إشارات وأصداء - ميخائيل عيد

آراء - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:38 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مايشبه الخاتمة

سألني أحد الأصدقاء أن أعقب على كتاب في الفلك ففعلت وكانت هذه الخواطر بعض ماكتبت على هامش التعقيب ولم ينشر معه.‏

قد يفهم العالم الأعمال الفنية ويتذوقها ويحبها، وقد يكون فهمه لها أغنى وأشمل من فهم بعض هواة الفنون لها، لكنه قد لا يطمح إلى أن يصير فناناً أو شاعراً أو ناقداً، وقد يفيده ذلك في فهم العلم الذي كرس حياته له. وقد يفهم الشاعر أو الفنان الحقائق العلمية ويرى فيها ركناً من أركان ثقافته، وإني لأزعم أن الشاعر الحق، الشاعر العظيم، لا يكون كذلك مالم يطلع على خلاصات العلوم في زمنه، مع أن الشعراء في أيامنا لا يطمحون إلى أن يصيروا علماء أو مشتغلين في العلوم. لقد مضت الأزمنة التي كان فيها الشاعر والعالم والفيلسوف والطبيب يلتقون في شخص واحد.‏

وكلما سئلت أن أكتب في شأن علمي، شأن يخص العلماء والعلم، أتذكر مسرحية موليير التي أرغمني مدير الثانوية التي كنت أتعلم فيها على تمثيل دور البطولة فيها وهي "طبيب على الرغم منه".‏

كانت تلك مسرحية هزلية، وكنت فتى.. أما اليوم فأنا شيخ والمسألة في غاية الجد.‏

وإذا كان الحطاب الذي صار طبيباً على الرغم منه، قد شفى ابنة الغني لأنها لم تكن مريضة بل عاشقة، فهل سأقدم شيئاً نافعاً في كلامي على بعض النظرات "العلمية" لأنني غير مختص، ولأنها غير مريضة فعلاً، أم سأزيد شماتة الشامتين بي، وأنا في كلتا الحالتين مخطئ، فما أنا بالطبيب المعالج ولا بالباحث المدقق، وماهي إلا خطرات كتبت على الهامش.‏

تقول إحدى الحكايات إن أُناساً نظروا إلى فيل ضخم في صندوق ضيق عبر ثقوب ضيقة جداً ودوّن كل منهم خلاصة ما رأى فكانت خلاصة مادوّنوه صفات غريبة لا تخطر في بال أحد، ولا تمت إلى الفيل بصلة.‏

وقد قالت المتصوفة: لا تطبق المعايير على مالا حدود له". وسمع الناس والعلماء الحكاية وكلام المتصوفة ولم يكف أحد من الناس أو من العلماء عن النظر عبر الثقوب الضيقة ولا عن تطبيق المعايير المحدودة على غير المحدود.. فمن طبيعة العقل البشري الحركة بحثاً عن الجديد بالوسائل المتاحة، وعدم الاكتفاء بما ينجز، فكل إنجاز يصير قاعدة جديدة لطرح أسئلة جديدة، وللانطلاق بعزم بحثاً عن الأجوبة.‏

يعرف بعض الجنود الشجعان، أحياناً، أن معركتهم خاسرة لكنهم يخوضونها بشجاعة حتى الموت إيماناً منهم بعدالة قضيتهم، وشعوراً منهم بأن عار الاستسلام أقسى من الموت.. وإننا لنجد بين العلماء من هم في مثل نبل هؤلاء الجنود وشجاعتهم. إنهم يعرفون أن الحقيقة المطلقة لا تُطال، وأن الأبواب الموصدة كثيراً ماتنفتح على أبواب موصدة، ومع ذلك يكرسون أعمارهم لخوض البحث عن الحقيقة وسط متاهات الكون.‏

ويكون التقدم عسيراً وبطيئاً، ويكون، أحياناً، كالتخبط في مستنقع وسط ظلام دامس، ويحدث أحياناً أن يندفع جيل أو أجيال نحو منارات مضللة تدعو السفن إلى ظلمات تمتد وراءها ظلمات ويصير التقدم من المحال، ويصير الرجوع عسيراً.‏

وينتصب الإنسان طموحاً متطلعاً إلى غزو الكون. ويصير عقله الذي هو أعظم النعم، يصير أكبر النقم.. لقد جعله إماماً ورائداً.. والرائد لا يكذب أهله.. والإمام.. لا.. ليس يسيراً أن يصير المرء إماماً.‏

إن العلم الذي هو منارة العمل يبدأ بالأٍسئلة.. وقد قيل: نصف العلم أسئلة ونصفه أجوبة، وربما كانت أصعب الكلمات التي ابتكرها الإنسان في تاريخه وأمجدها هي: ماهذا؟ ولماذا؟ وكيف؟‏

وكان أكثر ما أدهش الإنسان أن وجد نفسه في كون لا حد له.. وقد خيل له أن لهذا الكون حدين: غير متناه في الكبر وغير متناه في الصغر، ففهم شيئاً وغابت عنه أشياء.. لأن غير المتناهي يطرح أسئلة غير متناهية. وعمر الإنسان قصير، وهو يحتاج إلى أمور أخرى غير الأسئلة والركض وراء الأجوبة.. والأشياء الأخرى التي يحتاج إليها لا تقف صامتة بل تطرح، هي الأخرى، أسئلة تكاد لا تنتهي. وقد يكون اسم "السائل" هو أفضل اسم للإنسان.‏

وبعض الأسئلة مضحك وبعضها مربك.. وحين سأل الإنسان: من أنا وما الكون؟ أتاه جواب: أنت مخلوق وتافه.. قال: أفعل، إذن، ما أشاء! قيل له: بل أنت مسؤول.. قال: المسؤولية تنفي التفاهة.. فكيف خلقت ولماذا؟ هل كان هذا الكون ضرورياً كي أكون؟ وهل أنا ضروري كي يكون الكون؟ وما معنى الكينونة؟ وما معنى المكان والزمان؟ وهل من زمان خارج المكان، وهل من مكان خارج الأزمنة؟ وهل من خارج أو داخل في مفهومي المكان والزمان، هل من حضيض وذروة في المطلق؟ وماذا يعني المركز والأطراف في غير المتناهي؟ وماذا يعني الاقتراب من الحقيقة المطلقة التي من المحال الوصول إليها؟ وكيف نحسب موجوداً ماليس في الإمكان الوصول إليه أو في الإمكان معرفته؟ أم أن الحقيقة المطلقة متعددة تفتتح كل واحدة منها الباب إلى حرم غيرها؟‏

وكلما أتعبت الأسئلة جيلاً أتت بعده أجيال.. وترث الأجيال الجديدة الأسئلة القديمة، وينظر كل جيل إلى الكون الأصغر والكون الأكبر عبر الثقوب التي فتحتها الأجيال السابقة له وعبر مايتاح له أن يفتح من ثقوب.‏

الكتاب الذي أكتب أسئلتي على هامشه هو "طبيعة الكون" وهو كتاب في منتهى الجد.. وحين يكون الأمر كذلك يكون لزاماً ترطيبه بشيء من المزاح.. وقد يكون في المزاح كثير من الجد أو قد يكون منتهى المزاح في منتهى الجد.. ولا غرابة.. فالأمور نسبية، ومعاييرها قاصرة ونحن ننظر إلى الكون غير المحدود من "ثقب" المجموعة الشمسية الصغير جداً، وبوسائلنا التي أوجدناها لمساعدة حواسنا القاصرة.‏

كتبت قبل سنوات خاطرة شعرية سألت فيها: إذا كان الكون غير متناه في الكبر فلماذا لا تكون شمسنا العظيمة مفرقعة أطلقها طفل كوني في يوم عيد؟‏

حين قرأت هذه الخاطرة على بعض أصدقائي ابتسموا واعتبروها طرفة. وكنت حينها ومازلت أرى الأمر في منتهى الجد، بل لقد قادني التداعي إلى طرح أسئلة أخرى. فأنا آكل الخيار والبندورة في مواسمها كما تفعلون.. وقد يكون "قرص البندورة" الذي آكله من غير ملح كوناً غير متناه في الكبر في نظر الكائنات غير المتناهية في الصغر التي تولد وتموت في ذلك الكون -القرص.. فهل يرى علماؤها أن فمي ثقباً أسود يلتهم عالمهم؟ وأفكر في جسدي.. أي كون عجيب هو.. وأفكر في هذه الزهرة التي أمامي وفي هذه الذبابة التي حطت على حذائي، ثم أعود إلى الجسد الأعجوبة، فحين يأمر العقل الجسد، وهو منه، بأن يطرح الفضلات التي كانت مفيدة ثم صارت ضارة يكون أمره هذا استجابة لضرورة عضوية، وتكون استجابة الجسد تلبية للضرورة ذاتها، أما الكائنات المجهرية التي طردت خارج الجسد فالأمر في "نظرها" حدث كوني هائل ومدمر يستحيل على "علمائها" -المعذرة من علمائنا- شرحه أو تفسيره.. ألسنا قياساً إلى الكون غير المتناهي، أصغر من تلك الكائنات إذا قيست إلى أجسادنا؟‏

وكم سألت نفسي: هل للجراثيم والفيروسات التي تستوطن ممالك خلايا جسدي ملوكها وفلاسفتها وقادة جيوشها؟ وهل شعراء الغزل أم شعراء السياسة هم الأكثر شعبية بين شعرائها؟ وهل يغازل الذكر منها أنثاه كما يغازل الرجل المرأة؟ وهل دمي سياله كونية يسيل منها زمانهم على مكانهم؟ وهل لهؤلاء دياناتهم وطوائفهم وأحزابهم؟ وهل بينهم محتكرون يكنزون الذهب والفضة على حساب جوع أهلهم؟ أم أنهم لا يتعاملون بالذهب والفضة ولا حتى بالسيد "الدولار؟" وإذا كانوا لا يعترفون بالدولار فكيف يسمح لهم السيد بوش بالاستيطان في خلايا جسده، ولا تقصفهم طائراته وبوارجه الحربية كما تقصف شعوب العالم "الجديد" الذي هو سيده!‏

ويتكلمون على الانفجار الأول الذي تكون بعده الكون ثم بدأ يتمدد فارتبك. وأسأل: هل كان الكون فارغاً قبل الانفجار؟ وما الذي انفجر؟ أهي المادة المكثفة؟ وهل تكثف معها المكان الكوني كله ثم بسطته حين تمددت كالبساط كي تدرج عليه؟ وكيف نوحد بين مفهومي المكان والفراغ في كون لم يتكون بعد؟ وهل كانت طاقة الكون الوليد الهائلة خارج الكون حين أوجدته؟ هل ثمة فرق نوعي بين قلب يشحن بالعواطف ثم يحترق وبين سدم كونية تشحن بطاقات ذرية أو أعظم ثم تتصادم وتنفجر أم أن الفرق بالدرجة؟ وهل النار التي يحترق بها عود ثقاب هي من نوع النار التي تحترق فيها الشمس؟ أم أن شدة الاحتراق تجعل الفرق نوعيا؟ وهل يحترق مايحترق لأنه ضاق ذرعاً بحاله أم يحرقه الاشتياق إلى حال أخرى؟ أم أن الكون انفجر غيظاً من زوجته ثم راح يتمدد هارباً من مطاردتها له؟‏

وأسأل: لماذا أغضب؟ لماذا أضحك؟ ومن أين جاءني ذلك الحزن كله يوم ماتت أمي؟ ومن يشرح لي الدفء في نظرات العاشق، وطبيعة الصقيع في نظرات الحاسد، وطبيعة النار في نظرات الحاقد؟‏

وأتخيل أن أمي عادت إلى الحياة وسمعت بعضاً من هذه الأسئلة التي تعذبني فيخيل لي أنني أسمعها تقول وعيناها تفيضان شفقة: ماكان أبوك أحمق فمن أورثك هذه الحماقة كلها؟ لماذا لا تشغل ذهنك بما تعيل به أسرتك حتى أخر الشهر؟‏

وأنكمش على نفسي، أشعر أنني أصغر وأصغر بوتائر تتناسب طرداً مع وتائر تمدد الكون.. ثم أنفجر قهراً.. ثم أختفي خجلاً من أمي التي كانت تكسر الصخر، وتقتلع الشوك في أرض "كسارتنا" الصخرية الشائكة كي تزرع حفنة إضافية من القمح أو الشعير.‏

وإذا سألني سائل: ومن أين لك هذه الشطحات؟ قلت: من "قرص" البندورة الذي أكلته قبل قليل، ومن الذبابة التي حطت على حذائي، ومن الزهرة التي أمامي.. فأنا أراها تأكلني وآكلها.. تصير في جسدي ويصير جسدي فيها. وولادة أي كائن أوموته هو عندي حدث كوني عظيم لا يقل إدهاشاً عن تصادم المجرات أو تباعد السدم.‏

وقد يكون سلوك الإنسان أكثر إدهاشاً من سواه.. فهو يبحث عما في الكون من أسرار، وينفق في سبيل ذلك المال والجهد ثم لا يكلف نفسه عناء سؤال جاره المحتاج إليه عن حاجته، وهو يقضي حياته باحثاً عن حقائق الكون المطلقة أو النسبية وهو يجهل حقيقة أنه لم يفهم جيداً مشاعر زوجه، أو ولده، أو أخيه، ويسأل عن أسباب تصادم السدم والمجرات ونتائج ذلك التصادم ثم لا يسأل عن سبب دمعة تجول في عين طفل بائس يمر به يومياً.‏

إن الانتقال من مكان إلى مكان لا يتم إلاّ عبر مكان، والمكان شيء، وكل شيء في الكون جزء من الكون، فلا فراع ولا حواجز بين أمكنة الكون وأشيائه إلا تلك الحدود والفراغات التي يقيمها الإنسان بينه وبين إخوانه البشر.‏

وسواء ظهرت هذه الحدود والفراغات على صورة إشعاعات من الكراهية والبغضاء أو في هيئة حقول طاقية فإنها كانت وتبقى ذات طبيعة مادية حصراً. أما مانسميه فراغاً في الكون ففيه تتم أعظم التفاعلات والتوازنات الكونية.‏

ولا تنسوا أنني أنظر إلى الكون عبر الثقب المتاح لي النظر عبره.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244