انهيار مزاعم العولمة قراءة في تواصل الحضارات وصراعها - د.عزَّت السَّيـِّد أَحمد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتَّاب العربدمشق ـ عام 2000م.

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثَّالث : ســــلطة الدَّولة وســــيادتها في ظلِّ العولمة

على الرَّغم من أَنَّ عمليَّة العولمة قد ضربت بجذورها في الأَعماق في بعض الميادين، وتخطَّت السِّيادة القوميَّة للدُّول في بعض القطاعات؛ كالمال والإعلام والثَّقافة، إلاَّ أَنَّ الدَّولة القوميَّة مازال لها الكلمة الفصل في مسائل أُخرى.‏

فيليب جوميت‏

لقد كان سيل العولمة والمعلوماتيَّة يجرفني دائماً إلى ترجيح نعي سلطة الدَّولة وسيادتها، فقد أَصبحت الصُّورة الآن واضحةً كما هو شائعٌ وكما يحاول الكثيرون أن يحشروا ذلك في الأذهان حشراً : النَّوافذُ كلُّها مفتوحةٌ؛ على الدَّاخل من الدَّاخل والخارج، وعلى الخارج من الخارج والدَّاخل. وعمَّا قريب لن يكون هناك للأَسرار آبارٌ دونها الحُجُب، فبفضل وسائل الإعلام وتقنيَّات الاتِّصال، بما وصلا إليه من تطوُّراتٍ عجائبيَّةٍ مذهلةٍ، انشقَّت السَّتائر، وانكشفت الحجب، وأَصبح بمقدور الفرد؛ كلِّ فرد أَن يعرف ما يريد في السَّاعة الَّتي يريد، وفي مكنته الآن، وبكلِّ بساطة، أَن يشارك في عمليَّات صنع القرار بكلِّ مراحله؛ على نحو مباشر أَو غير مباشر. والسُّؤال الذي لا ينفكُّ يطرح ذاته في إثر ذلك:‏

"هل تستطيع الدَّولة الحفاظ على مكانتها في ظلِّ هذا المناخ، وخصوصاً ثورة الاتَّصالات الكبرى في العالم، الَّتي نزعت إلى التَّعامل مع الكرة الأَرضيَّة كوحدةٍ اتِّصاليَّةٍ واحدةٍ عَبْرَ الحدود القوميَّة وفوقها، وجعلت في إمكان الإنسان التَّعامل بمفرده مع العالم مباشرةً، وليس من خلال حكومةٍ أَو دولة؛ عَبْرَ شركة السِّياحة أَو طبق الاستقبال التِّلفزيوني وغيرها ؟"(1) . بل لنقل بمعنى آخر: ما الذي ستستطيع الدَّولة أن تفعله في ظلِّ هذا التَّراكم الهائل والتَّقدُّم المعجز للتِّقانه والاقتصاد ؟‏

مقدِّمات العلاقة‏

إنَّ الخطاب الأكثر رواجاً وانتشاراً الآن عن أثر العولمة في تآكل سلطة الدَّولة وتلاشي سيادتها يتمركز أساساً حول محاور تعيُّنات العولمة على مختلف صعدها؛ المعلوماتيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة ... وما يمكن أن يلزم عن ذلك من نتائج وآثار تنصبُّ في بوتقة سلطة الدَّولة وسـيادتها القوميَّة، فالوقائع تقول إنَّه مهما أَغمضنا أَعيننا عن الحقيقة فإنَّها إن لم تباغتنا باقتحام أَعيننا ستفاجئنا بنثر أَشعَّتها في مخيِّلاتنا وأَذهـاننا. وأَثر المتغيِّرات الجديدة في الدَّولة وسلطة الدَّولة حقيـقة لن تقبل الشَّك؛ اليوم قبل الغد.‏

إذا كانت نظريَّة التَّدخُّل الَّتي وضعها جون ماينرد كينـز لتحمي الرَّأسماليَّة أَمام مدَّ الثَّورات العماليَّة ولمواجه سطوة بخور الاشتراكيَّة السِّحريِّ على الأَذهان الحالمة فإنَّ الرَّأسماليَّة الآن هي التي تقود مواكب تمزيق سلطة الدَّولة وسيادتها وتحول لا دون قدرتها على أيِّ تدخل بل دون امتلاكها مقوِّمات البقاء والوجود... ومن ذا الذي يستطيع إنكار أنَّ حكوماتٍ عديدةً " تواجه الآن وضعاً تتوافر لها فيه السِّيادة القانونيَّة دون سيادة فعليَّة على أراضيها ؟ ـ بل دعونا نقول، وبشكل عام ـ: إنَّ النِّظام الويستفالي(2) ـ Westphalian System لسيادة الدَّولة أصبح يبدو أضعف كثيراً قرب نهاية هذا القرن عمَّا كان عليه عند منتصفه"(3) .‏

ولذلك لا يتورَّع فيليب جوميت عن إبداء مخاوفه "من ذوبان الدَّولة القوميَّة بحيث تفقد سيادتها المطلقة، وخصوصاً الدُّول الضَّعيفة، علماً بأنَّ العولمة قد بدأت باختراق السِّيادة القوميَّة حتَّى الدُّول الكبيرة، ولكن بنسب متفاوتة، وفي مجالات معيَّنة، بينما ستبقى الدَّولة لا عباً رئيسيًّا بين لاعبين عديدين، ولكنَّها لن تكون ذات سيطرة مطلقة"(4) . بينما يحيلنا سيَّار الجميل بالتفاتةٍ منه، لا تخلو من المبالغة المحاطة بالحذر الذكيِّ، إلى الجغراتيجيَّات المهمَّة التي تزدهر بالمجالات الحيويَّة جغرافيًّا مع مقوِّماتها، والقابلة مع قوميَّاتها للانفتاح أوَّلاً، وللاختراق ثانياً، من قبل الاستقطاب العالمي، وذلك لأنَّها تؤدِّي بشكل لا مندوحة عنه إلى المركزيَّة المزدوجة المزدهرة؛ مركزيَّة السُّوق. على الرُّغم مما سيحدث فيها من تمرُّدات وهزَّات وانتفاضات ودمارات متعدِّدة ومتنوعة: إقليميَّة ومحليَّة وأهليَّة ... دينيَّة وطائفيَّة وعرقيَّة وسلطويَّة ... الخ، أي باختصار طوباويَّة ذات هيمنة عالية ومحكمة على المجالات الحيويَّة في العالم، تقود بالضَّرورة إلى احتدام الصِّراعات بين المراكز والنِّقاط والزَّوايا والمحاور والأطراف كأسلوب يؤدِّي في النَّتيجة إلى التَّفكُّك والتَّفتيت، وستبدو الصُّور سياسيًّا واجتماعيًّا وإناسيًّا ـ Anthropologycal كما لو كان المجال الحيوي ـ Lebensraum؛ أي مجال، مهترئاً في سيادته الوطنيَّة، ومتناقضاً في هويَّته القوميَّة، ومشلولاً في بنيته الجغرافيَّة وتكويناته التَّاريخيَّة لحساب هيمنة النِّظام الدُّولي القادم الذي يعرف بالجديد(5) .‏

لا شكَّ في أنَّ لهذا الاستنتاج مقدِّماته الواقعيَّة فلقد " أَدَّى التَّقدُّم التِّقاني ـ Technology إلى جعل الحدود الوطنيَّة مَسَامِيَّةً بدرجةٍ أَكبر. فالدُّول تحتفظُ بسيادتها، ولكنَّ الحكومات عانت من تآكل سلطاتها، فهي الآن، على سبيل المثال، أَقلَّ قدرةً على السَّيطرة على انتقال الأَموال أَو المعلومات عَبْرَ الحدود، وهي تواجه ضغوط العولمة على أَحد المستويات، كما تواجه على مستوى آخر الحركات الجماهيريَّة، وكذا، في بعض الحالات، المطالبة بنقل السُّلطات المركزيَّة إلى الأَقاليم، إن لم يكن الانفصال"(6) . ذلك أنَّه "إذا كان ممكناً أَن يحمل الإنسان بطاقةً بلاستيكيَّةً؛ ماستر كارد، أَو فيزا، أَو غـيرها ) ويستخدمها بالطَّريقة نفسها في عواصـم العـالم كافَّةً، فإنَّ الحاجـة إلى الدَّولة ونفوذها أَصبحت أَقلَّ من ذي قبـل. وإذا كان الفردُ، والهويَّة النَّفسيَّة والعاطفيَّة الَّتي يندرجُ تحتها، يمكنها التَّعامل مـع العالم مباشرةً دون وسـيط، فإنَّه لم يعد مبرَّراً البقاء داخل اتِّحادات مصطنعة لا تُكنُّ الشُّعوب فيها كثيراً من الودِّ لبعضها البعض"(7) ، وكذلك أَمر الشُّعور بالأَمن والأَمان والاستقلال والاستقرار والوجود ... ولهذه الأَسباب كان انشطار اتِّحادات كبرى مثل: الاتِّحاد السُّوفياتي والاتِّحاد اليوغسلافي وإثيوبيا وقريبا المملكة المتَّحدة وغيرها ممَّا سيأتي دوره في حينه. وللأَسباب ذاتها أَيضاً نجد من يطرح مسألة "المواطنيَّة على أُسسٍ جديدةٍ لا تعرف الحدود والجنسيَّات"(8) .‏

نظريَّات في تآكل الدَّولة‏

الحقُّ أنَّ فكرة تآكل سلطة الدَّولة وانتهاء دورها بسبب سلطة رأس المال وهيمنة الاقتصاد الحر فكرة قديمة تكرَّرت غير مرَّةٍ من مطالع هذا القرن، بغض النَّظر عمَّا جاء به كارل ماركس، ففي عام 1907م "شكا مسؤولٌ بروسيٌّ من أنَّ أصحاب رأس المال المتنقِّل، في العصر الحالي للتِّجارة العالميَّة و[الهاتف] والتِّلغراف، غير مقيَّدين على أيِّ نحوٍ بالإقامة في مناطق محدَّدة، وإذا ما ارتفعت حاجة الدَّولة إلى نشاطهم داخلها ارتفاعاً كبيراً فسوف يقترب أكثر الخطر المتمثِّل في أن يفركوا تراب بروسيا من أقدامهم ويرحلوا. وفي العام 1945م كتب ا.هـ. كار، قبيل انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية، يقول: إنَّ سيادة الدَّولة يجري تقويضها من خلال التَّطوُّرات [التِّقانيَّة] الحديثة التي جعلت الأمَّة في سبيلها للزَّوال [بوصفها] وحدةً للتَّنظيم العسكري والاقتصادي، والتي تركِّزُ على نحوٍ متسارع القرار المؤثِّر والسَّيطرة الفعليَّة في أيدي الوحدات الكبيرة متعدِّدة القوميَّات. وفي العام 1969م قال الاقتصادي البارز تشارلز كندلبرجر إنَّ الدَّولة القوميَّة أوشك دورها على الانتهاء [بوصفها] وحدةً اقتصاديَّة"(9) .‏

وقد كثر الحديث مؤخَّراً من كثيرٍ من الكتَّاب والمفكِّرين عن مكانة الدَّولة في ظلِّ عصر العولمة، وأكَّد معظمهم أنَّ سلطة الدَّولة وسيادتها آيلة إلى التَّآكل والسُّقوط تحت ضربات امتداد سلطة رأس المال العابر للقوميات ونفوذه، ومعظم الذين خاضوا هذا الغمار مفكِّرون معروفون أثارت كتبهم ضجَّة عالميَّة، ومن أهمِّهم فرانسيس فوكوياما ـ Francis Fukuyama في كتابه: نهاية التَّاريخ والإنسان الأخيرة)، وهنتنجتون ـ Huntington في كتابه صدام الحضارات)، وكينشي أوماي ـ Kenichi Ohmae في كتابه: نهاية الدَّولة القوميَّة: صعود الاقتصاديَّات الإقليميَّة)، وبنيامين باربر ـ Benjamin Barber في كتابه: الجهاد ضدَّ السُّوق الكونيَّة)، وروبرت كابلان ـ Robert Kaplan في كتابه: نهاية الأرض: رحلة إلى بدايات القرن الحادي والعشرين). وأخيراً، ومن وجهة نظر مختلفة تماماً، نجد ألفين توفلر ـ Alvin Toffler في سلسلة كتبة التي بدأها بـ صدمة المستقبل) وكان آخرها بناء حضارة جديدة).‏

أمَّا فرانسيس فوكوياما الذي يصرِّح بأنَّ محاولته إنَّما هي نوعٌ من التَّفسير الماركسي للتَّاريخ فإنَّه ينطلق من العامل المعرفي ودور التَّجانس الثَّقافي على المستوى العالمي في كسر أطواق سيادات الدُّول، إذ تسود ثقافة عالميَّة عابرة للحدود، قياساً على الشَّركات عابرة القوميَّة، "ويصبح لزاماً على الأفراد أن يعيدوا باستمرار تأهيل أنفسهم لمجالات عملٍ جديدة، في مدنٍ جديدة. ويتلاشى الإحساس بالهويَّة الذي توفِّره الإقليميَّة والمحليَّة، ويجد النَّاس أنفسهم ينسحبون من داخل العالم [الصِّغري] لأسرهم والذي يحملونه معهم من مكان لمكان"(10) . وهذا الإحساس الآخذ في التَّنامي في ذوات الأفراد يقود إلى تغيرات جذرية في طرائق التَّفكير وأولويَّات الحياة وأوَّليَّاتها فينمو الشُّعور بالتَّجانس الثَّقافي العالمي وبتماثل العلاقات الاجتماعيَّة عابرة الحدود والقوميَّات بفعل العامل الاقتصادي إذ إنَّ القوى الاقتصاديَّة التي استطاعت أن تساعد في الماضي على "ترسيخ دعائم النَّزعة القوميَّة من خلال إحلال الحواجز القوميَّة محل الحواجز الطَّبقيَّة وخلقت كيانات ممركزة متجانسة لغويًّا في مسار تلك العمليَّة ـ فإنَّ هذه القوى الاقتصاديَّة ذاتها ـ تساعد في الوقت الحاضر على تفكُّك الحواجز القوميَّة[وانحلالها] من خلال إنشاء سوق واحدة، عالميَّة متكاملة"(11) . ليصل من خلال ذلك إلى أنَّ نهاية سيادة الدَّولة القوميَّة أمر واقعٌ لا محالة، إن لم يكن في هذا الجيل ففي الجيل التَّالي وإن لم يكن في التَّالي ففي الذي يليه... إنَّه واقع لا محالة.‏

أمَّا صاموئيل هنتنجنون فقد اتَّخذ من العامل الثَّقافيِّ مرتكزاً أساسيًّا له للقول بتآكل سلطة الدَّولة فهو يرى أنَّ "عامَّة النَّاس في البلدان غير الغربيَّة يظلُّون متشبثين بصورة عميقة بثقافة البلاد الأصليَّة، بيد أنَّ هذه العلاقات قد انعكست الآن، إذ يجري نزعٌ للطَّابع الغربيِّ وغرسٌ للطَّابع المحليِّ الأصلي في صفوف الصَّفوة في كثير من البلدان غير الغربيَّة، في الوقت الذي تصبح الثَّقافات والأساليب والعادات الغربيَّة ـ الأمريكيَّة عادة ـ أكثر شعبيَّة بين جماهير النَّاس"(12) . الأمر الذي يعني قابليَّة الجماهير للانفتاح على الثقافة الغربيَّة ـ الأمريكيَّة وانطواءها على إمكانيَّة التَّخلِّي عن الهويَّة الوطنيَّة بما ييسِّر عمليَّة تآكل سلطة الدَّولة وسيادتها القوميَّة، ولا سيَّما إذا ما أخذنا بعين النَّظر تضافر ذلك مع دور الدِّين كما يفهمه هنتنجتون في "التَّوحيد بين الحضارات"(13) ومع "أنَّ عمليَّة التَّحديث الاقتصادي والتَّغيير الاجتماعي في كلِّ أنحاء العالم تفصل الشُّعوب عن الهويَّات المحليَّة القديمة والرَّاسخة، كما تضعف الدَّولة / الأمَّة [بوصفها] مصدراً للهويَّة"(14) .‏

أمَّا رؤية كينشي أوماي لتآكل سيادة الدَّولة القوميَّة وانتهاء دورها فإنَّه يقوم على أنَّ " انتشار السُّوق والإيقاع السَّريع للتَّغيُّر [التِّقاني] يضعفان العقد الاجتماعي بين الأفراد والأمم. وتؤدِّي عولمة رأس المال إلى مجانسة الثَّقافات، ومن ثمَّ إزالة الفوارق بين القوميَّات أو الحضارات. ويشير أوماي إلى هذه الظَّاهرة على أنَّها إضفاء الطَّابع الكاليفورني ـ Californiaization لتفضيلات الفرد، أي ذلك التَّوليف للذَّوق الذي يطمس الفوارق بين الدُّول ويمحو العداوات التَّاريخيَّة. جاعلاً الحروب بين الدُّول أمراً أقلَّ احتمالاً، مُلغياً بذلك إحدى وظائف الدَّولة القوميَّة الأساسيَّة. ويؤدِّي انتشار رأس المال العالمي في الوقت ذاته إلى فرض تقييدات اقتصاديَّة جديدة على دور الدَّولة في الشؤون الاقتصاديَّة"(15) .‏

وبمعنى مشابه يذهب علي حرب إلى القول: "مع العولمة حيث الزَّمان الفعلي الذي يجري بسرعة الضَّوء يكتسح المكان التَّقليدي بأبعاده الثَّلاثة، بذلك يتعولم المكان وتزول الفروق بين الدَّاخل والخارج، فتتشكَّل طوائف جديدة هويتها السُّوق ووطنها حيث تصل منتجاتها الأثيريَّة، وتتراجع الجغرافيا السِّياسيَّة التي كانت تنظم العلاقات بين الدُّول على أساس الأمداء والمسافات، لصالح علاقات جديدة تقوم على خرق الحدود الوطنيَّة عبر حرب المعلومات الإلكترونيَّة"(16) .والفرق بينهما وبين فوكوياما أنَّ الذي يقود إلى كسر الحدود وتحطيم الحواجز الجغرافيَّة،عندهما،هم أصحاب رأس المال والمصلحة السَّياسيَّة والاقتصاديَّة بينما كان السَّبب عند فوكوياما هو تغير ماهيَّة الثَّقافة وانمحائها لصالح ثقافة عالميَّة عابرة للحدود.‏

أمَّا بنيامين باربرـ فهو يرى أنَّ حركيَّة "عالم الماك" تنهض بها أربعة حوافز هي: السُّوق والموارد وتقانة المعلومات والبيئة. وقد قلَّصت هذه الحوافزُ العالمَ وتفَّهت شأن الحدود، وأحرزت انتصاراً مهمًّا على الانقسام والخصوصيَّة، بل بالمعنى [الأكثر دقِّة] دحرت الشَّكل الأكثر تقليديَّة للخصوصيَّة: الدَّولة الوطنيَّة(17) . وهو يقتفي خطى كارل ماركس في طرحه للآليَّة التي تقوم فيها السُّوق الاقتصاديَّة العالميَّة الشَّاملة بتفتيت الدَّولة القوميَّة، "فالعولمة تخلق مصادر جديدة للقوَّة الاقتصاديَّة وثقافة كونيَّة، مجرِّدةً بذلك الدَّولةَ القوميَّة من مبررات وجودها الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة"(18) . واستناداً إلى قوله بأنَّ كلَّ قوى العولمة وحركيَّاتها "تدفع الأمم والشُّعوب صوب شبكة اقتصاديَّة عالميَّة متجانسة، كأنَّها مشروع لتحويل الأرض إلى "عالم الماك" على اسم ماركة [الحاسوب] الشَّهيرة)"(19) ، يضع أمامنا تنبؤاً حتميًّا يقول فيه: "إنَّ تنبؤي بأنَّ الجهاد ضدَّ العولمة) سوف ينهزم في النِّهاية إن لم يكن في أيِّ وقت قريبٍ) أمام السُّوق الكونيَّة يستند كلِّـيَّةً تقريباً على القدرة طويلة الأمد للمعلوماتيَّة الكونيَّة وللثَّقافة الكونيَّة على التَّغلُّب على ضيق الأفق الفكري وعلى إدماج أو إزالة الكيانات الصَّغيرة"(20) .‏

أمَّا روبرت كابلان فإنَّه يختلف إلى حدٍّ ما عن الآخرين في أنَّه يتحدَّث عن تآكل سلطة الدُّولة من الدَّاخل، أي من النَّاحية الثَّقافيَّة، وبمعنى آخر من حيث اقتحام الدِّيمقراطيَّة أجهزة الدَّولة على الرُّغم منها، ولا سيَّما في العالم الثَّالث، ذلك أنَّ العديد من المناطق التي وصفها، "وبخاصَّة غرب إفريقيا وآسيا الوسطى، لا يبدو أنَّ هناك فارقاً كبيراً اليوم بين الدُّول والجيوش، والجيوش والميليشيات، وعصابات الجريمة المنظَّمة، فالسُّلطة الجبريَّة أصبحت، في العالم النَّامي، سلعة تباع وتشترى. ويعدُّ انهيار احتكار الدُّول للعنف الجبري شاهداً قويًّا على تآكل الدَّولة القوميَّة وتفتُّتها"(21) . ولكنَّ كابلان لا ينفي أثر الاقتصاد والسُّوق الكونيَّة في تآكل سلطة الدَّولة، ولا سيَّما الدُّول التي تقاوم سياسات عدم التَّدخُّل الحكومي، فهو يقول "إنَّ هذه السُّوق تفتِّت، في أغلب الحالات، احتكار الدَّولة للعنف الجبري. ويقوِّض الفسادَ والسَّعيَ إلى نيل الحظوة تماسكُ المؤسَّسات المنوط بها مقاومة توسُّع السُّوق الحرَّة. وينوِّه كابلان هناك [بأنَّ] الحدود وجدت في الأصل من أجل فرض الضَّرائب على الأثرياء ولتوفير الوظائف والدُّخول الإضافيَّة لبيروقراطيي الحكومة"(22) .‏

أمَّا توفلر فإنَّه يقترب من كابلان من حيث الفكرة، ويبتعد عنه وعن الآخرين من حيث المبدأ والمراد، فالدِّيمقراطيَّة هي الفكرة المحوريَّة في تفتُّت سلطة الدَّولة القوميَّة سيادتها، ذلك أنَّه ينطلق من مسلَّمة عنه وهي أنَّ المجتمع القادم أميل للتَّفتُّت، بل هو آيل إلى ذلك لا محالة، لأنَّ البقع الفسيفسائيَّة لا بدَّ أن تتمايز عن بعضها بعضاً، "ومع تفتيت المجتمع تتزايدُ الجماعات وتتنوَّع، وتزيدُ الأَقلِّيـَّات الَّتي يجب أَن تعبِّرَ عن نفسها، شريطة أَلاَّ تسيطر أَقليَّةٌ"(23) . على الرُّغم من أنَّه يرى أنَّ "مبدأ 51% لتمثيل الدَّائرة الانتخابيَّة ليس إلاَّ أَداة لتقديرٍ كمِّيٍّ خالص، لا تعطي أَيَّة أَدلَّةٍ عن آراء النَّاخبين"(24) . وهو يعتقد أنَّ هذا "التَّنوُّع [لا يفضي] إلى تعاظم حدَّة التَّوتُّر والصِّراع الاجتماعي، بل إنَّه يمكن أَن يهيئ المناخ المناسب إذا وجدت تنظيمات وترتيبات اجتماعيَّة ملائمة، يتعاون الأَفراد من خلالها"(25) . ولذلك "من الضَّروري أَن يفتح النِّظام منافذ لمزيدٍ من سلطة الأَقلِّيـَّات، وأَن يسمح للمواطنين بأَن يلعبوا دوراً أَكثر مباشرةً في إدارة شؤون الحكم، ويهدف هذا المبدأ الحيويُّ لساسة الغد إلى الخروج من مأزق اختناق القرار، بإشراك مزيدٍ من الأَطراف، وتغيير موقع صناعة القرار وفق ما تتطلَّبه المشكلات"(26) . وعلى الرُّغم من أنَّ ثمَّة مشكلاتٌ جمَّةٌ ومخاطر شتَّى ستنشأ عن اللامركزيَّة فإنَّ توفلر يرى أَنَّه لا بديل للسُّلطة الَّتي تريد تحقيق الرَّشاد والنِّظام والكفاءة الإداريَّة من تقديم " التَّنازل عن قدر محسوسٍ من السُّلطة المركزيَّة"(27) .‏

ولكن هل كانت الدِّيمقراطيَّة تنتظر العولمة أو موجة توفلر الثَّالثة كي تتحقَّق؟‏

يحاول ف. يرلوف، بأسلوبه الجدليَّ التَّعليقي، برهنة أَنَّ التَّعيُّن الواقعي للديمقراطيَّة محض وهمٍ لم يتحقَّق فقد بدا لنا، كما يقول " أنَّ الدِّيمقراطيَّة سوف تحل بمجرَّد حصولنا على إمكانيَّة التَّعبير عن أفكارنا بحريَّة. وقد حصلنا على ذلك، ولكنَّ الدِّيمقراطيَّة سوف تبقى مهمَّة المستقبل. وبدا لنا أنَّه مجرَّد تحرُّرنا من طوباويَّة المساواة سوف نمتلك الحريَّة. وفي الواقع، فقد امتلكنا لا مساواة عظيمة بين فئة صغيرة من الملاَّك حديثي العهد وبين أغلبيَّة الشَّعب المقموعة، أمَّا الحرِّيـَّة الحقيقيَّة فقد ظلَّت سراباً"(28) .‏

والحقُّ أنَّ الدِّيموقراطيَّة روح حضاريٌّ ملازم لروح الأمَّة ومستوى وعيها ورقيِّها الحضاريين، ولذلك فهي تنمو نماءً ذاتيًّا من أرضيَّة الأمَّة إلى سقفها أو من قاعدتها إلى قمِّتها، ولا يمكن استنباتها بالإكراه أو فرضها من قبل السُّلطة أو الخارج أو الظُّروف العالميَّة المرافقة أو الظروف الطَّارئة. وبالتَّالي فإنَّ المؤسَّساتيَّة لا يمكن أن تكون ذات فعاليَّة ديمقراطيَّة بنَّاءة إلاَّ إذا كانت ثمرة تجسُّد الوعي الحضاري سلوكاً واقعيًّا. وعلى ذلك فإنَّ ادِّعاءات توفلر تعوزها الدِّقة والمصداقيَّة، لأنَّها تفترض تساوي الأمم والشُّعوب في الوعي والرُّقي الحضاريين.‏

انهيار المزاعم‏

وهنا يمكننا أن نتساءل: ما مدى مصداقيَّة هذه الرُّؤى والآراء ؟‏

يتَّفق أصحاب هذه الكتب، وغيرهم من أصحاب النَّظريَّات والرُّؤى، في نقاط ويفترقون عن بعضهم في نقاطٍ أخرى من حيث أولويَّة العوامل المؤثِّرة في تآكل سيادة الدَّولة وسلطتها، فهم يختلفون في أنَّ كلاًّ من فوكوياما وكينشي أوماي وبنيامين باربر يؤكِّد دور قوى الاقتصاد وآليَّاتها المتعاظمة التَّاثير والفعاليَّة في كسر أطواق الحدود والحواجز أمام الصِّلات التِّجاريَّة وما يلعبه ذلك من دور حاسم في تفتيت السيادة القوميَّة للدَّولة انطلاقاً مما يحاولون ترسيخه بوصفه مقولة وهو أنَّ "الدَّولة القوميَّة تفقد مركزيَّتها في اقتصاد غير مرتبطٍ بالحدود"(29) . ونجد في الجانب الآخر أنَّ روبرت كابلان وهنتنجتون ودافيد روثكوب وإلى حدٍّ ما ألفين توفلر ويثيرون زوابع العامل الثَّقافي الذي يستنهض في النَّفس اتجاهات وميولاً انتمائيَّة وولائيَّة جديدة تحمل الفرد من ضيق حدود وجوده إلى وجودٍ أعم وأشمل هو الحضارة الإنسانيَّة والثَّقافة الشُّموليَّة للبشريَّة، التي ستطوي تحت معطفها، في المستقبل القريب أو البعيد، كلَّ ثقافات البشر بما يسمُّونه ثقافة العولمة، التي هي ثقافة الأقوى من غير شك، أو الثَّقافة الأمريكيَّة بالمعنى الضَّيق، والثَّقافة الغربيَّة بالمعنى الواسع.‏

وإذا ما استثنينا توفلر وروثكوبف وجدنا أنَّهم جميعاً ينطلقون من النَّظريَّة الماركسيَّة بشكل عام، ويستندون هنا بشكل خاص إلى إصرار ماركس على أنَّ الانتشار العالمي للرَّأسماليَّة سيؤدِّي إلى تآكل قوَّة الدَّولة وسيادتها ومن ثمَّ ضمورها، ذلك أنَّه يمكن القول طبقاً لكارل ماركس: "تعدُّ عولمة رأس المال عاملاً مناهضاً لسلطة الدَّولة القوميَّة من حيث إنَّه يضعف استقلاليَّة مؤسَّسات الدَّولة ويفكِّك الرَّوابط السِّياسيَّة بين الدَّولة وجمهور مواطنيها"(30) . هذا على الرُّغم من أنَّ الماركسيَّة ترى "أنَّ الدَّولة ظاهرة انتقاليَّة وزائدة للمجتمع المقسوم إلى طبقات مكرَّسة للزَّوال عندما تلغى الطَّبقات في الشِّيوعيَّة"(31) .‏

وإلى جانب توافقهم هذا أضافوا توافقاً آخر فيما بينهم تمثَّل في أنَّهم حاولوا أيضاً أن يلوا عنق التَّاريخ بتنبُّؤاتهم الحتميَّة التي توجب على التَّاريخ أن يسير كما ترى نظريَّاتهم، ولا عجب في ذلك فكارل ماركس فعل الشَّيء ذاته عندما سلسل الماضي بما يقود إلى تأكيد نظريَّته وأوجب على المستقبل أن يسير على المسار الذي رسمه له لأنَّه وحده الذي يعزِّز نظريَّته ويثبتها. ولكن لأنَّ أحداً غير ماركس ومريديه لم يحاول أن يفرض على التَّاريخ مساره لم يأبه التَّاريخ بما أمره به، ولعلَّه كان من الممكن أن يضع اقتراحه بعين الحسبان لو أنَّه قدَّم اقتراحاً.‏

وهذا، في حقيقة الأمر، أوَّل مقتل لهذه النَّظريَّات جميعها ذلك "أنَّ الآراء المؤيِّدة للحتميَّة الاقتصاديَّة لا تصمد أما التَّدقيق [التَّجريبي] أو التَّجريبي. فعلى المستوى [التَّجريبي نجد أنَّ القسم الأكبر من الدَّلائل المقدَّمة في تلك الكتب غير حاسمة. أمَّا من الوجهة النَّظريَّة فإنَّ القوى الاقتصاديَّة التي تطلقها العولمة ـ هذا إن نحن سلَّمنا بأنَّ العولمة جائحة لا مهرب منها ولا مناص ـ تفرض على البلدان قيوداً جديدة وليس أغلالاً تكبِّل حركتها، كما أنَّ العولمة تنشأ عنها استراتيجيَّات وأدوار جديدة للدَّولة القوميَّة"(32) .‏

صحيحٌ أنَّ "بثَّ الأقمار الاصطناعيَّة لا يحترم الحدود الوطنيَّة"(33) ، كما يقول بنيامين باربر، ولكنَّ الحدود الوطنيَّة غير مرتهنة بما تبثُّه هذه الأقمار لأنَّ ما تبثُّه الأقمار الآن كانت تبثُّه وسائل غيرها فيما قد مضى وربَّما بصورة أخطر مما يمكن أن تفعله الأقمار الاصطناعيَّة، وصحيحٌ أيضاً أنَّ تيد تيرنر صاحب شبكة تلفزيون CNN؛ أَحد أَغنى رجال الأَعمال في العالم، يتبرَّعُ لهيئة الأُمم المتَّحدة بمبلغ مليار دولار، ويشترط عليها كيفيَّة إنفاقها في محاربة الفقر ، لا لحلِّ أَزمتها الماليَّة. وفوق ذلك يوجَّه انتقاداته للولايات المتَّحدة بسبب تقاعسها عن تسديد ما يترتب عليها من أَموال للأُمم المتَّحدة(34) . فإنَّ هذا السُّلوك غير فريدٍ ولا نادرٍ في التَّاريخ فكثير من أثرياء العالم؛ قديماً وحديثاً ومعاصراً، استطاعوا ويستطيعون التَّدخُّل في عمل الدَّولة وتوجيه دفَّتها والاشتراط عليها، ولم يكن ذلك يوماً من الأيَّام إيذاناً بتآكل سلطة الدَّولة وسيادتها؛ قد يعدِّل حكومة، قد يسقطها، قد يتحكَّم بالسُّلطة، قد يغيِّرها ... ولكنَّه لم يمح الدَّولة قطُّ ولن يزيلها عَوْضُ.‏

وصحيحٌ " أنَّ واحداً من مفاعيل هذه العولمة القائمة على [التِّقانة] ومن أُولى نتائجها، إنَّما هو تدميرٌ واقعيٌّ للمسافات والفواصل الجغرافيَّة، بل وللحدود التَّقليديَّة المعهودة الَّتي كانت الدُّول تتفاصل ضمنها عن بعضها [بعضاً]، وتحدُّ من السُّبل الميسِّرة لتعارفها وتفاعلها وتخاصبها"(35) . ولكنَّ هذا ليس يعني أبداً أنَّ الحدود ستضمحلُّ أو تزول، وليس يعني أبداً أنَّ مزيد التَّعارف والتَّواصل بين شعوب الأرض سيماهي بين خصائص الهويَّات القوميَّة والإثنيَّة ويمحو الفوارق بينها، وبالتَّالي فإنَّ سلطة الدَّولة وسيادتها القوميَّة ستظلُّ قائمةً بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى البقاء، ولكنَّنا لن ننكر أنَّ ماهيَّة كلٍّ من هذه السُّلطة وهذه السِّيادة، وتعيُّنها، ينبغي أن تكون متوافقةً مع مقتضيات المرحلة الرَّاهنة والمقبلة، وعلى ذلك فإنَّ هذه النُّزعة الإحيائيَّة لكارل ماركس من قبل بعض أصحاب هذه النَّظريَّات القائلة بتآكل سلطة الدَّولة وسيادتها في ظلِّ سيادة العولمة، إنَّما هي أمرٌ يبعث على العجب والإعجاب في آن معاً، فهي صحيحة بما هي مشروعٌ وعقائديَّة ومبدأٌ نظريٌّ، ولكنَّها خاطئة وغير مقنعة في النَّهاية، كما بيَّنا، ولذلك "[على الرُّغم من] أنَّه صحيحٌ تماماً أنَّ قوى العولمة تفرض تعقيدات صارمة على الحكومات القوميَّة، إلاَّ أنَّها تمنحها السُّلطة والقوَّة بأشكال جديدة. ومن ثمَّ فإنَّ العولمة لا يترتَّب عليها ضمور أو تآكل سلطة الدَّولة القوميَّة، بل يترتَّب عليها بالأحرى تغيُّر في استراتيجيَّات الدَّولة وإعادة توجيه لطاقتها"(36) . وبالتَّالي أيضاً فإنَّ تزايد " دور العامل الخارجي، كما يرى برهان غليون، في تحديد مصير الأَطراف الوطنيَّة المكوِّنة لهذه الدَّائرة المندمجة، وبالتَّالي لهوامشها أَيضاً"(37) . انطلاقاً من تعريفه للعولمة بأنَّها "حركيَّة ـ Dynamics جديدة تبرز داخل دائرة العلاقات الدُّوليَّة من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسُّرعة في عمليَّة انتشار المعلومات والمكتسبات التِّقنيَّة والعلميَّة للحضارة"(38) . لا يمكن أن يُفْهَمَ إلاَّ في إطار منطقيَّته التَّاريخيَّة التي تسوِّغ للقويِّ أن يتدخل في مصائر الأمم الأخرى وأن يمارس لعبته في تحديد مصائر هذه الأمم وتوجيهها بما يتناسب مع شروطه وظروفه ويخدمها، وهذا أمرٌ ليس بحاجة إلى برهان، بل برهانه، وبكلِّ بساطة، هو أنَّ التَّاريخ مليءٌ بمثل هذا السُّلوك بمختلف صوره وأشكاله.‏

وأخيراً يجب ألاَّ ننسى من الأهمُّ في كلِّ هذا الموضوع، ألا وهم المواطنون الذين يمثلون الحامل العقائدي والفكري والثَّقافي والدِّيني والاجتماعي ... للدَّولة، وهم أصلاً من يفترضُ أنَّهم يشكِّلون أساساً محوريًّا في عمليَّة تآكل سلطة الدَّولة من خلال الثَّورة المعلوماتيَّة والاقتصاديَّة والتِّقانيَّة المتواشجة الصِّلة مع العولمة، فالواقع والمنطق التَّاريخي يؤكِّد أنَّ هؤلاء المواطنين يشكِّلون السِّياج الحقيقي للدَّولة القوميَّة من خلال إرثهم الثَّقافي والحضاري والاجتماعي ... من جهة، ومن خلال حاملهم الدِّيني من جهة ثانية وهو الأهم. وهذا هنتنجتون الذي يميل إلى القول بضعف مكانة الدَّولة وسلطتها تدريجيًّا بفعل العولمة، وعلى الرُّغم من تأكيده دور العامل الثَّقافيِّ في ذلك فإنَّه يرى أنَّ اعتقاد الكثيرين، في الغرب، بأَنَّ العالم يسير نحو ثقافةٍ عالميَّةٍ موحَّدةٍ هي ثقافةٌ غربيَّةٌ أَساساً، إنَّما هو اعتقادٌ متغطرسٌ، زائفٌ، خطرٌ؛ فانتشارُ السِّلع الاستهلاكيَّة الغربيَّةِ لا يعني انتشار الثَّقافة الغربيَّة، فشرب الكوكا كولا لا يؤدِّي إلى أن الرُّوس يفكِّرون مثل الأمريكان، كما أَنَّ تناول طبق الشُّوشي الياباني) لا يجعل الأَمريكيين يفكِّرون مثل اليابانيين(39) . وهو على الرُّغم من ذهابه إلى "أنَّ إحياء الدِّين أو "ثأر الله" مثلما وصفه جيل كيبل، يوفِّر أساساً للهويَّة والالتزام يتجاوز الحدود الوطنيَّة، ويوحِّد بين الحضارات"(40) . اعتقاداً منه بأنَّ الدِّين يلعب دوراً مهماً في إمحاء الحدود بين الأمم والقوميَّات، فإنَّه يعود ليؤكِّد أنَّ "الدِّين يفصل بين النَّاس بصورة أكثر حدَّة وحصراً حتَّى من العرق الإثني. فالمرء قد يكون نصف فرنسيٍّ أو نصف عربي، بل حتَّى مواطناً في بلدين في الوقت نفسه، لكن من الصَّعب أن يكون نصف كاثوليكي ونصف مسلم"(41) .‏

إنَّ اعتقاد هنتنجتون هذا صحيحٌ بمعنى من المعاني فالدِّين يختصر فعلاً المسافات بين معتقديه لأنَّ الدِّين بحدِّ ذاته حاملٌ فكري، ثقافيُّ، سياسيٌّ، اجتماعيٌّ، أخلاقيٌّ ... يتمحور حوله أبناؤه ويتلاقون عنده، ولذلك فإنَّه إن وصل بين حضارات ما وقرَّب المسافات بين شعوبها فإنَّها ستكون الشُّعوب التي تعتنقه ليس إلاَّ، وهنا سنجد أنفسنا أمام قوميَّات جديدة هي القوميَّات الدِّينيَّة، ولا يغيب عن الأذهان أبداً أنَّ ثمَّة نظريَّات قائمة تفسِّرُ نشأة الأمَّة بالدِّين، وأخرى تربط بين الدِّين والقوميَّة، وأخرى تحلُّ الدِّين محلَّ القوميَّة... وكلُّها تنهل من المعين ذاته. وبذلك فإنَّ الدِّين لن يمحو حدود الدُّول كما يريد هنتنجتون وإنَّما سيولِّد أنماطاً جديدةً من الدُّول تقوم على آليَّات وظائفيَّة جديدة لن تختلف من حيث المبدأ عن مفهوم الدُّولة بالمعنى الاصطلاحي. ذلك أنَّ، استناداً إلى قول هنتنجتون ذاته: "إنَّ الخصائص والفروق الثَّقافيَّة أقلُّ قابليَّة للتَّبديل، ثمَّ أقلُّ قابليَّة للحلول الوسط والتَّسويات من نظيرتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، ففي الاتِّحاد السُّوفياتي السَّابق يمكن للشِّيوعيين أن يصبحوا ديمقراطيين، ويمكن أن يصبح الأغنياء فقراء والفقراء أغنياء، لكنَّ الرُّوس لا يمكن أن يصبحوا إستوانيين، ولا يمكن [للأذريين] أن يصبحوا أرمن". وبالقياس ذاته، وهو كاف على الرُّغم من وجود غيره، لا يمكن للفرنسيين أن يصبحوا عرباً ... على الرُّغم من إمكان أن يصبح الفرنسيُّ الفرد عربيًّا أو أمريكيًّا أو ماليزيًّا ... وإن أثبت التَّاريخ أنَّ المرء مهما تغرَّب وأصبح يظلُّ حاملاً هويته الأصليَّة ويندفع لا شعوريًّا للدِّفاع عنها عند أي خطر أو نقد يتوجه صوبها.‏

إذن لا بدَّ من الاعتراف، وقبل أَيِّ شيءٍ، بأَنَّ ثمَّة حقيقة لا يمكن تجاهلها أَو تجاوزها وهي أَنَّ الدَّولة هي المصدر الرَّئيس والأَوَّل للقرار ولا سيَّما في إطار العلاقات الدُّوليَّة، على الرَّغم من كلِّ ما آل إليه العالم من تطور في مختلف مجالات الحياة العلميَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والفكريَّة ... فالخطابات والمفاوضات والتَّعاملات، وإن كان يقوم بها أَشخاصٌ، مهما كانت صفاتهم وأَوصافهم، فإنَّهم يتحدَّثون بأسماء الدُّول ويوقِّعون بأَسمائها. أَي إنَّهم يمثِّلون مصالح الدُّول، وهنا نتساءل من هي الدَّولة؟ وما المصالح الَّتي تريد الدَّولةُ تحقيقها ؟ وبهذا المعنى يرى فيليب جوميت ـ Philip Gummett " أَنَّه [على] الرَّغم من أَنَّ عمليَّة العولمة قد ضربت بجذورها في الأَعماق في بعض الميادين، وتخطَّت السِّيادة القوميَّة للدُّول في بعض القطاعات؛ كالمال والإعلام والثَّقافة، إلاَّ أَنَّ الدَّولة القوميَّة ـ National State مازال لها الكلمة الفصل في مسائل أُخرى كالدِّفاع، وحتَّى التِّجارة الخارجيَّة، على سبيل المثال. ولذا يقدِّمُ لنا مصطلحاً آخر وهو: Internationalization، حيث إنَّ عمليَّة العولمة، برأيه، ما زالت غير واضحة المعالم، لا من حيث تحديد المفهوم ـ Conceptually ولا من حيث اختبارها على أَرض الواقع ـ Empirically. لذا يحذِّرُ من عدم المبالغة بأَهمِّـيَّة هذه الظَّاهرة كظاهرةٍ تلغي التَّمايز القومي إلغاءً تامًّا"(42) .‏

ولكن، وبعد هذه المحاولة التي قد يعدُّها بعضهم استبسالاً في الدِّفاع عن سلطة الدَّولة وسيادتها القوميَّة، ولا سيَّما أنها تقف وسط شبه إجماعٍ من الباحثين والمفكِّرين على المصير المحتوم للدَّولة، حتَّى تبدو محاولتنا هذه وكأنَّها ضرب من التَّغريد خارج السِّرب ... إنَّنا، والحال كذلك، نشبه غاليليو غاليليه، الذي أرغمته السُّلطة الكنسيَّة على التَّراجع عن أقواله في دوران الأرض حول الشَّمس، فما كان منه وهو يغادر قاعة المحكمة إلاَّ أن يخصف الأرض بنعله وهو يقول: ولكنَّها تدور(43) .‏

نعم، نحن نرجِّح استمرار سلطة الدَّولة وسيادتها القوميَّة، ولكنَّنا لا ننفي أبداً أنَّ الظُّروف والمعطيات الرَّاهنة على أقلِّ تقدير مضافة إلى ما سيأتي من المعطيات والظروف والشُّروط؛ سيَّان ما كان منها قابلاً للتَّكهُّن به انطلاقاً من الحاضر، أو ما كان مطويًّا في ثنايا الغيب، سيجعل السُّلطة والدَّولة أمام خيارات جديدة تفرضها آليَّات الحراك المعاصر بمختلف معطياته التِّقانيَّة والسِّياسية والاقتصاديَّة الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة ... بما يخوِّلنا التَّخمين منذ الآن بأنَّ مركزيَّة السُّلطة آيلة من غير شكٍّ إلى كثير من التَّشذُّب، ويتضايف على ذلك أنَّ أساليب القمع القديمة وآليَّاته كلُّها آيلة أيضاً إلى السُّقوط، ولكن ليس قبل مضي ربع قرن على الأقل، ولا يعني ذلك أنَّ تحقُّق الدِّيمقراطيَّة أمرٌ حتميٌّ لا شكَّ فيه. أمَّا النَّاحية الاقتصاديَّة فإن أعظم التَّغيُّرات واقعةٌ في ميدانها، ومن المرجَّح باحتمالٍ أعظميٍّ أن تسود الخصخصة كلَّ القطاعات الاقتصاديَّة في العالم وليصبح دور الدَّولة في الإنتاجيَّة تحديداً وفي العمليَّة التَّبادليَّة من ثمَّ هامشيًّا إلى حدٍّ جدِّ كبيرٍ دون أن تغيب عن العمليَّة الاقتصاديَّة غياباً تامًّا، فهي في المحصلة الحاضنة المرجعيَّة للاقتصاد القوميِّ، كما أنَّ المواطنين معلَّقون دائماً برقاب دولهم ...أمَّا أن تزول الدَّولة كليَّةً فهذا مستحيلٌ من جهة، ولعبة من جهة ثانية؛‏

أمَّا الاستحالة فلأنَّ دولة على الأقلِّ في المحصلة ستظلُّ قائمةً، فأيُّ دولة هذه هي التي ستبقى ؟؟!! ولماذا هي بعينها لا غيرها ؟! وأيُّ الدُّول هي التي ستتنازل عن كيانها لصالح غيرها؟! نعم هناك دول ضعيفة قابلة للتَّفكُّك والانحلال وربَّما التَّلاشي، ولكن كم هو عددها؟ وكم يساوي عددها بالمقارنة مع ما تبقَّى من الدُّول؟ هذا مع عدم نسيان أنَّنا نتكلم على الدَّولة لا على السُّلطة فكلُّ سلطة قابلة للزَّوال والانمحاء بطبيعة الحال.‏

أمَّا من ناحية كونها لعبة فمردُّ ذلك إلى أنَّها تمثِّل إرادات الإمبراطوريَّات العظمى ورغباتها ولا سيَّما الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة التي تتزعَّم العالم حاليًّا وتتطلع إلى تكريس هذه الزَّعامة وترسيخها بأي صورة ممكنة من الصُّور حتَّى ولو تخللتها لحظات من الجنون، بل الكثير من الآراء تتَّجه إلى القول بأنَّ ولادة العولمة أصلاً مرتبطةٌ بالمشروع السِّياسي الأمريكي الجديد ـ New American Political Project والذي يعبِّر عنه روبرت كيهان قائلاً: "إنَّ الهيمنة تخلق الاستقرار [بوساطة] احترام مجموعة من قواعد اللعب"(44) .‏

* * *‏

(1) ـ حسين معلوم: الدَّولة، واقعها ومسألتها، في ظلِّ "المناخ العالميِّ الجديد" والأَسئلة الَّتي يطرحها بلا انقطاع ـ ضمن صحيفة؛ الحياة ـ لندن ـ العدد 12603 ـ 29 ربيع الآخر 1418هـ الموافق لـ 1 أَيلول/ سبتمبر 1997م ـ ص19.‏

(2) ـ Westphalian: نسبة إلى ويستفاليا؛ إحدى مقاطعات بروسيا الغربية، التي كانت دوقيَّة في الأصل، ثمَّ تحوَّلت بعد اتِّساع مساحة الأراضي التَّابعة لها إلى مملكة نابوليونيةَّ المترجم).‏

(3) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ترجمة؛ عبد السَّلام رضوان ـ ضمن مجلة؛ الثَّقافة العالميَّة ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ العدد 85 ـ 1997م ـ ص 40.‏

(4) ـ نايف علي عبيد: العولمة ... والعرب ـ ص31.‏

(5) ـ سيَّار الجميل: العولمة: اختراق الغرب للقوميَّات الآسيويَّة ـ ص 51.‏

(6) ـ لجنة "إدارة شؤون المجتمع الدُّولي": جيران في عالم واحد ـ ص 31.‏

(7) ـ حسين معلوم: الدَّولة، واقعها ومسألتها، في ظلِّ "المناخ العالميِّ الجديد" والأَسئلة الَّتي يطرحها بلا انقطاع ـ ص19.‏

(8) ـ انظر في ذلك كتابات المفكِّر المستقبليِّ الأَمريكيِّ الشَّهير: ألفين توفلر مثل: صدمة المستقبل، وهو أَهمُّها في هذا الصَّدد، ثم خرائط المستقبل،و تحوُّل السُّلطة، والموجة الثَّالثة، وبناء حضارةٍ جديدة. وكلُّها مترجمة إلى اللغة العربيَّة.‏

(9) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 40.‏

(10) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 42.‏

(11) ـ م.س ـ ذاته.‏

(12) ـ صامويل هانتنغتون وآخرون: صدام الحضارات ـ مركز الدِّراسات الاستراتيجيَّة والبحوث ـ بيروت ـ ط1 ـ 1995م ـ ص21.‏

(13) ـ م.س ـ ص 21 .‏

(14) ـ م.س ـ ص 20.‏

(15) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 42.‏

(16) ـ علي حرب: صدمة العولمة في خطاب النَّخبة ـ م.س.‏

(17) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ م.س.‏

(18) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 43.‏

(19) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ م.س.‏

(20) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 43.‏

(21) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 44.‏

(22) ـ م.س ـ ص 43 ـ 44.‏

(23) ـ عبد الحكيم محمد بدران: عرض لكتاب: بناء حضارة جديدة ـ ص 198.‏

(24) ـ م.س ـ ذاته.‏

(25) ـ م.س ـ ذاته.‏

(26) ـ م.س ـ ذاته.‏

(27) ـ م.س ـ ص 198 ـ 199.‏

(28) ـ ف. يرلوف: نهاية التَّاريخ أم البحث عن طريق جديد ـ ص 16 ـ 17.‏

(29) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 49.‏

(30) ـ م.س ـ ص 41.‏

(31) ـ مجموعة من المختصين: قاموس الفكر السياسي ـ ترجمة؛ الدكتور أنطون حمصي ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1994م ـ ج1 ـ ص 306.‏

(32) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 48.‏

(33) ـ بنيامين باربر: عندما تأكل العولمة الدَّولة الوطنيَّة من فوق ـ م.س.‏

(34) ـ جاء ذلك في خطابٍ ألقاه بنيويورك في العشاء السَّنوي للجمعيَّة العموميَّة للأُمم المتَّحدة يوم الخميس 18 أَيلول/ سبتمبر 1997م.‏

(35) ـ ميشيل إدَّه: مستقبلنا العربي وتحدِّيات العولمة ـ ص 7.‏

(36) ـ دانييل دريزنر: يا عولميي العالم ... اتَّحدوا ـ ص 41.‏

(37) ـ نايف علي عبيد: العولمة والعرب ـ ص 28. عن: برهان غليون: العرب وتحدِّيات العولمة الثَّقافيَّة.‏

(38) ـ م.س ـ ذاته.‏

(39) ـ صامويل هانتجتون: الغرب ... إنَّه فريدٌ ولكنَّه ليس كلِّيـًّا جامعاً ـ ص56.‏

(40) ـ صاموئيل هانتنجتون: صدام الحضارات ـ ص 20 ـ 21.‏

(41) ـ م.س ـ ص 21.‏

(42) ـ نايف علي عبيد: العولمة والعرب ـ ص 28.‏

(43) ـ هذه قصَّة شائعة عن غاليليو، ولكنَّ بعضهم يرى أنَّها أسطورة لا أساس لها من الصِّحة. انظر قصَّة المحاكمة في: فيلما فريتش: غاليليه أو مستقبل العلم ـ ترجمة؛ عادل شقير ـ وزارة الثقافة دمشق ـ 1994م ـ ص57 ـ 74.‏

(44) ـ سيَّار الجميل: العولمة: اختراق الغرب للقوميات الآسيوية ـ ص 55.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244