الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس عشر: قيادة جديدة للثورة.

المؤتمر العراقي:‏

لم يكن العمل العسكري وحده الخيار الوحيد أمام حزب العهد العراقي، بل عمل على كافة الخيارات الأخرى، لتحقيق أهدافه في سبيل استقلال العراق، وإنشاء حكومة عربية وطنية فيه. لهذا دعا إلى مؤتمر عام عراقي يضم كل القوى الوطنية أحزاباً وهيئات وشخصيات في العراق يعقد في دمشق، في نفس الفترة الزمنية التي يعقد فيها المؤتمر السوري العام.‏

وفعلاً تزامن انعقاد المؤتمر العراقي مع المؤتمر السوري، وفي نفس المدينة /دمشق/ العاصمة العربية، التي تتواجد فيها حكومة عربية متحررة. وذلك في 7 آذار 1920.‏

ومن الشخصيات التي حضرت المؤتمر من بغداد: الفريق جعفر العسكري ـ العقيد سعيد الشيخلي ـ المقدم تحسين علي ـ المقدم اسماعيل الصفار ـ المقدم سامي الأورفلي ـ النقيب فرج عماره ـ ناجي السويدي ـ توفيق السويدي ـ يونس وهبي ـ حميد صدر الدين ـ أحمد رفيق ـ نوري القاضي ـ رشيد الهاشمي ـ صبيح نجيب ـ رضا الشبيبي ـ محمود أديب ـ عزت الكاظمي ـ عبد اللطيف الفلاحي ـ توفيق الهاشمي ـ محمد خيري.‏

ومن الموصل: العقيد علي جودت الأيوبي ـ العقيد عبد الله الدليمي ـ العقيد جميل المدفعي ـ مكي الشربتي ـ إبراهيم توحله ـ ثابت عبد النور ـ أسعد صاحب ـ الحاج محمد خيري.(1) .‏

وقد غابت عن المؤتمر شخصيتان عراقيتان هامتان الأول: /الفريق ياسين الهاشمي/. الذي كان في المعتقل الإنكليزي في الرملة، والثاني /نوري السعيد/ الذي كان وقتها في أوروبا. ويلاحظ عدم تمثل كل من البصرة ومتصرفية دير الزور. حيث أن المدينة "دير الزور" أُعترف بها تابعة للحكومة العربية في دمشق. أما بقية مناطقها فإن الإنكليز كانوا يصرون على بقاء الميادين والبوكمال. ضمن العراق الذي يحتلونه.‏

وأهم قرارات المؤتمر كان إعلان "استقلال العراق"، وتنصيب الأمير عبد الله ملكاً عليه، والاتحاد بين سورية والعراق على أساس فدرالي(2) .‏

مقابلة هامة مع الملك فيصل:‏

بعد المؤتمرين العراقي والسوري، رفضت بريطانيا وفرنسا مقررات كلا المؤتمرين، واعتبرتهما مخالفين لسياسة مؤتمر الصلح، التي ستقرر بعدانتهاء أعماله مصير سورية والعراق. ففي برقية أصدرتها وزارة الخارجية البريطانية في 13 آذار 1920 إلى مندوبها السامي في مصر طلبت منه.. إبلاغ فيصل على الفور بأن.. حكومة صاحب الجلالة لا تستطيع الاعتراف بحق مؤتمر دمشق.. في تحديد مستقبل سورية، أو فلسطين، أو الموصل أو مابين النهرين. إن هذه الأقطار قد انتزعت من الأتراك على يد الجيوش الحليفة، وأن مستقبلها، الذي هو مطروح الآن أمام مؤتمر الصلح، لا يمكن أن تحدده إلا الدول الحليفة بالاتفاق مابينها. إن "حكومة صاحب الجلالة، لا تستطيع بأي حال أن تعترف لهيئة تأسست من تلقاء ذاتها. بالحق في تنظيم هذه الأمور، وأن حكومة صاحب الجلالة سوية مع الحكومة الفرنسية، مضطرة إلى القول بأنها تعتبر هذه الإجراءات باطلة ولاغية.. ينبغي عليكم تجديد الدعوة للأمير فيصل للعودة إلى أوربا وطرح قضية أمام مؤتمر الصلح"(3) .‏

أدرك العرب في سورية والعراق أن بريطانيا وفرنسا تسعيان لتحقيق أهدافهما في فرض الانتداب على كلا البلدين. ناكثتان بكل المواثيق والعهود التي قطعتهما للعرب قبل الثورة العربية، وأثناء فعالياتها العسكرية. فذهب كل من العقيد علي جودت الأيوبي والعقيد جميل المدفعي وثابت عبد النور إلى الملك فيصل ليبلغوه نيتهم في الذهاب إلى دير الزور، ويستأذنوه في ذلك. ويقول علي جودت في مذكراته حول تلك المقابلة.. قلنا له: إننا التحقنا بثورة الملك حسين في الحجاز.. فحاربنا.. وضحينا حتى وصلنا إلى سورية. وكلنا أمل في أن نحصل على أهدافنا، ثم تبين لنا مع الأسف.. أن الحلفاء الذين آزرناهم في أحلك أيامهم. قد تنكروا لنا، واقتسموا بلادنا. أما نحن فعرفنا لا ملجأ لنا، ولا مأوى. وبدأنا نشعر بأننا غرباء، غير مرغوب فيهم. ولهذه الأسباب قررنا الذهاب إلى دير الزور لمحاربة الإنكليز الذين نكثوا بعهودهم للعرب. فإما ننجح في مسعانا أو نموت دونه".‏

فأخذ الملك فيصل يناقشهم في هذا الأمر. حيث ذكر لهم صعوبة قيامهم بمحاربة دولة قوية كبريطانيا، وطلب منهم التريث لكي لا يضطرهم الموقف على مواجهة عدوين قويين في آن واحد "أي بريطانيا وفرنسا". فرد عليه الثلاثة قائلين له: "أن الروس والأتراك مستعدون لمساعدة أية حركة مناوئة لبريطانيا، وأن من الممكن الحصول على المال والسلاح منهم وطلبوا منه أن يمدهم هو أيضاً بالمال والسلاح. وأن يسمح لأخيه زيد بالذهاب معهم ليكون رمزاً للثورة.‏

وبعد أخذ ورد، وافق الملك فيصل على إمدادهم، غير أنه امتنع عن إرسال زيد معهم، لأن ذلك يعني إشهار الحرب على الإنكليز، بينما هو في وضع لا يساعده على معاداتهم في الوقت الحاضر".(4)

لم يكن هؤلاء الثلاثة فقط يشعرون بالإحباط وفقدان الأمل والغربة فقط، بل هو لدى معظم الضباط العراقيين، وخاصة أن بعض المتطرفين من حزب العهد السوري كانوا يشعرونهم أنهم يحتلون أماكنهم. وهم أحق بها منهم، لهذا جاء الإيعاز من قبل حزب العهد العراقي للضباط العراقيين في سورية، بالتوجه إلى دير الزور. لخدمة القضية العراقية. وكان الملك فيصل في السرِّ يشجع ذلك.(5) .‏

وقبل أن يغادر علي جودت ورفيقاه دمشق إلى دير الزور، منحهم الملك فيصل مبلغاً من المال من أجل الثورة قدر بثلاثة آلاف جنيه مصري، وسمح لهم سراً بالذهاب إلى مخازن السلاح في إحدى القطع العسكرية العربية لأخذ ما يريدون من أسلحة وعتاد للثورة، حيث حملوها بالعربات، وأرسلوها إلى دير الزور.(6)

أما لماذا لم يرسل الملك فيصل أخاه الأمير زيد على رأس الحملة إلى دير الزور؟، فهي حسابات سياسية. كان الملك فيصل بارعاً فيها. فهو على الرغم من معرفته التامة بالنوايا الاستعمارية لبريطانيا في البلاد العربية، فإنه كان يحاول أن يكسبها إلى صفه في معركته ضد الضغط الفرنسي لفرض الانتداب على سورية، الذي هو ملكها. ويعرف جيداً وجود بريطانيا أو جزءاً من قادتها أو سياسيها إلى جانبه، وخاصة مكتب القاهرة، مسألة هامة ومصيرية في مباحثاته في أوروبا مع لندن وباريس.‏

أما زيد الذي كان كما قلنا راغباً في إمارة أو مملكة له، وخاصة لمتصرفية دير الزور وولاية الموصل كما اقترح لورنس. يبدو أنه كان راغباً في الذهاب إلى دير الزور ليكون على رأس الثورة. رداً على رفض وزارة الهند البريطانية وارلوند ولسن الحاكم البريطانيا في بغداد الرافضين لهذا المقترح المقدم من الكولونيل لورنس. ولكن زيد في الوقت نفسه لم يترك الأمور دون تبيان دوره في الثورة من خلال إمداد حزب العهد العراقي بالمال، فقد أعطى الحزب مبلغاً من المال قدر بخمسة آلاف جنيه مصري، لكي تصرف على الثورة في دير الزور.(7) . وهذا ماقاله تحسين العسكري الذي كان مديراً لشرطة دير الزور أثناء ثورتها.‏

ووصلت دفعات من الضباط العراقيين إلى دير الزور في آذار 1920، وشكل حزب العهد قيادة جديدة للثورة، سميت "باللجنة الوطنية" على الشكل التالي:‏

1 ـ العقيد علي جودت الأيوبي ـ رئيساً.‏

2 ـ العقيد مولود مخلص ـ عضواً ـ وحاكم دير الزور العسكري.‏

3 ـ العقيد تحسين علي ـ عضواً.‏

4 ـ العقيد جميل المدفعي ـ عضواً. (8) .‏

وتم تكليف العقيد جميل المدفعي بتشكيل جيش عراقي يضم ضباطاً من داخل العراق، والمتواجدين في سورية، وجنوداً عراقيين مع تجنيد عدد من أبناء العشائر "العكيدات، وشمر، والجبور"،(9) ، والتحق بالثورة أيضاً عدد من المجاهدين أمثال فهد البطيخ من رؤساء عشائر شمر طوقة. وكان لفهد دورٌ هامٌ في مناوشات الإنكليز مابين الموصل والشرقاط. وباشرت الهيئة "اللجنة الوطنية"، في رسم الخطط العسكرية لتوسيع الثورة لتشمل العراق بأكمله. شمالاً بين الموصل وتكريت وجنوباً مابين دير الزور وعانه.‏

(1) د.وميض جمال عمر نظمي ـ الجذور السياسية ـ مصدر سابق ـ ص 171.‏

(2) المصدر السابق: ص 171‏

(3) المصدر السابق ، ص 173.‏

(4) علي جودت، ذكريات، بيروت 1967، مصدر سابق، ص 90-92.‏

(5) عبد الرزاق الحسني ـ الثورة العراقية الكبرى ـ مصدر سابق ، ص 47.‏

(6) د.علي الوردي ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ـ ج5 ـ ص 149 ـ مصدر سابق.‏

(7) تحسين العسكري ـ "الثورة العربية الكبرى ، والثورة العراقية"، ـ بغداد 1936 ـ ج2 ـ‏

ص56.‏

(8) د.وميض جمال عمر نظمي ـ الجذور السياسية ـ مصدر سابق ص 194.‏

(9) علي جودت ، ذكريات) / مصدر سابق ـ ص 60.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244