الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الحادي عشر: الأشراف والثورة

فيصل يعلن براءة حكومته ـ من أحداث دير الزور‏

في 22 كانون الأول 1919 ألقت الطائرات البريطانية رسالة من الأمير فيصل لأهالي مدينة دير الزور. وللقوات الثائرة. تتضمن برقيته إلى أخيه الأمير زيد نائبه في دمشق. حيث كان فيصل آنذاك في أوربا لبحث المسألة العربية مع الحلفاء. وجاء في نص الرسالة التي ألقيت على مدينة دير الزور التالي:‏

"شاع أن جماعة بأمرة رمضان شلاش مع عجمي السعدون هاجمت دير الزور، زاعمة أنها تعمل بموجب الأوامر التي تلقتها من الحكومة العربية. فنحن هنا نصرح بأن هذه الإهانة الموجهة ضد حليفتنا بريطانيا العظمى، وضد مصلحة الأمة العربية هي مخالفة للاتفاق المؤقت بين الحلفاء، والمعمول به من السنة الماضية. وأن هذا الاعتداء هو بدون علم الحكومة العربية وموظفيها. ونصرح أيضاً بأن المسؤولين عن هذا العمل، وكل من يلحق بهم، أو ينضم إليهم هم من الثوار، وسيجازون جزاء العصاة وقد اتخذت التدابير اللازمة لإعادة النظام، وتوقيف المعتدين".(1) .‏

تؤكد هذه البرقية الروايات التي تحدثت عن إدعاء رمضان شلاش للكابتن جاميير والتي أشرنا إليها في الفصل السابق، بأنه يعمل بوحي من الأشراف، وخاصة الحكومة العربية في دمشق. والتي تسببت في نزاعه مع الشيخ محمد سعيد العرفي الذي اعتبر رمضان قد كشف السرّ الذي استخدمه الإنكليز ضد الشريف حسين وابنه فيصل والحكومة العربية. وقال الآن "انتهى حكم الشريف". إضافة إلى ما ذكرناه في حديث رمضان للكابتن جاميير. فإن المؤرخ الفرنسي هنري شارل ذكر إن رمضان شلاش قبل هجوم قواته على دير الزور، أرسل رسالة إلى أحد وجهاء مدينة دير الزور في 10 كانون الأول 1919، تضمنت فيما بعد إشعاراً بقدومه مع قواته، وأشار عن رضا الحكومة العربية، أو إنه يعمل بوحي منها. وكانت هذه الرسالة قد وقعت بأيدي الإنكليز في دير الزور(2) . فسبب هذا الأمر ورقة ضغط استخدمها كثيراً أرنولد ولسن الحاكم السياسي البريطاني في بغداد في زرع الشك لدى الحكومة البريطانية. بأن وراء الأحداث في دير الزور، كان فيصل والحكومة العربية في دمشق. وإنها تمون بأموال بريطانيا وذهبها وسلاحها والتي تعطى لفيصل وأبيه. وهذا ما سوف نفصله في الفصول القادمة.‏

زيد والثورة‏

من خلال المصادر المتوفرة لدينا، لا نرى لفيصل دوراً في تفجيرها أو التهيئة لها. حتى أن رمضان شلاش حين عاد من مكة بإذن من الملك حسين، لم يجد فيصلاً فيها، بل وجد الأمير زيد نائباً عنه في دمشق. حيث كان كما قلنا في أوربا، ولكن فيصل تبنى الثورة بعد ذلك سرّياً، وبعد أن أثبتت نجاحها في إجلاء بريطانيا عن دير الزور. فهو أرادها عامل ضغط على بريطانيا لتحقيق أهدافه السياسية. وحالة ثأرية له انتقاماً من الغدر الذي أحس به منها. حين نكثت بالعهود التي قطعتها لوالده، إلا أن فيصلاً أبقى تأييده للثورة سرياً وخفياً وفي نفس الوقت يدعي في العلن شجبه لها، ورفضه لقادتها، وتنصله من أعمالها.‏

أما الأمير زيد فمن المصادر المتوفرة، لاحظتُ أنه كان داعماً لها، ويعلم بما خططه ياسين الهاشمي ومجموعته في حزب العهد العراقي. وقد وقّع على تعيين رمضان شلاش قائم مقام الرقة، وحاكماً عسكرياً لها. وهو الذي زوده بالمال والسلاح. كما أن زيد كان له أنصار في دير الزور وفي مقدمتهم محمد سعيد العرفي. الذي كان يحرض الناس على الثورة.‏

لماذا الأمير زيد دعم الثورة؟‏

تساءل راودني في البحث عن أسباب الدعم المادي والعسكري للثورة سرّياً. والتنصّل منها علناً. ففي مصدر رأيت أن أحد أسباب دعم زيد للثورة، يعود إلى بحثه هو الآخر عن مملكة أو إمارة خاصة يحكمها. فقد وجدت اقتراحاً قدمه الكولونيل لورنس للحكومة البريطانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. ووقف القتال، ودخول الجيش البريطاني والجيش العربي بلاد الشام، يدعو إلى تكوين ثلاث إمارات في العراق وسورية. تتوزع على الشكل التالي:‏

1-إمارة تضم ولايتي بغداد والبصرة. وتعطى للأمير عبد الله‏

2-إمارة تضم ولاية الموصل ومتصرفية دير الزور. وتعطى للأمير زيد.‏

3-إمارة سورية وتعطى للأمير فيصل‏

وقد جاء هذا المقترح في برقية أرسلها وزير شؤون الهند البريطاني إلى السيد أرنولد ولسن الحاكم السياسي البريطاني العام في بغداد في 18 تشرين الثاني عام 1918 وقد جاء فيها:‏

1-".. لقد عرض الكولونيل لورنس اقتراحاً على حكومة صاحبة الجلالة لمعالجة المسألة العربية وهو يقترح: 1-الجزء الأسفل من ما بين النهرين.‏

2-الجزء الأعلى من ما بين النهرين‏

3-سورية.‏

بالتناظر تحت حكم عبد الله وزيد وفيصل أبناء الملك حسين.. ومن المفهوم بطبيعة الحال أن الدول الثلاث ستكون ضمن المنطقة البريطانية. وأن الجزء الأسفل من ما بين النهرين سيخضع لسيطرة بريطانية فعالة"(3) .‏

وطلبت وزارة الهند من أرنولد ولسن أن يبدي رأيه في تلك المقترحات. وقد أشرنا فيما سبق إلى مواقف ولسن الرافضة أساساً لفكرة القومية العربية. وأقامة أي دول أو دويلات عربية حتى وإن كانت تحت السيطرة البريطانية. وتمسك بموقفه المعادي للشريف حسين وأبنائه، وعدم تسليمهم أية مناصب عليا في البلاد. فأجاب في رده على تلك المقترحات ببرقية جوابية لوزارة شؤون الهند..طلب فيها "استبعاد هذه البلاد بصورة محددة ونهائية من أية تسويات شريفية مقترحة"(4) ولم يخف ولسن حقده أبداً على العرب في برقيته المذكورة والمؤرخة في 20 تشرين الثاني 1918. ثم اتبعها ببرقية أخرى تاريخ 10 كانون الأول 1918. يؤكد رفضه لأية سيطرة عربية على المناطق العربية فقال.. إذا شجعنا فكرة السيطرة العربية. بدلاً من الأوربية. في المناطق الناطقة باللغة العربية.. فسنثير دون شك أحقاداً دينية كامنة في العراق، وبذلك نحرم أنفسنا من بعض المزايا الاستراتيجية التي يوفرها لنا احتلال هذا الموقع الحيوي"(5) .‏

فكان لرفض ولسن لإقامة إمارات عربية شريفية كما أقترح الكولونيل لورنس.. أفقدت زيداً حلم إمارة له تضم ولاية الموصل ومتصرفية دير الزور. ومتصرفية دير الزور كانت آنذاك تشكل أكبر مساحة من أي ولاية في بلاد ما بين النهرين سواء البصرة أو بغداد أو الموصل نفسها. فهي تمتد من حلب والموصل وأورفة وولاية بغداد جنوباً وحتى عانة إلى ولاية حمص غرباً. فهي دولة كبيرة مع الموصل. فَقَدَ زيد إمارة بموافقة بريطانية. فحين لاح له إمكانية تحقيقها بالسلاح وبالقوة، أظهر تعاوناً مطلقاً مع ياسين الهاشمي وحزب العهد. ولهذا قدم المساعدات المادية والعسكرية سرّياً للثورة في دير الزور. ونظن أنه أراد من خلالها تحقيق حلمهُ بالإمارة، وانتقاماً من ولسن، فسعى لإسقاطه، وإسقاط مشاريعه التي ترفض حكماً عربياً في بلاد مابين النهرين.‏

رد فعل فيصل الأولي على الثورة:‏

علم فيصل بالأحداث التي تجري في دير الزور حين كان يقوم بزيارة لباريس كما قلنا سابقاً، لبحث المشكلة السورية مع الحكومة الفرنسية. وقد أبرق الجنرال "كورنواليس" مدير المكتب العربي البريطاني في القاهرة إلى الأمير فيصل في باريس. يعلمه عن احتلال رمضان شلاش لمدينة دير الزور، واحتجازه للحاكم السياسي البريطاني مع أسر القوات البريطانية فيها. مشيراً إلى خطورة هذا العمل على العلاقة الخاصة بين بريطانيا والحكومة العربية برئاسته في دمشق. وأثرها على دعم بريطانيا له في القضية السورية مع فرنسا. فتأثر الأمير فيصل بما سمع من أحداث. وخاصة أنه في تلك الفترة كان يسعى لدعم بريطانيا لمواجهة طلبات فرنسا تجاه سورية. وما تحمل من قيود لاستقلالها، الذي أُعلن بعد دخول القوات العربية لدمشق في الأول من تشرين الأول‏

1918م.‏

فأرسل الأمير فيصل البرقية التي أشرنا إليها سابقاً لأخيه زيد نائبه في دمشق، وطلب من أخيه ترحيل الموظفين العرب من دير الزور، وبعث برسالة إلى رئيس الأركان العامة البريطانية في 18/11/1919 تضمنت عدم معرفته وعلمه بما حدث في دير الزور. وأكد على شجبه لما يجري في دير الزور، وبأنه سيعمل على معاقبة الذين أقدموا على هذا العمل، واعتبرهم من المتمردين والعصاة لحكومته، وأرفق بالرسالة نسخة من البرقية التي أرسلها إلى نائبه في دمشق الأمير زيد(6) .‏

وقد قامت القوات البريطانية بإرسال طائرات تطير فوق مدينة دير الزور، وألقت نص البرقية التي أرسلها الأمير فيصل لنائبه زيد على مدينة دير الزور من الجو. لتحريض الأهالي والموظفين ضد رمضان شلاش وقواته الثائرة. جاء في نصها ".. وكان الأمير فيصل في باريس، ولكنه عندما سمع بأنباء القتال في الدير. أرسل برقية إلى أخيه ونائبه في دمشق، الأمير زيد، شجب فيها بمنتهى الشدة تصرفات رمضان شلاش، وأمر الموظفين العرب بالانسحاب من الدير، وأضاف أن كافة المسؤولين عن الحادث سيعاقبون كعصاة. وقد ألقيت هذه الرسالة فوق الدير بواسطة طائراتنا البريطانية) في 22 كانون الأول، ديسمبر" (7) .‏

كانت الثورة فعلاً مفاجئة لفيصل كما قلنا. ولكنه إن كان غاضباً منها في بداياتها نراه قد تحوّل إلى أهمّ الداعمين لها. حين بدأت تشكّل قوةً تحريريةً، لتشمل العراق بكامله، وتهدّد مصالح بريطانيا في المنطقة. وهذا ما سنعرضه في الفصول القادمة.‏

(1) د. علي الوردي- لمحات من تاريخ العراق- مصدر سابق- ج5- ص132‏

(2) هنري شارل- عشائر الغنامة- مصدر سابق ص28‏

(3) philip willard ireland, iraq, Astudy impolitical developmint- london Jonatham Cape- 1937- p156.‏

(4) Ibid - and. F.o" telgrom no 10031- 20- November - 1918 - p. 157‏

(5) F.O. 882-23-3133-10- December 1918‏

(6) ادهم الجندي ـ صفحات منسية عن بطولات أبناء دير الزور ـ مصدر سابق. ص 98.‏

(7) وميض جمال عمر نظمي ـ الجذور السياسية والفكرية الاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق ـ مصدر سابق ص 78.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244