الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الخامس: دير الزور والأتراك

لمحة تاريخية

تقع محافظة دير الزور في الزاوية الشرقية الجنوبية للقطر العربي السوري، يشطرها نهر الفرات إلى شطرين. كما يلتقي فيها نهراً الخابور والفرات عند مدينة قديمة تسمى قرقيسيا، ويطلق عليها اليوم البصيرة. سكنها العرب قبل الفتح الإسلامي، وأطلقوا عليها ديار ربيعة، وقبائل ربيعة "امتدت منازلهم من أطراف الجزيرة ما بين نهري الفرات ودجلة، وامتدت عشائرها جنوباً حتى الحيرة وغرباً إلى الشام، وشرقاً إلى أذربيجان([1]). ومن أهم قبائل ربيعة التي سكنت منطقة دير الزور قبيلة تغلب العربية الشهيرة، حيث رحلت إليها بعد نزاع طويل مع قبائل بكر، ثم أمراء كندة والحيرة، وأهم مدن تغلب آنذاك في المنطقة بلدة تدعى "ماكسين"، التي اشتهرت بشجر الزيتون، وكثرة معاصر الزيت، حتى إن الأخطل قال: "مادام في ماكسين الزيت يعتصر"([2]) وقد بنى التغلبيون أديرة عديدة في المنطقة نذكر منها دير حنظلة ودير الرمان ودير القائم الأقصى وأُرجح الدير الأخير أن يكون في موقع مدينة دير الزور الحالية، حيث يحددها ياقوت الحموي "على شاطئ الفرات من الجانب الغربي في طريق الرقة من بغداد"([3]). أكثر من ترجيح الأستاذ المرحوم عبد القادر عياش الذي اختار دير الرمان مكان دير الزور الحالية، التي يقول عنها ياقوت الحموي: "مدينة كبيرة ذات أسواق للبادية بين الرقة والخابور تنزلها القوافل بين العراق إلى الشام"([4]). فدير الرمان تقع في شرق الفرات، في حين دير القائم الأقصى على ضفاف الفرات غرباً، ودير الفيق الذي هدم في الستينات يقع في غرب نهر الفرات.

فتحها العرب المسلمون في عام /16/ للهجرة الموافق /637/ ميلادية، وكان قائد الفتح عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد لفاف الزهري، حين توجه بقوة من القوات العربية التي كانت تحاصر آنذاك مدينة هيت على الفرات، فباغت حاضرة المنطقة آنذاك مدينة قرقيسيا، صباحاً، وفتحها بسرعة فاجأت أهلها، وأجبرتهم على التسليم ودفع الجزية، والقبول بالحكم العربي الإسلامي. فانشد عمر بن مالك الزهري قصيدة تغنى بهذا النصر السريع على أهل قرقيسيا قال فيها:

بهيت، ولم نحفل لأهل الحفائر

 

ونحن جمعنا جمعهم في حفيرهم

بقرقيسياء سير الكماة والمساعر

 

وسرنا على عمدّ نريد مدينة

فطاروا وخلوا أهل تلك المحاجر

 

فجئناهم في دارهم بغتة ضحى

نديّن بدين الجزية المتواتر

 

فنادوا إلينا من بعيد بأننا

وحطناهم بعد الجزا بالبواتر([5])

 

قبلنا ولم نرد عليهم جزاءهم

وفي العصر الأموي تحولت قرقيسيا إلى أحدى مراكز المعارضة للحكم الأموي، حين استولى عليها زفر بن الحارث الكلابي المعارض. وفي العهد العباسي تحولت الرحبة إلى أهم حواضر المنطقة، وقد عُقد فيها أهم إتفاق تاريخي خطير، حين عقد البساسيري قائد شرطة بغداد مع الخلافة الفاطمية اتفاقاً حكم الفاطميون بغداد بموجبه عاماً كاملاً.

وتعرضت منطقة دير الزور لغزوات مختلفة داخلية وخارجية، أتت نتائجها دماراً لحواضرها من بلدان وأديرة. وكان أهمها الغزو المغولي. وبعد الاحتلال العثماني عام 1517 حكمها العثمانيون مدة طويلة بدون استقرار واضح، وظهرت في بداية القرن التاسع عشر دير الزور كبلدة صغيرة، وجد فيها عدد من الموظفين الأتراك. ومخفر عسكري لحماية القوافل. وتعرضت البلدة لغزوات من قبائل البدو إلا أن أهالي المدينة والجنود الترك دافعوا عنها وصدوا الكثير من الغزوات التي كانت منطق ذلك العصر.

وخلال معارك محمد علي باشا مع السلطنة، وقيام القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا باحتلال سورية في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، أصبحت دير الزور تحت الحكم المصري، وعين إبراهيم باشا حاكماً باسمه يدعى "معجون آغا" ومعه قائد عسكري يدعى "قفطان"، واتبعت منطقة دير الزور بسنجق حماه وبعد انتهاء حكم إبراهيم باشا([6]) عادت السلطة العثمانية إسمياً حتى دير الزور إلى عام 1863 حين أرسلت السلطنة العثمانية مصطفى عثمان باشا الجمركي من آل ملك زاده المشهور بـ(ثريا باشا)، وكان والياً على حلب، على رأس حملة عسكرية لتأديب القبائل الفراتية الرافضة لدفع الضرائب الأميرية، واصطدمت بالرقة بقبائل العفادلة المتمردة وبعد معركة صغيرة قتل شيخ العفادلة.. الشيخ حسين العلي الشاش"، وسيطرت على المنطقة([7])، ووصلت الحملة إلى دير الزور فأسس ثريا باشا مركز قائمقامية في دير الزور أتبعه لحلب. وعين عليه القائمقام عمر باشا، ثم عين بعد ذلك قائمقاماً جديداً عام 1865 خليل بك ثاقب الأورفلي، الذي بنى داراً للحكومة ومستشفى وثكنة وتحسنت المدينة لديه. وفي عام 1868 أصبحت دير الزور سنجقاً مستقلاً عن حلب، واتبع مباشرة إلى الأستانة. سنجقاً ممتازاً حدوده من عانه إلى مسكنة والجزيرة حتى حدود ماردين، وغرباً من البادية ضم السنجق تدمر. وكانت له قائمقاميات الرقة والميادين والبوكمال أما الحسكة والقامشلي آنذاك بادية لا عمران فيها ([8]).

انسحاب الأتراك من دير الزور

لم تتعرض دير الزور أثناء الحرب العالمية الأولى. وخلال الثورة العربية لأي هجوم خارجي ضد الأتراك من قبل جيوش الحلفاء والثوار العرب بل بقي الأمر هادئاً فيها. على الرغم أن قراها ومدنها لم تخلُ من جواسيس بريطانيين بصور مختلفة، وكانت حالة دير الزور أثناء الحرب في وضع مترد اقتصادياً، فقد ساد الفقر والعوز والجوع معظم مناطق المتصرفية. فالأتراك قاموا خلال الحرب بمصادرة القمح والمواد الغذائية من المواطنين، وإرسالها إلى جبهات القتال. كما حدث في معظم المدن والمناطق العربية، التي كانت ترزح تحت الاحتلال العثماني.

ونتيجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي لحد المجاعة أفرز اضطرابات في المنطقة من قبل عشائر الفرات وأهل الحواضر، وقد سمى أهالي المحافظة تلك السنوات بسنوات الجوع التي أكلت الأخضر واليابس، وأدت إلى كوارث كبيرة ألحقت بنمو المحافظة وأهلها.

وفي نهاية الحرب بدأت تصل إلى متصرف دير الزور الأخبار التي تحمل أنباء هزائم الترك أمام القوات العربية والحلفاء. وخروجهم من كثير من المناطق العربية. إلا أن أياً من القوات المعادية للترك عرباً وأجانب لم تصل إلى دير الزور أو المناطق التابعة لها.

وأمام هذه الأنباء اجتهد المتصرف التركي آنذاك "حلمي بك" في جمع كل الوثائق والمستندات والسجلات التي تهم الأتراك، وأرسلها إلى مدينة أورفة التركية تحسباً لهجوم قد تتعرض له دير الزور، رغم وجود ما يزيد على /1500/ جندي وضابط تركي كانوا فيها، إلا أن المتصرف شعر أن أي معركة قادمة لن تكون لصالح الأتراك، ففضل الاستعداد لهذا الاحتمال، فأرسل الوثائق قبل حدوث المعركة المتوقعة.

ورغم أن تحرير دمشق تم في الأول من تشرين الأول 1918، فإن متصرفية دير الزور لم يصل إليها أحد  من القوات العربية أو الإنكليزية التي احتلت عانه، إلا أن وضع المتصرف القلق نفسياً، والخائف من وصول قوات معادية للترك إلى دير الزور. إضافة إلى انسحاب الأتراك من سورية وبلاد الرافدين، وبقاء دير الزور فقط، أوجس خيفة في نفسه، ووضعه في موقف محير لاتخاذ أي قرار. سواء بالبقاء أو الرحيل إلى تركيا لهذا قرر جمع أركان حكمه مع وجهاء المدينة لاتخاذ قرارٍ مناسب في هذا الوضع المقلق.

وفي يوم الاثنين 4 تشرين الثاني 1918 دعا المتصرف حلمي بك كلاً من قائد الجيش في المتصرفية الأميرألاي /جميل بك/، وقائد الفرسان/ إبراهيم أدهم بك/، ورئيس بلدية دير الزور /الحاج فاضل العبود/، وعضو البرلمان التركي عن دير الزور /محمد نوري الفتيح/، وقائد الموقع العسكري /حامد بك العراقي/، وقاضي الشرع /عاصم لاز/. ورئيس محكمة بداية الجزاء /عثمان نوري بك/، ورئيس المالية /تحسين بك/ وآخرون إلى مأدبة غداء، تقام في دار الحكومة، وبعد تناول الطعام شرح المتصرف الموقف العسكري والسياسي في المنطقة بعد خروج. القوات التركية من سورية والعراق، عدّا متصرفية دير الزور. ولديه احتمالات هجوم على قواته من أطراف عربية أو إنكليزية، وما لديه من قوات للمواجهة ومن غير وجود مساندة له من قبل القوات التركية. وبعد مناقشة الأمر مع المجتمعين رجح رأي الانسحاب التركي عن دير الزور بصورة مؤقتة. ولحماية أرواح الجنود بعد أن أكد  أن الخسارة في الجانب التركي، أمام أية مواجهة محتملة. فقرر المتصرف /حلمي بك/ أن ينسحب مع القوات التركية إلى تركيا ودير الزور مؤقتاً، وكلف رئيس البلدية /الحاج فاضل العبود/ بإدارة شؤون المتصرفية حتى عودته من تركيا. وغادرت القوات التركية دير الزور في 6 تشرين الثاني 1918.

-مصير المتصرف

كان قرار المتصرف /حلمي بك/ الانسحاب من دير الزور وبالاً وقع على رأسه، وعلى رأس قادته، فما أن وصل إلى مدينة ماردين، حتى ظهر انشقاق داخل صفوف القيادة العسكرية التركية التي كانت في دير الزور. فطلب عدد من القادة من المتصرف أن يعود بقواته إلى دير الزور. حيث لم يجدوا أية قوات تهاجمهم أو تطاردهم، وأن الانسحاب كان خطأً أقدم عليه المتصرف وأعوانه. ولكن موقف قائد القوات العسكرية /الأميرالاي جميل بك/ الحازم بعدم العودة أجبر الجميع بالرضوخ لقراره. وأثناء ذلك صدر قرار الهدنة بين الحلفاء والأتراك والقاضي بإبقاء كل قوة في مكان تواجدها. أصاب الندم الشديد المتصرف وقادته العسكريين لأنهم فرطوا في متصرفية دير الزور بدون سبب قاهر. وفعلاً ما أن علمت السلطات المركزية التركية بتصرف /حلمي بك/، وانسحابه من دير الزور بدون علمها، حتى أبدت انزعاجها وأسفها لهذا التصرف الأحمق. وأحيل المتصرف وقادته العسكريين للتحقيق، ثم المحاكمة العسكرية. وبعد فترة قصيرة أصدرت المحكمة العسكرية حُكمها بالإعدام على المتصرف جميل بك وقائد الفرسان إبراهيم أدهم بك رمياً بالرصاص، كما تم إصدار أحكام بالسجن على البقية. وانتهى الحكم التركي عن دير الزور([9]).



([1]) د. شوقي ضيف- العصر الإسلامي- دار المعارف المصرية- القاهرة- 1963- ص258.

([2]) ياقوت الحموي- معجم البلدان- دار صادر- بيروت- 1982- ج5- ص43.

([3]) ياقوت الحموي- مصدر سابق- ج

([4]) ياقوت الحموي- مصدر سابق- ج2- ص511.

([5]) ياقوت الحموي- معجم البلدان- مصدر سابق- ج4- ص328

([6]) عبد القادر عياش- دير الزور- حاضرة الفرات- مجلة العمران- العدد 39/40 وزارة البلديات السورية دمشق 1971 ص23

([7]) أدهم الجندي- بطولات أبناء دير الزور- مجلة العمران- العدد 39/40 وزارة البلديات سورية- دمشق 1971 ص95

([8]) المصدر السابق

([9]) أدهم الجندي بطولات أبناء دير الزور ص96.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244