الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس : دير الزور بين العراق.. والشام

دير الزور والحكومة المحلية‏

بعد رحيل الأتراك عن دير الزور وجد أهالي دير الزور أنفسهم بدون سلطة مركزية تتبع لها متصرفيتهم، التي نشأت في نهايات الحكم التركي. وكان الخوف الذي يشعرون به. من المحيط العشائري الذي يسور مدينتهم، فالعشائر اعتادت الغزو والنهب والسلب سواء من بعضهم البعض؛ أو بدخول المدن ونهب البيوت. فكان من الضرورة أن تتواجد سلطة قوية تحمي المدينة وأهلها. وريثما يتفقون على السلطة التي يريدون تابعيتها، اتفقوا على تشكيل حكومة محلية تضبط أمور الأمن، وتسير شؤون المدينة مؤقتاً فأوجدوا فيما بينهم مجلساً محلياً سموه "حكومة الحاج فاضل الأولى"، لأن رئيسها هو رئيس البلدية الحاج فاضل العبود، أو ما أسماه أهل البلد، "حكومة الفلتان" لأنها لا تتبع سلطة مركزية وبعد نقاشات بينهم اتفقوا على تشكيل المجلس على أن يضم /21/ عضواً تتناوب رئاسته ما بين زعماء الأحياء الثلاث في المدينة. واستمرت الحكومة حتى الأول من كانون الأول عام 1918.‏

دعوة الحكومة العربية.‏

قررت الحكومة المحلية مع عدد من الوطنيين والوجهاء دعوة الحكومة العربية لضم متصرفية دير الزور إليها. وإرسال حاكم للمتصرفية من قبلها، وتوسطت الحكومة المحلية الشريف علي بن ناصر لتحقيق هذه الدعوة. واستجابت الحكومة العربية للمطلب، وعين الأمير فيصل متصرفاً وقوة عسكرية لدير الزور(1) . وفي الرابع من كانون الأول عام 1918 وصلت إلى دير الزور قوة عسكرية مؤلفة من لواء من الهجانة -قوة عشائرية عسكرية- وبقيادة الشريف علي بن ناصر. وقد استقبلت من قبل أهالي المدينة استقبالاً حاراً فهي أول قوة عربية مستقلة تدخل المدينة، ولأول مرة منذ أربعة قرون للمتصرفية ومناطقها. فكان دخول تلك القوات يوم مشهود للمدينة ومناطقها. وبعد أيام قام الشريف علي بن ناصر بجولة تفقدية في أنحاء المتصرفية، فزار عشائر الفرات، والتقى بشيوخها وزعمائها. وتعرف على أحوالهم، وهل هم راضون بحكم الشريف فيصل لهم وتابعيتهم للحكومة العربية في دمشق، فأكد له زعماء العشائر الولاء والإخلاص للحكومة العربية، ومبايعتهم للشريف حسين ملكاً على العرب. ولابنه الأمير فيصل بإمارة الشام. وأكدوا استعدادهم للدفاع عن الدولة العربية، ووضعوا أنفسهم وعشائرهم تحت تصرف الأمير فيصل.‏

ووصل إلى دير الزور في السابع من كانون الأول 1918 أول متصرف عربي لها هو "مرعي باشا الملاح"، ترافقه مجموعة من الإداريين والعسكريين لإنشاء الهيكلية الإدارية. وقد رافقه كل من الأميرألاي علي بك العسكري "شقيق جعفر والي حلب/ بصفة قائد للقوات المتواجدة في دير الزور، ورافقهم الشيخ مجحم بن مهيد رئيس عشائر عنزه. وقرر المتصرف حل المجلس الأهلي، والذي سمي /حكومة الفلت/ أو حكومة حاج فاضل، وشكل مجلساً جديداً يعاونه في إدارة شؤون البلدة. وقد ضم السادة: الحاج فاضل العبود. وعمر عبد العزيز ومحمد نوري الفتيح وخضر لطفي ومحمد كامل البعاج. وحسن محمد الجاسم(2) ، وعين حاكمين لكل من قضائي الميادين والبوكمال.‏

فشل الحكم العربي‏

سارت الأمور في بدايات عمل المتصرف مرعي الملاح في دير الزور بشكل حسن، وكان المتصرف المذكور محبوباً من أهالي الدير، بما اتسم به من عدل ونزاهة وحبّه لحلّ المشاكل بطرق ودّية وعادلة. إلا أن الأشهر التي تلت العام الجديد 1919 بدأت تشكل ضغطاً على الأهالي لأسباب أهمها:‏

1-انقطاع الموارد الاقتصادية التي هي المورد الرئيسي لأهالي مدينة دير الزور. التي تقوم على خدمة العمليات التجارية أهم مورد مادي لتجار وعمال المدينة، كونها المحطة الرئيسية التي تقع على نهر الفرات للقوافل التجارية القادمة من تركيا إلى العراق أو بالعكس، أو من دمشق عبر البادية إلى العراق أو بالعكس. فالقوافل التجارية التي كانت تمارس بحرية عمليات الانتقال في العهد العثماني، باتت تتعرض للمضايقات من قبل السلطات الإنكليزية التي تحكم العراق، ومن الاضطرابات التي تحدث في الشام. بسبب التحولات السياسية في داخل الحكم، ورفض المؤتمر السوري للمعاهدات البريطانية والفرنسية، وقرارات سان ريمو بفرض الانتداب الفرنسي على سورية، وتعيين فيصل ملكاً بالرغم من رفض بريطانيا وفرنسا.‏

انعكست هذه الاضطرابات السياسية والاقتصادية على الحال الاقتصادية في دير الزور سوءاً.‏

2-الدعايات التي تبثها بريطانيا عن ازدهار العراق بسبب احتلالها له، وتوزيعها المجاني للمواد الغذائية على الأهالي أو بأسعار مخفضة(3) ، في حين كانت دير الزور تحت خط الفقر والعوز، فهي لم تخرج بعد سنوات الجوع التي أشرنا إليها. في حين كان أبناء عانة والرمادي وغيرها من المدن العراقية تصلُ إلى دير الزور، تقول: أن الأسواق غارقة بالرز والسكر والمواد الغذائية المختلفة، كان الإنكليز يتبعون سياسية دعائية بإعطاء الوجهاء وشيوخ العشائر كميات كبيرة من المواد الغذائية، ليقوموا بتوزيعها على مواليهم. وهذه الأنباء بدأت تثير اهتمام الأهالي، وتجعلهم يقارنون بين الوضعين، مما أثار نوعاً من رفض لهذه الحكومة التي لا تقدم لهم أي مساعدات هم بأمس الحاجة إليها.‏

3-الممارسات الخاطئة التي يقوم بها الشريف علي بن ناصر وجنوده بحق المواطنين وممتلكاتهم، والتي أدت إلى تذمر مضاد للحكومة العربية. فقد استخدم الشريف علي القمع والظلم، ثم السلب والنهب سواء لما يملكه المواطنون البسطاء أو التجار والمزارعون، أو بتدخله المباشر هو وجنوده في شؤون أهل المدينة الاجتماعية والاقتصادية(4)

أدت هذه العوامل وغيرها إلى تحول في الرأي العام لدى المواطنين، فمن جهة كانت الصعوبات الاقتصادية تشكل ضغطاً على المواطنين ومستواهم المعاشي، مع سقوط الحلم بالرفاهية وإنهاء حالات الجوع والفقر بوصول الحكومة العربية إليهم، وبتابعية متصرفيتهم لها. ومن جهة أخرى تصرفات الشريف علي وجنوده التي أثقلت على المواطنين.‏

كان الرأي العام يزداد يوماً بعد يوم كرهاً للحكومة العربية، على الرغم من محاولات المتصرف مرعي الملاح، الذي أراد أن يخلق توازناً بين أخطاء الشريف علي، وبين ما يقوم به من عدل وعناية بالمواطنين على مختلف شرائحهم الاجتماعية، وأن يرفع من مستوى معيشتهم. إلا أن الأمور كانت تزداد سوءاً مما جعل محاولات المتصرف تضيع في أدراج الرياح، وأي رياح؟ رياح التحول من الحكومة العربية إلى أعدائها.‏

(1) هنري شارل -عشائر الغنامة في الفرات الأوسط - المعهد الفرنسي للدراسات العربية - دمشق 1998- ص26.‏

(2) أدهم الجندي - بطولات أبناء دير الزور- مصدر سابق ص58.‏

(3) أسعد الفارس - شعب ومدينة على الفرات الأوسط - دار الملاح- دمشق 1993 ص95‏

(4) محمد طاهر العمري- مقدرات العراق السياسية - بغداد- 1935- الجزء الثالث - ص336.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244