الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني: طرفا الصراع في العهد العراقي ياسين الهاشمي والعنف.

أتصف الفريق ياسين الهاشمي بكرهه الشديد للإنكليز والفرنسيين معاً بسبب مخططاتهما الاستعمارية ضد التطلعات العربية في تحرير بلادهم من السيطرة التركية، وتحقيق دولة عربية مستقلة. وقد آلت إليه زعامة جمعية العهد بعد رحيل عزيز المصري بعيداً عن مسرح الأحداث في بلاد الشام. الذي بقي في مصر بعد عودته من تركيا. وقد خدمت الظروف ياسين الهاشمي بين عامي 1914- 1916 في توسيع قاعدة المنتسبين لجمعية العهد بين الضباط. فقد كان رئيساً للفرقة الثالثة عشرة التركية والتي انتقلت من الموصل إلى دمشق، ورابطت حولها فأجرى العديد من الاتصالات مع الضباط، ونسبهم إلى الجمعية. والتقى بالمواطنين والسياسيين السوريين، الذين رأوا فيه الشخصية العسكرية القيادية التي تخدم قضيتهم العربية. كانوا يتصلون به عن طريق نسيب البكري وغيره من رجالات جمعية الفتاة العربية ونظموه بها على الرغم من عدم معرفتهم به كزعيم لجمعية العهد السرية. وكان لانتسابه للجمعيتين أن جعل منه همزة الوصل بينهما. ومنسقاً لتحركاتهما. وقد كان التقى الأمير فيصل عند زيارته إلى دمشق في آذار 1915، وتعرف على انطباعاته تجاه الاحتلال التركي، وممارسات القمع والاستبداد التي يقوم بها الترك ضد العرب. ففاتحه في تفجير ثورة ضد الأتراك، وعرض عليه قيادة الثورة وأعلمه بوجود عدد كبير من الضباط والجنود العرب في الفرق والكتائب العسكرية التركية المتواجدة في دمشق وبلاد الشام، وبقدرته على الاتصال بالضباط وموالاتهم له.‏

كما عرض عليه الانضمام إلى جمعية العهد، فوافق فيصل على الرغم من انضمامه إلى العربية الفتاة من قبل. وقد ناقش فيصل الهاشمي عن إمكانياته ومجموعته العسكرية في تفجير الثورة.‏

فسأله الأمير فيصل عما يطلبه من الحجاز؟ وعن نوع المساعدة التي يقترحها؟ أجابه ياسين:‏

-لا نطلب شيئاً. ولا نحتاج إلى شيء. فعندنا كل شيء. وما عليك إلا أن تقودنا وتسير في الطليعة.‏

وقال فيصل: -إننا متفقون مع رؤساء الحجازية. وهم مخلصون لنا، ومستعدون للعمل معنا.‏

وكان جواب ياسين: لا حاجة لنا بهم. فعندنا كل شيء"(1) .‏

لقد كانت تقديرات ياسين الهاشمي للثورة مضمونة بسبب ما لديه من أعداد كبيرة من الجنود والضباط العرب المتواجدين في الشام أثناء زيارة فيصل إليها في آذار 1915. ولكن هذه الأعداد بدأت تختفي حين زار فيصل دمشق مرة ثانية في أيار 1916. فقد تمّ نقل العديد منها، كما أشرنا سابقاً من قبل جمال باشا قائد الجيش الرابع في سورية. بعد انتشار الجمعيات المناهضة للترك في القوات العربية، وتراكم التقارير للمخابرات العسكرية التركية عن نشاط جمعية العهد بين الضباط والجنود العرب، واستحالة الكشف عن أسماء أعضاء تنظيم الجمعية. وبذلك نقلت الفرق والكتائب التي تضم أعداداً كبيرة من العرب إلى خارج سورية. لم يبقى إلا فرقة ياسين الهاشمي في دمشق. وبعد انفجار الثورة العربية في الحجاز، لم يلتحق ياسين الهاشمي بها. رغم أنه كان محرضاً لقيامها. ولقد أرسل الأمير فيصل إليه لورنس متخفياً. في عام 1917. واجتمع به في مزرعة آل البكري سراً، وطلب منه بناءً على أوامر فيصل الانضمام إلى الجيش العربي، وأن يقوم بتفجير الثورة في الشام فرفض ياسين.‏

وقال لمبعوث فيصل "إن الإنكليز ليسوا مخلصين لفيصل، ولا لأبيه. فبعد أن وعدوا بتأسيس دولة عربية. اتفقوا مع اليهود، وأصدروا وعد بلفور. واتفقوا أيضاً مع الفرنسيين على إعطائهم سورية. كما ربطوا العراق بالهند"(2) . وبقي في دمشق، ولم يلتحق بالثورة حتى دخلت دمشق. فاختفى في أحد أحيائها. ولكن زملاؤه المشاركون في الثورة نوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت، التقوا به في مخبئه، وأتوا به إلى الأمير فيصل الذي عاتبه، ثم أصدر قراراً بتعيينه رئيساً لديوان الشوري "رئاسة الأركان" بدلاً من جعفر العسكري. ويظهر أن هذا التعيين قد جعل من جعفر العسكري عدواً له. فأكثر من الدسّ عليه عند الإنكليز خاصة.‏

لم يتراجع ياسين الهاشمي عن مواقفه السابقة بعد تعيينه رئيساً للأركان في معاداة المخططات الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية التي استهدفت سورية والعراق. وقد وجهت إليه اتهامات من قبل فرنسا وإنكلترا بأنه كان يمدُّ الثوار في جبال اللاذقية بالسلاح لمقاتلة القوات الفرنسية، إضافة إلى اتهامات بإعداد جيش عربي حديث، وأنه كان وراء قانون الخدمة الإجبارية الذي أصدرته حكومة فيصل. وقد وردت تلك الاتهامات في قائمة أصدرتها القوات البريطانية بعد اعتقاله في دمشق أواخر عام 1919، وصفته إحدى البرقيات الاستخباراتية البريطانية بعد تعيينه في منصب رئيس ديوان الشورى الحربي، مقتدر، جندي كفءٌ. ذكي، طموح، متعصب، نصير للاستقلال التام، يحتمل أنه خطر"(3) .‏

ـ جعفر العسكري ونوري السعيد‏

على النقيض من ياسين الذي يدعو إلى الاستقلال التام لسورية والعراق، وبرفض أي شكل من أشكال الارتباط مع إنكلترا أو فرنسا ينقص من هذا الاستقلال. كان خط نوري السعيد وجعفر العسكري الذي عمل على زيادة الارتباط بإنكلترا. ولم يتصور جعفر العسكري أو نوري السعيد العراق بدون بريطانيا، أو استقلال سورية بدون بريطانيا، فكانا يعتقدان أن أي تطور للعراق أو سورية لا يتم إلا من خلال الدعم والوجود البريطاني. لهذا رفضا أية فكرة للاستقلال التام للعراق عن بريطانية. وقد أشارت غيرترودبل(4) إلى العقلية التي يحملها جعفر العسكري المشبعة بالولاء لبريطانيا. ففي جلسة ضمتها مع جعفر دارت فيها مناقشات حول مستقبل العراق. أكدت فيها له "الاستقلال هو ما ترغب بريطانيا منحه في النهاية." فردّ عليها جعفر قائلاً "يا سيدتي إن الاستقلال التام يؤخذ دائماً. ولا يعطى أبداً". ثم رفض فكرة استقلال العراق تحت ذريعة أن العراقيين غير مؤهلين لإدارة بلادهم. وقال لها "إن الاستقلال التام مستحيل"(5) .‏

ولم يختلف نوري السعيد عن جعفر إن لم نقل كان أشد تحمساً للوجود البريطاني، مع وجود إدارة عربية في العراق، ففي رسالته إلى الميجر يونغ(6) . عن المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 7 آذار 1920 وسنبحثه في الفصول القادمة. قال عن الذين حضروه ومن زاوية رؤياه الشخصية طبعاً. وليست بالتأكيد أراء غالبية الحاضرين "أي شخص يحمل آراء غير وديّة تجاه حلفائنا الإنكليز.. بل بالعكس، إنهم منفردين ومجتمعين، مشربون بروح الزمالة مع الإنكليز. وحريصون جداً على المضي في طريق الولاء والتعاون معهم.(7) رغم أن الرسالة أشارت إلى ضرورة تصحيح الأخطاء التي تمارسها الإدارة البريطانية في بغداد، وإلى ضرورة تكوّين حكومة عربية في العراق في ظلال الاحتلال البريطاني.‏

(1) سليمان الموسى- الحركة العربية- بيروت- دار النهار- 1970 ص132.‏

(2) أمين محمد سعيد- الثورة العربية الكبرى- تاريخ مفصل جامع للقضية العربية- القاهرة- مطبعة الباب 1935 ص258- 259.‏

(3) F. O. 882. 24.. 1917. Who is who Damascus 1919.‏

(4) المس غيرترودبل السكرتيرة الشرقية لديوان المعتمد السامي البريطاني في بغداد، تجولت في المنطقة قبل الاحتلال البريطاني. ومن الجواسيس النشيطين أثناء الحرب العالمية الأولى. كان لها دور هام في الإدارة البريطانية في بغداد، وتقربت إلى الملك فيصل الأول فكانت أهم مستشاريه. أصدرت العديد من الأبحاث والرسائل حول العراق والمنطقة العربية.‏

(5) د. فيصل جمال عمر نظمي -الجذور السياسية والفكرية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق- بيروت- مركز دراسات الوحدة العربية 1984- ص161.‏

(6) الميجر يونغ- عمل في مكتب القاهرة للاستخبارات البريطانية- وسكرتير في وزارة الخارجية- ناصر كثيراً إقامة إدارة عربية في العراق وكان من ألد خصوم ارنولد ولسن الحاكم السياسي البريطاني في العراق.‏

(7) F.O 941/ 5226/ E2719- 5 April 1920.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244