الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الثالث عشر : العهد يستبدل رمضان شلاش ويعين مولود مخلص

نجحت حقاً التجربة الثورية التي رسمت في ذهن ياسين الهاشمي، ونفذها رمضان شلاش عملياً، وسقط جدار الخوف والتردد عند الكثيرين من ضباط العهد العراقيين المتواجدين في دمشق. فقد تخوف العديد منهم من هذه التجربة حين قارنوا عسكرياً بين القدرة العسكرية البريطانية، وبين قواتهم، ومايمكن أن يحصلوا عليه من مساندة من قبل العشائر في المنطقة. فالفارق في القدرات "لا يمكن أن تكون فيه أي نسبة توازن". والكفة راجحة حتماً في رؤيا هؤلاء  الضباط لصالح بريطانيا، ورأوا أن التجربة هي لعب بالنار. فالحليف في رأي البعض أي بريطانيا مهما تصرف يجب أن لا تتم معاداته بل يجب كسب رضاه بالحوار والإقناع، وكسب عدد من المؤيدين في الحكومة البريطانية  وصفوف الجيش البريطاني، وأن الحل السياسي هو الوسيلة الناجحة، لتحقيق المطالب العراقية. والحل العسكري هو ضرب من الجنون.

كان ياسين الهاشمي يدرك حقاً قدرات بريطانيا، ولم يكن مغامراً كما عرفنا من خلال سيرته الذاتية، ولكنه كعسكري كان يرى أن بريطانيا وزعت قواتها في العديد من البلدان، وركزت قواتها الضاربة في عواصم البلدان والمدن الكبرى. وأن دير الزور تعتبر منطقة بعيدة عن مركز القوات في بغداد والموصل، وهي منطقة قريبة من حدود الحكومة العربية في سورية، وأن نسبة نجاح الثورة فيها كبيرة. من هنا جاء إيحاؤه لرمضان شلاش بتنفيذها. ومن قبل عشائر المنطقة في الذات. فإذا نجحت تم تطويرها، وإذا لم  تنجح، كانت تجربة فاشلة يتحمل عواقبها شخص واحد، أو يتحملها هو ورمضان.

ولقد كان عدد من ضباط الإنكليز يدركون مايخطط ياسين الهاشمي، فتم اعتقاله قبل التنفيذ. إلا أن رمضان شلاش قام بالثورة على الرغم من غياب المخطط متحملاً وحده نتيجة ما تسفر عنه من نتائج. ولهذا جاء في برقية للكابتن جامير الحاكم السياسي البريطاني في دير الزور مايلي: ".. أعتقد أنه ليس ثمة شك بأن حزب ياسين باشا لم يؤيد الحركة فقط. بل شجعها أيضاً. فإذا ما كتب لها النجاح. تزجى التهاني لرمضان. وإذا لم تنجح يجري التنصل منها".([1])

وحين شعر رمضان شلاش أن لديه من القوات التي تحقق له انتصارات جديدة، بدأ في تحريض القبائل وعلى رأسها العكيدات للالتفاف حوله، ومهاجمة القوات الإنكليزية المنتشرة على ضفاف الفرات. وشكلت الهجمات العشائرية ارتياحاً للأمير فيصل، حيث شعر أن الوقت قد حان للانتقام من الإنكليز الذين خانوه، ونقضوا عهدهم لوالده. وفي الوقت نفسه كان يريد أن يقود الثورة رجل أكثر عقلانية وخبرة عسكرية وسياسية معاً، وأن يكون بعيداً عن روح المغامرة، والعقلية العشائرية الضيقة التي يمثلها رمضان شلاش. والتي بدأت تصرفات قواته العشائرية داخل المدينة تسيء للثورة وللأهالي معاً، كما أن الإنكليز كانوا يرون في إبعاد رمضان شلاش انتهاء الثورة ضدهم. وأنهم نفذوا هدفها بتغيير الحدود، وإدخال دير الزور لسورية.

كما واجه الأمير فيصل ضغطاً من قبل الإنكليز وتنظيم العهد العراقي وعدد من الأهالي في مدينة دير الزور لتغيير رمضان شلاش عن قيادة الثورة، وحاكمية دير الزور العسكرية. إضافة إلى رغبته الخاصة بتطوير العمل العسكري الثوري ضد الإنكليز وبأساليب جديدة، فاختار العقيد مولود مخلص([2]) ليكون حاكماً عسكرياً لدير الزور في 15 كانون الثاني 1920 بدلاً من رمضان شلاش الذي استدعاه إلى دمشق.

وصل إلى دير الزور مولود مخلص يرافقه المرافق العسكري أمين العمري. واجتمع به رمضان شلاش الذي أحسن استقباله. وغادر شلاش دير الزور إلى دمشق. كما وصل إلى دير الزور العقيد تحسين العسكري ليكون مديراً لشرطتها.

أثر تعيين مولود على رمضان:

من كتابات رمضان شلاش حول حادث تعيين مولود مخلص بدلاً عنه يستدل منها على التأثر العميق الذي أصابه من قرار عزله، وتعيين مولود الذي اعتبره عدوه اللدود. فيقول في مذكراته:

".. جاء أمر تعيين مولود باشا محافظاً لمدينة دير الزور، وكان هذا من ألدّ أعدائي، عندما كنا في الحجاز. وأرسلت برفقته شقيقي الأكبر حمود الشلاش، وعند وصولهم إلى موقع التبني /40/ كيلو متراً عن دير الزور. بقي مولود باشا في الموقع المذكور. وجاءني شقيقي وقال: "يا رمضان الشيء الذي كان فيما بينك وبين مولود يجب أن تنساه. وقد عُين من قبل الحكومة العربية..". فقلت له: .. إنني لا أضمر لأي عربي عداءً. أو حقداً. فيما إذا كان مخلصاً لأمته ووطنه، وسأخرج مع جيش من المجاهدين للقائه.". وبالفعل أمرت الجيش بالخروج للبغيلية، لاستقبال المحافظ الجديد. ولكن الحاكم الإداري الذي عينته من قبلي المدعو حاج فاضل العبود، ورؤساء العشائر المجاهدين احتجوا على تعيين محافظ غريب. فأقنعتهم بأننا جميعاً عرب. وليس ثمة فرق بين ديري أو حلبي وشامي وحجازي.

وبعد وصول المحافظ مولود إلى مركز دير الزور، قدمت له أبناء عمومتي، ورؤساء العشائر. وقد أبلغني أثناء ذلك أمر الملك فيصل بأن أحضر إلى دمشق. وبالفعل أخذت معي خمسة فرسان، وذهبت عن طريق تدمر إلى دمشق.([3])

مولود يوسع دائرة الثورة:

شعرت القيادة البريطانية بالارتياح لإزاحة رمضان شلاش. اعتقاداً منها أن الثورة ستنتهي برحيله. وحتى ذلك التاريخ لم تدرك بأن الثورة لم تكن عملاً فردياً، ينحصر في رمضان شلاش، بل هو عمل  تنظيم سياسي عسكري قومي يستهدف أوسع من رؤية فردية أو مصالح عشائرية ضيقة. وأهداف أكبر مما اعتقد ارلوندولسن بأنها مسألة حدودية، تنتهي بحدود جديدة وانسحابات صغيرة.

كما جرت تحولات ضمن حزب العهد العراقي بعد النجاحات التي تحققت في دير الزور، فتبدلت مواقف المتخوفين والمترددين، وهو تيار الوسط الذي كان بين تيار الداعي للثورة والعنف، بزعامة الهاشمي وبين تيار المولاة والحوار مع بريطانيا ويقوده نوري السعيد وجعفر العسكري. فكان تيار الوسط المتردد بين الهاشمي والسعيد. والخائف من ردة الفعل البريطاني على أي حركة ثورية مضادة لوجوده في العراق. فانحاز غالبية هذا التيار لصالح الثورة بعدالنجاح الكبير الذي تحقق لهذه الثورة ومن بينهم مولود مخلص، والذي عرف بشجاعته ووطنيته وقوميته منذ أن كان في الأستانة، حين رفض ممارسات السلطان عبد الحميد الثاني، وانضم إلى صفوف جمعية الاتحاد والترقي. وقد فصل مرتين من الجيش لمناهضته لسياسة عبد الحميد الثاني. وبعد أن اتضح له أن زعماء الاتحاد والترقي يستهدفون الوجود القومي العربي باتباعهم سياسة السحق القومي للشعوب المنضوية تحت السلطنة العثمانية ومنها الشعب العربي، فأسرع مولود بالانتماء إلى جمعية العهد، وكان من أبرز ضباطها. ثم ترك الجيش العثماني حين وصلت إلى مسامعه أنباء انفجار الثورة العربية. وغادر الأستانة إلى البصرة ومن هناك انتقل إلى الحجاز، فالتحق بصفوف الثورة. وكان له الموقف القومي في وجه بريطانيا حين رفض متابعة القتال في شمال الحجاز، حين علم بمخططات بريطانيا وفرنسا لاستعمار البلاد العربية وتقسيم بلاد الشام والعراق بين الدولتين بماسمي.. اتفاقية (سايكس ـ بيكو).. وإعطاء فلسطين للصهاينة، بما يسمى "وعد بلفور"، ورفض أوامر الزحف، واصطدم بالكولونيل لورنس وغيره، من ضباط الاستخبارات البريطانية المرافقة للجيش العربي. وتعرض لحادث مفتعل فأصيبت ساقه بطلقة نارية نقل إلى القاهرة للمعالجة. وفي دمشق كان أحد أركان النظام العربي الشريفي.

وحين وصل مولود باشا إلى دير الزور في 17 كانون الثاني 1920، لم يكن في ذهنه  إلا متابعة الثورة. ولتأخذ أهدافها التي رسمها حزب العهد العراقي في دمشق، فواجه في البدايات المضايقات من أنصار رمضان شلاش إلا أن هذه المضايقات لم تمنعه من مواجهة القوات الإنكليزية، التي أرادت استعادة احتلال الميادين المحررة. حيث اعترف مؤتمر الصلح، بالحدّ الذي رسم بين العراق وسورية وهو نهر الخابور. فزحفت القوات البريطانية من البوكمال باتجاه الميادين. فأعلن رمضان حالة النفير العام في مدينة دير الزور  وعشائر منطقة الفرات، وأرسل الرسائل إلى زعماء العشائر يستفزهم لحشد قواتهم لمواجهة الإنكليز، ومنعهم من التقدم إلى الميادين.

حشد القوات المحلية لصد الهجوم الإنكليزي
على الميادين:

رأى مولود مخلص ومعه مجموعة من الوطنيين من أبناء دير الزور ووجهاء المدينة ضرورة إعلان الجهاد ضد القوات الإنكليزية الزاحفة إلى الميادين، وفعلاً أعلن الجهاد ضد الكفار. وتطوع العديد من أبناء محافظة الفرات في الجيش الشعبي لحماية الميادين من الاحتلال الإنكليزي، وسير الوطنيين مسيرة جماهيرية لرفع معنويات الجماهير، ولحشد أكبر عدد من الأهالي في القوة المرسلة إلى الميادين. وألقى مولود فيهم خطبة حماسية، وكذلك عدد من الوجهاء والقادة الوطنيين حثت الجماهير على الدفاع عن المدينة كما ألقى شاعر الفرات الوطني "محمد الفراتي"، قصيدة وطنية وجهها للأمير فيصل لدعم الثورة وحماية الميادين ومنطقة الفرات هذا نصها:

واستخدم السيف والقرطاس والقلما

 

أنهض وروَّ العوالي من عِداك دما

لم نلف إلاك سيفاً صارماً خذما

 

يابن الحسين وكم تدعى لمكرمة

بغت علينا ولم تحفظ لنا الذمما

 

لا تسمعن بنا قول الوشاة فقد

لها نصير لادمت كفها ندما

 

الله في أمة لو لم تكن عضدا

ماكان مازعم الواشي كما زعما

 

لأنت أدرى بما قد قيل من قدم

أضحى بها شمل ذاك العزُّ منتظما

 

لا تسلمتها إلى أيدي العداة فقد

حق لها كان قبل اليوم مهتضما

 

ماذا على أمة قامت تدافع عن

مستقتلاً طامعاً مستعمراً نهما

 

رأت عدواً لدوداً ملحماً قرماً

أضحى لنصف بلاد الله ملتهما

 

لا الهند تشبعه لا السند تقنعه

أيدي الطغاة بأهليها سل الهرما

 

سل الفرات وسل بغداد مافعلت

تحطك علماً سل الأكراد والعجما

 

سل الهنود سل الأفغان سل عدنا

رؤوسهم تقذف الويلات والحمما

 

مصائب صوبتها الإنكليز على

داموا ستمسي بها أشلاؤهم رمما

 

فالأرض لله لا الطامعين وأن

مكرمين لذاك استعبدوا الأمما

 

يرون أنفسهم فيها ملائكة

ويا سماء عليهم أمطري نقما

 

فأنت يا أرض مجي نحوهم ضرما

أن اللئيم ليأبى طبعه الكرما

 

كانوا بنا بين أعزاز وتكرمة

فصوتهم يورث المصغي له صمما

 

أفيصل الحق لا تلقى لهم أذناً

منهم غوي يحاكي رسمها الحلما

 

لا تنخدع بأساليب ينمقها

كانت وعوداً فأمسى حبلها انصرما

 

أين العهود ومامنوا وما زعموا.؟

من المهاوي فكانت بينهم قسما

 

قالوا الشعوب لقد قمنا لننقذها

لا تأمن الذئب أن يرعى لك الغنما

 

بعض الطباع لها من جنسها مثل

أرض العراق قلوب تصطلي ضرما

 

ففي الجزيرة في وادي الفرات وفي

تضم جيشاً يعم السهل والأكما

 

إن لم تصلها وتطفي غلي مرجلها

وصدر أوله "بالفاو" مرتطما

 

يكون آخره "بالدير" متصلاً

إن كنت يوماً بغير السيف معتصما

 

شلت يميني وبانت أثرها عنقي

أن لن نُدّين لشعب يهتك الحرما

 

بالله ألي يميناً برة قسماً

أهلاً بمن للمواضي جاء مستلما

 

يروم منها استلام "الدير" عن عرض

ونحن أرسخ منهم في الوغى قدما

 

وكيف نسلمها منا وتكرمة؟

لما تولى عدو الحق منهزما

 

بل كيف نسلمها منا وتكرمة؟

إذن فلا رفعت كفي بها علما

 

أن لم ترفرف بها أعلام فيصلنا

يا فيصل الحق فاحفظ تلكم الرحما

 

العرب في سائر الدنيا ذوو رحم

وكم وكم قبلها أوليته نعما([4])

 

هذي نصيحة من أولاك مهجته

شكل مولود مخلص قوة عسكرية من جنوده المتواجدين معه ضمت (90) جندياً و(100) دركياً خيالاً ومابين /40/ إلى /50/ دركياً مشاة. مسلحين بالبنادق مع مدفعين صحراويين ورشاشين من طراز .. "فيكرس" إضافة إلى عدد من المجاهدين من أهالي المدينة وأبناء العشائر من ريف، ومناطق المحافظة. وأصدر مولود مخلص قراراً بتسمية أمين العمري قائداً لجبهة "الميادين"، وعين سليم الجراح قائداً للمجاهدين من أبناء محافظة دير الزور([5]). واتجهت القوة إلى الميادين فوصلتها في /31/ كانون الثاني/1920، وتمركزت جنوبها. بعد أن حولتها إلى  جبهة للدفاع عنها، وعن باقي مدن دير الزور ضد أي هجوم انكليزي محتمل. حيث توقفت القوات الإنكليزية كما قلنا في منطقة الصالحية التي تبعد عن مدينة البوكمال مايقارب /35/ كيلو متراً.

وفي المدينة أعلن النفير العام وشكلت الكتائب من أهلها حيث تسلحوا بالبنادق العثمانية والسيوف ومختلف الأسلحة البيضاء للدفاع عن مدينتهم. ضد أي هجوم مباغت يستغل خلو المدينة من القوات([6]).

خيبة بريطانيا من مولود مخلص:

شعرت بريطانيا بخيبة الأمل بمولود مخلص، حيث سقط حلمها بانتهاء الثورة برحيل رمضان شلاش. إلا أن أعمال مخلص أثبتت أنه لا يقل روحاً ثورية ووطنية عن شلاش، بل راح يخطط إلى أبعد مما رسم رمضان، وطالب بتوسيع دائرة الثورة لتشمل العراق بكامله. ورفض الاعتراف بالحدود التي رسمها مؤتمر الصلح بجعل الخابور حدّاً بين سورية والعراق. كما رفض إعادة مدينة الميادين إلى الاحتلال البريطاني، حيث تقع ضمنه كما جاء في مؤتمر  الصلح، وطالب باستعادة مدينة البوكمال وعانة من الاحتلال.

وصدر بيان بريطاني في 16/شباط/1920 جاء فيه:

"قد عزل رمضان شلاش وذهب إلى دمشق، وخلفه مولود باشا ممثلاً للحكومة العربية، وقد جعل مؤتمر الصلح نهر الخابور حدّاً مؤقتاً بين سورية والعراق، وعلى حسب هذا الترتيب تقع الميادين ضمن منطقة العراق. على أن مرخص الحكومة العربية أبى قبول هذه الحدود المؤقتة، واحتل الميادين. وطلب منا أن ننسحب  إلى موضع تحت "عانة". .

وطلائع جنودنا مرابطة في البوكمال والصالحية التي تبعد مسافة /20/ ميلاً من الميادين إلى الجنوب. وستبقى هناك حتى تحسم هذه المسألة حسماً نهائياً."([7]).

وخلال تواجد القوات البريطانية على طول الطريق الواصل مابين القائم والصالحية، كانت غارات العشائر عليها متواصلة، مما أرهقها مادياً ومعنوياً. وكانت من أهم المعارك التي حدثت أثناء تواجد تلك القوات في الصالحية معركة بين العشائر والقوات البريطانية سميت بمعركة (النسورية).

معركة النسورية:

وأطلق عليها (النسورية) نسبة إلى اسم الأرض التي حدثت فيها تلك المعركة. فقد خططت العشائر المحيطة بمنطقة الصالحية بالقيام بهجوم واسع على القوات البريطانية المتواجدة على أرضهم، والتي كانت تستعد لهجوم على مدينة الميادين والاستيلاء عليها. لأنها كما قلنا موضع نزاع حدودي مع مولود مخلص. فحشدت عشائر الدميم والشعيطات والمجاورة قوات من أبنائها بقيادة شيخ الدميم فارس الصياح، الذي خطط لمعركة مباغتة للقوات البريطانية التي تتحرك في المنطقة مابين المجاورة والجلاء.. غربي "نهر الفرات"، والتي كانت تواصل الإمدادات العسكرية والغذائية للقوات الإنكليزية في الصالحية. فكمنوا لهم في منطقة تدعى "النسورية"، وحين مرت القافلة  الإنكليزية خرج الكمين العشائري. فدارت رحى حرب ضروس بين الطرفين، تمكن فيها المهاجمون من إلحاق هزيمة كبرى في القوات الإنكليزية وتكبيدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد والمؤن. كما أن القوات العشائرية خسرت من طرفها أعداداً من الجرحى والقتلى، حيث بلغ عدد شهداء تلك المعركة من العشائر مايزيد على أربعين مجاهداً.

أثارت تلك المعركة حقد الإنكليز على أبناء المنطقة بكاملها، فقامت القوات الجوية الإنكليزية بقصف القرى الواقعة على طرفي النهر من الصالحية حتى البوكمال، فزرعت الدمار والرعب في المنطقة، وذهب ضحية هذا القصف العشوائي العديد من الضحايا. بالإضافة إلى خسائر مادية في المنازل والمزارع. ولشدة القصف الذي تعرض له أهالي المنطقة، أطلقوا على ذلك العام "سنة الدَّان" نسبة لضخامة ما ألقي عليها من قنابل من الطائرات، ومشاركة المدافع البريطانية في قصف المنطقة بالقنابل.([8])

لم تتوقف هجمات العشائر على القوات البريطانية على الرغم من القصف الجوي والمدفعي على القرى والمدن والمزارع، ولعب المجاهد مشرف الدندل دوراً رئيسياً في تحريض القبائل والعشائر لمهاجمة مراكز وتجمعات القوات البريطانية. وبرز في ميدان القتال قادة شجعان ومقاتلين أرعبوا القوات الإنكليزية، فكانت أسماء مثل "الهامة" البطل الشجاع وزميله "يوسف الحمدان"، وكان الأول من عشيرة الحسون، والثاني من عشيرة المشاهدة، ترعب القوات الإنكليزية لما عرفا عنهما من بسالة وشجاعة وبطولة.

مع تواصل الهجمات في شتاء عام 1920، على شكل غارات ليلية على معسكرات الجيش الإنكليزي، ظهر تطوران في نفسيات الطرفين. فالطرف العربي شعر بضعف القوة الإنكليزية، وتبيّن له أن هذا الجيش المرعب. لم يكن سوى جيش عادي، يمكن منازلته وإلحاق الهزيمة به. فأصبح لا يهاب أي نزال مع القوات الإنكليزية. بل هو الذي يبادر في الهجوم وإنزال الخسائر بها وأصبح يغنم من  تلك القوات السلاح والمؤونة والمال.

أما الطرف الإنكليزي حين فقد هيبته في نفوس العرب، وشعر بقدرة العشائر على مهاجمته، دون خوف من أسلحته المتطورة. جعلت الجندي الإنكليزي خائفاً مرتعباً من أي غارة ليلية قد تفقده حياته. لهذا اختل التوازن بين القوى من الناحية النفسية لصالح العرب. بحيث جعلت من العشائر المغيرة على أي معسكر إنكليزي لا ترى المواجهة القتالية محتملة، فكثيراً ما تدخل إلى المعسكر، وتأخذ ما تريد من المؤن أمام أعين الجند الإنكليز، الذين لا يحركون ساكناً في بعض الأحيان.

هذه الهجمات والغارات أثارت قلقاً لدى القيادة البريطانية في العراق، وطالبت مولود مخلص بالعمل على إيقاف هذه الهجمات المتكررة على الجيش البريطاني المتواجد في الصالحية والمراكز المختلفة.

وطلب أرنولد ولسن من مولود مخلص بأن يعمل على وقف الهجمات حتى يتم حل مسألة الحدود نهائياً، إلا أن مولود اعتذر لولسن بأنه لا يستطيع أن يوقف غارات العشائر، فليس لديه السيطرة عليها، وفي الوقت نفسه حذر مولود مخلص ولسن.  من أن تقوم القوات الإنكليزية المرابطة في الصالحية بأي هجوم على الميادين، وبأنه سوف يتصدى لها بقوة لمنعها من دخول مدينة الميادين.

فوجد ولسن بأن مولود مصمّم على منع القوات الإنكليزية من دخول الميادين، فطلب من وزارة الهند أن تسعى الحكومة البريطانية لدى الحكومة العربية في دمشق بتغيير مولود مخلص عن إدارة دير الزور. وتسليمها إلى رجل أقل صلابة وعناداً حيث جاء في برقية له في 25 شباط 1920 مايلي: "حمل الحكومة العربية على إزاحة مولود. والاستعاضة عنه بشخصية أقل عناداً"([9]).. كما أن الجنرال "هالدن" قائد القوات البريطانية قد أرسل في 11 شباط 1920، برقية إلى وزارة الحربية البريطانية يُعلمها أن مولود مخلص أصبح يهدد الوجود البريطاني في منطقة الميادين والبوكمال، ويطلب هو الآخر بالضغط على الحكومة العربية في دمشق على استبداله بشخص آخر أقل ثورية، وعداءاً للوجود البريطاني.([10])

إلا أن الأمير فيصل وحكومته في دمشق لم تستمع على مايبدو للنصائح البريطانية وضغوطها لاستبدال مولود مخلص، بل أبقته الحكومة العربية حاكماً عسكرياً لدير الزور، وعززت هذا الموقف إصدار الأمير فيصل مرسوماً بتشكيل لواء دير الزور في "3 شباط 1920"، ضمّ ما تحرر من متصرفية دير الزور ملحقاً به قضاء الرقة. إضافة إلى منطقة الجزيرة التي هي في الأساس تابعة لدير الزور. واستمر مولود مخلص حاكماً عسكرياً مدنياً لدير الزور حتى عين أول متصرف عربي للواء دير الزور، في أواسط أيار 1920  السيد مصطفى بك القنواتي. حيث بدأ عمله الإداري المدني فيها. في حين كان مولود حاكماً عسكرياً.([11])



([1]) F.O. 371. 5126 - E - 1264 . Report - From - p.o. Deir - ez 0 zor - January. 1920.

([2]) مولود مخلص (1884 ـ 1954)، درس وعاش في الموصل  من أسرة تكريتية. أكمل دراسته الثانوية في الموصل والتحق بالأكاديمية العسكرية بالأستانة عام 1901. فصل مرتين من الجيش بسبب انتقاده للسلطان عبد الحميد. وكان عضواً فعالاً في جمعية العهد، هرب إلى الحجاز والتحق بالثورة العربية. انتقد مخططات الإنكليز  التقسيمية أصيب وجرح أثناء الثورة. قاد عدة معارك ضد الترك. بعد انتهاء الحكم الفيصلي في سورية. عاد إلى العراق وكلفه الملك فيصل بتأسيس الجيش العراقي.

([3]) مذكرات رمضان شلاش الخطية ـ مصدر سابق ـ ص 61-62.

([4]) قصيدة من ديوان محمد الفراتي باسم (صوت من الجزيرة)، وفي ديوان "نفحات"، قدمها الأستاذ عقيل عرفي للمؤلف.

([5]) د.علي الوردي ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ مصدر سابق، ج5، ص 136 ـ 135.

([6]) عبد القادر عياش ـ وادي الفرات ـ مجلة العمران السورية ـ دمشق ـ العدد 39(-40) ـ ص 25.

([7]) جريدة الموصل ـ العراق ـ الموصل ـ تاريخ 16 شباط 1920.

([8]) أسعد الفارس ـ مدينة وشعب على الفرات الأوسط ـ مصدر سابق ـ ص 97-98.

([9]) F.O - 371 -5-28-E-1393- 25 February 1920.

([10]) F. o. 371 - 5128- E - 282 - To Waroffice - 11- Febeuary - 1920.

([11]) عبد القادر عياش ـ دير الزور ـ حاضرة الفرات ـ مجلة العمران. مصدر سابق ص 25.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244