الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع: الاحتلال الإنكليزي لدير الزور

أمام الاحباطات التي واجهت وجهاء المدينة وزعماءها، واستمرار الحالة المتردية اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، وأمام الاغراءات التي تصل رياحها إلى دير الزور للنعيم الذي يعيشه العراق، في ظلال الاحتلال البريطاني، عقد وجهاء المدينة وزعماؤها اجتماعاً سرياً، قرروا فيه أن يتخلصوا من الشريف علي بن ناصر والحكومة الشريفية، وبدعوة الإنكليز لمدّ احتلالهم للعراق إلى دير الزور، وبكتابة مضبطة "عريضة" وقع عليها المجتمعون سرّاً، وحملها أحدهم خفية إلى مدينة عانة في العراق، وسلمها إلى الحاكم السياسي البريطاني فيها. الذي قام بإرسالها إلى الحكومة البريطانية في لندن(1) .‏

وقام وجيه المدينة وزعيمها الحاج فاضل العبود بزيارة إلى بغداد، لبحث الأمر مع قادة العراق، واستشارتهم في هذه الأمور. وعارضاً وضع المدينة التي تعيش ظروفاً صعبة وقاهرة آنذاك، والتقى بالعديد منهم، ومن بينهم نقيب بغداد النقيب الكيلاني الذي نصحه.. بقوله: ".. أي ولدي.. أن أحسن ما تعملونه هو أن تستظلوا بظل الحكومة البريطانية لأن البريطانيين معروفون في العالم أجمع بالعدل والأنصاف" (2) . وعاد الحاج فاضل من بغداد بعد أن اقتنع بأن حل إشكالات مدينته سيكون على أيدي الإنكليز.‏

وقد يقول البعض إن في ذلك خيانة للوطن والبلد، باستقدام محتل أجنبي عليه. إلا أن الباحث والدارس الموضوعي، هو الذي يُسقط الحدث في زمنه، لا في الزمن الذي يعيشه، حتى يعطيه حقه التاريخي. فالوعي السياسي لم يكن مكتملاً، والأميّة والجهل كانت هي الحالة السائدة في ذلك الزمن، إضافة إلى الجوع القاتل الذي فتك بالمدينة، والمنطقة أثناء الحرب، جعل الناس ترتعب من ذكراه. فكان الأموات يُلقون في الشوارع، وامتلاك لقمة تسد فم الجائع من أثمن الأثمان، وقد استبيحت كل المحرمات أمام هذا الجوع الكافر. لهذا أرى أن أسباب استقدام الإنكليز يحتاج إلى دراسة تاريخية بعين موضوعية. للحكم على هؤلاء الذين وقعوا العريضة، التي تطلب من الإنكليز احتلال إلى بلادهم طواعية. فالأمن مضطرب، والغزو القبلي مستمر، وتهديد المدينة من قبل العشائر المحيطة على قدم وساق، والجوع والعوز يدق أبواب الجميع، إضافة إلى العسف والظلم الذي تمارسه قوات الهجانة بزعامة الشريف علي بن ناصر بحق الأهالي والتجار والمزارعين.‏

إن الحل الذي توصل إليه وجهاء المدينة في قياس الوطن خيانة. ولكن أمام التبريرات التي سقناها، تجعلنا نقف طويلاً قبل أن نسمي ما أقدم عليه كُتْاب العريضة "خيانة"، فهم لم يكونوا يوماً عملاء للأجنبي، بل عرفوا بحبهم لوطنهم ومدينتهم، وحافظوا على الأمن والنظام من خلال إدارة محلية بعد أن رحل الترك عنها. ولم تبق أية سلطة تفرض النظام، ولهذا كتبوا إلى الحكومة الشريفية في دمشق لتمدّ سلطتها إلى بلدهم. ولكن الآمال التي حلموا بها لم تتحقق، لهذا رأوا من خلال ما يملكون من معرفة، حيث الجهل والأمية؛ بأن حل إشكالات الجوع تتم ببسط السيطرة البريطانية، لينالوا ما نال العراقيون كما وردت إلى مسامعهم من دعامات الغنى، وإن كان هذا الحل الذي رأوه نخالفهم به. ونرفضه لأن الوطن أهم من كل شيء. إلا أننا نسقط الفترة الزمنية المتباعدة بيننا وبينهم. والظروف التي كانوا يعيشونها فنصل إلى النتيجة الموضوعية، وبعد ذلك نحكم على ما حدث.‏

مطامع بريطانيا وفرنسا‏

إن أطماع الإنكليز في المنطقة العربية ليست فقط في بداية القرن العشرين، لكنها توضحت أكثر في الحرب العالمية الأولى، واستغلت تنامي الحركة القومية العربية لتنفيذ مآربها، ومنها جمعية العهد التي هي موضوع بحثنا. فنرى في رسالة للسيد مارك سايكس إلى السيد برسي كوكس في 22 تشرين الثاني عام 1915 مطامع إنكلترا وشريكتها فرنسا واضحة، باستغلال مطامح الجمعية وأهدافها فيقول: "إنهم الجمعية العربية) مضطرون لأسباب سياسية إلى المطالبة بالاستقلال المطلق.." ويتابع "إن طموحهم الحقيقي هو استقلال سورية والحجاز، بتأليف دولة تقدمية من ولايات دمشق، وبيروت وحلب والموصل، وبغداد، وسناجق أورفه، ودير الزور، والقدس، تحت حكم الشريف، إلا أن هذا مشروط بالاتفاق مع فرنسا وبريطانيا العظمى، وتكون لفرنسا سيطرة تامة على كافة المشاريع والمرافق التعليمية الخاصة في غربي الفرات وحتى دير الزور، وفي فلسطين، ولا يستخدم أي أوربيين ما عدا الفرنسيين من قبل الدولة العربية في تلك المنطقة. إلا أن الدولة غير ملزمة باستخدام المستشارين الأوربيين بمحض إرادتها. وتكون لبريطانيا العظمى بعض الحقوق في العراق والجزيرة العربية. وتكون البصرة والأراضي الواقعة جنوب الكويت وحتى الفاو تحت السيطرة البريطانية بشكل مطلق. أما الأراضي الواقعة شمالي خط الإسكندرونة، وعينتاب، وأورفه، فتكون فرنسية بشكل مطلق" ويعود في ختام قوله- إذا أصبح لنا احتكار دائم للمشاريع والمساعدات الأوربية العسكرية والمدنية في مقاطعات الموصل وبغداد والبصرة. وإذا أصبحنا ندير مقاطعتي بغداد والبصرة طيلة مدة الحرب، فأعتقد أننا لا يجب أن نخشى المستقبل. سواء نجحت العروبة، أم لم تنجح فلن نكون قد خسرنا شيئاً"(3) .‏

فمارك سايكس لا يكترث.. أن تحققت العروبة أم لم تتحقق، المهم أولاً وأخيراً مصالح فرنسا وبريطانيا. وجاءت اتفاقيته مع المسيوبيكو الفرنسي لتقسيم المشرق العربي بين الدولتين ضاربة عرض الحائط كل العهود والمواثيق التي أعطيت للعرب، والتي أشرنا إليها في الفصول السابقة، وفي الاتفاقية كانت دير الزور أرضاً غير متنازع عليها، سوى البوكمال التي رأى فيها البريطانيون أنها تدخل ضمن نفوذهم، إلا أن عريضة دير الزور جاءت ذريعة لديهم فاستخدمت استخداماً جيداً لاحتلال دير الزور.‏

احتلال دير الزور‏

وافقت الحكومة البريطانية على عريضة وجهاء دير الزور، فطلبت من الحاكم السياسي لمنطقة الدليم الكولونيل /ماجور نلبلاست/ إرسال قوة عسكرية إلى دير الزور مع حاكم سياسي بريطاني. فجهز /نلبلاست/ قوة تتألف من /8/ سيارات و/4/ مصفحات و/60/ دركياً. و/20/ متعاملاً في مدينة البوكمال. ودع نلبلاست) القوة ووضع على رأسها الكابتن /كارفر/ ليكون حاكماً سياسياً بريطانياً على مدينة دير الزور(4) .‏

وصلت القوات البريطانية إلى مدينة دير الزور في 11 كانون الثاني عام 1919 واتجهت إلى دار المتصرف /مرعي الملاح / الذي استغرب وجودها، وكانت دهشته أكثر حين طلب منه الكابتن /كارفر/ أن يسلمه المدينة، بعد أن أصبحت منطقة دير الزور بكاملها تحت السيطرة البريطانية وتتبع القيادة في بغداد. رفض الملاح في البداية هذا الطلب، وبعد حوار بين الطرفين توصلا إلى الاحتكام لوالي حلب الذي تتبعه متصرفية دير الزور. واتفقا أن يذهبا سويّة إلى والي حلب شكري باشا الأيوبي، وفي حلبَ وجدَ الملاح نفسه خاسراً حيث وافق واليّ حلب على تسليم دير الزور لبريطانيا، وزوّدَ الكابتن /كارفر/ بكتاب خطي يُقرّ فيه تابعية دير الزور إلى بريطانيا وانسحاب القوات الشريفية منها(5) وبذلك انتهى الحكم الشريفي في دير الزور. وأصبحت تابعة للعراق وللحاكم السياسي البريطاني في بغداد. رغم اعتراض الحكومة العربية في دمشق على هذا الإجراء البريطاني(6) ، إلا أنها لم تقمْ بأيّ عمل لاستعادة متصرفية دير الزور إليها. ويظن أنها أرجأت العديد من قضايا الحدود. ومن بينها تابعية مدينة دير الزور إلى مؤتمر الصلح، الذي سيعقد بعدئذ لحل مشاكل الحدود وقضايا الانتداب الأجنبي.‏

(1) محمد طاهر العمري - مقدرات العراق السياسية- المصدر السابق ص336.‏

(2) غير ترود بل - فصول من تاريخ العراق القريب - ترجمة جعفر الخياط بيروت 1971 ص474‏

(3) f.o. 882- 13- MES- 15-18- 22 November 1915.‏

(4) هنري شارل- عشائر الغنامة في الفرات الأوسط - مصدر سابق ص26+ أدهم الجندي- بطولات أبناء دير الزور - مصدر سابق ص97.‏

(5) علي الوردي- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث- الجزء 5 - مصدر سابق ص131.‏

(6) وميض جمال عمر نظمي- الجذور السياسية.. -مصدر سابق ص178.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244