انهيار مزاعم العولمة قراءة في تواصل الحضارات وصراعها - د.عزَّت السَّيـِّد أَحمد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتَّاب العربدمشق ـ عام 2000م.

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الرَّابع: الأمور بخواتيمها : الفصل الأوَّل :العولمة في سبع مقولات

العولمة مفرز تلقائي لمسارات التَّطوُّر البشري تحوَّل إلى أسلحة متنوعة في أيدي الأقوياء لقولبة العالم بما يتوافق مع مصالحهم وأهوائهم.‏

1 ـ التَّاريخ يعيد نفسه دائماً:‏

من السَّذاجة بمكان أن نعتقد بأنَّ التَّاريخ يكرِّر نفسه تكراراً آليًّا كما يرى الكثيرون أو يفهمون من مقولة إنَّ التَّاريخ يعيد نفسه، ذلك أنَّ هذه المقولة لا تنطوي أبداً على إمكانيَّة أن ينتج التَّاريخ ذاته أو أن يعيد إنتاج ذاته بذاته لأن التَّاريخ ليس كائناً إلا من حيث هو مفهوم يطوي تحت جناحيه جملة وقائع البشر المنصرمة، نقول وقائع البشر ونصرُّ على ذلك لأنَّ الإنسان وحده موضوع التَّاريخ ومحموله. ولكنَّنا لا نعني وقائع الإنسان بما هو إنسانٌ وحسب، بل نعني أيضاً كلَّ ما اتَّصل بالإنسانِ أو اتَّصلَ الإنسانُ به في إطار سيرورته وصيرورته بما هو كائنٌ به من عقل وفعل وانفعال، أي بما يفعله في ذاته ولذاته، وبما ينفعل به من فعل جنسه وفعل ما هو مفارق لجنسه.‏

إنَّ التَّاريخ بهذا المعنى، وبأي معنى آخر يمكن أن يفهم به التَّاريخ، لا يمكنه أبداً أن يعيد نفسه مكرراً سيرته الأولى، ولا يمكن أن يستنهض ما مضى من وقائعه ... وإنَّما الإنسان هو الذي يعيد التَّاريخ، والإنسان إذ يعيد التَّاريخ فإنَّه لا يعيد وقائعه بحرفيَّاتها ولا حتَّى بأشباهها وإنَّما هو يعيد ذاته من حيث هو إنسان، أي من حيث هو رغبة وميل وهوى طموح وغريزة ... وعقل. وإذ يعيد الإنسان الفرد ذاته الماهويَّة الكليَّة لا الفرديَّة فإنَّه يعيد محاور وقائع التَّاريخ، أي إنَّ المهيمن يعيد سلوك المهيمن ذاته ولكن في إطار راهنيَّته التَّاريخيَّة والحضاريَّة وما انطوت عليه هذه الرَّاهنيَّة من معطيات وشروط وظروف جديدة، والقويُّ يعيد سلوك القويِّ ... والأمَّة تعيد سلوك الأمَّة ... وإذا ما أخذنا البنى النَّفسيَّة والاجتماعيَّة للأمم والشُّعوب، وغيرها من المعطيات المعرفيَّة الأخرى بعين النَّظر، استطعنا أن نفهم كيف يعيد التَّاريخ نفسه.‏

وعلى هذا الأساس يمكننا القول إنَّ التَّاريخ لا يعيد نفسه وقائعيًّا وإنَّما مدلوليًّا، وبهذا المعنى نفسر قول غورو عندما وضع قدمه على قبر صلاح الدِّين الأيوبي في الجامع الأموي بدمشق وقال: لقد عدنا يا صلاح الدِّين. وبهذا المعنى نفسِّر أيضاً توقيت عقد مؤتمر السَّلام العربي الإسرائيلي ومكانه في مدريد ... حيث سَّلم الملك أبو عبد الله الصَّغير للملك فرناندو مفاتيح قصر الحمراء وبوابات مدينة غرناطة آخر الممالك الإسلاميَّة بالأندلس في الثَّاني من كانون الثَّاني عام 1492م. وليعلق وزير الخارجيَّة الأمريكي في جلسة افتتاح المؤتمر قائلاً: قبل خمسمئة سنة وقع العرب وثائق خروجهم من الأندلس والآن سيوقِّعون وثائق خروجهم من التَّاريخ.‏

2 ـ قوانين البشر قوانين الطَّبيعية:‏

ليس ثمَّة شيءٌ جديدٌ في العولمة فكلُّ ما فيها قديم من حيث المبدأ؛ قوانين الطَّبيعة ساريةٌ عليها كما هي سارية على غيرها، ولكن يجب أن يحمل ذلك محمل الحتميَّة التَّاريخيَّة ولا يجوز أن يفهم على أنَّه من باب الجبريَّة الطَّبيعيَّة أبداً. وأعني بذلك، هنا تحديداً، أي فيما يخصُّ موضوعنا، أنَّ العولمة تقوم على جملةٍ من القوانين هي القوانين العامَّة التي تحكم السَّيرورة البشريَّة على الأرض في مجال العلاقات بين البشر: أفراداً وجماعات وأمماً. ولذلك لا مانع من وسم هذه القوانين بالطَّبيعيَّة انطلاقاً من عموميَّتها وتاريخيَّتها.‏

ونقصد بكونها قوانين طبيعيَّة تكراريَّتها بالدَّرجة الأولى، ولكن هذه التِّكراريَّة ليست بالمعنى الاطِّرادي المنتظم تماماً ولكن بالمعنى المدلولي الذي أتينا عليه في مقولة التاريخ يعيد نفسه. وبالدَّرجة الثَّانية قيامها على الطَّبيعة البشريَّة، أو بمعنى آخر قيامها على البنية النَّفسيَّة للإنسان بما هو فرد ومواطن وعضو في الجماعة والأمَّة أيًّا كان موقعه من كلِّ ذلك.‏

وعلى الرُّغم من إمكان ردِّ هذه القوانين إلى قانون أو مبدأ واحدٍ هو منطق القوَّة، فإنَّ الأنسب الحديث عنها متفاصلةً، ولا سيَّما أنَّنا، على كلِّ حالٍ، سنعرض لها جملة أو تفصيلاً. والتَّفصيل أوضح. وهذه القوانين هي:‏

أوَّلاً: الأقوى هو الذي يفرض إرادته وسيادته وهيمنته ومصالحه ... على سواه ممن هم أضعف منه كلاًّ تبعاً لدرجة ضعفه عند الأقوى.‏

ثانياً: إنَّ ما ينتاب الأقوى من مشاعر العظمة والعُنجهيَّة والاعتداد المنتبج بالذَّات والغرور والجبروت ... أمرٌ طبيعيٌّ من حيث المبدأ، أي إنَّه أمرٌ طبيعيٌّ في ظرفه ووضعه، مرتهنٌ بذلك ومشروط به. هذا من دون نسيان أنَّ مثل هذه المشاعر قد تنتاب الضُّعفاء أيضاً ولكنَّها مشاعر مرضيَّة أو خيالات سرعان ما تتحطَّم على صخور الواقع.‏

ثالثاً: الحقُّ هو ما يقوله الأقوى وما يريده ويقرره، حتَّى وإن رأى الآخرون كلهم ما هو خلاف ذلك، أو اعترضوا عليه. وأكبر مشكلة تعترضنا هنا هي أنَّ حقَّ الأقوياء هذا، في معظمه، يقوم على حساب الضُّعفاء وفي خيراتهم من جهة، ومن جهة ثانية فإنَّ الأقوياء لا يقبلون النِّقاش في أنَّ هذا حقَّهم، والضُّعفاء، بغضِّ النَّظر عن الاستثناءات، لا يمكن أن يقتنعوا بأنَّ هذا حق الأقوياء حقًّا، وهذا أساس الصِّراع التَّاريخي الظَّاهر والخفي بين الأمم والشُّعوب. ولكنْ على الرغم من ذلك ترجح كفَّة الأقوياء دائماً.‏

رابعاً: الضُّعفاء مولعون باقتفاء خطى الأقوياء، مفتونون بالسير وراءهم، مغرمون بعظمتهم ... ولذلك يجدون ـ من باب الحيل الدِّفاعيَّة عن الذَّات ـ آلاف الأعذار والأسـباب لتسويغ تقليدهم لهم، والسَّماح لهم بنهب خيراتهم، والعبث في عقائدهم ومعتقداتهم، والعيث في الأرض فساداً.‏

خامساً: قوَّة الأمَّة كقوَّة الفرد لها عمر، يطول ويقصر بحسب ما قامت عليه من ركائز وأسس، ولذلك مهما طالت قوَّة الأمَّة، وامتدَّ عزَّها وسلطانها، فإنَّها لا بدَّ آيلةٌ إلى الوهن والضَّعف حتَّى التَّلاشي، لتحلَّ محلها أمَّةٌ أخرى كانت آخذة في الصُّعود رويداً رويداً.‏

3 ـ العولمة اصطلاح جديد لنظام تاريخيٍّ متكرِّر:‏

من خلال نظرة كشفيَّة سريعة إلى ما مضى من تاريخ البشر، وبالاستناد إلى ما سبق وأسلفنا، وليس هذا الاستناد من الضَّرورة بما يحول غيابه دون تحقق المراد، لا غرو في القول إنَّ كلَّ تعريفات العولمة السابقة والأحاديث الدَّائرة فيها، حتَّى حديثنا، مرتبطة بجذور عقائديَّة وتعبِّر عن مناخات منفعيَّة تفوح منها رائحة هذه العقائديَّات المنبثقة منها بمعنى من المعاني. ذلك أنَّ الجغرافيا لم تنته والتَّاريخ لم ينته ولن ينتهي، وبذلك فإنَّ هذه التَّعريفات لا تعبِّر عن واقعٍ أبداً وإنَّما تعبِّر عن مطالب ومتطلَّبات وتَحقُّق ذلك على أرض الواقع مرتهن بجملة معقَّدة من الشُّروط والمعايير والمقاييس والظُّروف لا يوجد ما يحول دون تحقُّقها عقليًّا ولكنَّ منطقيَّة الواقع من جهة وراهنيَّته من جهة ثانية لن تحتمل ذلك أبداً بالمعاني المرادة من العولمة والمطروحة فيها. وانطلاقاً من مثل هذا الأساس ذهب محمد عابد الجابري إلى تأكيد أنَّ العولمة ليست مجرَّد آليَّة من آليَّات التَّطوُّر الرَّأسمالي، بل هي أيضاً، وبالدَّرجة الأولى، [عقائديَّة] تعكس إرادة الهيمنة على العالم، والعولمة التي يجري الحديث عليها الآن نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. إنَّها نظامٌ عالميٌّ، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتَّسويق والمبادلات والاتِّصال الخ ... كما يشمل أيضاً مجال السِّياسة والفكر و[العقائديَّة] ... فالعولمة إلى جانب أنَّها تعكس مظهراً أساسيًّا من مظاهر التَّطوُّر الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضاً [عقائديَّة] تعبِّرُ بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته(1) . وقد حددت الولايات المتَّحدة خصوصاً والعالم الغربي على العموم، الوسائل التي ستقوم من خلالها بتحقيق أغراضها في ذلك، ومن أهمها الضَّغط بالاقتصاد والإعلام لتفتيت القوميَّات الجامحة وخلخلة التَّوازات الدولية بما يخدم مصالحها والتَّركيز على الحرب النَّفسيَّة من خلال الغزو الثَّقافي والإعلامي والتِّقاني لكسر أطواق الحدود القوميَّة وفتحها أمام الصَّولة الغربيَّة عموماً والأمريكيَّة خصوصاً.‏

أي إنَّ فكرة عنوان كتاب أوماي "عالم بلا حدود" التي استطاعت أن تفرض ذاتها على جلِّ المفكِّرين الذين استلهموا منها أهمَّ تعريف معبِّرٍ وبليغ وكثيف للعولمة التي أصبحت تعني من غير ما جدل " نهاية الجغرافية "... وإن كانت فكرةً يُكبر عليها فكر هذا الرَّجل، فإنَّها ليست محض إبداعٍ غير مسبوق بمثيل أبداً، وإنَّما هي الحقيقة التَّاريخيَّة المتكرِّرة دائماً وأبداً، ذلك هذا الاصطلاح: نهاية الجغرافية، القادر على احتواء مختلف التَّعريفات السَّابقة للعولمة بوصفها انعدام كلِّ الحواجز؛ الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والعرقيَّة والثَّقافيَّة والعلميَّة والمعرفيَّة ... والجغرافيَّة، أي بوصفها عالماً بلا حدود ... إنَّما هو المضمون الحقيقي لممارسات كلِّ الإمبراطوريَّات السَّابقة بما هي القوى المحركة للحضارة البشريَّة، سيَّان وعت ذلك أم لم تعه. فكلُّ أمَّة رائدة أو إمبراطوريَّة؛ سيَّان كانت متفرِّدة أم ثنائيَّة الاستقطاب، تحاول إعادة ترتيب الأوراق العالميَّة وصياغتها بما يتوافق مع مصالحها ويخدمها، بل إنَّ الظُّروف العالميَّة دائماً تخدم الأقوياء في إعادة هيكلة العالم، على مختلف الأصعدة، بما يعزز مصالحهم.‏

ومن ثمَّ فإنَّ الولايات المتحدة إذ تقوم بما تقوم به لتعزيز هيمنتها وسطوتها فإنَّها لم تأت بما هو من غير طبائع البشر أو لم يكن موجوداً فيهم، إنها تقوم بما يمـكن بل يجـب أن يقوم به من هو في موقعها، ولذلك نستطيع القول من غير ما حـرج إنَّ العولمة ليسـت إلاَّ ثوباً جديداً لواقع متكرِّر بأثواب متغيِّرة، أي إنَّها اصطلاح جديد لنظام تاريخيٍّ متكرِّر.‏

4 ـ العولمة مفرز تلقائيٌّ وتوظيف استخباراتي:‏

صحيحٌ أنَّه ليس من جديدٍ أبداً في العولمة من حيث المبدأ، ولكن ثمَّة أشياء جديدة كثير فيها من حيث الشَّكل والظُّروف والمعطيات ... التي لا يمكن إغفالها ولا التَّنكر لها. ففي الدَّرجة الأولى نجد أن العولمة مفرزلإ تلقائيٌّ لسيرورة التَّطور والتَّقدُّم؛ الاقتصادي والتِّقاني والعلمي والحضاري. فبدافع التَّنافس الاقتصادي والصِّراع الحضاري ـ وكلاهما يهدف إلى تعزيز الهيمنة ومدَّ النُّفوذ والتَّحكم بمقدرات ـ تدامجت آليَّات العمل والهياكل الاقتصاديَّة والعلميَّة والتَّقنيَّة الإعلاميَّة، وتواشجت الصِّلات بينها حتَّى بات من المتعذَّر الفصل بينها في العصر الحاضر، وفيما سيأتي من العصور، وهذه أولى دعامات العولمة ومرتكزاتها الأساسيَّة. أمَّا أهمُّ مظاهر العولمة، وهو عنصرٌ صميميٌّ فيها، فهو الانفتاح الإعلامي الهائل، والتَّدفق المعلوماتي الغزير، الأمران اللذان فرضا ذاتهما على دول العالم قاطبةً.‏

في خضمِّ السيرورة المنطقيَّة لحركيَّة الدعامة والمظهر، طفت على السَّطح جملة من الحقائق التَّاريخيَّة القديمة من حيث المبدأ، ولكنَّها روِّجت على أنَّها حقائق ومعطيات جديدة ظهرت لأوَّل مرَّة، والعولمة هي التي أثبتتها. وأهم هذه الحقائق:‏

أوَّلاً: إنَّ التَّاريخ قد انتهى عند أقدام الغرب، وتوقف عنده.‏

ثانياً: إنَّ أقطاب العولمة، الدُّول العظمى، الغرب ولا سيَّما الولايات المتحدة، هي المتحكِّمة بمصائر الأمم والشُّعوب والدُّول؛ مقدراتها وحاضرها ومستقبلها، وهذا هو قدر العالم المحتوم الذي لا محيد عنه، ولا مجال للإفلات منه.‏

ثالثاً: إنَّ الغرب، ولا سيَّما الولايات المتحدة، هو سيِّد العالم، وعلى العالم الانطواء تحت عباءته، شاء أم أبى ولا مجال لغير ذلك.‏

رابعاً: الغرب وحده الذي يملك الحقيقة والقدرة على تسيير دفتي التاريخ والعالم.‏

خامساً: إنَّ قدرة الغرب وعظمته وجبروته كافية لإثبات أنَّ ثقافته هي الأقوم، وهي الأجدر بالسيادة والانتشار على حساب الثَّقافات الأخرى التي ستزول وتتلاشى بشكل تلقائيٍّ أمام قوَّة الثقافة الغربيَّة وصوابيَّتها وعظمتها.‏

سادساً: إنَّ الحدود الجمركيَّة القائمة أمام الانفتاح الاقتصادي بشكل خاص والثَّقافي بشكل عام خطأ فادح وخطر على من يقوم به لأنَّها تحرم هذه الدُّول من نِعَم الحضارة والرُّقي ... ولذلك على العالم كلِّه إدراك هذه الحقيقة وتكسير هذه القيود وتحطيمها.‏

أقول إنَّ هذه النِّقاط حقائق تاريخيَّة قديمة من حيث المبدأ لأنَّ الإمبراطوريَّات السَّابقة كلَّها كانت تقوم على هذه الحقائق وتعدُّها منطلقات بل مسـلمات وعلى التَّسـليم بها من دون أيِّ نقاش. سيَّان وعت هـذه الإمبراطوريات قيامها بهذا الفعل أم لم تعه. ألم يحسـب العرب والفكر الإسلامي أنَّ التَّاريخ قد انتهى على أعتاب حضارتهم وتوقف عندها ؟! ألم يعتقد جنكيز خان أنَّه قاهر العالم والتَّاريخ ؟! وقبلهما ألم يعتقد اليونان ثمَّ الرومان ... أنَّ حضارتهم تاج الحضارات وخاتمتها ؟! ألم يكن هؤلاء جميعهم هم المتحكمون بمصائر الشعوب ومقدراتها؟! ألم يحسبوا أنَّهم وحدهم المالكون للحقيقة والقدرة على تسيير دفتي العالم والتَّاريخ ؟!‏

المشكلة هي أنَّ مفكري الغرب على عمومه، ولا سيَّما الأمريكيين، توهَّموا أنَّهم أوَّل من اكتشف هذه الحقائق، وأنَّها لم تظهر إلاَّ بوصفها نتاجاً لحضارتهم وعولمتهم والمسحة الرَّحمانيَّة الأمريكيَّة. واعتقد المساكين بحقيقة هذا الوهم وراحوا يستنفدون إمكانته من أجل إيهام الشُّعوب الأخرى بأنَّه مسلمة لا يمكن الخروج من ربقتها. ولذلك فإنَّ على الشُّعوب الأخرى التَّسليم بحقيقة تفوق الغرب الأبديَّة وعظمته الأزليَّة وأحقيَّته الإلهيَّة بالهيمنة على العالم، وأحقِّـيَّته المنطقيَّة بالتَّحكم بمقدرات الشعوب وخيراتها، وضرورة رفع القيود الجمركيَّة عن كلِّ تحرُّك اقتصادي أو سياسي أو عسكري أو ثقافي أو حضاري ... للغرب؛ استيراداً وتصديراً.‏

وعلى هذا النَّحو تحول العولمة من مفرز تلقائيٍّ للتَّطور الحضاري إلى صناعة فكريَّة تستهدف تعزيز الهيمنة الغربيَّة وتقويض بل إجهاض كلِّ جهدٍ يمكن أن تقوم به أيُّ أمَّة أخرى، وليس يعنينا هنا كثيراً أن يكون التَّوظيف استخباراتيًّا بالمعنى الحرفيِّ للكلمة أم فكريًّا أم اقتصاديًّا ... لأنَّ الغاية واحدة.‏

5 ـ العولمة حرب إعلاميَّة ليس إلاَّ:‏

سيَّان سلَّمنا بالمقولات السَّابقة أم لم نسلِّم بها فإنَّنا نطرح المقولة الخامسة من مقولاتنا في العولمة فنقول: إنَّها حربٌ إعلاميَّة ليس ألاَّ. ونعني بذلك من جهةٍ أولى إمكان استقلاليَّة المقولات عن بعضها بعضاً وإمكان ترابطها وتكاملها. ومن جهة ثانية فإنَّ التجليَّات التي تمظهرت فيها العولمة إنَّما هي نتائج حتميَّة للتَّطوُّر الحضاري بمختلف ميادنه. ولكنَّ العلوميين استغلوا هذه التَّجليات والتَّمظهرات التي قاد إليها التَّطور الحضاري والتَّنافس الاقتصادي والسياسي ... وسخَّروها لشنِّ حرب إعلاميَّة على دول العالم قاطبةً من أجل خدمة مصالحهم وتعزيزها، بتكريس ضعفها وضياعها وتشرذمها وبقائها مخترقة منتهكة بما يضمن استمرار بقاء الأقوياء أقوياء.‏

إنَّ العولمة بما هي ظاهرة تاريخيَّة بريئة من الغرضيَّة السِّياسيَّة، شأنها في ذلك شأن أي ظاهرة تاريخيَّة، ولكنَّها كانت آخر الموجات التي ركبها المستفيدون منها وحوَّروها ودوَّروها بما يبقيهم في دائرة الاستفادة ... شأنها في ذلك أيضاً شأن غيرها من الموجات السَّابقة على مختلف المستويات والأصعدة ... أي إنَّ العولميين بهيمنتهم الإعلاميَّة قد حوَّلوا العولمة من مفرز تلقائيٍّ منطقيٍّ للصراع الاقتصادي والتَّطور الحضاري إلى أداة وسلاح لمحاربة الشُّعوب الأخرى وتكريس ضعفها وتفككها وترهلها وتخلفها ...‏

ولكن، هل كان من الممكن أن تلبس العولمة ثوب البراءة وتكون بمنأى عن الصِّراع الحضاري ؟ ليس ثمَّة استحالة في ذلك، ولكنَّها ولدت في خضم الصِّراع، وكانت من نتائجه، وهي في الأصل جزء منه، ولذلك من المتعذَّر عزلها عنه حتَّى ولو كان المتصدِّر غير الغرب. بل إنَّ المهمَّ والخطير في الأمر أنَّ العولمة ليست مجرَّد حرب إعلاميَّة وحسب، وإنَّما هي ذاتها بأدواتها وشروطها وظروفها ومعطياتها ومفرزاتها، قد صارت سلاحاً أساسيًّا من أسلحة الصِّراع الحضاري بكل مستوياته؛ الاقتصادية والسياسية والثقافية ...‏

6 ـ هناك فرق بين العولمة والعالميَّة:‏

يبدو من ظاهر اللفظ وبعض المضمون أنَّ ثمَّة تشابهاً وتداخلاً بين العولمة والعالميَّة الأمر الذي قد يوجد بعض اللبس بين المفهومين على الرُّغم من تباينهما ومن الضَّرورة لذلك التَّمييز بينهما. ويجدر التَّنويه هنا بأنَّنا سنعتمد التَّمييز الذي قدَّمه الجابري في ندوة العرب والعولمة بوصفه الأطروحة الخامسة من أطروحاته العشر في العولمة، ولا سيَّما أنَّنا لا نجد كثير اختلاف معه في ذلك.‏

العولمة شيء والعالميَّة شيء آخر. العالميَّة تفتح على العالم، على الثقافة الأخرى، واحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي. أمَّأ العولمة فهي [في بعض أوجهها] نفي للآخر وإحلال للاختراق الثَّقافي محلَّ الصِّراع الأيديولوجي.‏

العولمة ـ Globalization إرادة للهيمنة وبالتَّالي قمع وإقصاء للخصوصي، أمَّا العالميَّة ـ Universalisme - Universalite فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصيَّة إلى مستوى عالمي. العولمة احتواء للعالم، والعالميَّة تفتُّح على ما هو عالمي وكوني.‏

نشدان العالميَّة في المجال الثقافي، كما في غيره من المجالات، طموح مشروع، ورغبة في الأخذ والعطاء، في التَّعارف والحوار والتَّلاقح. إنَّها طريق الأنا في التَّعامل مع الآخر بوصفه أنا ثانية، طريقها إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة. أمَّا العولمة فهي طموح بل إرادة لاختراق الآخر وسلبه خصوصيَّته، وبالتالي نفيه من العالم. العالميَّة إغناء للهويَّة الثقافيَّة، أمَّا العولمة فهي اختراق لها وتمييع.‏

والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد إلغاء الصراع الأيديولوجي والحلول محلَّه ... الصِّراع الأيديولوجي صراع على تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتَّشريع للمستقبل. أمَّا الاختراق الثَّقافي فيستهدف الأداة التي يتمُّ بها ذلك التَّأويل والتَّفسير والتشريع: يستهدف العقل والنَّفس(2) .‏

وإذا كان العالميُّ يفرض تقبله على العالم بما يقوم به من مزايا وخصـائص وسـمات، فإنَّ العولميَّ يوجـب تقبله على العالم بما هو منتج احتكاري يفرضه الأقوى على الآخرين بغضِّ النَّظر عن جدارته أو عدمها.‏

7 ـ العولمة خطرٌ إن استسلمنا لمزاعمها أو لم نستسلم:‏

تقوم العولمة بما هي ظاهرة تاريخيَّة على جملة من الحقائق التي لا يمكن نكرانها بوصفها حقائق، هي الدَّعائم الواقعيَّة التي قادت إليها من جهة، والتي تقوم بها من جهة ثانية. ولكنَّها في الوقت ذاته تسبح في بحر من المزاعم والادِّعاءات الواهية الواهنة، وهي في الحالين كليهما خطر خطر لا بدَّ من الوصول إلى الكيفيَّة المناسبة لمواجهته. وعندما أقول إنَّها خطرٌ فإنَّني أعني بالضَّرورة أنَّها خطر علينا نحن العرب، العالم الثالث على عمومه، لا على أقطاب العولمة، وإن حاول بعضهم الإيحاء بوجود أخطار عولميَّة على أقطاب العولمة.‏

العولمة خطرٌ إن استسلمنا لمزاعمها لأنَّ العولميين؛ وهم محقون بما هو منسوب لهم من الحقِّ في ذلك، يتطلَّعون من خلال هذه المزاعم إلى إحباط الجهود، وتثبيط الهمم، وزرع اليأس في النُّفوس، وجعلها تستسهل الانقياد لأهواء أقطاب العولمة. والمظاهر معظمها ترجح كفَّة مزاعمهم وادِّعاءاتهم، ولكنَّها مظاهر لا جواهر، لأنَّ حقيقة الأمر كما أوضحنا في أكثر من موقع خلاف ذلك، وغاية المراد هنا هو عدم اليأس ولا الاستسلام ولا التسليم.‏

والعولمة كذلك خطر حتَّى إذا لم نستسلم لمزاعمها، أي إذا نظرنا إليها فقط من زاوية ما تقوم به بوصفها مرحلة تاريخيَّة من مراحل تطور البشريَّة وتقدمها، ذلك أنَّ عدم الاستسلام للمزاعم والادِّعاءات لا يعني أبداً انتفاء خطرها.‏

لقد وصل العالم إلى درجة من التَّطور والتَّقدُّم المذهل الذي يكفي وحده لزرع اليأس في النفوس من اللحاق بركب الحضارة والتقدم، حتَّى ولو لم نستسلم للمزاعم التي يروِّجها الغرب في هذا الصَّدد. وما أكثر المحبطين منَّا الذي خنقوا آمالهم وطموحاتهم عندما قارنوا ما نحن فيه مع ما وصل إليه الغرب ... ولذلك نجدنا مصرِّين على القول أيضاً إنَّ العولمة خطرٌ على كلِّ حال، ويجب أن نتلَّمَّس الحلول ـ وأزعم أنَّها موجودة ـ من أجل اللحاق بالعصر وما وصلت إليه الأمم المتقدِّمة من نماء وازدهار وتطوُّر.‏

ونحن إذ نقول ذلك فإنَّنا لا نتجاهل صعوبة الموقف، ولا نغمض أعيننا عن مرارة المواجهة ... إنَّ الوضع حرجٌ حقًّا. ولكنَّ المسألة حاسمة ومصيريَّة، لا تقبل اليأس، ولا ترضى بالاستسلام ولا الخنوع ... يجب أن نعرف أين نقف، وإلى أين نسير ... والأمر لا يحتمل التَّسويف ولا التَّأجيل. وأوَّل ما ينبغي أن يؤخذ بعين النَّظر والحسبان والاعتبار هو أنَّ آليَّتي انتقال الحضارة ومركز القوَّة من أمَّة إلى أخرى قد تغيرت تغيراً نوعيًّا وجذريًّا عمَّا كانت عليه فيما مضى، وهي مسألة يطول شرحها.‏

* * *‏

(1) ـ محمد عابد الجابري: عشر أطروحات حول العولمة والهوية الثَّقافية ـ م.س.‏

(2) ـ محمد عابد الجابري: عشر أطروحات حول العولمة ـ م.س.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244