى الأرض التي تحولت إلى بساتين خضراء فيها كل أصناف الثمار والزهر، تجري بينها الأنهار وتغرد فوقها الأطيار وقال: -لقد التقطت أجهزة تنصتهم الالكترونية ذبذبات الإرسال والاستقبال الكهرومغناطيسية في دماغك وأنت الآن أسير دعايات القوى المتصارعة في البلاد. فأنصار السلطة يجعلونك ترى البلاد جنة والآخرون يجعلونك تراها كما يشاؤون.. وإذا كنت تريد أن ترى الأمور كما تريد أنت فما عليك سوى ضبط ذبذبات دماغك وفق موجات خاصة جداً فتتخلص من تأثير دعاياتهم إلى حين. قلت: -لكنني رأيت الجبال بمائها وأشجارها تتحول أمام عيني إلى قفر مجدب ثم تصير إلى جنة.. أمر عجيب. قال السمسار: -البلاد لم تتغير ولا يمكن أن تتغير بهذه السرعة لكن أجهزتهم الدعائية قادرة على أن تجعلك تراها كما يوعزون لك.. فانتبهّ سألته: -وأنت؟ كيف ترى الأمور؟ قال متباهياً: -أراها كما أشاء أنا.. أراها وفق مصلحتي.. وعليك أن تراها كما تشاء أنت وكما تريد أنت لا كما يشاء الآخرون. قلت مستغرباً: -والحقيقة العامة، الحقيقة المشتركة، الحقيقة المطلقة التي يمكن أن نراها جميعاً كما هي فعلاً لا كما يشاء هذا أو ذاك! قال مكشراً: -ماتتحدث عنه غير موجود.. أنا لم أسمع به قطعاً. -ثم أردف مبتسماً- أو قد يكون بضاعة أجنبية فابحث عنها في بلاد أخرى أو لدى بعض المهربين الدوليين.. ولا تنسَ أنهم غشاشون.. أما الآن فعليك أن تغير ذبذبات دماغك مادمت قادراً على ذلك إذ قد تصير عاجزاً عن ذلك بعد قليل. اشتريت جهازاً خاصاً لتغيير ذبذبات الدماغ وعلمني البائع كيف أستعمله ثم ابتعد عني كي لا يرى معياره فأكبرت فيه ذلك وتبعت السمسار بعد أن غيرت موجة الإرسال والاستقبال في دماغي. ونظرت إلى ماحولي فرأيت بلاداً ككل البلدان التي أعرفها. اقتربت من السمسار وقلت: -إنها بلاد عادية فلماذا تكلفون أنفسكم كل هذا العناء من أجل الدعاية لها وتكلفون الناس عناء السفر إليها؟ قال الرجل: -إنها التجارة.. ثم لا تنسَ أنك كنت ترى العجائب فيها قبل لحظات.. ألا تذكر! قلت خائفاً: -عجائب زائفة.. آلاعيب وشعوذة.. فلماذا تشعوذون وتتاجرون بشعوذاتكم؟ قال ساخراً من حنقي: -الدنيا هكذا.. فاغتنم الفرصة مادامت متاحة. صفق للمشعوذ ولا تصدقه فهو لا يصدق نفسه.. ثم شق طريقك إلى هدفك. التجارة شطارة.. وكل الحياة تجارة.. فما الذي يضايقك. رأيت أنه يتفحصني بنظرات عجيبة فكظمت غيظي وضغطت على زر تغيير الموجة في دماغي كي لا أقع تحت تأثير هذا الرجل وقلت: -حسناً، دعنا من النقاش الآن. فلنكمل رحلتنا. وركضنا كي نلحق بفريقنا. أجرينا بعض الأمور الروتينية واستلمنا حقائبنا. وحين شعرت أن جهازي الالكتروني قد اضطرب سألت السمسار عن السبب فقال: -لقد فتشونا الكترونيا. إنهم يحصون حتى أنفاسك بأجهزتهم وهم يوهمونك أنهم يحترمون حريتك الشخصية وأن خصوصياتك لا تخصهم. سألته وقد أدهشني تصريحه: -هل أنت من المعارضة؟ ألا تسمعهم كيف يزعمون أنهم من أشد أنصار حقوق الإنسان حماسة؟ أم أنك تشكك في صدق معتقداتهم؟ التفت إليَّ برماً وقال: -لست معارضاً ولست مؤيداً.. أنا متاجر.. عقيدتي هي الربح.. لا أكترث بنوع البضاعة.. وأنت.. تتحدث عن العقيدة والاعتقاد.. فما أهمية أن تعتقد أن الشمس ساطعة مادمت تتصرف وكأن العالم غارق في الظلام؟.. قلت لك إن لكل منا حقيقته.. كل منا يرى الحقيقة طبقاً لمعايير عقله.. فلماذا لاتفهم هذه الحقيقة البسيطة؟ قلت: -والآخرون! ألا تتأثر بهم، بهمومهم ومشاعرهم.. وهؤلاء الذين تخدمهم.. ألا تتأثر بدعايتهم، مثلاً، ألا تقيم أية رابطة إنسانية مع أحد منهم؟ هل تكيف ذبذبات دماغك ونبضات قلبك طبقاً لجهاز الكتروني من نوع خاص؟ أم أنت مثل الناس تفرح وتضحك وتبكي وتحمل معتقدات تراها سامية؟ و.. قال وهو يسرع: -يبدو أنك عنيد جداً.. سنقضي في هذه البلاد بضعة أيام.. سنتكلم كلما سنحت لنا الفرصة. ثم لا تنسَ أنني إنسان عملي.. العمل أولاً. وإذا بقي وقت للثرثرة.. فلا بأس.. قلت: -تقول الكتب: "في البدء كانت الكلمة" ألستَ مؤمناً؟ قال وهو يسرع أكثر: -أنا مؤمن.. ولكن ماقلته كلام شاعر مؤمن.. وأنا تاجر مؤمن.. سأشرح لك الأمور بعد العمل.. هيا أسرع.. الزمن لا ينتظر المتمهلين. وستجد أن الحياة ليست شعراً. وركضت وراءه وهتفت لاهثاً: -الحياة قصيدة تشوهونها بمتاجراتكم.. أجاب بسرعة: -بل هي صفقات يتسلى أصحابها بقصائدكم حين يضجرون. -2- وصلنا إلى الفندق. دهشت أول الأمر لمهابته وضخامته ثم بدأت أراه غرفاً وقوالب عادية. خرجت من غرفتي وجلست في البهو. أتى السمسار وجلس قربي وراح ينظر إليَّ بشيء من الشرود. سألته: -لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ تكلم صراحة ولو مرة واحدة! قال وقد أجفل: -لا أتكلم معك إلا صراحة. فاسأل وأنا أجيب. تجاهلت كونه تجاهل سؤالي وقلت: -منذ بداية الرحلة وأنا أحاول أن أجد مبرراً لإلحاحك على أن أشارك فيها، أعرف أنك لا تبحث إلاّ عما يفيدك.. فما هو النفع الذي تتوخاه من وجودي، وكل منا نقيض الآخر في التفكير والممارسة؟ فكر قليلاً ثم قال: -وجودك معي يسليني. كنت مثلك تماماً. من لايحب، أحياناً، أن يرى كيف كان؟ هو نوع من التسلية الساذجة، طبعاً، لكنها تسلية مريحة على كل حال. ثم هل نسيت أنك كاتب ولك سمعة لابأس بها؟ لقد أوعزت لموظفي الإعلان في شركتنا أن يذكروا اسمك في عداد المشاركين في الرحلة.. أنت نقيضي.. أعرف ذلك جيداً.. وقراؤك من الفقراء أساساً.. ومع ذلك أستفيد منك. فالذكي يستفيد حتى من نقيضه ولو على المدى البعيد. قلت مقلداً أسلوبه في النطق وبرودة أعصابه: -وتتيح لي بذلك معرفتكم عن قرب وكشف أساليبكم من الداخل.. فأنا كاتب كما تعلم..! قال ببرود فظيع: -قلت لك إنني سأستفيد، تحديداً، من كونك كاتباً، ستكون كل كتاباتك السلبية والإيجابية دعاية لنا، اكتب ضدنا.. وسنساعد على ترويج ماتكتبه.. ثم نكتفي بتعميم بلاغ موجز جداً نعترف فيه "صراحة" أننا قصرنا، نتيجة لخطأ بسيط، في التعويض المجزي مادياً عليك وأننا سندفع المبلغ موضوع الخلاف فوراً.. ثم نحاصرك إعلامياً بمديحنا... وليس ثمة مايمنعنا من أن نعلن عن معاقبتنا للموظف الصغير الذي أساء إلى سمعة شركتنا المحترمة ونسوي كل شيء ببساطة كما ترى... أليس الأمر في منتهى البساطة؟.. لماذا تنظر إليَّ هكذا.. دعِ الغضب جانباً.. كن رياضياً. ثم هل نسيت أن برنامج الرحلة ينص على اللقاء غداً مع بعض ممثلي الثقافة في البلاد؟ استعد لذلك.. وأما بعد قليل فسوف تحضر معنا حفل الافتتاح الكبير لعروض الفرقة. نحن متفقون على ذلك.. وهو ضمن البرنامج. ضحكت منفعلاً غيظاً وضغطت على زر تغيير الموجات. خرجت من بهو الفندق كالشارد.. قبل أن ينعم وجهي بملامسة الهواء النقي المنعش بهرت عيني أنوار آلات التصوير. ثمة بضعة رجال أمام الفندق على جانبي المدخل يتراكضون ويتبادلون الأماكن. يقرفص هذا ويضغط على زر الآلة فيبرق الضوء ويميل ذاك بجذعه ويضغط على زر آلته ويبرق الضوء.. ماكان ليخطر في ذهني أن هؤلاء الرجال يصورونني فرحت أتلفت دهشاً لأرى إن كانت إحدى الشخصيات الهامة خلفي أو على أحد جانبي. ولم أجد أحداً. وزادت دهشتي حين اقتربت مني بضع فتيات وطلبن راجيات أن أوقع لهن في دفاتر أنيقة ملونة مزدانة بصور شتى. وطقطقت آلات التصوير وبرقت الأضواء. أدركت أنني وقعت في أحبولة نُصبت لي بدهاء ومكر. وتذكرت قانونهم: لاشيء من غير ثمن! وسألت نفسي: وما الثمن الذي يرجونه من كاتب لا يملك سوى اسمه.. ثم.. ماشأنهم مع الكتاب الجادين من أمثالي.. وبعد أن أمعنت التفكير تبين لي أنني كنت ساذجاً فعلاً.. فهم قادرون على الاستفادة القصوى حتى من أمثالي إذا كانوا مغفلين مثلي... ألا يصنعون من المبتذلين نجوماً "على طريقتهم" ويتاجرون بهم.. وتلمست رأسي.. أجل.. لقد وقعت الفأس على الرأس. عدت مسرعاً إلى بهو الفندق وكأنني هارب من غول. وجدت السمسار ينتظرني بابتسامته الاستفزازية الثعلبية. قال وهو يفسح لي مكاناً إلى جانبه: -تفضل.. إجلس..ستخرج صورك غداً في أكثر من عشر جرائد إلى جانب الإعلانات عن برامج فرقتنا، ستحظى بشهرة تحسد عليها. لقد اتصل بنا مراسلو مجلات عديدة طالبين مقابلات معك. وعلمنا أن الإذاعة والتلفزيون سيغطيان زيارتك تغطية جيدة. وستسلط عليك أضواء التلفزيون لدى تغطية حفل الافتتاح تلفزيونياً.. ولا أرى مانعاً من أن تبتسم أمام الكاميرا... ستحصل لقاء ذلك على مبالغ محترمة. قلت غاضباً: -أرفض كل أساليبكم وأحتقرها وأدينها.. أما حفل الافتتاح فسأحضره وقد وضعت قناعاً على وجهي.. الشرط في عقد الرحلة هو أن أحضر الحفل.. لم تحددوا كيف سأحضره.. لن أسمح لكم بالتمادي أكثر في استغلال حضوري. و.. قاطعني باسماً: -لا تغضب ياصاحبي! لا نريد لك سوى الخير.. سنستفيد من وجودك بيننا وسوف تستفيد أنت أيضاً. سيحسدك الكثيرون على الشهرة التي ستحظى بها. صدقني. وكن عملياً... ثم إن فكرة القناع جيدة. لكنها ستكون دعاية من النوع الذي تكرهه أكثر من سواه. وأدركت أنني لن أفلت من أحابيلهم مادمت مشتركاً في هذه الرحلة المشؤومة.. لمت نفسي وندمت.. لكن مانفع اللوم والندم؟ قبل موعد الافتتاح بنصف ساعة احتشد الناس أمام واجهة الصالة المزدانة بالصور الصارخة والأنوار المتراقصة الملونة. سألت نفسي: ألا يتبعون سياسة ترشيد استهلاك الطاقة؟ ثم فطنت إلى أنني في بلاد غير بلادنا. سرتْ بين الناس همهمة خفية فتدافعوا. كان عرضاً عجيباً للأزياء.. ودخلنا الصالة.. خيل إليَّ أن زينة الصالة هي الغاية لا الاستعراض الغنائي -الرقصي. ثم انزاح الستار المترف وتراقصت أضواء عشرات البروجكتورات على الخشبة المزدانة زينة مابعدها زينة، تصاعدت من كل الجهات أبخرة ملونة، حجب مايشبه الضباب الشفيف كلّ شيء وراحت الأضواء تشتد وتخفت.. ووسط صراخ الناس وصفيرهم وتصفيقهم أعلن عريف الحفل: "افتتاح الحدث الفني التاريخي الضخم وبداية موسم المواسم في فندق الفنادق في بلاد الواق الواق" واشتد الصراخ.. ثم سلطت الأضواء على جانب من الخشبة فقرعت الطبول ورنت الصنوج والدفوف فأحسست وكأن ثغرة قد انفغرت في يافوخي وانطلقت منها نافورة عجيبة.. وتمايلت على الخشبة سيقان واهتزت أرداف وبطون فزاد هياج الناس في الصالة.. وصار الصخب لا يطاق.. تعالى مايشبه عواء ذئب ممطوط تلاه صفير وجئير فزحير... وبدأت الدنيا بي تدور.. لكن الأمر لم يطل فأسدل الستار.. وتوالى الصفير والصراخ في الصالة إلى أن أعلن عريف الحفل بمهابة: -إليكم الآن، سيداتي سادتي، قنبلة العرض، قمة القمم، أعجوبة الفضاء والأرض.. وتقدمت بين الأضواء والأبخرة الملونة أربع فتيات عاريات تماماً. عوت الصنوج وأرعدت الدفوف والطبول فتمايلن وتواثبن. وبعد أن تعبن وأتعبن الأكف والحناجر وجهن التحية منحنيات وأقفيتهن العارية إلى الصالة فالتهبتْ "حماسة" واندفاعاً.. وعلا التصفيق والصراخ في جنون مابعده جنون. وكانت آلات التصوير وكاميرات التلفزيون تسجل اللقطات التذكارية وتوثق للحدث الفريد. أحسست وكأن سيخاً محمياً ينغرز في صدري ويصل إلى غشاء القلب. مرت في خيالي صور الأطفال الذين نفخ الجوع بطونهم وخيل إليّ أنني أسير حافياً في وحول أحياء المدن الفقيرة فدبت القشعريرة في جسدي. ثم شعرت أن دمي بدأ يغلي ويندفع مثل تيار من الحمم إلى رأسي وصدمتني الفكرة الرهيبة: سوف يستغلون حتى اسمي في الدعاية لمثل هذه القاذورات وهذا الجنون.. صرخت حانقاً: لا.. كان كل الذين حولي يصرخون معبرين عن إعجابهم.. وماكنت أفهم شيئاً من صراخهم.. ورأيت أعين آلات التصوير تتجه نحوي فأجفلت وقبعت مذعوراً في مقعدي. ماذا لو خرجت صوري في الصحافة غداً وأنا فاغر الفم وسط هؤلاء الصائحين؟ سيزعمون أنني كنت أهتف استحساناً كما يهتف سواي. كيف أثبت للناس أنني كنت أصرخ مستنكراً؟ تمنيت أن أكون في حلم رهيب، أن يكون ماأراه كابوساً فظيعاً وليس واقعاً.. لكن الصراخ الذي كان يرعد من حولي كان أقوى من أن يترك مجالاً لأي توهم أو أمل. رأيت أن الناس بدأوا يخرجون فسرت بينهم. أحسست أن يداً تمسك ذراعي فظننت أنها يد السمسار.. قال الرجل الغريب إنه مراسل إحدى الصحف، وكشر عن ابتسامة دبقة. سألني بتهذيب مصطنع رأيي فيما شاهدت فقلت برماً: فظيع... قال مبتسماً: أجل، بديع.. سأنقل صورة عن إعجابك للقراء.. نترت يدي من يده وصفعته.. لوى وجهه وانصرف. سألني السمسار في بهو الفندق: -مارأيك؟ فرقة رائعة، أليس كذلك؟ قلت باشمئزاز: -متى كنت تأبه وأمثالك برأيي أو رأي أمثالي؟ إنها دعارة مكشوفة ومبتذلة.. ولكنكم محظوظون... الزمن زمانكم. كشر ، وقال: -الفرقة عظيمة وأنت المحظوظ إذ أتيحت لك فرصة مشاهدة عروضها. أما الحظ فقد يكون في أن القدر قد شاء أن تبدأ أسماء أركانها بحرف الفاء.. ألا يطربك الإيقاع الجميل الذي تؤلفه مطالع الأسماء: فا، فو، في، فم؟ وقبل أن أجد متسعاً للرد عليه رأيت حسناء تدنو مني. لن أصفها لكم كي لا تظنوا أنني أتلاعب بأزرار ضبط موجات عقولكم. لا أعرف من أين أتت ولا كيف أتت.. لقد ربتت على كتفي وهي تقول: -قم بنا فالليل حلو مقمر.. سألتها دهشاً: - هل تحفظين أغاني بلادي؟ ابتسمت الحسناء فتلمست أزرار ضبط موجات دماغي. هل كانت، فعلاً، على مايرام أم أن تأثير الحسناء جعلني أظن أنها كذلك؟ لا أدري.. المهم أنها مشت ومشيت. -3- حين خرجنا من الفندق داعب وجهينا هواء ناعس منعش.. وكان الليل جميلاً فعلاً لكنه لم يكن مقمراً ولم تقابل قمر السماء بوجهها كي تريني "القمرين في وقت معاً" كما حدث لشاعرنا وصاحبته. صوتها العذب المفعم نداوة يلامس المشاعر برفق قطرات ندى لطيفة تلامس أهداب وردة يانعة فتزيدها نضارة.. وتشعب الحديث، وكانت تديره بذكاء وبراعة. تحدثت في الشعر وتلت منه باقات ودندنت ألحاناً ساحرة لموسيقيين كبار وألمحتْ إلى أحداث سياسية حساسة وعقبت عليها تعقيبات مطلع ضليع فكنت أستمعُ إليها دهشاً وأنظر إلى قامتها المتأودة دنيا من الحسن والأناقة وأهمس: "إنها جماعة من الحسان في واحدة!" فما أعجب ماتسخو به الطبيعة! هممت بتلمس مفاتيح جهاز ضبط الموجات إذ خطرت لي فكرة قبيحة، ثم أحجمت.. لا، لا يجوز أن تكون إلا كما أراها. قالت ونحن في المصعد إلى مطعم مشرف على بساتين غناء محاط بالأبنية الجميلة: -سنشرب كأساً من البيرة ونستمتع بالموسيقا وروعة الليل الندي. قلت مداعباً: -سيشغلني عن ذلك ماهو أعذب وأبهى.. قالت: -ماأعذب مجاملتك وماأرق قلوب الشعراء. هل تصدق أنني أكاد أنسى أنني امرأة لكثرة انشغالي في الأمور "العملية". المجاملات التي أسمعها أحياناً تخلو من رهافة الشعور ومن الحيوية وأعتبرها من "كمسيون" الصفقة التجارية أو مقدمة لموضوع العمل. وتنهدت بأسى. قلت لها: -وراء هذا التنهد تعب فوق طاقة حسنائي. قالت مجفلة: -لو لم أكن أعرف الكثير عنك لما سمحت لنفسي بالانطلاق على سجيتها أمامك. نحن لا نتصرف مثلكم لكننا نشعر معكم بالراحة والأمان. سألتها وقد توقف المصعد: -ماذا تعرفين عني؟ ومن أين. أشارت إليَّ أن أتبعها ودخلنا المطعم. اختارت لجلوسنا زاوية تشرف على الجبل وتنبسط أمامها السهول على مد النظر. أدارت ظهرها للمشهد الطبيعي الجميل وراحت تبحث بنظرها عن شيء داخل المطعم. التفتُ إلى حيث تنظر فلم أر سوى أناس يدخلون وآخرين يخرجون. نظرت إليها ملياً وقلت قلقاً: -أظن أنكِ أحضرتني إلى هذا المكان لأكون ستاراً تنفذين من ورائه مهمة ما لا علاقة لها بالشعر والرفقة الطيبة. كم كنت ساذجاً حين وقعت في الفخ.. ثم نظرت إلى عينيها الجميلتين القلقتين وأردفتُ: -من يرى هاتين العينين ولا يقع؟ الغريب أن يصبح هذا الجمال خيطاً في أحبولة أو جسراً إلى مستنقع صفقات غير نظيفة. فظيع أن يلوثوا كل شيء. أحسست أن مرارة تقطرت من أطراف ابتسامتها الوجلى فسكت. قالت دون ارتباك: -مهمتي هنا قصيرة جداً ثم نفرغ إلى شأننا.. سامحني لأنني أستغل وجودك معي.. لكن.. قد تسمع مايفيدك هنا.. الكاتب يستفيد من كل مافي الحياة ويحوله إلى مادة فنية حية.. وهنا قاع المجتمع حيث توجد مادة الحياة. قلت: -ظننت أنني أخالط النخبة، أو ذروة المجتمع. قالت وهي تخرج من حقيبتها جهازاً كالقداحة وتضعه على المنضدة: -ظن كما تشاء.. أعرف أنك تعبر عن ظنونك بسخرية. ثم حركت الجهاز الصغير وأردفت: -إصغ معي أرجوك.. ثمة حديث ينبغي أن أسمعه جيداً فلا تفوتني كلمة منه. أصغيت إلى الجهاز وأنا في أغرب حالات الدهشة، فكيف يمكن أن تسمع حديثاً محدداً وسط كل هذا الصخب.. لكنني سمعت الحوار التالي: -هل أجريتم الحساب السنوي؟ -نعم. -والنتائج؟ -لقد وضعوني في الزاوية الحرجة. في مجلس الإدارة الجديد رجل قروي يفاخر بأنه مستقيم جداً ورأسه يابس جداً. هو لا يفهم شيئاً في شؤون الموازنات والمحاسبة.. لكنه يريد أن يفهم كل شيء ولا يسكت عن شيء مالم يقتنع.. ومن يستطيع إقناعه؟ -لا ترفع صوتك. ألا تستطيع تدبيره؟ -هو عنيد وعنيف. وقد عرضت عليه التعاون تلميحاً فكشر وكاد يوقعني في مأزق.. -أعرف عنه أنه لطيف المعشر ودمث الأخلاق. -هو في سلوكه الخاص كما تقول. أما في تمسكه بالأخلاق والقيم فهو غريب.. ظننت أن هذا النوع من البشر قد انقرض. -هل يخيفك ساذج من هذا النوع؟ أين دهاؤك وحنكتك؟ -تظهر مهارتك أمام من يعرفون أصول اللعبة.. مع أبناء الكار، أما حين تواجه هؤلاء البسطاء الذين لا يعرفون شيئاً ويسألونك عن كل شيء فالأمر يختلف، كانت أسئلته تأتيني دائماً من حيث لا أتوقع.. وهذا ماجعل العرق يتصبب من جبيني مراراً. وشعرت أنني مكشوف وعاجز تماماً. لقد قدمت إلى مجلس الإدارة أرقاماً محكمة، وأثبت لهم أن المطعم خاسر. اقتنع أكثرهم وأبدوا أسفهم على الخسارة.. لكنه أبعد الجدول وسأل: هل تقدمون الشاي والقهوة بخسارة؟ ماثمن كيلو السكر؟ كم كأساً من الشاي أو القهوة يقدم من كل كيلو سكر؟ اشتريتم في الشهر الماضي مائة كيلو سكر فهل خسرتم بها؟ قلت: لا، لم نخسر. سألني ببساطة!. والخضار، هل تخسرون بها؟ قلت: لا.. قال: والمشروبات الروحية واللحوم؟ قلت: نربح بها كثيراً.. قال: تبيعون كل شيء بمفرده بربح ثم تكون نتيجة جمع المبيعات الرابحة خسارة؟ كيف يمكن أن نقبل ذلك؟ .. وراح أعضاء مجلس الإدارة الآخرون يسألون.. فارتبكت وأسقط في يدي. سأله الآخر: -هل هو مدعوم من قبل أحد ما؟ -لا، لا أظن، وهو لا يقبل أن يدعم سوى المخلصين في عملهم. يخاطب العاملين ببساطة ومودة ويعلن أمامهم: صديقي هو من يعمل بإخلاص وصدق وأمانة. لا شفاعة لكسول أو غشاش، ولن أرحم كاذباً أو محتالاً. كونوا صادقين ولن يسيء إليكم أحد. -وأنت؟ كيف ستتصرف؟ -سأحاول تهديده بأسلوب مبطن. -لكنك قلت إنه عنيد وصريح! -وهل تريدني أن أستسلم بمثل هذه السهولة؟ -أعرفك جيداً. لا يجوز أن تستسلم. كلنا معك وسنخسر إذا انهزمت. ومع ذلك كن حذراً في تعاملك مع مثل هذا النوع من البشر. -سأدفع منصبي وسمعتي وأرباحي إذا أصر على عناده. -سمعتك؟ نحن نعرف سمعتك واهتمامك بها.. أما منصبك فلا تخف عليه.. سنقدم لك غيره. نحن لا نتخلى عن رجالنا بمثل هذه السهولة.. ثم من قال إنك ستفشل.. قد يكون هذا سحابة صيفٍ عابرة. -سأبذل مافي وسعي. -يجب أن نفترق الآن. إلى اللقاء. نهض أحدهما وانصرف. وضعت الحسناء الجهاز في حقيبتها وقالت بارتياح: -عمل ممل يحرق الأعصاب، بل يثير القرف.. بل هو نوع من الورطة. قلت ممازحاً: -تتكلمين جادة أم تمثلين دوراً يناسب سذاجتي؟ قالت: -أريد أن أعود، ولو بضع ثوان، إلى عفويتي إلى براءتي الأولى، وقد أحببت فيك العفوية والصراحة فلماذا تتخابث الآن؟ قلت: -إذن، هي لحظات عابرة من البراءة؟ ثم إنني لا أريد أن أُلدغ من هذا الجحر تحديداً. أحاول ألا أصدّق أن الدنس قد يصل إلى هذا الجانب الإنساني الحساس جداً. -الأمور أعقد مما تتصور. حاول أن تهرب من عالمهم بأقصى ماتستطيع من السرعة. إهرب قبل أن تلتف حبائلهم حولك. ولا تكن قاسياً على الآخرين. -إلى أين سأهرب -هم في كل مكان. سأواجههم.. -ليتك تنجح.. لكن هيهات. اقترب منها نادل وهمس في أُذنها فاضطربت ونهضت.. قالت في حياء: -يبدو أنهم بحاجة إليَّ في مكان آخر. كنت أرغب في أن نشرب كاساً من البيرة معاً، أرجو أن تذكرني إذا وجدت لحظات للتذكر.. وانصرفتْ مسرعة.. وبقيت وحدي. -4- جلس إلى منضدة غير بعيدة عن التي أجلس إليها جماعة أكثرهم في سن الشباب ومعهم رجل دخل سن الشيخوخة وكانوا يتبارون في امتداحه والتودد إليه. عرفت من حديثهم أنه شاعر معروف في بلادهم فأعجبت بسلوك هؤلاء الرجال لكنني سألت نفسي: هل يحترمونه كل هذا الاحترام ويرعونه كل هذه الرعاية لكونه أكبرهم سناً أم تقديراً لموهبته الشعرية؟ طلبوا شراباً ومقبلات ثم سأله أحدهم راجياً: -هل ستسمعنا بعضاً من شعرك ياشاعرنا الكبير؟ تنحنح الرجل وابتسم.. قال آخر: -شعرك رائع يا أستاذ وإلقاؤك مدهش فلا تبخل علينا. قال الرجل: -مزاجي عكر بعض الشيء قال آخر: -خذ كأساً وسيروق مزاجك.. ما أجمل الليل والشعر والخمر. قال أحدهم متملقاً: -ليل ساحر، وشعر رائع، وخمر! الله! اعتدل الشاعر في جلسته ورشف رشفة من الكأس وراح يتلو متمهلاً. لم يكن شعره يستحق المديح الذي أغدقوه عليه أو هكذا خيل إليَّ فتوهمت أن الجماعة تحترمه هذا الاحترام لمناقب أخرى فيه، أو لمآثر اجتماعية قد اجترحها.. بعد الكأس الثانية انحلت عقدة لسان الرجل تماماً فراح ينشد مترنماً ويهتز طرباً وراحت تقل حماسه من حوله لما يسمعون. كان يورد "مقدمة" لكل قطعة من "روائعه" -وكانت كلها "رائعة" في اعتقاده فيقول مثلاً: أما ما سأسمعكم إياه الآن فهو مما لم يصل إلى مستواه شعر شاعر في العالم.. أو يقول: هذه القطعة الفريدة المبتكرة قد ولدت عبر مخاض عسير لكنها ولدت لتكون درة فريدة فنسيت عذابي في أثناء ولادتها ..والخ. حين تعتعه السكر واضطرب إلقاؤه اغتنم أحد الندماء الفرصة فأخرج من جيبه أوراقاً واستأذن في أن يسمعهم آخر ماكتب.. امتعض الرجل والآخرون لكنهم سألوه أن يقرأ.. وقرأ فأثنوا على ماسمعوا.. ولم أفهم شيئاً مما قرأ ولم أجد مايستحق الثناء. سأل النديم على استحياء: -مادامت هذه القطعة قد نالت إعجابكم جميعاً فهل ترى أنها تستحق النشر في المجلة التي ترأس تحريرها يا أستاذ؟ انتفض "الأستاذ" وقال مراوغاً: -هي فعلاً جيدة.. وفيها مايستحق الكثير من الثناء لكنها، مع ذلك، تحتاج إلى شيء من التنقيح والصقل وتلافي بعض الهفوات من نحوية وغيرها كي تصير صالحة للنشر. غمغم النديم: -حالي معكم هكذا دائماً. -ماذا تعني؟ -أعني أن معاييركم غير دقيقة.. بل أزعم أن جيلكم يخشى أن يطمسه جيلنا فتسعون بكل الوسائل لحجبنا عن القراء. -وهل تظن أنك صرت شمس الشعر كي نخافك ونعمل على حجبك؟ أنت، والله، في نهار الشعر أهون من يراعة ليل.. فمتى تدع الغرور وتعرف قدر نفسك. قال النديم: -أظن أن غروري أهون من غرور سواي.. فليتهم أكثر تواضعاً! تهانف الحاضرون وتغامزوا فنهض صاحبهم وانصرف حانقاً. قال أحدهم للرجل: -ألا يتوهم أنه شاعر كبير؟ كل الشعراء هذه الأيام يولدون كباراً وعظماء.. مسكين صاحبنا وأمثاله.. متى يفهمون أنهم متطفلون على الكتابة وهم غير أهل لها؟ قال الرجل: -أنت، مثلاً، أكثر موهبة منه ألف مرة. ثم أشار إلى ندمائه: -كلكم موهوبون أكثر منه. قال أمكرهم: -كلنا نتفيأ ظلال موهبتك يا أستاذ! نحن من مريديك والمتحمسين لأسلوبك الفذ. لقد كتبتُ تعليقاً على كتابك الأخير وأنا أعلم أنه لا يرقى إلى مستوى عبقريتك فهل تتكرم بنشره في مجلتك؟ -أنت ناقد جيد.. وقد لحظت دون شك ناحية كذا في قصيدتي كذا.. وقد حلقت طبعاً في أجواء القصيدة..! -سأضيف ماذكرت إلى المقال حتماً.. -هات المقال غداً وسينشر في العدد القادم من المجلة. التفت أحدهم إلى جليسه الأقرب وقال هامساً: -فلان أبرعنا في تصيد الفرص السانحة.. غداً يكتب شاعرنا ثلاثة أرباع المقال ويزعم أن فلاناً هو الذي كتبه! التفت الشاعر إليهما وسأل: -فيم تتهامسان؟ قال الأول: -اسأله عن بيته.. قصة بيته قصة طريفة. هل سمعتها يا أستاذ.. صاحبنا مكتتب على بيت في إحدى الجمعيات التعاونية السكنية منذ ثلاثة عشر عاماً. وفي كل سنة ترتفع الأسعار وتسوء مواصفات المساكن وهم يماطلون في تسليم المساكن إلى أصحابها.. ثمة طرائف.. بل هي أمور محزنة فعلاً.. قال الشاعر: -ماهي قصتك يارجل؟ وعن أية تعاونيات تتحدثان؟ لقد بدلت في بضع سنوات أربعة بيوت.. لم أشعر أبداً بما تتحدثون عنه. قال أحدهم على استحياء: -يبدو أنك مدعوم يا أستاذ! المعذرة لاستعمال هذه الكلمة! قال الشاعر: -ولِمَ الاعتذار؟ طبعاً، أنا مدعوم، يدعمني كل تاريخي الأدبي وكل عطاءاتي الشعرية. تغامز الندماء وقال أحدهم: -هذا صحيح يا أستاذ! لكن.. المعذرة.. الذين بأيديهم هذه الأمور لا تعنيهم كثيراً المناقب التي ذكرتها.. فهل تظن أنهم يقرؤون شعرك؟ عفواً يا أستاذ! قد يكون شعرك على كل لسان وفي كل قلب.. أما على شفاه هؤلاء وفي قلوبهم فلا.. ثم إن الكثيرين من الشعراء والكتاب الذين لا يقلون عنك موهبة وعطاء لا يزالون دون مأوى لائق حتى بإنسان عادي. احمرت عينا الشاعر فخاف أحدهم مغبة تطور الكلام في هذا المنحى فقال مقاطعاً رفيقه: -أجّلْ شطحاتك الوعظية إلى وقت آخر ودعنا نعرف إلى أين وصلت حكاية بيت الرجل. قال صاحب البيت: -الحكاية طويلة، وقد رويت لكم الكثير من فصولها المأساوية قبل الآن. لقد ذهبت منذ سنة تقريباً إلى إدارة المشروع التعاوني وقدمت الوثائق اللازمة وأنهيت على الورق كل مايتعلق باستلام البيت.. ثم بدأت عملية الاستلام الفعلي. كنت قد زرت البيت قبل أسبوعين من ذلك التاريخ وكان خالياً مثل "قلب أم موسى" لكن المهندس المسؤول عن التسليم أخبرني أن البيت مستودع لأدوات الجهة المنفذة منذ سنتين.. صرخت في وجهه ورد في برود: "هيا إلى البيت كي ترى" وذهبنا.. وجدت البيت قد صار مستودعاً فعلاً.. قلت: هذا غريب، قال: هو مستودع منذ أكثر من سنتين.. وأسأل هذا العامل.. قال العامل قبل أن أسأله: أي والله، إنه مستودع منذ أكثر من سنتين.. قلت للمهندس: لكنني كنت هنا قبل أسبوعين وكان فارغاً. قال المهندس: يبدو أنك أتيت إلى بيت آخر غير هذا.. صرخت في وجهه: تأدب أيها الشاب، أنت تتهمني في عقلي! ثم سمع صراخي أحد الساكنين في البناء فأتى مسرعاً. رحب بي ونصحني ألاّ أستلم البيت إلا بحضوره كي لايخدعوني كما خدعوه.. لقد أثبتوا الصنابير في بيته دون أن تكون ثمة أنابيب.. وقال وقال: قلت له: -وكيف أستلمه؟ ألا ترى أنه مستودع؟ قال الجار: -عجيب.. المستودع كان قبل يومين في المنزل المقابل لهذا. وانكشفت اللعبة.. فالمهندس نبيل، تصوروا أن أهله قد أسموه نبيلاً، ينقل المستودع إلى كل بيت يريد صاحبه استلامه كي يفرض عليه رشوة. وقد قلت له أمام الجميع: أنا أعتبر الرشوة ثمناً للمرتشي، والإنسان عندي فوق كل ثمن.. أما من يرضى ببيع نفسه فلا أشتريه بقرش واحد.. أي إنني في الحالين لا أدفع رشوة.. ضحك أحد الجيران وقال: -أنت إذن لن تستلمْ بيتك ولن تصير جارنا. خسارة. يبدو أنك مستقيم وستكون جاراً صالحاً. ولكن.. الدنيا هنا هكذا.. ومنذ ذلك الحين وأنا أراجع وأحتج وأتلقى الوعود المعسولة من الذين فوق المهندس ومن الذين تحته لكنني لم استلم بيتي. كل أسبوع يقولون لي تعال بعد أسبوع.. نسيت أن أُخبركم أن العامل الذي شهد أن البيت مستودع منذ عامين كان قد بدأ يعمل في المشروع منذ أقل من شهر. وضحك الحاضرون وأطرق صاحب البيت العتيد.. ونهضت وتوجهت إلى الفندق. -5- في طريق عودتي من المطعم إلى الفندق رحت أفكر بما رأيت وماسمعت.. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وقفز إلى ذهني السؤال: إلى أين؟ شعرت أن البشرية على منحدر خطير زلق وآلاف الشياطين تدفع الناس المساكين دفعاً إلى الهاوية. إنها هاوية قاتمة تمور فيها وحول لزجة هي مزيج من صديد ودم وقطران دبق. أجفلت وسألت نفسي: من سينقذ البشر من هذه اللعنة وكيف؟ لقد زعموا أن المسيح أتى لخلاص البشرية.. وقد صلب المسيح ولكن الخلاص لم يأتِ.. وخطر لي قول المتنبي" ولما صار ودُ الناس خباً جزيت على ابتسام بابتسام. قلت وكأنني أخاطب المتنبي: لا يا صديقي! لن أبتسم للماكرين المضمرين الغدر والضغينة. وسمعت صوت بشار بن برد يصيح بي: "عش وحيداً إذاً"، قلت: لا يابشار هؤلاء ليسوا إخوتي... صاح بي صوت غريب! -لكنهم يفسدون أخوتك. ألا تراهم يمرغونهم في أوحال عالمهم القذر؟ هاهو أخوك الإنسان يسرقك دون حياء.. وإذا كنت من معارفه فإنه يرائيك كي تطمئن إليه كي يسرقك أكثر.. فليكن حذرك من الناس على قدر توددهم إليك/ صحت مجفلاً: لا! قال الصوت: -ستلدغ من الجحر الواحد أكثر من مرة.. ولن ترعوي! أنت مسكين ياصديقي!.. مسكين..! شعرت كأن كلّ ماحولي يردد: مسكين! مسكين!. تلمست جهاز ضبط مفاتيح الاستقبال في دماغي فسكنت الأصداء وتلاشت. حل في ذهني فراغ ثقيل.. قلت لنفسي: لم أشرب شيئاً من المسكرات فماذا دهاني؟ عند باب الفندق رأيت الحسناء التي صحبتني إلى المطعم تتأبط ذراع رجل يشبه المسخ.. سمعت بعض الكلمات البذيئة التي يتبادلانها فلعنت الدنيا.. كانا يترنحان سكراً ويتكلمان بصوت مخمور مرتفع. حين دنوت منهما وهممت بتجاوزهما رمقتني الحسناء بعينين متعبتين وراحت تتعتع: -أ.. أ.. أنت تعود وحيداً.. أيها الشاعر.. في العالم كثير من الشر.. أنا.. لست شريرة.. صدقني.. أنا.. مثقفة مثلك.. أعرف الكثير من الأمور الجيدة.. لكنني مرغمة.. إنه عملي.. لكنني أعرف.. آخ.. كيف أجعلك تفهمني..؟ قهقه المسخ ساخراً وقال: -الليلة خمر.. ياغاليتي.. الليلة خمر.. وغداً.. لا.. لا.. لا أمر.. الليلة أنت ملكي.. لقد دفعتُ الأجر.. و.. وتهاويا متعانقين على مقعد وثير في بهو الفندق. رأيت السمسار جالساً على مقعد آخر فحييته.. رد التحية ودعاني إلى الجلوس قربه فجلست. قال وهو ينظر إليّ: -أرجو أن تكون أمضيت سهرة ممتعة. قلت: -لا بأس قال معاتباً: -دائماً هكذا.. أظن أن الله سيطردك من الجنة حتى لو كنت تستحقها.. مادهاك يارجل.. أنت هنا في مايشيه الجنة.. تمتع يا أخي.. أرحني من تأففك قليلاً.. إنس ولو لحظة مثلك العليا وقيمك الأخلاقية. كلنا نعرف قيمة الفضيلة والمبادئ الحسنة ونحفظ عن ظهر قلب الوصايا السماوية كلها. ومع ذلك لا نحمل الدنيا على ظهرنا كما تحملها. قلت مغمغماً قرفاً: -ما الفائدة من أن تعرف أن الشمس ساطعة مادمت تتصرف وكأن العالم غارق في الظلام؟ سأل ضجراً: -ماذا تقول؟ قلت: -تصبح على خير.. متى يبدأ برنامج الغد؟ قال السمسار: -سنجتمع هنا في العاشرة قبل الظهر ثم ننطلق للتجوال في المدينة حتى الغداء.. وبعد الظهر نلتقي مع الصحفيين. تركته وذهبت إلى غرفتي. كنت منهكاً فأطفأت المصباح ونمت. رأيت في المنام أنني في بلاد غريبة.. كنت محاطاً بمئات الثعالب والأفاعي والقطط البرية الشرسة. وكنت أقف على صخرة صلدة. حين حاولت الهرب تحولت الصخرة إلى طين لزج تحت قدمي. رفعت رأسي إلى شجرة فوقي.. رأيت حمائم تهدل بوداعة وتزق فراخها الحب بحنان.. قلت أمسك بغصن من أغصان الشجرة وأثبُ فأنجو من الهلاك. أمسكت بالغصن فانقلبت حمامة إلى حية سامة زحفت نحوي نافخة غيظاً ونافثة سماً. أفزعتني المباغتة فأفلت الغصن ورحت أهوي.. نظرت إلى الأسفل فلم أر أرضاً.. ونظرت إلى الأعلى فلم أر سماء.. ثمة فراغ رمادي لا حدود له. أحسست أنني أكاد أختنق.. هواء شهيقي يرسل فحيحاً مثل أفعى في يوم لاهب.. وزفيري مثل عواء ثعلب في ليلة باردة.. قلت لنفسي: ها أنذا أتنفس فلماذا يزداد شعوري بالاختناق حدة؟ وسمعت صوتاً يهتف بي مشفقاً: -أنت في عالم ليس هواؤه من هوائك ولا ماؤه من مائك، أنت تحب التراب الذي يصنع ألوان الحياة وتحب السماء الزرقاء المطرزة بالنجوم والكواكب والأرض هنا سبخة ملعونة والسماء رمادية كواكبها زائفة. سألت الصوت قلقاً: -وكيف الخلاص: قال الصوت وقد صار الإشفاق في نبراته قسوة وتشفياً: -تُبدِّل جلدك أو تهلك. أنت تلعب اللعبة المستحيلة، تريد أن تبقى نظيفاً في عالم القذارة، صريحاً في عالم الرياء.. من تظن نفسك؟ أنت غبي، غبي.. تحفظ الكثير من الشعر فكيف لا تعمل بقول المتنبي: وصرت أشك في من أصطفيه لعلمي أنه بعض الأنام. وسكت الصوت. قلت متقطع الأنفاس: -من أنت أيّها الهاتف؟ وماذا تريد مني؟ ولم أسمع جواباً. أحسست أن مايشبه حبالاً دقيقة يلتف حول رجليَّ ثم بدأ يضم يديَّ إلى جسدي ويشدني فانتفضت منفعلاً وأفقت من نومي.. كان صدري يخفق عنيفاً. تلمست ماحولي وأنرت المصباح. خرجت إلى الشرفة فرأيت القمر يرسل أشعة باهتة وينحدر حالماً وادعاً.. شعرت ببرودة الليل فأشرت إلى القمر مودعاً ودخلت الغرفة. جلست على السرير وأنا أردد: "وصرت أشك في من أصطفيه".. كانت أفكاري تهيم في شبه سديم من غازات لها ألوان غريبة لكنها دون رائحة أو طعم.. ثم بدأ مايشبه الضوء ينبعث من أعماقي على مهل.. رأيت آلاف الصلبان على جانبي الطريق المؤدية إلى روما.. مرت أمام ناظري وجوه آلاف العبيد المصلوبين.. ابتسم لي وجه سبارتاكوس فاستأنست وابتسمت. ثم رأيته ينزل عن الصليب ويمسح بيده على شعري. قلت: -استرح ياصديقي العظيم، استرح. ابتسم بحنان وقال: -لم أتعب بعد ياولدي. المتعب هو أنت.. لقد حاصروك بكل مارأيتَ وماسمعتَ كي يضعف إيمانك وتفقد الثقة بأخيك الإنسان وبقضيته وجِدارته بها. إيمانك بالإنسان هو سلاحك الأمضى.. إذا فقدنا إيماننا فإننا لا نعود نساوي شيئاً.. بل ننتقل إلى صفهم.. وسيبقون يخشوننا إلى الأبد إذا بقينا مؤمنين. شكرت سبارتاكوس فابتسم وعاد ليمتطي صليبه. واستلقيت على فراشي وغفوت. -6- أيقظني رنين الهاتف في الثامنة والربع صباحاً. جاءني صوت السمسار متعباً نعساً. تصورته يكلمني وهو يتثاءب مخموراً. أخبرني أن مراسلي بضع مجلات محلية ينتظرونني في بهو الفندق. طلبت منه أن يعتذر منهم فاعتذر مني وكانت حجته: -أجب عما يرضيك وامتنع عما لا يرضيك. المهم أن تعرف أن المبالغ سخية. كل إجابة لها ثمنها وكل صورة تنشر لها ثمنها الكبير. قلت ساخراً: -مادمت تمتدحها فهي أثمان باهظة حتماً. ضحك بفتور وقطع الخط. نزلت إلى البهو. رأيت أن قسماً منه قد تحول إلى مايشبه استوديو تلفزيوني. أما جدران ذلك القسم فمغطاة بإعلانات شتى، صور نساء شبه عاريات، أبقار ضاحكة، وغير ضاحكة ومناظر طبيعية وصور وعلب سجائر طويلة وقصيرة ملونة وسيارات ومساحيق وعطور و.. وأومأ السمسار للمتحلقين حوله نحوي فأسرعوا إلى استقبالي بآلات التصوير. جلسنا في ركن من أركان البهو.. قال أحد "الصحفيين" بعد أن رحب بي ترحيباً فيه الكثير من الكلمات الكبيرة: -تأخرنا، فلنبدأ العمل.. قلت: -ومانوع العمل الذي سوف نبدؤه؟ قال الصحفي: -لن يكلفك أي جهد.. تقف هذه الحسناء قربك مثلاً وهي تحمل هذه الزجاجة من العطر فتبتسم لها ونصوركما معاً. قلت كاظماً غيظي: -كما صورتم البقرة الضاحكة،!؟ قال آخر وقد أحس غيظي المكظوم. -هذا هراء.. الأستاذ أكبر من ذلك.. ولكن مارأي الأستاذ بهذه الجوارب النسائية.. أليست رائعة؟ قال آخر: -هل تستعمل هذا الصنف من معجون الحلاقة يا أستاذ؟ وسأل آخر: -أي أنواع الوسكي تفضل؟ خرجت عن طوري فصحت بهم: -تافهون.. اللعنة على عالمكم.. ثم نهضت غاضباً واتجهت نحو المصعد. أسرعت فتاة شبه عارية خلفي وقالت: -قالوا لي إنك تتعاطف مع الفقراء وتدافع عنهم فصدقت. وها أنت تحاربني في رزقي.. سأجوع اليوم لأنهم لن يدفعوا أجري.. أنا فقيرة صدقني. التفت إليها وسألتها: -ماذا تريدين مني يا ابنتي؟ قالت ببساطة: -أنا فقيرة ومحتاجة إلى النقود التي سيدفعونها لي ثمناً للإعلان.. تصور معي صورة واحدة. أرجوك.. قلت ملاطفاً: -أنت ساذجة ولا تعرفين ماتفعلين.. أنت تعملين معهم على قتلي والقتل لا يتم سوى مرة واحدة.. قالت ببساطة: -كل ما أعرفه أنني بحاجة إلى النقود.. أما عن قتلك فأنا لا أقتل أحداً صدقني.. وهم لا يريدون قتلك. لقد صوروني مراراً ولم أمت.. ها أنا أمامك.. أحسست بغصة فقلت: -بل قتلوك يا ابنتي.. ولكنك لا تعلمين. ثم تركتها كالمصعوقة وعدت إلى غرفتي. تمددت على السرير بملابسي ورحت أضحك حانقاً. تصورت نفسي وقد صوروني وفي يدي نوع ما من أنواع البضائع، ورّنت في سمعي، دفعة واحدة، كل نبرات أصوات "مسلسلات" الإعلانات الدعائية في التلفزيونات.. قطع حبل تصوراتي قرع على الباب فقلت: -ادخل. ودخل السمسار الغرفة.. حاولت أن أحزر مايخفي خلف هذا القناع الذي هو وجهه فلم أستطع. جلس قربي وقال: -كنت أريد لك أن تربح الكثير دون أن تخسر شيئاً. قلت حازماً: -بل كنت سأخسر كل شيء قال: -هي فرصة رائعة لا تتكرر وقد ضيعتها. ثم ربت على كتفي وقال: -هل تعرف أن غرفتك هذه كانت إحدى الغرف التي حجزت للامبراطور بوكاسا حين زار هذه البلاد؟ قلت: -وأنت؟ هل تعمل على جعلي جندياً في حرس بوكاسا أم مهرجاً في بلاطه؟ تنهد السمسار وقال: -إيه، لكنه انتهى.. قلت: -لكن البوكاسية لم تنته بل هي تستفحل في أرجاء كثيرة من العالم.. ألم تسمع باباطرة الشركات الاحتكارية المتحكمة بمصير الملايين والتي لا تراعي حرمة لشيء؟ قال السمسار بصوت حيادي: -امتدح بوكاسا شعراء فقراء وصحافيون فصاروا أغنياء.. وانتهى بوكاسا وظلوا أغنياء.. لقد نسي الناس قصتهم لكنهم قبروا فقرهم.. ماذا يضيرك لو قبرت فقرك إلى الأبد دون أن تقوم بعمل يؤذي قضيتك؟ قلت: -دع هذه الأساليب الملتوية. المسألة مسألة موقف. مسألة مبدئية.. وقد اخترت أن أكون في مخيم الحسين المحاصر لا في معسكر الذين حاصروه وقطعوا عنه الماء والطعام. هل تفهم؟ لن أقف في صفوف الذين يحاصرون المخيمات ويتركون أخوة المسيح يموتون جوعاً وعطشاً ومرضاً محرومين من كل رعاية أو علاج. أنت تزعم أنك مؤمن بالله وبرسله وكتبه. وقد حرم الإسلام قتل النفوس إلا بالحق وحارب المفسدين.. وأنتم تفسدون في الأرض وتقتلون النفوس والأجساد، ولقد أعلن المسيح أنه يتنكر لمن يتنكرون لأخوته الفقراء وأنتم تتنكرون لهم وتتاجرون بفقرهم وتخدعونهم بدعاياتكم. كيف تزعمون أنكم مؤمنون بالخير وأنتم تمارسون الشر. أتجاهدون في سبيل الله متبعين أساليب الشيطان ومتوكلين عليه ومعتمدين على دعمه؟ هذا فظيع وأكثر من فظيع. إنكم تقيمون عالماً للشر والفساد ماكان الشيطان القديم ليحلم بإقامة مثله أبداً. رن جرس الهاتف فرفع السمسار السماعة وأصغى. قال بعد لحظات: -لا بأس، لا بأس. سأكون عندكم بعد دقيقتين لا أكثر: ثم أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها والتفت إليَّ ببرود وقال: -سبق أن أخبرتك أنني أحفظ هذه المواعظ عن ظهر قلب. ثم إن الرسل والأنبياء وكل الذين تمردوا في التاريخ لم يغيروا العالم.. بل أنت تزعم أن الفساد يستفحل في أرجاء كثيرة منه. فكيف تريدني أن أضيع عمري القصير في سبيل أوهام لا تتحقق؟ اعذرني على صراحتي.. أنا لا أجد مبرراً مقنعاً لسلوكك هذا. قلت منفعلاً: -لا يُسأل النظيف لماذا تحرص على البقاء نظيفاً بل يُسأل القذر كيف ترضى أن تظل قذراً؟ أنتم تسمون ماتقومون به تجارة، وترددون دائماً: "التجارة شطارة" ونحن نرى أن تجارتكم قذارة.. وأنا أرفض.. قاطعني وهو ينهض: -أعرف، أعرف ماذا ترفض.. قلت لك إنني كنت ساذجاً و"نظيفاً" ذات يوم.. إنهم ينتظرونني.. لقد أحضروا شاعراً محلياً ليقوم بما كان ينبغي أن تقوم به.. اتصلوا به هاتفياً فجاء مسرعاً.. إن مانرجوك كي تقوم به وترفضه يرجونا الآخرون كي نقدمه لهم. ثم نهض متثاقلاً وخرج. -7- في بلاد الواق الواق يكتبون على أوراق الشجر وقد سرق عنهم مغنينا فكرة أغنيته المشهورة "سأكتب على أوراق الشجر سافر محبوبي وهجر". وفي الخريف يجري الناس وراء الأوراق التي تنثرها الرياح ويجمعون مايعتقدون أنه جيد من شعر ونثر ويحفظونه بحرص بعيداً عن متناول أفواه البهائم.. وكثيراً مايؤدي تضارب الآراء وتفاوت الأذواق إلى ضياع روائع جديرة بالخلود. فالعمل الذي لا يتواءم مع موسم تلك السنة يُهمل ويضيع مع أن بعضهم ينسخ عمله الإبداعي على عدد كثير من الأوراق ليكون نصيبه من البقاء أكبر.. وهم يستأجرون نسّاخاً لهذه الغاية. وأغرب ماحكي لي عن تلك البلاد هو أن الأحياء من أهلها يسكنون في بيوت أسوأ من القبور ويضعون موتاهم في قصور هي من أعاجيب الأزمنة والدهور من حيث وسائل الترف والبهرج.. وقيل لي إن الخبثاء يتماوتون كي ينقلوا إلى تلك القصور لينعموا بطيباتها.. وسمعت أن جرذاناً مدربة تدريباً خاصاً تفتح التابوت بعد خروج المشيعين من القصر وتأكل لسان المتماوت وعينيه وأذنيه.. ويحتمل هؤلاء الألم خوفاً من أن تقضي عليهم تلك الجرذان ثم يمضون بقية حياتهم لا يسمعون شيئاً ولا يرون شيئاً ولا يقولون كلمة متنعمين بالطيبات. وقد حاول السمسار إغرائي بدخول أحد تلك القصور متماوتاً فرفضت. لم أخف على سمعي فأنا ماعدت أسمع غير الشكاوى ممن حولي لفقدان هذه المادة التموينية أو تلك ومن ارتفاع الأسعار كل يوم وسوء نوع السلع، ولم أخف على بصري إذ سئمت مشاهد كثيرة منها الغش والرياء والتملق والمتاجرة علانية بكل القيم.. و.. وغير ذلك.. أما لساني فقد خفت عليه، والحق معي.. ألم يقل شاعرنا ابن أبي سلمى "لسان الفتى نصف ونصف فؤاده!". ثم، إنها لمصيبة فعلاً أن يفقد المرء لسانه، فكيف، مثلاً، ستشكر بائع المازوت الذي يكيل لك السائل السحري غير منقوص ولا مغشوش ولا يقبل منك قرشاً واحداً علاوة على التسعيرة الرسمية؟ أو كيف ستشكر الموظف الذي يركض أمامك من غرفة إلى أخرى مساعداً إياك في تخفيف بلواك؟.. وتجار البناء، والسماسرة، وأغانينا المحلية و.. لا.. لا.. كل شيء سوى اللسان، فهو لا يُستغنى عنه على الرغم من أنه قد يورطك، أحياناً، في مزاح لا مبرر له. ولقد مزح معي أحدهم فقال لي إن حكاية "طاقية الإخفاء" ليست حديث خرافة.. فقد رأى، والعهدة عليه، أناساً من أبناء جلدته يختفون ولا يظهر منهم أثر.. وقيل له إن هؤلاء قد استخدموا كلمات لها مفعول سحري، كتلك التي استخدمها علي بابا لفتح باب مغارة "الأربعين حرامي".. ثم سمعت أن الذي حكى لي حكاية طاقية الإخفاء قد اختفى لأنه تحدث عن الاختفاء أمام أحد الغرباء... وسمعت خشة مذياع في رأسي فخفت لكنني أصغيت.. سمعت ضحكاً صاخباً مدوياً، ثم تهانف الضاحك حتى تلاشى الضحك وعاد الصوت بارداً لزجاً ودبقاً:.. تتحدثون عن "الأربعين حرامي.." كانوا أربعين قبل مئات السنين وتزوجوا وأنجبوا فصاروا مئتين ثم صاروا ألوفاً وملايين، فبأي فلك تنجون، وبأية تعويذة تتعوذون. وصمت المتكلم وتلاشت الخشة، فدبت في أوصالي رعشة وأجفلت كمن أستيقظ من كابوس مخيف. وحين كواني البعاد وأضناني الشوق إلى الزوجة والأولاد وضقت ذرعاً بأهل تلك البلاد قررت العودة إلى بلادي وأنا أردد من أعماق فؤادي: "بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة" وها قد عدت وها أنا بينكم. فإذا ما سألني أحد الرجوع إلى تلك البلاد هتفت: "تذكر ولا تُعاد" فما أنا علي بابا ولا سندباد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |