انهيار مزاعم العولمة قراءة في تواصل الحضارات وصراعها - د.عزَّت السَّيـِّد أَحمد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتَّاب العربدمشق ـ عام 2000م.

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثَّاني : العولمة والغــزو الثقافي

إنَّ الأمَّة العاجزة عن المحافظة على جوهر كينونتها وروحها الحضاري والدِّفاع عن خصوصيَّتها ... أي القابلة للذَّوبان في أيِّ محلول حضاريٍّ غريب عنها، ليست جديرة بالبقاء، ولن تجد من يأسف عليها.‏

لا شكَّ في انطواء العولمة، من حيث المبدأ، على إمكاناتٍ خصبةٍ وتطبيقاتٍ ثرَّةٍ للحوار الحضاري وتمازج الثَّقافات وانفتاحها على بعضها بعضاً، وبهذا المعنى فقط يمكننا أن نقبل قول ديفيد روثكوبف ـ‏

David Rothkopf (1) إنَّ "العولمة تشجِّع التَّكامل وتزيل ليس فقط الحواجز الثَّقافيَّة، وإنَّما أيضاً العديد من الأبعاد السَّلبيَّة للثَّقافة"(2) .‏

ولكن واقع الأَمر وحقيقته أَنَّ الَّذي يدور في الكواليس مختلفٌ كلَّ الاختلاف، فالحقيقة غير الخافية، والَّتي ينبغي أَلاَّ تخفى على أَحدٍ أَنَّ العولمة ما هي إلاَّ امتدادٌ لسياساتٍ وتخطيطاتٍ غائرة المدى، على الرُّغم من كونها مفرزاً تلقائيًّا للتَّطور التَّقاني على مختلف الأصعدة والأُطر، فاستُغلَّت لتعزيز هذه السِّياسات وتكريس نتائج التَّخطيطات استناداً إلى الفكرة البريئة القائلة بتلاقح الثَّقافات والحضارات وحوارها، هذا الأمر المحبَّب والمنشود، ولكن شريطة وجود البدائل والأنداد بما يتيح إمكان الحوار والتَّلاقح، ولكن الأمر الآن غير متوازنٍ أبداً لأَنَّ الولايات المتَّحدة، على حدِّ ما يزعمون، " تهيمن على حركة المرور الكونيَّة في مجال المعلومات والأفكار. فالموسيقى الأمريكيَّة، والأفلام الأمريكيَّة، والبرامج التَّلفزيونيَّة الأمريكيَّة، وبرامج [الحاسوب] الأمريكيَّة أصبحت شديدة الهيمنة ورائجة جدًّا ومشاهدة جدًّا حتَّى إنَّها [توجد] اليوم في كلِّ مكان على الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة. وهي ثؤثِّر فعليًّا في أذواق كلِّ الأمم وحياتها وتطلُّعاتها ..."(3) .‏

مقدِّمات‏

انطلاقاً من ذلك أُريد من العولمة وخُطِّط لها بحيث "تتغلَّب فيها نوازع الاستئثار والهيمنة، لتكون) نتيجتها تدمير الثَّقافة والثَّقافات، ما دام الهدف إلغاء الآخر بفرضِ التَّجانس عليه، فمنتجات الثَّقافة وإنتاجاتها تحوَّل إلى سلعةٍ تتحكَّم فيها قوانين السُّوق الَّتي لا تروِّج ولا تبتغي غير الجوانب الماديَّة الَّتي تضمن لها الرِّبح. وتنتهي العولمة، من جهة ملازمة أُخرى، إلى ممارسة ما يشبه العدوان الممنهجَ على ثقافات الشُّعوب وقيمها، وخصوصيَّاتها، وإبداعات تراثاتها. فيكون على البلدان جميعها أَن ترتدي الثَّوب أَو اللَّون الواحد، وأَن تأكل الصَّحن الواحد، وأَن تقرأ الكتاب الواحد، وأَن يصاغ لها طموحات واحدة، وأَذواقٍ واحدة، وأَفكارٍ واحدة، ونمط حياة واحدٍ. وتغسل الأَدمغة، فتتماثل وتتجانس بما يفصَّلُ لها، بعدما أُفقِدَت كلَّ عناصر المناعة والفكر النَّقديِّ من خلال تدمير المعرفة والذَّاكرة"(4) .‏

ومن أجل تحقيق هذه الأغراض وتكريسها، إلى جانب أسباب أخرى قد لا تخلو من الجوانب الإيجابية، "يقوم موجِّهو عمليَّة العولمة المتسارعة اليوم بتحسين وسائل وأنظمة النَّقل الدُّوليَّة، ويبتكرون [تقانات] وخدمات ثوريَّة جديدة في مجال المعلومات، ويهيمنون على السُّوق الدُّولي للأفكار والخدمات. وهو ما يؤثِّر في أسلوب الحياة، والمعتقدات، واللُّغة، وكل مكوِّنات الثَّقافة الأخرى"(5) .‏

مزاعم الثـَّقافة الخارقة‏

وبالنَّظر إلى الواقع العالمي الرَّاهن، وموقع الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة منه وفيه على مختلف الأصعدة والمستويات، ولا سيَّما العسكرية ثمَّ الاقتصاديَّة، من دون نسيان عنصر العُنجهيَّة الأمريكيَّة على وجه الخصوص، ليس من المستغرب أبداً أن يكون الأمريكيُّون هم الأكثر تبشيراً ـ تهويلاُ ـ تهديداً) بسيادة عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم ... على العالم، وبمعنى أكثر شمولاً سيادة نموذجهم الحضاريِّ؛ الثقافي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسِّياسي والتَّقاني ... ومن كوكبة المروِّجين لذلك رجلٌ طلع علينا حديثاً هو: ديفيد روثكوبف ـ الذي كتب مقالاً صارخاً في مديح الإمبرياليَّة الثَّقافيَّة، واستبسل فيه في التَّرويج للثَّقافة الأمريكيَّة وتمجيدها كي تحلو في عيون الأمريكيين وغيرهم من أمم الأرض. فهو يفترضُ أوَّلاً أنَّه "من المحتَّمِ أن تقودَ الولايات المتَّحدة التَّحوُّل؛ فهي الأُمَّةُ الأساسيَّة في إدارة الشُّؤون الكونيَّة، والمنتج الرَّئيسي لمنتجات [المعلوماتيَّة وخدماتها] في السَّنوات الأولى لعصر المعلومات"(6) ، وهو يبني ذلك على ما يدَّعيه ويزعمه لقومه من خصائص وصفات تؤهِّلها لتبوء هذا الدَّور، وفي ذلك يقول: "إنَّ الثَّقافة الأمريكيَّة تختلف جوهريًّا عن الثَّقافات [التي هي بنات بيئاتها] في العديد من المجتمعات الأخرى. فالثَّقافة الأمريكيَّة هي مزيجٌ من المؤثِّرات والمناهج من مختلف أنحاء العالم. وقد انصهرت ـ عن وعي في حالات عديدة ـ في وسط اجتماعي يسمح بازدهار الحرِّيَّات الشَّخصيَّة والثَّقافات. وإذ يدرك الأمريكيون ذلك، فإنَّهم يجب ألاَّ يخجلوا من القيام بما هو في مصلحتهم الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والأمنيَّة ـ وبالتَّالي بما هو في مصلحة العالم ككل. ويتعيَّن على الولايات المتَّحدة ألاَّ تتردَّد في التَّرويج لقيمها. وفي سعيهم لأن يكونوا مهذَّبين أو سياسيين"(7) .‏

وعلى الرُّغم من كلِّ الممارسات الأمريكيَّة البشعة وازدواجيتها وعنجهيَّتها وعدوانيتها التي لم يسجِّل التَّاريخ مثلها ... نجده يصور الأمريكيين وكأنَّهم على درجة من التَّواضع والحياء بحيث يأكل القطُّ عشاءهم وهم ينظرون إليه بمنتهى الوداعة والخجل، يقول: "ينبغي على الأمريكيين ألاَّ ينكروا حقيقة أنَّه بين كلِّ الأمم التي عرفها تاريخ العالم، فإنَّ أُمَّتهم هي الأكثر عدلاً، والأكثر تسامحاً، والأكثر حرصاً على إعادة [تقويم] الذَّات وتحسينها، وهي النَّموذج الأفضل للمستقبل"(8) . والحقُّ أنَّ هذا الخطاب الموجَّه إلى الأمريكيين ظاهريًّا إنَّما هو تسويق مفضوحٌ للسِّياسة والثَّقافة الأمريكيتين.‏

ويعزِّز روثكوبف هذا التَّسويق بضرب من الإيحاء النَّفسي عندما يحاول إظهار أنَّ الولايات المتَّحدة لا تفعل شيئاً من أجل تعزيز هيمنتها وإنَّما الظُّروف التي تخدمها كونها هي الرَّائدة في كلِّ المجالات ولذلك من مصلحتها " أن تشجِّع تطوير عالم يتمُّ فيه تجاوز حدود الصُّدوع التي تفصل العالم عبر المصالح المشتركة. ومن المصلحة الاقتصاديَّة السِّياسيَّة للولايات المتَّحدة أنَّ العالم إذا كان يتحرَّك باتِّجاه لغة مشتركة، فإنَّ هذه اللغة ستكون هي الإنجليزيَّة، وأنَّ العالم إذا كان يتحرَّك باتِّجاه معايير مشتركة في مجالات الاتِّصالات ـ Telecommunications والأمان ـ Safety والنَّوعيَّة ـ Quality فستكون هذه المعايير معايير أمريكيَّة، وأنَّ العالم إذا كان سيصبح مترابطاً من خلال الإذاعة والتِّلفزيون والموسيقى فإنَّ البرامج ستكون أمريكيَّة، وإذا كان يجري تطوير قيم مشتركة فإنَّها ستكون قيماً يرتاح لها الأمريكيُّون"(9) .‏

وحرصاً من روثكوبف على حسن سير أمور البشر على الأرض، كما يبدي سـياق الكلام، فإنَّه يرى أنَّه الهـدف المحوريَّ بالنِّسبة للولايات المتَّحـدة فيما يتعلَّق بالسِّياسة الخارجيَّة على وجه الخصوص، في عصـر المعلومات هذا، "لا بدَّ وأن يتمثَّل في تحـقيق النَّصر في معركة تدفَّق المعلومات في العالم، والهيمنة على موجات الأثير، تماماً كما كانت بريطانيا العظمى تهيمن يوماً على البحار"(10) . ظنًّا منه أنَّ تدفُّق المعلومات يصنع المعجزات، فيجعل العصـا ثعباناً، والحجر ذهباً. وإن كنَّا لا نختلف معه من حيث المبدأ؛ مبدأ خطورة تدفق المعلومات وأهمِّـيَّة الهيمنة الإعلاميَّة.‏

ولذلك نجده يحاول تعزيز أهمِّـيَّة دعواه في ضرورة الهيمنة الإعلاميَّة وخطورة الغزو الثَّقافي استناداً إلى أنَّ أقمار البثِّ التلفزيوني الاصطناعيَّة تمكِّنُ النَّاس في أقطاب الأرض "من التَّعرُّف بانتظام من المحفِّزات الثَّقافيَّة، فالمشاهدون الرُّوس يتعلَّقون بالتَّمثيليَّات التِّلفزيونيَّة الأمريكيَّة، وقادة الشَّرق الأوسط [يعدُّون] محطَّة الـ سي.إن.إن) مصدراً رئيساً للمعلومات المحليَّة. وأصبحت شبكة الإنترنت ظاهرة كونيَّة على نحو متزايد في ظلِّ تطوُّرٍ فعَّال في كلِّ القارَّات"(11) . ولينقلنا بالتفاتةٍ واضحةٍ منه إلى أهمِّـيَّة الثَّقافة الأمريكيَّة وقدرتها على اختراق المتلقي والهيمنة عليه أينما كان. ولكنَّ الأهمَّ بالنِّسبة له أن تصل إلى المتلقِّي.‏

وهو على الرُّغم مما يدَّعيه من عدل الأمريكيين وتسامحهم وتمازجهم الثَّقافي والحضاري ... فإنَّه يحذِّر الأمريكيين من الوقوع تحت تأثير أيِّ فكرٍ آخر أو حتَّى الحوار معه مهما انطوى عليه من أطروحات، بل إنَّه يصادر على الآخرين حقَّ أن يمتلكوا أو يحافظوا على خصائصهم الشَّخصيَّة والحضاريَّة، ومن ذلك قوله:‏

"وفي الوقت نفسه، يجب على الأمريكيين ألا يخضعوا لتأثير أفكار مثل تلك التي يطرحها لي كوان يوي رئيس وزراء سنغافورة، أو مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا، اللذان يزعمان أنَّ هناك "طريقاً أسيويًّا"، وأنَّ هذا الطَّريق لا يحقُّ لغير الآسيويين أن يحكموا عليه، وأنَّه يتعيَّن السَّماح له بأن يملي سياق الأحداث على كلِّ من يعمل في ذلك الرُّكن من العالم. وهو زعمٌ يمكن [عدَّه] رطانةً سياسيَّة تحرِّكها المصالح الشَّخصيَّة"(12) .‏

انهيار المزاعم‏

وهنا لا بدَّ لنا أن نتساءل مع ميشيل إدَّه ومع كثير غيره من المتسائلين:‏

"أَلا تسوِّغُ لنا هذه الوقائع، الَّتي تنظم كذلك بلداناً من الشَّمال المتقدِّمِ، أَن نأخذَ بعين الاعتبار الجدِّي الخطير إمكان بل تسارع الانتقال من نهاية الجغرافية إلى ما يشبه تدمير الثَّقافة والذَّاكرة والتَّاريخ نفسه بالنِّسبة للبلدان والشُّعوب ؟"(13) .‏

الحقُّ أنَّ المسألة، على خطورتها وفداحة هولها من النَّاحية النَّظريَّة وما يمكن تلمُّسه من آثار واقعيَّة، ليست بالمعضلة المستعصية على الحل، كما أنَّ أبعادها ليست على النَّحو المدلَّل عليه في مخططات الغزو الثَّقافي الذي يمارس على الشُّعوب بنوع من الحرب النَّفسيَّة الخفيَّة التي تعتمد الإيحاء وسيلةً أساسيَّةً لها كما بدا لنا في أسلوب روثكوبف الذي أشرنا إليه قبل قليل، وكذلك باربر وغيرهما كثير.‏

إنَّهم يضعون العربة دائماً أمَّام الحصان، وينظرون إلى الأمر بعين واحدة ومن جانب واحد متناسين كلَّ الجوانب الأخرى وارتباطاتها، فهم يؤسِّسون على افتراضات والتَّأسيس على الافتراض يشيد عوالم لا تخطر ببال بشر قطُّ ولكنَّها غير موجودة، فبنيامين باربر مثلاً يقول: "الأسواق المشتركة تتطلَّب لغة مشتركة، ونقداً مشتركاً، وتفضي إلى سلوكيَّات متشابهة من النَّوع الذي ينميه نمط العيش المدني ـ [الكوني] في كلِّ مكان. ذلك نمطٌ في الحياة كأنَّما يهمُّ به نسلٌ من رجال ونساء لا تعنيهم شؤون الدِّين والثَّقافة والوطنيَّة، إلاَّ في الحدود الدُّنيا والهامشيَّة. هذا النَّسل قوامه مبرمجو [الحاسوب]، روَّاد التَّجارة ـ مديرو [المصارف] الدُّوليَّة، أخصَّائيو الإعلام، المتعاملون بالنِّفط، نخب التَّرفيه والإمتاع، خبراء [البيئة]، أخصَّائيو الإحصائيَّات السُّكانيَّة، المحاسبون، الأساتذة، الأكاديميون، الرِّياضيون ..."(14) . يبدو جليًّا ما في هذا القول من رؤية أحاديَّة وبناءٍ على الافتراضات، ذلك أنَّه يريد من جهة أولى أن يؤسس للسُّوق الجديدة بناءً على متطلَّبات هذه السُّوق بل بالمعنى الأكثر دقَّة متطلبات المنتج وتناسى تماماً متطلبات المستهلك التي تستطيع أن تفرض ذاتها عل المنتج أيضاً وبدرجة من القوَّة لا يجوز أن يستهان بها. وهو يفترض من جهة ثانية أنَّ الجيل القادم غير مبالٍ بالدين ولا الثَّقافة ... وهذا محض زعم وادِّعاء لا يعوزه البرهان وحسب بل التَّسويغ المنطقي لطرحه. ومن جهة ثالثة فإنَّ الذين يخطِّطون لمستقبل هذا السُّوق كلُّهم أصحاب رؤوس أموال صناعيَّة وتجاريَّة ... وهؤلاء يخطِّطون دائماً لتطويع السُّوق بما يتوافق مع مصالحهم، وليس لهم أن ينجحوا بالضَّرورة.‏

نعم، إنَّنا نتَّفق تماماً مع بول فيريليو الذي يقول: "إنَّنا نشهدُ الآن نهاية الجغرافيا، وذلك من حيث لا مكان منعزل، ولا وطن مستقل، ولا ثقافة محصَّنة"(15) . ولكنَّ عدم انعزاليَّة المكان، وعدم وجود ثقافة محصَّنة، وحتَّى عدم وجود الوطن المستقلِّ، أفكار بل وقائع ليست بالجديدة أبداً، ذلك أنَّ السَّيرورة التَّاريخيَّة للحضارة البشريَّة منذ أقدم العصور وحتَّى الآن منتبجةً بالنَّماذج المؤكِّدة لهذه الحقيقة، فكلُّ ثقافة، وبما تقوم به بوصفها ثقافة أي بوصفها الحامل والمحمول الحضاري للأمَّة، فإنَّها بطبيعة الحال أو بطبيعتها معرَّضة للانتهاك والاختراق حتَّى وإن كانت ثقافة أمَّة رائدة أو غازية أي ثقافة أمَّة يفترض أنَّها قويَّة محصَّنة ضدَّ الاختراق والانتهاك، ذلك أنَّ اختراق أيِّ ثقافة لثقافة أخرى ليس يعني دائماً التَّأثير السَّلبي أو الضَّار أو المفسد لها فقد يكون إيجابيًّا وفاعلاً أيضاً، ولا توجد ثقافة بمعزل عن التَّأثُّر بغيرها من الثَّقافات إيجابيًّا أو سلبيًّا لأنَّ تحصين ثقافة الأمَّة أو انغلاقها يعني تقوقعها وتشرنقها بحيث تغزل نسيجها من ذاتها لذاتها فتغدو كالمياه الرَّاكدة الآسنة أي إنَّها تنبت بذور فنائها بذاتها لأنَّ الثَّقافة الحيَّة أو التي تريد أن تظلَّ حيَّةً هي التي تظلُّ متواصلة متلاقحةً مع كلِّ الثَّقافات كيما تتجدَّد أنساغها بما يمكِّنها من مواكبة المرحلة التي هي فيها. وبالأسلوب ذاته يمكننا أن نفسِّر سبب عدم وجود مكان منعزل ولا وطن مستقلٍّ، وبالتَّالي ليست العولمة هي التي تقود إلى تدمير الثَّقافة أو انمحائها، وليست هي التي ستقضي على الحدود وتكشف الأغطية عن الأمكنة، كلُّ ما في الأمر أنَّها تلعب دوراً ما في تسريع وتائر مثل هذه الخطى من دون أن تكون القشَّة التي تقصم ظهر البعير. وبهذا المعنى فقط يمكننا أن نفهم كيفيَّات اختراق المجتمعات والثَّقافات ومستوياتها بفعل العولمة، غير منكرين أنَّ لعصر العولمة خصوصيَّة التَّاثير المخطَّط والأوسع مدى، لقيامها أصلاً على مستويات من التَّعقيد والتَّداخل لم تكن متوافرة فيما خلا من المراحل التَّاريخيِّة، تتركَّز كلُّها، برأينا، في المستوى الأعلى من المستويات التي تحدَّث عنها علي حرب وهو المستوى المتمثِّل "في تدفُّق المعلومات والصُّور والقيم والنَّماذج عبر وسائط الإعلام المتعدِّدة التي تحوِّل العالم إلى نظام كوني واحد للاتصال الدَّائم"(16) ، أمَّا المستويان المتوسط والأدنى المتمثِّلان في "توحيد الأسواق الماليَّة عبر التِّجارة الإلكترونيَّة على يد مجموعات الإنتاج وأصحاب الشَّركات ذات الجنسيَّات المتعدِّدة، والمستوى الأدنى المتمثِّل في حركة الأشخاص العابرين للحدود بين الدُّول والقارات، بفعل اتِّساع السِّياحة وتزايد الهجرات"(17) ، فإنَّهما غير جديدين وجوداً وفعلاً بحال من الأحوال.‏

ولكن السُّؤال الذي يطرح ذاته بإلحاحٍ هنا هو كما يقدِّمه هنتنجتون: "هل يتعيَّنُ على المجتمـعات غير الغربيَّة، إذا أرادت أن تتحدَّث، أن تتخلَّى عن ثقافاتها الخاصَّة وتتبنَّى عناصر الثَّقافة الغربيَّة الجوهريَّة ؟"(18) .‏

إنَّ الإجابة عن هذا السُّؤال تُشرعُ أمامنا ثلاثيَّةً جدليَّةً من الأبواب تشبه الثلاثيَّات الهيجيليَّة، وهي على كونها في اعتقادنا مسلَّمات، إلاَّ أنَّها تطُرح دائماً بوصفها فرضيَّات تبحث عن براهينها أو تنتظر هذه البراهين؛ أوَّل هذه الأبواب هو النَّظرة الاستشرافيَّة الأعلويَّة، وثانيها النَّظرة الأدنويَّة، وثالثها خصوصيَّات الثَّقافات.‏

أوَّلاً : النَّظرة الاستشرافيَّة الأعلويَّة‏

ألمحنا غير مرَّة، وفي أكثر من مكان، إلى أنَّ الأمَّة التي تتصدَّر سدَّة الحضارة والقوَّة لا ترى إلى الأطراف والهوامش إلا بوصفها توابع وملحقات لها حتَّى ولو لم تكن تحت سيطرتها المباشرة، وبالتَّالي فإنَّ تطبُّع هؤلاء الآخرين ـ الأدنى ـ بطبائعها هو الأصل وغير ذلك هو الاستثناء، وأن تقوم هذه الأمَّة بإملاء شروطها وأوامرها وتعليماتها هو الأصل وغير ذلك هو الاستثناء. وأن يقتفي الآخرون خطاها هو الأصل وغير ذلك هو الاستثناء، حتَّى وهي ـ الأمَّة الرَّائدة ـ تنهل من معين الثَّقافات الأخرى فإنَّها تفعل ذلك من موقع الفعل لا الانفعال.‏

إنَّ الأمثلة على ذلك جدُّ كثيرة وتملأ بطون كتب التَّاريخ حتَّى ليتعذَّر سردها أو جمعها، ومن ذلك على سبيل المثال رسالة هارون الرَّشيد إلى ملك الرُّوم التي جاء فيها: من هارون الرَّشيد ملك العرب إلى نقفور كلب الرُّوم؛ الجواب ما ترى لا ما تسمع. ومثل ذلك أيضاً قصَّة أسامة بن منقذ عندما أسرَه الصَّليبيون وعُرِضَ عليه أن يتجوَّل في المدن الإيطاليَّة ويختار ما يشاء ليسكن فيها، فقال: وماذا أفعل عندكم وأنتم قوم متخلِّفون، بعيدون عن التَّحضُّر. ولكنَّ الازدراء الغربي للشَّرق الآن قد لا يقاس بمقياس.‏

أمَّا فيما يخصُّ التَّلاقح الثَّقافيَّ بالاسـتناد إلى هـذه الآليَّة التَّفاعليَّة التي تتمُّ على النَّحوين الشُّعوري واللاشـعوري فإنَّ أعلام الاستشراق والاسـتغراب؛ قديماً وحديثاً، أكثر من أن يعدُّوا، ولكن الذي ينبغي الانتباه إليه هنا هـو الآليَّة التي تتمُّ بها عمـليَّة التَّلاقح الثَّقافي؛ إنَّها عمليَّة استشرافيَّة تتمُّ من الأعلى إلى الأدنى عندما يطلع القوي على ثقافة الأضعف وينهل منها على طريقته وبما يخدم مصالحه، وربَّما يعيد تكوينها على طريقته مثلما يفعل المستـشرقون الآن بالتُّراث العربي وبالثَّقافة العربيَّة الرَّاهنة أمـثال أرنست رينان وهاملتون جب وهارولد بوون وماك دونالد وبرنارد لويس والسير توماس أرنولد وفرانس روزنتال ولوي ماسنيون وشارل بللا وماك بيرجيه وكولان وليفي بروفنسال وغيرهم كثيرون. ومن أمثالهم في العصور السَّابقة نجد طاليس الذي ذهب إلى مصر وتعلَّم فيها علم المسـاحة(19) ، وفيثاغورث الذي طوَّف في أنحاء الشَّرق وتلقى من علومها(20) ، وأفلاطون الذي زار مصر غير مرَّة، واتَّصل بمدرستها الكهنوتيَّة، وأخذ بنصيب من علم الفلك والدِّين والحكمة والأخلاق والتَّقاليد ... التي يظهر بعضها جليًّا في كتاباته(21) . وفي الحضارة العربيَّة نجد حنين بن إسحاق ومتى بن يونس القنَّائي وبشر بن متَّى وابن البطريق وابن ناعمة وابن قرَّة ... وغيرهم كثيرون أيضاً.‏

والحقُّ، على كلِّ حال، أنَّ هذه النَّظرة الاستشرافيَّة الاستعلائيَّة من المنتصر أو الأقوى حقٌّ طبيعيٌّ مضمرٌ بالقوَّة ومكتسب بالفعل. وهو يمارس هذا الحقَّ بصورة قد تكون شعوريَّة أو لا شعوريَّة، وفي كلتا الحالتين يمكن أن تنطوي على الرِّفق والرَّأفة ... ويمكن أن تلتحف بالعُنجهيَّة والعجرفة، فإذا كانت الحالة الأولى قال المنصفون مثلاً: "ما عرف التَّاريخ فاتحاً أرحم من العرب"، على الرُّغم من أنَّ أسلافهم هم الذين فتح العرب بلادهم، وإذا كانت الحالة الثَّانية؛ حالة العنجهيَّة والعجرفة قال المنصفون في ذلك مثلما قال هنتنجتون ـ Huntington: كثيرون، في الغرب، يعتقدون أَنَّ العالم يسير نحو ثقافةٍ عالميَّةٍ موحَّدةٍ هي ثقافةٌ غربيَّةٌ أَساساً، ومثل هذا الاعتقاد متغطرسٌ، زائفٌ، خطرٌ؛ فانتشارُ السِّلع الاستهلاكيَّة الغربيَّةِ لا يعني انتشار الثَّقافة الغربيَّة، فشرب الكوكا كولا لا يؤدِّي إلى أنَّ الرُّوس يفكِّرون مثل الأمريكان، كما أَنَّ تناول طبق الشُّوشي الياباني) لا يجعل الأَمريكيين يفكِّرون مثل اليابانيين(22) . هذا على الرُّغم من أنَّ أهليه وذويه، وغيره كذلك، هم الذين يمارسون هذه الغطرسة والعنجهيَّة.‏

وعلى ذلك فإنَّ الأمَّة المتقدِّمة بل المتصدرة سدَّة الحضارة والتَّقدُّم؛ شرقيَّة أو غربيَّة، هي التي تفرض نمطيَّتها الحضاريَّة؛ الفكريَّة، العلميَّة، السياسية، الاقتصاديَّة، الاجتماعيَّة، الأخلاقيَّة ... على الأمم الأخرى على النَّحوين؛ المباشر وغير المباشر. وهذا ما يمكن أن نلمس آثاره أيضاً في مفردات الأمَّة الرَّائدة ومعطياتها التي تفرض ذاتها على الأمم التَّابعة أو الخلفيَّة.‏

ثانياً : النَّظرة الأدنويَّة‏

أمَّا النَّظرة الأدنويَّة فهي ما يدرس في علم النَّفس تحت عنوان التَّقليد، وقد كثَّفها لنا ابن خلدون في عنوان فصل من فصول مقدِّمته هو: في أنَّ المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. ورأى أنَّ "السَّبب في ذلك أنَّ النَّفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمَّا لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنَّ انقيادها ليس لغلبٍ طبيعيٍّ إنَّما هو لكمال الغالب"(23) . وهذه حقيقةٌ تاريخيَّة مصانة من النَّقد والطَّعن، ولعلَّ هذا التَّحليل وما تلاه من أبدع ما جاء به ابن خـلدون، ذلك أنَّه يفسِّر آليَّة التَّقليد تفسـيراً دقيقاً برؤية حدسيَّة تتجاوز ضروب الاستدلال والاستنتاج والقياس والبرهان.‏

والتَّقليد، بوصفه آليَّة لا شعوريَّة، ذو وظيفة تبريريَّة تختلقها الذَّات لتدرء جملة من المخاطر النَّفسيَّة التي تعصف فيها على النَّحو الذي ساقه صاحب المقدِّمة. وفي الإطار الذي نحن بصدده فإنَّ هذه الآليَّة الدِّفاعيَّة تتَّخذ منحيين؛ منحى التَّقليد أو المحاكاة، ومنحى الاحتواء أو الانتماء. أمَّا منحى التَّقليد فإمَّا أن يكون تقليداً أعمًى أو يكون تقليداً بحكم عادة المغلوب في اقتفاء خطى الغالب، وأمَّا الاحتواء فإمَّا أن يكون اندماجاً أو تدامجاً.‏

آ ـ التَّقليد الأعمى: في هذا النَّوع من التَّقليد ينساق الضعيف أو المغلوب ... انسياقاً تامًّا وراء القويِّ أو الغالب ... من دون أي تفكيرٍ لأنَّه ينطلق في تقليده من تمام تسليمه بكماليَّة الغالب أو القوي وعصمته، ولذلك يقع هذا المقلِّد فريسة سهلة للأخطاء القاتلة والمهاوي المشينة المعيبة، ومن أمثلة الأخطاء القاتلة أنَّ "بطرس الأكبر ومصطفى كمال أتاتورك كانا عازمين على تحديث بلديهما ومقتنعين بأنَّ ذلك كان يعني تبنِّي الثَّقافة الغربيَّة، حتَّى إلى درجة استبدال غطاء الرَّأس التَّقليدي ببديل غربي. ولكنَّهما لم يقوما، باعتمادهما لمثل هذه العمليَّة، إلاَّ بخلق بلدين ممزَّقين غير واثقين بهويتيهما الثَّقافيتين"(24) . ومن أمثلة المهاوي المشينة ما أورده يحيى حقِّي في "تعال معي إلى الكونسرت" إذ قال: "من القفشات) التي يتندَّر بها الغرب على الشَّرق رواية تزعم أنَّ شاه إيران ـ من أسرة كاشفار إبَّان انهيارها ـ حين سمع تجربة الآلات الموسيقيَّة صُعِقَ طرباً. ظنَّ أنَّهم يعزفون لحناً جميلاً، طلب استعادته، وعبثاً حاولوا إفهامه أنَّ اللحن قادم وأنَّ الذي سمعه هو النَّشاز بعينه".‏

ب ـ التَّقليد بحكم العادة: هنا يمارس التَّقليد أيضاً بصورة لا شعوريَّة نابعة من التَّسليم بتفوق الغالب ولكن ليس بكماليَّته، ولذلك يأتي التَّقليد معقلناً إلى حدٍّ يكبر ويصغر تبعاً للميدان والظرف، وهو غالباً ما يكثر في الأمور الشَّكليَّة والسَّهلة التَّقليد، ويقلُّ في الأمور الجوهريَّة والتي تحتاج إلى جهد وتعب وكلفة عالية. ومن أمثلة النَّوع الأول نجد الأدروجات والصَّرعات الفكريَّة والأدبية والفنيَّة، والألبسة، والأطعمة مثل: ظواهر الكوكاكولا والهامبرجر والماك دونالد ... وبعض العادات الاجتماعيَّة. ومن أمثلة الثَّاني تقمُّص روح الحضارة وأخلاقها، دقَّة التَّخطيط وسلامته واستراتيجيَّته، وحريَّة الرَّأي والفكر، والحوار والانفتاح على الآخر، والعدالة والديمقراطيَّة ...‏

جـ ـ الاندماج: هنا نجدنا أمام الحالة المعاكسة تماماً للاستشراق والاستغراب كلاًّ على حدةٍ، ففيما يتَّجه الاستشراق من أعلى إلى أدنى، أو من فوق إلى تحت، فإنَّ الاندماج استشراقٌ من الأدنى إلى الأعلى، أو استغراب من الأدنى إلى الأعلى، ولا حيف في أن نطلق عليه اصطلاح الاستشراق من تحت أو الاستغراب من تحت.‏

يتَّفق الاصطلاح والاصطلاح النَّقيض في أنَّ كليهما فاعليَّة مؤثِّرة في موضوع الذَّات الفاعلة، ويتَّفقان أيضاً في أنَّ كلا الفاعليتين بنَّاءة. أمَّا الاختلاف الجوهريُّ بينهما فيكمن في أنَّ الاستشراق أو الاستغراب بنَّاء للذَّات، وقد يكون هدَّاماً للموضوع، دون أن ننفي إمكانيَّة كون بناء الموضوع غاية أيضاً. ولكن لا بدَّ من الانتباه إلى أنَّ غائيَّة بناء الموضوع أو هدمه منسوبة كلاًّ على حدةٍ إلى الذَّات والموضوع في إطار راهنيتهما الحضاريَّة، ولذلك عندما يتَّجه الاسـتشراق إلى هـدم موضوعه وتشويهه فإنَّه يمارس نوعاً من بناء الذَّات وتحصينها، ويظـلُّ الهدم بالنِّسبة للموضوع، بما هو ذات أيضاً، هدماً. وربَّما يعمل الوعيُ الزَّائفُ، من قبل الموضوع بوصفه ذاتاً، على قلب الهدم إلى بناء، أو تفسـير الهدم الْمُمارس تجاهه على أنَّه بناء.‏

أمَّا الاستشراق من تحت أو الاستغراب من تحت فإنَّه بنَّاءٌ للموضوع، بنَّاءٌ للذَّات الفرد أو الأنا، هدَّام للذَّات المقابلة لموضوع الفاعليَّة التي هي هنا الأمَّة التي انسلخ المبدع عنها بإبداعه لينتمي إلى الذَّات المقابلة التي هي هنا الموضوع. إنَّ المبدع هنا، ذا المنبت المتخلِّف حضاريًّا، إذ ينتمي بإبداعه إلى أمَّة متقدِّمة فإنَّه يمارس ثلاثة سلوكات في آن واحد:‏

إنَّه يحقِّق ذاته المبدعة أوَّلاً، وهو إنَّما انتمى إلى حضارة أخرى قد تكون معادية لمنبته الحضاري، لأنَّ حاضنته الحضاريَّة إمَّا غير قادرة على احتواء ملكاته وطاقاته الإبداعيَّة أو بسبب ضغوط الوضعيَّة السياسيَّة الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة الرَّاهنة في منبته.‏

وهو ثانياً يساهم في بناء الحضارة الرَّائدة وتعزيزها وترسيخها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن نزعم أنَّ هذه الأمَّة الرَّائدة قادرة على الاستغناء عن جهود هذه الكفاءات المغتربة عن أممها، ولكنَّنا لا نستطيع زعم أنَّها ما كانت لتقوم لولا هذه الكفاءات لأنَّ هذه الكفاءات ما كانت لتتغرَّب إليها لولا أنَّها في المقدِّمة. ولكنَّها إذ اندمجت في هذه الحضارة وصارت جزءاً منها فقد صارت لبنات أساسيَّة منها حتَّى ليشكِّل غيابها فجوةً يصعب سدُّها. ويكفي على سبيل المثال أن نطَّلع على الإحصاءات التي تقدِّمها بعض الهيئات والمنظمات عن الكفاءات العربيَّة الموجودة في أوربا وأمريكا.‏

وهو ثالثاً لا يهدم منبته الحضاري ولكنَّه يقبل أن تظلَّ أمَّته رازحة بين براثن التَّخلُّف، اللهمَّ إلاَّ إذا مارس دوراً قصديًّا في هذا الهدم، وباستثناء هذا الأمر لا يمكننا أن نعدَّ هذا المبدع المندمج مع حضارة الأمَّة الرَّائدة خائناً ولا عميلاً لعدَّة أسباب أوَّلها أنَّ هذا الاندماج مع الآخر ليس يعني بالضَّرورة التَّخلِّي عن الانتماء الأصلي. وثانيها أنَّ واقعه الحضاري الذي لم يستطع احتواء طاقاته وقدراته هو الذي دفعه إلى ازدواجيَّة الانتماء من أجل تحقيق ذاته المبدعة. وثالثها أنَّه عندما يحقِّق ذاته في هذا المكان الآخر فإنَّه سيظل يحمل هويَّة أمَّته حتَّى وإن تخلى عن هذه الهويَّة عمليًّا. وإذا ما قيل: كان من الممكن له أن يتدامج بدل أن يندمج. قلنا: نعم، ولكنَّ أنانيَّته الزَّائدة عن اللزوم جعلته يؤثر الذَّات الفرديَّة على الذَّات الجمعيَّة.‏

والحقُّ أنَّ الأمثلة المدلِّلة على هذا النَموذج جدُّ كثيرة حتَّى ليتعذَّر حصرها، ومن أمثلتها إبَّان الحضارة اليونانيَّة بدوريها نجد من الأعلام السُّوريين المندمجين بالحضارة اليونانيَّة لوقيانوس المفكِّر السُّوري الكبير الذي كتب باليونانيَّة وقد لخَّص شكسبير رأيه فيه قائلاً: "كلُّ العالم مسرحه، وجميع الرِّجال والنِّساء ممثلون لديه"(25) ، وكذلك مينيب أحد الفلاسفة الكلبيين، كتب باليونانيَّة مجموعة مؤلَّفات، وهو من جدرة أم قيس على اليرموك)(26) ، وكذلك، بناءً على بعض الرِّوايات: فيثاغورث وزينون الرِّواقي وزينون الصُّوري وديوجين وبورفير ويمليخو ولونجينو وغيرهم(27) . وفي الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة نجد: ابن المقفَّع وابن سينا والفارابي وسيبويه ومسكويه وياقوت الرُّومي وغيرهم كثيرون أيضاً(28) .‏

د ـ التَّدامج: أمَّا التَّدامج فإنَّه يختلف عن التَّقليد بضربيه، وعن الاستشراق والاستشراق من تحت ونظيرهما الاستغراب، في انطوائه أصلاً على القصديَّة التَّشاركيَّة، ولذلك استخدمنا اصطلاح التَّدامج على وزن التَّفاعل الذي يفيد التَّشارك أو الاعتراف بوجود طرفين يدخلان في علاقة تفاعليَّة، يتفاوت مدى فعل كلٍّ منهما تبعاً لقوَّته وقدرته على الفعل.‏

والتَّدامج بهذا المعنى يقوم على الفعل والانفعال في آن واحدٍ، وهو في فعله وانفعاله بنَّاءٌ للذَّات وللموضوع، أي إنَّ الذَّات هنا تبتني ذاتها من خلال مشاركتها في بناء الموضوع، وغالباً ما تكون هذه المشاركة تتلمذيَّة أكثر منها مشاركة في بناء الآخر. وهذه الحالة هي السُّلوك الأكثر إيجابيَّة من قبل الأمَّة المتخلِّفة لأنَّه موضوع لذات قويَّة يحاول أن يتعامل مع هذه الذَّات بوصفه ذاتاً أيضاً، أي إنَّه يدرك موقعه بالنِّسبة للأمَّة الرَّائدة ويعترف بذلك ولكنَّه لا يقرُّ بالعجز والاستكانة والخمول فيحاول الدُّخول في عمليَّة تشاركيَّة تفاعليَّة، بوصفه ذاتاً، مع الذَّات التي ترفض التَّعامل معه إلاَّ بوصفه موضوعاً. على أنَّ ما تجدر الإشارة إليه هنا أنَّنا عندما نستخدم اصطلاح الأمَّة فإنَّنا لا نريد عموم الدَّلالة وإنَّما النُّخب الممثِّلة للأمَّة في هذه المرحلة من مراحلها، وهذا ما ينطبق أيضاً على سلوك الاندماج، ولا سيَّما أنَّه من المؤكد أن نجد أصناف السُّلوك كلِّها في الأمَّة.‏

إنَّ المبدع هنا ينطلق من حقيقة واقعية وعلميَّة وهي عدم وجود امتيازات عقليَّة لأمَّة من دون أخرى، وكلُّ ما في الأمر أنَّ الظُّروف تُهيَّأ في كلِّ طور حضاريٍّ لأمَّة دون سواها. ولذلك يجب السَّعي للحوار الحضاري والتَّفاعل من أجل الارتقاء بالواقع المتخلِّف والنُّهوض به من ركام تخلُّفه. وفي هذا إقرار بالواقع المتخلِّف أوَّلاً، واعترافٌ للآخر بتفوِّقه ثانياً، وعدمُ يأسٍ ولا استسلام ثالثاً، وعدمُ تسليمٍ بكماليَّة مطلقة للمتفوق رابعاً، والقبول بالتَّعلم من المتفوِّق والأخذ عنه خامساً. وعدم تسليم بعجز المنبت عن احتواء المبدع وطاقاته مع النِّضال من أجل حمل هذا الواقع المتخلِّف على حمل مبدعيه واحتوائهم سادساً. والأمثلة على ذلك كثيرةٌ أيضاً في كلِّ طورٍ حضاري ففي مرحلة ازدهار الحضارة اليونانيَّة مثلاً نجد لونجينو الذي كان أستاذا متميزاً في اليونان وقد استدعته زنوبيا لتجعله رئيس وزرائها. وفي مرحلة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة نجد كثيراً جدًّا من الأعلام الذين تتلمذوا عليها، ومنهم مثلاً أعلام الرُّشديَّة المسيحيَّة مثل نيفو، وجيرولامو كردانو، وتشيزاري كريمونيني، وبونبوناتزي ـ Ponponazzi أشهر أساتذة بادوفا في القرن الخامس عشر، وكانت جامعتها أرسطوطاليَّة رشديَّة تتشبَّث بتأويل ابن رشد لأرسطو(29) ، وسيجر دي برابان ـ Sogr de Brabant الذي حورب وحبس وقتل على يد كاتبه أورفيتو ـ Orvitto الذي جُنَّ على ما قيل، وبنهايته انتهى التَّعليم الرُّشدي بباريس(30) . وهناك من غير الرُّشديين أديلارد أوف بث(31) ـ Adelard of Bath ودومنيك جونزالس المدعو جنديسالفي(32) ـ Gondisalvi وميخائيل سكوت(33) ـ Michael Scot وهرمان الألماني(34) ـ Hermann وريمون لول ـ Raymond Lulle الذي تراءى له المسيح أربع مرات وكأنَّه يريده أن يتوافر على خدمته، فمهَّد لمهمَّته بدراسة العربيَّة ... وطاف أنحاء كثيرة من العالم منها معظم البلدان العربيَّة، وكان ضليعاً بالعربيَّة حتَّى نقل عنها وصنَّف فيها(35) وغيرهم كثيرون في كلِّ زمان ومكان، وعصرنا مليءٌ بالنَّماذج المماثلة.‏

وبناءً على ذلك لا تلام الأمَّة الرَّائدة، من الوجهة النَّفسيَّة والمنطقيَّة التَّاريخيَّة، على ممارسة سطوتها ونفوذها على الأمم المتخلِّفة، ولكنَّ التَّاريخ يسجِّل أنَّ هذه الأمَّة قد كانت سمحةً وتلك الأمَّة كانت همجيَّة ... . وكذلك الأمر فإنَّ الأمَّة المتخلِّفة لا تلام في اقتفائها أثر الأمَّة الرَّائدة، ولكنَّ التَّاريخ يسجِّل أنَّ هذه الأمَّة كانت متخاذلة بحقِّ نفسها وتلك لم تقصِّر في سعيها ....‏

ثالثاً : خصوصيَّات الثـَّقافات‏

ولكنَّ السُّؤال الذي يشغل بال الكثيرين، وهو لبُّ السُّؤال المطروح آنفاً: هل ستستطيع العولمة أن تمحو الثَّقافات جميعها لصالح ثقافة عولميَّة واحدة أو ما تسمى الأمركة، أو سواها؟‏

يرى هنتنجتون أنَّ "الفروق بين الحضارات ليست فروقاً حقيقيَّة فحسب، بل هي فروق أساسيَّة، فالحضارات تتمايز الواحدةُ عن الأخرى بالتَّاريخ واللغة والثَّقافة والتَّقاليد، والأهم الدين. وللنَّاس في الحضارات المختلفة آراءٌ مختلفة عن العلاقات بين الله والإنسان، والفرد والمجموعة، والمواطن والدَّولة، والآباء والأبناء، والزَّوج والزَّوجة، وآراء مختلفة عن الأهمِّـيَّة النِّسبيَّة للحقوق والمسؤوليَّات والحريَّة والسُّلطة والمساواة والتَّسلسل الهرمي. وهذه الفروق نتاج قرون، ولن تختفي سريعاً. إنَّها فروقٌ أساسيَّة بدرجة أكبر من الاختلافات بين [العقائديَّات] السِّياسيَّة والنُّظم السِّياسيَّة؛ والاختلافات لا تعني النِّزاع بالضَّرورة، والنِّزاع لا يعني العنف بالضَّرورة"(36) .‏

ولذلك يخفق الكثيرون عندما يتحدَّثون عن الثَّقافة وانمحائها بتأثير العولمة أو غيرها من العوامل ذلك أنَّ القسم الأكبر من هذه الثَّقافة إنَّما هو مقوِّماتٌ جوهريَّة من العسير العسير تغييرها، هذا إن لم يكن من قبيل المستحيل. سيَّان كان هذا الانمحاء بفعل الصِّراع أم بفعل التَّلاقح الذي تفرزه العولمة.‏

فإن كان انمحاء الثَّقافة المزعوم، والذي هو بالمحصِّلة خصوصيَّة الأمَّة وهويَّتها، بسبب الصِّراع أو "الاختلافات السِّياسيَّة كثيراً ما تكرَّس من خلال ارتباطاتها السِّياسيَّة بالجذور الغامضة للثِّقافة، سواء الرُّوحيَّة أو التَّاريخيَّة. ونتيجةً لذلك يصبح تهديد ثقافة المرء تهديداً لدينه أو لأسلافه. وبالتَّالي تهديداً لجوهر هويَّته"(37) . وهنا ستكون النَّتيجة التي يفترض أن تكون في طليعة الاحتمالات، ألا وهي ردَّة الفعل بالارتكاس على الذات والتَّقوقع حولها لحمايتها، وفي هذه الحال يصبح المرء أو الأمَّة بمعنى من المعاني أشدَّ عناداً وتمسَّكا بالهويَّة، بل قد يصل الأمر إلى التَّمسك بالقشور والشَّكليَّات أيضاً من خصوصيات الأمة.‏

أمَّا إن كان الانمحاء أو الزَّوال أو الاندماج هذا بفعل التَّلاقح أو الانتخاب الطَّبيعي أو ما يشبه ذلك فإنَّ "العولمة وإن كانت تعمل على توحيد العالم حضاريًّا بفعل التِّقنيَّات الجديدة، فلا يعني ذلك أنَّها ستوحِّد العالم ثقافيًّا أو أنَّها ستقضي على الخصوصيَّات الثَّقافيَّة. فما دام المرء يفكِّر ويتكلَّم أو يرمز ويتخيَّل، فهو يتفرَّد عبر أعماله الإبداعيَّة وابتكاراته الأصيلة. بهذا المعنى لن تصبح الثَّقافة واحدةً حتَّى داخل الولايات المتَّحدة التي تتصدَّر قوى العولمة، بل سيبقى المجال مفتوحاً أمام التَّكوثر المعرفي والتَّباين الدَّلالي والتَّنوع البشري الخلاق"(38) . وعندما تتعرَّض بعض البلدان أو حتَّى كلها، لعمليَّة التَّحديث والسَّعي إلى النُّهوض سيَّان كان ذلك باجتهادٍ ذاتيٍّ أم بتحريض خارجيٍّ فإنَّها "قد تتغرَّب بأشكال سطحيَّة، دون أن تفعل ذلك على صعيد الأبعاد الأكثر أهمِّـيَّة للثَّقافة، أي أصعدة اللغة والدِّين والقيم. وفي الحقيقة فإنَّ البلدان حين تتحدَّث تلوذ بثقافاتها ودياناتها التَّقليديَّة الضَّيقة هرباً من العالم الحديث. ففي مختلف أرجاء الكرة الأرضيَّة يفضي التَّعليم والدِّيمقراطيَّة إلى التَّأصيل. ومع تراجع قوَّة الغرب سيصبح ما عدا الغرب أكثر تأكيداً لذاته"(39) .‏

أمَّا فيما يخصُّ اضمحلال بعض الثَّقافات وزوالها فلا يوجد ما يمنعه تاريخيَّا ولا منطقيًّا، وكذلك سهولة سيادة النموذج الآخر على النَّحو الذي يقدِّمه باربر ليدلِّل من خلاله على أثر خطر الغزو الثَّقافي بقوله: "حتَّى في بلدٍ عرف طويلاً بعزلته الثَّقافيَّة كسويسرا، تمَّ اختيار فيلم النَّاهي ـ Terminator كفيلم أوَّل، وكتاب سكارليت كأفضل كتاب وكاسيت لآلئ وماسات برنس [بوصفه] الألبوم الموسيقي الأكثر مبيعاً للعام 1991م. وهذه كلَّها نتاجات أمريكيَّة. لا عجب أن يقبل اليابانيون على شراء استوديوهات هوليود حتَّى بما يفوق نهم الأمريكيين في اقتناء أجهزة التِّلفزيون اليابانيَّة"(40) . فهل يدل هذا فعلاً على خطر حقيقي ؟ كلاَّ، لأنَّ تصدر هذه الأعمال لوائح التَّرتيب والأفضليَّة هو الأمر المنطقي الذي يصعب تسويغ نقيضه لأنَّ الإنتاج المتميز سمة يفترض أن تكون ملازمة للأمَّة الأكثر تقدما حضاريًّا وتقنيًّا فمنتجات الحضارة الإسلاميَّة إبَّان مجدها كانت مدهشة للعالم، وكانت مثالاً يكأد الآخرون في احتذاء حذوه، وكذلك كانت منتجات الحضارات الأخرى كاليونانيَّة والفارسيَّة، ولذلك فإنَّ تصدُّر بعض المنتجات الأمريكيَّة أو اليابانيَّة أو الألمانيَّة لوائح الأفضليَّة ليس يعني بالضَّرورة خطراً ساحقاً ماحقاً. ولكنَّها بالضَّرورة ستؤثِّر في ثقافات غيرها من الأمم، وكلُّ أمَّةٍ تخضعُ لقدر من التَّأثير يتناسب تناسباً عكسيًّا مع درجة حضور الرُّوح الحضاريِّ لهذه الأمَّة ومكانتها في السُّلَّم الحضاري. وعلى كلِّ حال فإنَّ الأمم العاجـزة عن المحافظة على جـوهر كينونتها وروحها الحضاري والدِّفاع عن خصـوصيَّتها، أي القابلة للذَّوبان في أيِّ محلول حضاريٍّ غريب عنها، فإنَّها غير جديرة بالبقاء، ولن تجد من يأسف عليها.‏

في مواجهة الغزو‏

ولكن، هل فيما سبق؛ بعضه أو كلُّه، ما يسوغ الاستكانة والاستسلام ؟‏

ذهب ميشيل كلوغ إلى أنَّ العولمة "لم تعمل على خلق موحَّد، فهي ليست مرادفاً لتعبير "عالم واحد"، بل هي تتجه أكثر فأكثر إلى خلق نظام متشابك لعوالم متَّصلة، أي مترابطة فيما بينها"(41) . ورأى أيضاً أنَّ "العولمة الثَّقافيَّة لا تنتج ثقافة عالميَّة، ولكنَّها تنتج بالأحرى كوكباً تختلط فيه الثَّقافات، وتتعايش، أو تتصارع، ففي كلِّ مكان تقريباً، أينما ذهب المرء، من السَّهل عليه أن يعثر على مطعم صيني، أو مكسيكي، وعلى مطعم هندي، وعلى بائع للسَّمك والبطاطا والهمبرجر الأمريكي، لكنَّنا بعيدون جدًّا عن عالم تقدم فيه المطاعم وجبة واحدة"(42) . والحقُّ أنَّ هذا الكلام بشقِّه الأول صحيحٌ تاريخياً ومنطقياً، ولكنَّ الثَّقافة ليست هي المطعم أو المشرب، إنَّها أشياء أخرى كثيرة يقف الطَّعام في ملحقها.‏

ولمثل ذلك ينبِّهنا بنيامين باربر إلى أنَّ "الهيمنة في مجال نظم الأفكار ربَّما ثبت أنَّها أشد أهمِّـيَّة من السَّيطرة على الوسائط والأدوات [التِّقانيَّة]، لأنَّ الثَّقافة تفوق في أهمِّـيَّتها كلَّ أنواع الأسلحة ـ ولعلَّها فكرة جديرة بالاهتمام فعلاً كما يرى باربر ـ فما مدى قدرات البنتاجون إذا ما قورنت مع عالم ديزني ؟ ـ ولكنَّه وقع أيضاً في مزلق الطَّعام عندما تابع قائلاً: هل يستطيع الأسطول السَّادس أن يباري الـ"سي إن إن" ؟ مطاعم الماكدونالد في موسكو وزجاجات الكوكا كولا في الصِّين أنجزت ما لم يستطع الاستعمار المسلَّح إنجازه. ليست السِّلع وحدها وإنَّما أيضاً أسماء الماركات المسجَّلة هي ما يحدث الفوارق. الماركات تحمل معها صوراً لأنماط من العيش مما يغيِّر المدركات والمنظورات ويشكِّلُ تحدِّياً لمعطيات السُّلوك. ذلك هو مسرد الإغواء في الأفكار المشتركة لعالم الماك"(43) ...‏

إنَّ المشكلة في حقيقة الأمر أكثر تعقيداً وتشابكاً مما نتصوَّر، لأنَّ مدلول الثَّقافة بالمعنى المطروح هنا يتعدى مدلوله الحرفي إلى عمقه الدَّلالي من حيث صلاته مع مختلف شبكات المجتمع أو الأمَّة، ولذلك كان من المشكلات الثَّقافيَّة "أنَّ العديد من المؤسَّسات في بلدان أوربا الصِّناعيَّة المتقدِّمة كفرنسا وإيطاليا وأَلمانيا والسُّويد مثلاً، بدأت تعاني من صعوباتٍ حقيقيَّةٍ، وتقلقُ بصورةٍ جدِّيـَّةٍ، على حضورها الثّقافي، في مجالات السِّينما والنَّشر والاتِّصال ومنتجات وسائل الإعلام الأُخرى؛ المرئيَّة والمسموعة والمكتوبة. ذلك لأَنَّ قدرتها التَّنافسيَّة تتراجعُ أَكثر فأكثر أَمامَ القُوى والإمكانات الماليَّة الهائلة الَّتي يستحوز عليها العمالقة المتربِّعون في ميادين الإنتاج السِّينمائي والتِّلفزيوني والطِّباعة والنَّشر وأوتوسترادات الاتِّصال، بفعل تحكُّمهم بشبكات التَّسويق والتَّوزيع والانتشار والعرض معاً"(44) .‏

ولذلك لا نبالغ إذا قلنا إنَّ الاستكانة والتَّسليم أمرٌ غير مقبول قطعيًّا ولا يجوز أن يسوَّغ أبداً، فمن واجب الأمَّة؛ أي أمَّة أن تحمي ذاتها وتدرأ عنها الأخطار التي تهدَّدها أيًّا كانت، ولا يجوز أن يكون ذلك بالانغلاق والتَّقوقع، كما لا يكون بالانفتاح غير المشروط ولا المدروس، بل لنقل بالتَّفريط. لأنَّ النَّتائج النَّاجمة عن ذلك، وإن لم تهدد وجود الأمة، فإنَّها جدُّ خطيرة على البنية الفكرية والثَّقافيَّة والاجتماعيَّة ... وقد تترك من الآثار السَّلبيَّة ما يحتاج إلى عقودٍ مديدة لمحوها أو تجاوزها، و"على قاعدةٍ من هذا القلقِ الجدِّي، شهدنا منذ سنواتٍ خمس نوعاً من حربٍ حقيقيَّةٍ، كانت الثَّقافة فيها مع منتجاتها، هي موضوع المعركةِ وحلبتها. ولم يكن التَّعبيرُ الأَوحد عن هذه الحرب، خلال المناقشات والسِّجالات(45) المرافقة لمفاوضات الجات) الأَخيرة وإقرار الاتِّفاقات بشأنها، تمسُّك بعض البلدان كفرنسا وكندا مثلاً بما سمِّيَ بـ الاستثناء الثَّقافي ـ Exception Culturelle )"(46) . وكذلك الأمر، كما يحاول روثكوبف أن يصوره بتهكم، فقد "أصدرت كلٌّ من فرنسا وكندا قوانين تحظر نشر ونقل مواد أجنبية ـ أي أمريكيَّة بالطَّبع ـ مأخوذة من الآثار الصِّناعيَّة عبر حدودها إلى بيوت مواطنيها. وليس من الغريب أن تقوم الحكومات المركزيَّة؛ إيران الأصوليَّة، والصِّين الشِّيوعيَّة، وسنغافورة ذات تجربة التَّخطيط النَّاجحة، بالسَّعي بقوَّة لتقييد وصول برامج [الحاسوب] إلى مواطنيها، وهدفها الصَّريح هو إبعاد ما يبثُّه الأمريكيُّون من وجهات نظر سياسيَّة، وعادات، وتلوث أخباري، كما يقال في أنباء عدَّة من الشَّرق الأوسط"(47) .‏

إنَّ هذا السلوك القهري على عدم صوابيَّته المطلقة قد يكون ضروريًّا، ومهماً، ولكنَّه ينبغي أن يكون واعياً عندما يمارس، ذلك أنَّ إغلاق الأبواب والمنافذ أشد خطراً من فتحها، وما حدث في المنظومة الاشتراكيَّة عبرة لمن يعتبر.‏

إنَّ أهمَّ ما نطلبه هنا هو الوعي، الوعي الحقيقي لا الوعي الزَّائف. فالوعي هو الذي يحقِّق الانتماء.‏

* * *‏

(1) ـ دافيد روثكوبف: أستاذ العلاقات الدُّوليَّة في جامعة كولومبيا، الذي شغل منصباً مهمًّا في وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة إبَّان الفترة الأولى لإدارة كلينتون.‏

(2) ـ دافيد روثكوبف: في مديح الإمبرياليَّة الثقافيَّة ـ ص 27.‏

(3) ـ م.س ـ ص 30.‏

(4) ـ ميشيل إدَّه: مستقبلنا العربي وتحدِّيات العولمة ـ ص 14ـ15.‏

(5) ـ دافيد روثكوبف: في مديح الإمبرياليَّة الثقافيَّة ـ ص 29.‏

(6) ـ م.س ـ ص 29.‏

(7) ـ م.س ـ ص 35 ـ 36.‏

(8) ـ م.س ـ ص 36.‏

(9) ـ م.س ـ ص 32.‏

(10) ـ م.س ـ ص 27.‏

(11) ـ م.س ـ ص 30.‏

(12) ـ م.س ـ ص 36.‏

(13) ـ ميشيل إدَّه: مستقبلنا العربي وتحدِّيات العولمة ـ ص 16.‏

(14) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ ترجمة؛ أحمد مغربي ـ ضمن جريدة: السَّفير ـ العدد 8064 ـ الخميس 6/8/1998م.‏

(15) ـ علي حرب: صدمة العولمة في خطاب النَّخبة ـ م.س.‏

(16) ـ م.س ـ ذاته.‏

(17) ـ م.س ـ ذاته.‏

(18) ـ صامويل هانتغتون: الغرب ... إنَّه فريدٌ ولكنَّه ليس كلِّيـًّا جامعاً ـ ص 61.‏

(19) ـ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانيَّة ـ دار القلم ـ بيروت ـ د.ت ـ ص12.‏

(20) ـ م.س ـ ص 20.‏

(21) ـ م.س ـ ص63.‏

(22) ـ صامويل هانتغتون: الغرب ... إنَّه فريدٌ ولكنَّه ليس كلِّيـًّا جامعاً ـ ترجمة؛ فاضل جكتر ـ ضمن مجلَّة؛ أوروبا والعرب ـ العدد 166 ـ167 ـ أَيَّار ـ حزيران ـ 1997م ـ ص56.‏

(23) ـ ابن خلدون: المقدمة ـ المكتبة التجارية الكبرى ـ القاهرة ـ د.ت ـ ص147.‏

(24) ـ صامويل هانتغتون: الغرب ... إنَّه فريدٌ ولكنَّه ليس كلِّيـًّا جامعاً ـ ص 61.‏

(25) ـ لوقيانوس السُّميساطي: محاورات لوقيانوس السُّميساطي ـ ترجمة؛ سعد صائب ـ دار طلاس ـ دمشق ـ 1989م ـ والمقبوس في ص 8.‏

(26) ـ م.س ـ ص 348.‏

(27) ـ انظر ذلك في: يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانيَّة. و نواف حردان: صانعو تراثنا ـ دار بيسان ـ بيروت. و زوني إيلي ألفا: موسوعة أعلام الفلسفة ـ دار الكتب العلميَّة ـ بيروت ـ 1992م.‏

(28) ـ للمزيد عنهم انظر: الزركلي: الأعلام ـ دار العلم للملايين ـ بيروت.‏

(29) ـ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة ـ ص 14 ـ 15.‏

(30) ـ يوسف كرم: تاريخ الأوربيَّة الوسيطة ـ ص 208.‏

(31) ـ م.س ـ ص92. وهو إنجليزيٌّ تثقف بباريس واستكمل ثقافته في الأندلس ثم البلاد العربية، وترجم عن العربيَّة.‏

(32) ـ م. س ـ ص 94. ساهم بنقل الكثير من الكتب العربيَّة إلى اليونانيَّة بالتَّعاون مع ابن داوود.‏

(33) ـ م. س ـ ص128 ـ 129. ترجم عن العربية بعض كتب ابن سينا وابن رشد، وإليه يرجع الفضل الكبير في ولادة الرشدية المسيحيَّة.‏

(34) ـ م.س ـ ص129. تعلم العربيَّة بطليطلة ونقل عنها كتباً كثيرة.‏

(35) ـ م. س ـ ص 133.‏

(36) ـ صامويل هامتنغتون وآخرون: صدام الحضارات ـ ص20.‏

(37) ـ دافيد روثكوبف: في مديح الإمبرياليَّة الثقافيَّة ـ ص 27.‏

(38) ـ علي حرب: صدمة العولمة في خطاب النَّخبة ـ م.س.‏

(39) ـ صامويل هانتغتون: الغرب ... إنَّه فريدٌ ولكنَّه ليس كلِّيـًّا جامعاً ـ ص55 ـ 56.‏

(40) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ م.س.‏

(41) ـ ميشيل كلوغ: أربع أطروحات حول العولمة ـ ترجمة؛ محمد سيف ـ ضمن مجلة؛ الثقافة العالميَّة ـ ص 56.‏

(42) ـ م.س ـ ص 57.‏

(43) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ م.س.‏

(44) ـ ميشيل إدَّه: مستقبلنا العربي وتحدِّيات العولمة ـ ص 16.‏

(45) ـ في الأَصل: السجلات، ولعلَّ الصَّواب ما أَثبتناه.‏

(46) ـ ميشيل إدَّه: مستقبلنا العربي وتحدِّيات العولمة ـ ص 16.‏

(47) ـ دافيد روثكوبف: في مديح الإمبرياليَّة الثَّقافيَّة ـ ص31.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244