|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الباب الثَّالث غاية مزاعم العولميين : الفصل الأوَّل: العولمة ومفهـــوم القوَّة نظريَّة العولمة ليست سوى الوجه الآخر للهيمنة الإمبرياليَّة على العالم تحت الزَّعامة المنفردة للولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة. مسعود ضاهر يتَّضحُ من خلال مفهوم العولمة أَنَّها وشيجة الآصرة مع القوَّة، حتَّى إنَّه يعسر الفصل بينهما بحالٍ من الأَحوال، ذلك أَنَّه "مثلما تحكَّم الأَقوياء في الماضي، أَو بالأَحرى مثلما) صنعَ الأَقوياء التَّاريخ بما فيه من تقدُّمٍ علميٍّ وتقنيٍّ، فَسَادَتْ ثَقَافَتُهُم السِّياسيَّة ومفاهيمهم الاقتصاديَّة والعقائديَّة ـ Ideological)، يتحكَّمُ اليوم الأَقوياءُ بسيادة هذه القيم والأَفكار والسُّلوكيَّات. وإذا كان التَّاريخ في الماضي، في فترةٍ ما، صنعته دولةٌ أَو إمبراطوريَّةٌ، فإنَّ التَّاريخ اليوم، وسيادة مفاهيمه، تصنعها أَكثر من دولةٍ بنسبٍ مختلفةٍ يتوازى وما تملكه كلُّ دولةٍ من هذه الدُّول من قدراتٍ ومؤسَّسات متنوِّعةٍ؛ اقتصاديَّة وماليَّة وعسكريَّة وإعلاميَّة وثقافيَّة وغيرها ... وليس العالم بأَجمعه كما يوحي به مصطلح العولمة"(1) . ولذلك من الطَّبيعيِّ أَن يرى سمير أَمين أَنَّ "انتشار أَسلحة الدَّمار الشَّامل " مضافاً إلى "تكثيفٍ العلاقات الرَّأسماليَّة، الصِّفتان الجوهريَّتان للعولمة"(2) . ولكن ما القوَّة ؟ لا بدَّ أَن نجد من يجادل في أَنَّ للقوَّة أَشكالاً وأَنواعاً كثيرةً يصعُب المفاضلة بينها، بدءاً من القوَّة العسكريَّة، مروراً بالقوَّة الاقتصاديَّة، فالعلميَّة، فقوَّة الإرادة، ثمَّ الكامنة، وربَّما قوَّة الحقِّ ... وغير ذلك ممَّا قد يكون كثيراً، ولكنَّنا لن نعترف، في إطار ما نحنُ فيه، إلاَّ بقوَّة الحسم العسكريِّ، على الرَّغم ممَّا قد يثارُ حولنا من شبهات النُّزوع العدواني وما يتشعبُ عنه من ميولٍ وأَهواءٍ ... ولن ننبري للذَّود عن أَنفسنا تبرئةً لها من هذه التُّهمة لأَنَّ منطق الواقع ذاته يدافع عنَّا وينقِّي ساحتنا من مثل هذه الشَّائبة الشَّائنة، وحسبنا أَن نرجع النَّظر إلى ما مضى من التَّاريخ وأَن ننظر إلى الواقع المعاش فكلُّ ذلك يكشف بجلاء عن حقيقة جوهريَّة لا تحتمل الشَّك أَو التَّكذيب، وهي، على عمومها، وفي كلِّ الميادين، تمثل في أَنَّه بإمكانك أَن "تطالب بما تستطيعُ تحصيله بالقوَّة؛ تقبل وترفض بقدر قوَّاتك على القبول والرَّفض، تتكلَّم بما تتيحه لك قوَّتك، ويطول كلامك ويقصر بقدر قوَّتك، وحتَّى دورك في الكلام يكون بحسب ترتب قوى المتكلِّمين، فإن كنت على الهامش فإنَّ دورك على الهامش، وحقوقك على الهامش، ومطالبك على الهامش، بل ليس عليك إلاَّ أَن تهزَّ رأسك للمتكلِّمين وتصفِّق لهم حتَّى لو صفعوك بكلامهم وقراراتهم"(3) ، كلُّ ذلك استناداً إلى "مبدأ أَنَّ عنصرَ القوَّة هو صاحبُ فيصل الحسم في ساحة المعركة"(4) ، أَي لن تحصِّل باللسان إلاَّ ما تستطيع تحصيله في الميدان. وبهذا المعنى يرى مسعود ضاهر أَنَّ: "نظريَّة العولمة ليست سوى الوجه الآخر للهيمنة الإمبرياليَّة على العالم تحت الزَّعامة المنفردة للولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة"(5) . ولكنَّ المرحلة الرَّاهنة؛ مرحلة العولمة، وضعتنا أَمام معطيات جديدةٍ، لن تفرض علينا التَّراجع عن رأَينا في أَنَّ القوَّة هي القوَّة العسكريَّة، ولكنَّها تجعلنا نعيد النَّظر قليلاً في مفهوم هذه القوَّة، ذلك أَنَّ الامتداد الأُخطبوطيَّ لأَرباب الاقتصاد بشركاتهم عبر العالم، وهو ما يمثِّل جوهر العولمة، وقدرة الاقتصاديِّين على فرض إراداتهم على الدُّول يضعنا أَمام مفترقات جديدةٍ للنَّظر في الموضوع، وقبل أَن نعرض لأَيِّ شيءٍ من ذلك لا بدَّ لنا من إيضاح بضع نقاطٍ على قدرٍ من الأَهمِّـيَّة لا يمكن إغفاله: أَوَّلاً: ستظلُّ القوَّة العسكريَّة هي الأُسُّ والأَساس في الغلبة والتَّفوُّق وفرض الهيمنة والنُّفوذ، ذلك أَنَّ الأُمَّة بهذه القوَّة تستطيع فرض ذاتها على الأُمم الأُخرى لتدعيم مختلف جوانب أَو عناصر قوَّتها المختلفة ولو كان ذلك بالتَّرقيع المؤقَّت وهذا ما سيبدو لنا واضحا في الفقرة التَّالية، بينما مهما كانت قوَّة الأُمَّة في مختلف العناصر الأُخرى غير الجانب العسكري لن تستطيع أَن تكون صاحبة كلمة أَو قرار حتَّى في شؤونها الدَّاخليَّة وليس في ذلك أَدنى مبالغة والأَدلَّة على ذلك أَكثر من أَن تحصى منها الحكم العثماني للأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة أَربعة قرون؛ لقد انتصر السَّلاح على الحضارة والعلم ... وكذلك غزو المغول والتَّتار والغزو الصَّليبي؛ أَلم يكن السِّلاح وحده هو الحاسم ؟! وكذلك الآن شأن اليابان وأَلمانيا؛ إنَّهما على مجد قوَّتهما الاقتصاديَّة والعلميَّة والحضاريَّة لا يملكان من القرار السِّياسي العالمي أَكثر ممَّا تملك أَيُّ دولة نامية وربَّما متخلِّفة إن كان القرار أو الأَمر يمسُّ مصالح صاحبة الجلالة؛ الإمبراطوريَّة الأَمريكيَّة الَّتي تستطيع التَّدخل حتى في الشُّؤون الدَّاخليَّة لهذين البلدين إن اقتضى الأَمر في ذلك؛ أَليست الولايات المتَّحدة حصراً، وحلفاؤها في الحرب العلمية الثانية، هي الَّتي صاغت دساتير أَلمانيا واليابان إثر انهزامهما في الحرب العالميَّة الثَّانية (6) ؟! ثانياً: ثمَّة علاقةٌ جدليَّة غير مُنفصمةٍ بين مختلف عناصر القوَّة؛ العسكريَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والتِّقانيَّة ... يرفد كلٌّ منها الآخر ويستمدُّ منه مقوِّماته بحيث يمكن عدُّ كلٍّ منها محصِّلة لنتاج مجموع العناصر الأُخرى وغايةً لمجموع جهود هذه العناصر في آنٍ واحدٍ؛ إنَّ ازدهار الاقتصاد هو غاية الجهود العلميَّة والمساعي التِّقانيَّة والمنعة العسكريَّة... وهو، في الوقت ذاته، المحصِّلة المنطقيَّة لكلِّ ذلك. وكذلك شأن القوَّة السِّياسيَّة والعلميَّة والتِّقنيَّة ... ولكنَّ الَّذي لا جدال فيه هو أَنَّ القوَّة العسكريَّة هي الدِّرع الَّذي تحتمي به كلُّ العناصر الأُخرى وتتعزَّزُ به، وخير دليل وشاهدٍ على ذلك هو تواريخ انهيار الإمبراطوريَّات الكبرى كالإمبراطوريَّة الفارسيَّة والإمبراطوريَّة اليونانيَّة والإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة والإمبراطوريَّة العربيَّة والإمبراطوريَّة العثمانيَّة والإمبراطوريَّة الإسبانيَّة والإمبراطوريَّة البريطانيَّة ومثلها الوضع الرَّاهن للإمبراطوريَّة الأًمريكيَّة؛ لقد نخر الوهن والضَّعف والانحطاط ... في كلِّ هذه الحضارات قبل انهيارها التَّامِّ بعشرات السِّنين ولكنَّ القوَّة العسكريَّة لكلٍّ منها هي الَّتي كانت مصدر استمرار سطوتها ونفوذها وهيمنتها بعد ترهُّلها لسنين طويلة قد تصل إلى المئة، فبريطانيا على سبيل المثال "بدأت تفقدُ موقعها على الصَّعيد الاقتصادي منذ الثَّمانينات من القرن التَّاسع عشر، في حين أَنَّ بحريَّتها كانت لا تزال قويَّةً جدًّا عام 1914م. وكذلك شأنُ إسبانيا الَّتي بدأت بالانحطاط الاقتصادي عام 1560م ولم يبدأ انحطاطها العسكري إلاَّ في عام 1640م"(7) . ثالثاً: إنَّ القوَّة العسكريَّة بالمعنى المومى إليه في كلِّ ما سبق ليس أمراً متاحاً للجميع على حدٍّ سوءٍ أَبداً، وإنَّما هو ملك أُمَّة أَو اثنتين على الأَكثر في كلِّ طورٍ حضاريٍّ؛ فمثال الأُمُّة الواحدةٍ هو حال الولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة الآن ومثلها الإمبراطوريَّة العثمانيَّة لردحٍ من الزَّمن وكذلك الإمبراطوريَّة العربيَّة الإسلاميَّة. والأُمَّتان مثل الإنجليزيَّة والفرنسيَّة، الفارسيَّة والرُّومانيَّة ... رابعاً: لا شكَّ في أَنَّ قوَّة أَيِّ مؤسَّسةٍ أَو شركةٍ هي قدرتها التَّنافسيَّة، وهذه القدرة ماثلة في الرَّصيد الماليِّ. ولكن، وفي محصِّلة الأَمر، لا يمكننا إلاَّ الإقرار بأَن المؤسَّسات الاقتصاديَّة تستمدُّ جانباً كبيراً من قوَّتها من جانب قوَّة أُمَّتها، بل إنَّ مصدر كينونتها منبثق من قوَّة أُمَّتها انطلاقا من الجدليَّة الَّتي أَسلفناها، ذلك أَنَّ ازدهار النَّشاط الاقتصاديِّ والحركة الاقتصاديَّة والقوَّة الاقتصاديَّة مرتهن بعناصر القوَّة الأُخرى إلى درجة قد يستحيل معها الفصل بينها. ولكن بالنَّظر إلى ظروف المرحلة الرَّاهنة ومعطياتها الَّتي أَفرزت الاصطلاح موضع الدِّراسة؛ العولمة فإنَّ طبائع قوى الشِّركات والمؤسَّسات الاقتصاديَّة بدأت تأخذُ مناحٍ أُخرى لا تختلف أَبداً، من حيث المبدأ عن المراحل السَّابقة، ولكنَّها تختلف اختلافا جذريًّا من حيث الشَّكل حتَّى لتبدو وكأَنـَّها جديدة كلَّ الجدَّة. هنا نستطيع أَن نتساءل: ـ هل سيتغيَّر مفهوم القوَّة في هذه المرحلة المسمَّاة بعصر العولمة ؟ ـ ما طبيعة استخدام القوَّة في عصر العولمة ؟ انطلاقاً من مفهوم القوَّة ودورها وعلاقتها، الجدليَّة الآنفة الذِّكر، مع عناصر القوَّة الأُخرى فإنَّ مفهوم القوَّة غير قابل للتَّغيُّر، على الأَقلِّ في الأُفق المرئيِّ؛ ستظلُّ قوَّة السِّلاح هي قوَّة الرَّدع الأَشدُّ تأثيراً وفاعليَّة وحسماً. وستظلُّ العامل الأَهمَّ في فضِّ النِّزاعات، وتحديد الصَّلاحيَّات ومداها، وإحقاق الحقوق ومعناها، وإيجاب الواجبات وجدواها ... واستناداً إلى ذلك، وربَّما فقط بالاستناد إليه، نستطيع أَن نفهم جملة أَحداث المرحلة الرَّاهنة ونفسِّرها، وكذلك ما سبق من أَحداث التَّاريخ. فإذا توقَّفنا في يوغسلافيا أَوَّلاً، مثلاً، عرفنا: لماذا سُحقَ مسلمو البوسنة والهرسك، ولماذا كانت حقوقهم في أَرضهم أَقلَّ من نصفها، ولماذا لم تتدخَّل الدُّول العظمى إلاَّ بعد الموافقة على لائحة الحقوق المفروضة، على بطلها المنطقي(8) . ولولا إدراك الشِّيشان أَنَّ قوَّتهم، على بسالتها واستماتتها، عاجزة عن تحصيل الحقِّ لما قبلوا بالأَدنى عوضاً عن الأَسمى. وكذلك الأَمر في أَفغانستان، وبنما، وفوكلاند، والصُّومال، واليمن، ولبنان .... ولذلك لا عجب في أَن تظلَّ الولايات المتَّحدة ساعيةً في تعزيز قوَّتها العسكريَّة على الرَّغم من تفرُّدها العسكريَّ في العالم. ولا عجب في أَن تسعى كثيرٌ من الدُّول في مناكب العلم والتِّقنيَّة ... من أَجل الارتقاء بقوَّتها العسكريَّة؛ خِفيةً أَو جهاراً نهاراً. ولكن هل ستتغيَّرُ أَساليب استخدام القوَّة مع معطيات المرحلة الجديدة وآفاقها ؟ أَو لنستحضر السُّؤال المطروح آنفاً، وهو: ما طبيعة استخدام القوَّة في عصر العولمة ؟ بدايةً، لا نشكُّ في أَنَّ تغيُّر الظُّروف والشُّروط يجرُّ وراءه تعديلاً وتنويعاً في أَنماط السُّلوك التَّعامل. وهذا يعني، في إطار ما نحن فيه، ما يلي: هناك من يذهب إلى أَنَّ استخدام القوَّة بصورة مباشرة أَمرٌ لم يعدُ وارداً في ظلِّ المناخ الدُّولي الجديد بمعطياته وشروطه وظروفه ومفرزاته، وهذه فرضيَّةٌ حتَّى الآن لم تثبت صحَّتها، ولكنَّ الإطار العامَّ لهذا المناخِ الدُّولي الجديد يوحي تماماً بأَنَّ أَصحاب هذا الزَّعم الافتراضيِّ صائبون فيما يذهبون إليه. ولعلَّ أَكثر ما يخدعُ في هذا المنحى هو: مفاوضات نزع التَّسلُّح، وحظر السِّلاح النَّووي، وتخفيض القواعد العسكريَّة الأَمريكيَّة خصوصاً، وانهيار الاتِّحاد السُّوفياتي وتفكُّكه، والمساعي المختلفة إلى الفضِّ السِّلميِّ للنِّزاعات الدُّوليَّة، ومؤتمرات المصالحة للمشكلات المعلَّقة منذ سنين طويلة ... ولكن، هل يعني هذا انتفاء أَهمِّـيَّة القوَّة العسكرية ودورها، أَو عدم جدواها الآن؟ إنَّ الاتِّجاه السَّائد الآن، والَّذي يقول بعدم إمكان استخدام القوَّة العسكريَّة بصورةٍ مباشرة، لا ينفي أَيَّة أَهمِّيـَّة لهذه القوَّة، لأَنَّ فاعليَّتها لن تتغيَّر وستظلُّ هي هي، كلُّ ما في الأَمر أَنَّ السِّياسة الجديدة لاستخدام القوَّة ستتمثَّل باستراتيجية التَّلويح بالقوَّة لا باستخدامها، وهذا اعتقادٌ خاضعٌ للنِّقاش والمحاورة: إنَّ الوقائع الدُّوليَّة الرَّاهنة، معظمها، تشير إلى أَنَّه لم يزل لاستخدام القوَّة بصورةٍ مباشرةٍ الدَّور الأَوَّل والأَولى في حسم النِّزاعات وإحقاق الحقوق وتحصيلها ...؛ حتَّى وإن كانت من باب حقوق الأَقوياء الَّتي لا تُعدُّ حقوقاً إلاَّ بنظرهم فقط، والأَدلَّة على ذلك أَكثر من أَن تعدَّ أَو تحصى؛ فالنِّزاع الأَفغانيُّ ما زال قائماً لتكافؤ القوى العسكريَّة المتنازعة من جهة، ولعدم استخدام القوَّة الرَّادعة من جهةٍ ثانية، ونزاع الاتِّحاد اليوغسلافيِّ، على امتداد مساحته وأَبعاده، لم يحسم إلاَّ بالقوَّة العسكريَّة، وكذلك شأن اليمن، واستخدام القوَّة في ردع العراق أَيضاً. أَمَّا انسحاب الجيش الأَمريكي من الصُّومال فلم يكن لعجز القوَّة الأَمريكيَّة كما لاح لكثيرين، ولا من أَجل إفساح المجال للحوار اللسانيِّ إيماناً بانقضاء عهد استخدام القوَّة، وإنَّما لعدم وجودٍ مصالحٍ للولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة لا في التَّدخُّل العسكريِّ ولا في هذه المنطقة في ظلِّ الظُّروف الْمُعَاشة. وتتَّضحُ مصداقيَّة اتِّجاهنا هذا أكثر إذا ما علمنا أنَّه على الرُّغم من تزايد الحديث عن انتهاء حرب الأعصاب الباردة، وأفول شبح المواجهة العسـكريَّة فإنَّ كثيرين ممن يكثرون الحـديث عن ذلك في الولايات المتَّحدة "يواصـلون الإلحاح على زيادة القدرة العسـكريَّة للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، ويحقِّقون نجاحاً في ذلك. والمشهد الجدير بالاعتبار مرتبطٌ بإنتاج (20) قاذفة أمريكيَّة من نوع ب ـ 2 ستيلس) إلى العشرين الموجودة فعليًّا، والتي بلغت تكاليف الواحدة منها 2,2) مليار دولار. وفي رسالة موجَّهةٍ من سبعةٍ من وزراء الدِّفاع السَّابقين إلى الرَّئيس كلينتون في يناير 1995م، علَّلوا اقتراحهم بضرورة امتلاك (20) طائرة إضافيَّة من نوع ب ـ 2 ستيلس) كالآتي: إنَّ انتهاء الحرب الباردة لا [يعدُّ] نهاية التَّاريخ، وليس نهاية الخطر ... ونتيجةً لذلك اعتمد الكونجرس تمويلاً كاملاً لإنتاج هذه القاذفات"(9) . طبعاً، كلُّ ذلك، لا يعني مطلقاً، أَنَّنا ننفي جدوى الأَلسن في التَّفاوض وحلِّ الخلافات ... ولا حاجة للتَّدليل بالأَمثلة لانتفاء الضَّرورة إليها. ولكن الَّذي يجب أَلاَّ يغيب عن الأَذهان هو ما يتجسَّد في السُّؤال التَّالي وجوابه، وهو:" لماذا تحارب الشُّعوب بعضها بعضاً؟ أَمن أَجل مجرَّد التَّدمير والنَّهب والخراب؟!! أَبداً، ليس ذلك كلُّه وسواه إلاَّ ملحقاتٍ لأَصلٍ هو نشدان الأَمن والسَّلام. نعم من أَجل السَّلام تقوم الحروب وما يلزم عنها من كوارث وفواجع ... فهذه الغاية هي الَّتي تتمحور حولها الأَغراض الظَّاهرة كلها، فلكي تشعر بالأَمن والسَّلام ينبغي أَن يهابك الآخرون، ولا يهابك الآخرون إلاَّ إذا كنت قويَّاً، ولا تظهر قوتُّك إلاَّ إذا اعتديت على غيرك؛ بحقٍّ أَو بغير حق، وإلاَّ إذا أَظهرت لهم أَنَّك منيعٌ لا تُنْـتَهك حقوقك وحرماتك بسهولةٍ أَبداً، وإذا كانت حدودك مسيَّجة بهالة الرُّعب هذه شعرتَ بالارتياح والطُّمأنينة ونعمت بالأَمن والسَّلام، ومن أَجل هذا السَّلام قامت الحروب، ولا يكون لهذا السَّلام طعمٌ ولا معنى إذا كان محفوفاً بالفقر، بل شبه المستحيل أَن يكون، لعدم إمكان اجتماع عناصر القوَّة دون الغنى المادي، ولذلك يكون النَّهب مشروعاً بالنِّسبة للقوي وللأَسباب التي يراها هو؛ ضريبة، أَتاوة، خراج، تجارة، استثمار ... أَيـَّاً كانت التَّسمية فهي مسوَّغة تماماً عند مُوجِدِها الَّذي يتقبَّلها بعين قريرة وضميرٍ جدِّ مرتاحٍ ... لأَنَّها حق، والحق يعلو ولا يعلى عليه. وإذا أَردت أَن تتأَكَّد من ذلك حاول أَن تقنع أَمريكيَّاً أَو أَوربيَّاً بأَنَّ النِّفط العربي للعرب، وأَنَّ من حقِّهم أَن يتحكَّموا به كيفما شاؤوا، قد يقتنع بأَنَّ نفط العرب للعرب، ولكنَّك لن تتمكَّن من إقناعه بأَنَّ من حقِّهم أَن يمنعوا نفطهم عمَّن يشاؤون حتَّى ولو قلبتَ له العصا ثعباناً، أَو جئت له من العجب ما يُحيل التُّراب إلى ذهب، بل حتىَّ ولو فلقت رأسه نصفين"(10) . ولا عجب إذ ذاك أَن يتنطَّعَ مفكِّرٌ كبيرٌ مثل كارل بوبر ـ Karl Popper ليعلن في أَواخر حياته في لقاء أَجرته معه مجلَّة Der Spiegel الأَلمانيَّة(11) أَنَّه مع الحرب من أَجل السِّلم، ومع الهيمنة الأَمريكيَّة على العالم من أَجل السِّلم، ومع القضاء على أَيَّة قوَّة ناشئة وتدميرها ... يجب أَلاَّ يكون هناك غير الولايات المتَّحدة دولة قويَّة في الميدان !!(12) ولا يُلام كارل بوبر وأَمثاله على مثل هذه النَّظرة على ما فيها من حيف وتجنٍ على الشُّعوب الأُخرى "فسكَّان أوربا الَّذين يساوون 20 بالمئة من سكَّان العالم يستهلكون 80 بالمئة من موارده ولو سمحوا لبقيَّة البشر أَن يعيشوا مثلهم لوقعوا في مشكلة لأَنَّ الموارد محدودة"(13) ، وبالتَّالي فإنَّ ذلك سيكون على حساب رفاهيَّتهم، ولذلك لا يمكن أَبداً للعقليَّة الغربيَّة النفعيَّة والذَّرائعيَّة أَن تسمح بوجود أَيِّ قوَّة تحدُّ من هيمنتهم على العالم وعلى موارد هذا العالم، ويتجلَّى هذا واضحاً في أَفكارهم وسلوكاتهم بدءًا من أَعلى المستويات الفكريَّة والسُّلطويَّة حتَّى الفئات الشَّعبيَّة المختلفة. * * * (1) ـ نايف علي عبيد: العولمة والعرب ـ ص 29. (2) ـ د. سمير أَمين: إمبراطوريَّة الفوضى ـ ص5. (3) ـ عزَّت السَّيد أَحمد: انهيار أُسطورة السَّلام ـ ص 14. (4) ـ م.س ـ ص 15. (5) ـ مسعود ضاهر: صدام الحضارات كمقولة أَيديولوجيَّة لعصر العولمة الأَمريكيَّة ـ ص23. (6) ـ انظر في بعض تفاصيل مثل هذه الأُمور في كتابينا: كيف ستواجه أَمريكا العالم ؟ والنِّظام الاقتصادي العالمي الجديد ـ صفحات متعدِّدة. (7) ـ هذا التَّحليل من لقاء مع بول كينيدي أجرته معه مجلة؛ L'Express في العدد 2080 في 28 أيار/ مايو 1991م. انظر تفصيل ذلك في كتابنا: كيف ستواجه أَمريكا العالم ـ ص 80ـ83. (8) ـ انظر تفصيلاً لذلك لدى: عزَّت السَّيد أَحمد: الأُمم المتَّحدة بين الاستقلال والاستقالة والتَّرميم؛ مأزق الأُمم المتَّحدة في النِّظام العالميِّ الجديد ـ مكتبة دار الفتح ـ دمشق ـ 1993م ـ ص55ـ61. وصفحات أُخرى متعدِّدة في الفكرة ذاتها. (9) ـ ف. يرلوف: نهاية التَّاريخ أم البحث عن طريق جديد ـ ترجمة؛ أشرف الصَّباغ ـ ضمن مجلة؛ الثَّقافة العالمية ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ العدد 85 ـ 1997م ـ ص 18. (10) ـ عزَّت السَّيد أَحمد: انهيار أُسطور السَّلام ـ ص 65-66. (11) - Karl Popper: Kriege führen für den Frrieden. im Der Spiegel. N.13. 5.4.1992. P.202-211. (12) - Karl Popper: Kriege führen für den Frrieden. P.202. وانظر في ذلك أَيضاً كتابنا: كيف ستواجه أَمريكا العالم؟ ـ ص 71ـ 78. (13) ـ التَّمرُّد على قبَّعة العم سام ؛ حوار مع الدُّكتور عبد الوهاب المسيري أَجراه؛ محمد همام ـ ملحق جريدة الاتَّحاد ؛ الاتحاد الاقتصادي ـ أَبو ظبي ـ عدد الاثنين 29 شعبان 1418هـ الموافق لـ 29 كانون الأَوَّل/ ديسمبر 1997م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |