الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني عشر : بريطانيا.. والثورة.

وجهت ثورة دير الزور لمخططات ارنولد ولسن الحاكم السياسي البريطاني في بغداد ضربة قاسية، ونسفت خطته في إبقاء العراق تحت الحكم البريطاني المباشر، ورفض أي حكومة عربية في بغداد، أو السماح بعودة الضباط العراقيين المتواجدين في سورية لبلادهم. موهماً الحكومة البريطانية وعلى رأسها وزارة الهند بعدم قدرة العرب في العراق الإدارية والسياسية. وعلى تحمل أعباء الحكم، واستصغر كثيراً من إمكانات العرب، وحطَّ من شأنهم الثقافي والسياسي والعسكري.‏

فجاءت أحداث دير الزور لتكذب كل ادعاءاته، وتنسف كل ما رسم للعراق ومستقبله. فاهتزت الأرض من بين قدميه، وأسرع إلى مكان الأحداث، حيث وصل بعد أيام إلى مدينة البوكمال. بعد أن أصدر بياناً اتهم تركيا بأنها وراء ماحدث في دير الزور، وإنها شجعت رمضان شلاش، ليؤكد مرة أخرى بأن العرب لا يقومون بالثورة بأنفسهم. وإنما تركيا هي المحرض والممول لهم، جاء في بيانه الذي نشر على الجمهور العراقي في 15 كانون الأول 1919.‏

بيان ولسن حول تحرير دير الزور:‏

وافت الأخبار أن رجلاً يدعى رمضان الشلاش، الذي عينته الحكومة العربية مؤخراً قائم مقام في الرقة. أغار مع جماعة كبيرة من القبائل على دير الزور عند فجر اليوم الـ/11/ من شهر كانون الأول. الموافق 17 ربيع الأول. ويستدل من الأخبار أن الأسواق قد نهبت، ونشبت النيران في منازل الحكومة، وسَجنَ الغائرون الموظفين الإنكليز والعرب من العسكريين والملكيين. لكنا لا نرتاب أن الأمر وقع بدون رضا الحكومة العربية، وبغير معرفتها. ويظهر أنه كان يصحب رمضان الشلاش مندوبون أرسلهم إبراهيم الملّي من جهة الحدود التركية.‏

ويظهر أن لأرباب الأمر على الحدود التركية يداً في هذه الحادثة. أما دير الزور فكان قد احتلها الإنكليز في السنة الماضية بعد جلاء الترك عنها. وقد تم ذلك باتفاق مع الحكومة العربية والحكومة الفرنسية.وفقاً لشروط الهدنة مع تركية، وقد أرسل خبر هذه الحادثة إلى الحكومة الإنكليزية، وينتظر الآن أوامرها، بخصوصها، والهدوء سائد في عانه.‏

وقد أنكرت قبائل عنزة، والعكيدات، والجبور، والبكاره، وغيرها الضاربة جوار دير الزور على رمضان الشلاش وأصحابه هذا العمل المخالف للقانون، وأعربوا عن استيائهم منه...(1) .‏

الاعتراف البريطاني بتحرير دير الزور:‏

في 21 كانون الأول 1919 وصل إلى دير الزور مبعوثان من قبل والي حلب جعفر العسكري(2) ، هما مرافقهُ العسكري توفيق الدملوجي، ومدير شرطة حلب رؤوف الكبيسي.. لمعرفة الأمور التي حدثت في دير الزور. كما أنهما مزودان بأوامر لرمضان وللكابتن جاميير، وبعد أن قابلا رمضان شلاش، وعرفا منه دوافع العمل. ويظهر أنه رفض أوامر جعفر العسكري والحكومة العربية، بإعادة الأمور إلى نصابها كما كانت قبل الثورة. وإعادة الاحتلال الإنكليزي إلى دير الزور. ثم قابلا الكابتن "جامير" في مكان اعتقاله المنزلي، وأطلعا "جامير" على أنهما مكلفان من قبل جعفر العسكري، بإلقاء القبض على رمضان شلاش، وإرساله مخفوراً إلى حلب، وطلبا منه أن يساعدهما في الأمر. إلا أنّ قوّة شلاش والثورة جعلت إعادة الأمور كما كانت عليه مستحيلاً أمام مندوبي جعفر. فلا إمكانياتهما ولا يوجد لدى "جامير" من القوة التي أُسرت أصلاً القادرة على تنفيذ هذا الطلب(3) فغادرا دير الزور واتجها إلى البوكمال لمقابلة أرنولد ولسن الحاكم السياسي العام البريطاني في العراق، واجتمعا مع ولسن، وعرضا عليه مضمون رسالة جعفر، وطلبا مساعدته في إلقاء القبض على رمضان وإرساله مخفوراً إلى حلب وإنهاء المشكلة. ولكن الأمر كان قد انتهى. فلم يجدا عند ولسن القدرة على استعادة دير الزور، وقد أخبرهما بأن الحكومة البريطانية قد اعترفت بتحرير دير الزور وإعادتها إلى الحكومة العربية في دمشق، وأن وضع الحدود مع سورية قد تغير. حيث أصبح نهر الخابور الحدّ المؤقت مع سورية، ريثما يبت مؤتمر الصلح في الحدود مابين الطرفين. وعادا بخفي حنين إلى جعفر العسكري بحلب. وتشير برقية بريطانية حول هذه البعثة قائلة: "........ في 21 كانون الأول/ديسمبر.. وصل ضابطان عربيان) من حلب. يحملان رسالة من جعفر العسكري إلى الكابتن جامير.. وقد طلب فيها جعفر من الضابط البريطاني التشاور مع الضابطين حول أفضل الطرق لإعادة النظام. وأخبر الضابط العراقي الكابتن جامير بأن لديه تعليمات بفصل رمضان كقائمقام للرقة. وإرساله مخفوراً إلى حلب، والتقى الضابط العراقي بولسن في البوكمال، وطلب معونة بريطانيا لإخراج رمضان. وأخبر ولسن الضابط العراقي بأن الحكومة البريطانية قررت اعتبار الخابور كحد مؤقت بين سورية العراق"(4) .‏

وعاد الضابطان إلى حلب وأطلق رمضان شلاش في 25 كانون الأول 1919 سراح الكابت جامير والقوات الإنكليزية، التي عادت إلى البوكمال. إلا أن الحكومة العربية طالبت بريطانيا بالجلاء عن الميادين والبوكمال.(5) ولكن رمضان شلاش رفض الحدود الجديدة التي تعتبر الخابور حداً مؤقتاً بين سورية والعراق، وطالب بالانسحاب البريطاني إلى مابعد وادي حوارن، الذي يبعد عن عانة /50/ ميلاً. واعتبار ذلك الحدّ المؤقت مابين سورية والعراق.(6)

وذكر رمضان شلاش أن إطلاق الأسرى البريطانيين كان بطلب من الأمير فيصل، حيث قال في مذكراته".. وردني كتاب ثانٍ من الأمير فيصل ألقته عليَّ الطائرات الإنكليزية طلب فيه ترك الأسرى الإنكليز مع جميع معداتهم. وبالفعل تركناهم.. وذهبوا إلى العراق بلا رجعة".(7)

وبذلك انتهى الفصل الأول من الثورة التي انتهت مرحلتها الأولى بتحرير دير الزور. ومن ثم اتخاذها قاعدة انطلاق لتحرير العراق بكامله. ولتبدأ مرحلة ثانية من حياة ثورة دير الزور.‏

(1) جريدة العرب البغدادية، رقم 732، تاريخ 15/12/1919.‏

(2) جعفر العسكري 1884 ـ 1936)، ولد في بغداد درس في الموصل وبغداد أنهى دراسته الثانوية عام 1901. وأكمل دراسته العسكرية في الكلية العسكرية في الأستانة. تخرج في عام 1904 ملازماً منها. تابع علومه العسكرية في ألمانيا من عام 1910 ـ 1914)، ذهب إلى ليبيا وشارك في الهجوم التركي على مصر. أُسر في 26 شباط 1916، وكان برتبة عقيد. التحق بالثورة العربية، وأصبح قائداً لجيش الثورة.تولى عدة حقائب وزارية في العراق. قتل في انقلاب بكر صدقي عام 1936. حاز على وسام الصليب الحديدي من المانيا ووسام C.M.G البريطاني، صهر نوري السعيد، ذو ميول شديدة لبريطلنيا.‏

(3) محمد طاهر العمري ـ مقدرات العراق السياسية ـ الجزء الثالث ص 346 ـ مصدر سابق.‏

(4) د.وميض جمال عمر نظمي ـ الجذور السياسية ـ مصدر سابق ـ ص 178/179.‏

(5) المصدر السابق ص 179.‏

(6) المصدر السابق ص179.‏

(7) مذكرات رمضان شلاش الخطية ـ مصدر سابق ص90.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244