|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع عشر: الإدارة البريطانية في العراق.. والثورة ظهر العجز العسكري البريطاني واضحاً منذ بدايات الثورة بدير الزور، فلم تستطع أن تُعيد دير الزور، بل اكتفت برسم حدود بين سورية والعراق. حين جعل أرنولد ولسن الحاكم العام البريطاني في العراق نهر الخابور حدّاً بين سورية والعراق. ورفض استعادة دير الزور، على الرغم من تحريض حعفر العسكري والي حلب لاستعادة دير الزور، وإلقاء القبض على رمضان شلاش. فأكد وهو في البوكمال لمبعوث جعفر أن دير الزور أصبحت تتبع سورية. كان للضعف العسكري البريطاني دوره في تحريض المترددين في حزب العهد العراقي للانضمام إلى الثورة. ورأينا كيف تتابعت قوافل العسكريين العراقيين بالمجيء إلى دير الزور والالتحاق بالثورة. وأعطاهم هذا الضعف قوة في تطوير الثورة نحو الميادين والبوكمال، التي تم تحريرها من الاحتلال البريطاني. ثم امتدت الثورة إلى عمق العراق، لتصل إلى عانة وتكريت والشرقاط وتل عفر والموصل وغيرها من المدن العراقية الأخرى. واستمرت حتى اشتعلت الثورة في الرميثة، ثم عمّت كل أنحاء العراق. يذكر أرلوند ولسن في كتاب له صدر في لندن عام 1930 أن السبب في الضعف العسكري البريطاني وعدم القدرة على إيقاف الثورة في دير الزور إلى النقص في الآليات العسكرية، وقلة أفراد الجيش البريطاني، بسبب التسريح الذي قامت به الحكومة البريطانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. فيقول: "أن النقص في النقليات والقوات الناجم عن التسريح كان يجعل العمليات العسكرية على هذا البعد عن قاعدتنا في بغداد أمراً شبه مستحيل، وأنه في حالة قيام أية اضطرابات، فسيكون من المستحيل المحافظة على الاتصال بين دير الزور، وبغداد أو الموصل(1) . لم يتخلَ ولسن عن استعراض القوة، واستخدامها، حين أرسل قوات إلى الصالحية، لتنطلق لاحتلال الميادين كما أشرنا سابقاً. ولكنه كان يعرف أن ميزان القوى ليس لصالحه، أمام الرفض المطلق لمولود مخلص بالانسحاب من الميادين، بل أرسل مولود الجنود كما أشرنا لتكوين جبهة الميادين. لذلك بقيت هذه القوات في الصالحية. فتعرضت لجملة من النكسات العسكرية. نتائج الهجمات والكمائن العشائرية في المنطقة. حَمَّل ولسن حكومة فيصل في دمشق مسؤولية الأحداث التي تجري في دير الزور ومحيطها، واعتبرها مسؤولة عنها. وأكد لحكومته ولوزارة الهند أن حكومة فيصل العربية هي التي تمدّ الثورة بالمال والعتاد والضباط والجنود وطلب تكراراً قطع المعونات المالية البريطانية عن حكومة فيصل متهماً إياها بتحويلها ضد القوات البريطانية. وأمام إدعاءات ولسن المتكررة باتهام حكومة فيصل، طلبت وزارة شؤون الهند البريطانية من شقيقتها وزارة الحربية، وكذلك وزارة الخارجية بالتحقق من هذه الإدعاءات، عن طريق ضباط المخابرات البريطانيين المتواجدين في سورية(2) . كما طالب ولسن وقائد جيشه الجنرال هالدن من وزارة الحربية ووزارة الطيران في آذار 1920 استخدام الطائرات لقصف مدينة دير الزور وما حولها، لتدمير القوات العربية فيها. إلا أن وزارة الحربية أجابت ولسن برقياً بأنها لا تستطيع أن تستخدم الطيران إلا في المناطق التي تحتلها بريطانيا، أي ما بعد الحدود الجديدة "نهر الخابور"(3) . واقترح وزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرتشل أن يتم استخدام وسائل أخرى غير الوسائل الحربية العسكرية، رغم أنه كان يطرح القصف الجوي كعمل استراتيجي ضد القوات الثائرة. حيث قال: ينبغي استنباط وسائل أخرى غير عسكرية) إذا كنا نريد المحافظة على ما بين النهرين(4) . وشعر ولسن بالإحباط رغم استخدام الطيران البريطاني في العديد من الحالات العسكرية، فالأمر أصبح ثقيلاً على إدارته. والخوف بدأ يسري في أوصال القوات العسكرية البريطانية نتيجة شدة الهجمات والانتكاسات الخطيرة التي تتعرض لها القوات البريطانية في المعارك؛ فأبرق في 10 آذار 1920 يخبر حكومته عن طريق وزارة الهند بخطورة ما يجري في العراق من جراء الثورة في دير الزور فقال في برقيته، إن الوضع الناشيء في هذا البلد خطير إلى أقصى الحدود. إنه يدمر الثقة العامة. ويضع على عاتق الضباط الباقين في هذه الإدارة عبئاً ثقيلاً لا يستطيعون احتماله".(5) دعوات بريطانية بتغيير ولسن أدت نتائج سياسة ولسن المتشددة في مناطق الاحتلال البريطاني إلى تفجير الثورة في دير الزور، ثم انفجر الوضع في العراق كالبركان بعد ستة أشهر من قيام ثورة دير الزور. كانت حصيلته عشرات القتلى من الجيش الإنكليزي، وخسائر وهزائم أذاقت بريطانيا المرارة والحسرة. لهذا بدأت تتشكل داخل المؤسسة البريطانية مجموعة مضادة لسياسة ولسن، التي سببت هذه الكوارث للجيش البريطاني، وللإدارة البريطانية أيضاً. وتكونت بدايات المعارضة البريطانية في المكتب البريطاني في القاهرة. الذي كان أقرب المؤسسات السياسية والعسكرية فهماً لحركة تطور النمو القومي العربي، وتطلع العرب نحو الاستقلال بعد أربعة قرون من الاحتلال التركي. وكان أوائل البريطانيين الذين طالبوا بتغيير سياسة ولسن في العراق، وحتى استبدال ولسن نفسه، كان الكولونيل لورنس والميجر يونغ.. ثم تتالت الدعوات لتشمل معظم مكتب القاهرة. لتنتقل الدعوة إلى وزارة الخارجية نفسها. وشعر ولسن بأن قوة المعارضة له تزداد يوماً بعد يوم في داخل الإدارة البريطانية، وأن هناك اتجاهاً لتحميله وحده مسؤولية الأحداث التي جرت في دير الزور والعراق. وإن كان الأمر في بداياته، فهو يعلم أنه ينفذ سياسة الحكومة البريطانية عامة، ووزارة شؤون الهند خاصة. لذلك حاول الالتفاف على سياسته ليعطيها شكلاً جديداً، ولكن ثوابتها بقيت بفرض الهيمنة والاستعمار المباشر. فقد أرسل رسالة إلى صديقه هرتزل(6) في 19/ آذار/ 1920 جاء فيها ".. لا أرغب في أن أبدو كمن يتخلى عن سفينة غارقة، إني مستعد لمحاولة إيجاد شيء بناء لمواجهة الضرورات الراهنة، ربما على أساس قيام مجلس تشريعي مركزي يرأسه "المندوب السامي". مع قيام أعضاء محليين بترؤس الدوائر مع أمناء بريطانيين"(7) . من يقرأ بتمّعن الأفكار الجديدة لولسن في رسالته لهرتزل؛ يرى أن ولسن أبقى شمولية الاحتلال وسيطرته فما معنى مجلس تشريعي يكون رئيسه المندوب السامي البريطاني، وحتى أنه يمُّن على العرب العراقيين بأن يكونوا رؤساء دوائر. ولكن في ظل أمين بريطاني، الذي سيكون صاحب القرار ورئيس الدائرة الفعلي. إن هذا التراجع ما هو إلا محاولة للالتفاف على الأصوات البريطانية، التي تدعو ولسن للتخلي عن سياسة الاستعمار المباشر في العراق. أما هرتزل فقد أجابه برسالة تدعوه إلى تغيير سياسته. ففي رده على رسالة ولسن في 7 نيسان 1920 قال فيها: ".. كما قلت لك دائماً أن حكومة صاحب الجلالة ملتزمة بإقامة حكومة عربية، وهي تنوي تحقيق ذلك فعلاً لا زوراً.(8) . أكد هرتزل لصديقه ولسن أن بريطانيا تنوي حقاً إقامة حكومة عربية في العراق، إلا أن ولسن بقي يسبح ضد التيار، على الرغم من تساقط العديد من مناصريه. حيث لم تعد سياسته تلقى التأييد الذي كان قبل ثورة دير الزور، حتى صديقته ومعاونته المس /غريترودبل/ السكرتيرة الشرقية لديوان الحاكم العام، بدأت هي الأخرى تعيد الكثير من حساباتها السابقة، وتعمل على تغييرها وفق المعطيات الجديدة التي خلقتها الثورة. كذلك بدأت تظهر أصوات معارضة لولسن في داخل وزارة الهند، فقد قال المستر مونتاغو وكيل الوزارة "إن ولسن يوصي بعدم استشارة الشعب يقصد الشعب في العراق) وأنه لا يوافق على ذلك شخصياً.. وما يريد قوله هو أن نيتنا إقامة حكومة وطنية في دولة عربية" وبلغ الأمر لدى مونتاغو برفض سياسة ولسن شكلاً ومضموناً، وحتى وإن أُلغي الاحتلال البريطاني. وقال: "أنه يرحب بأي شيء يلغي فكرة الانتداب التي تعتبر فعلاً بمثابة إهانة. وهو يفضل كثيراً قيام دولة مستقلة في ما بين النهرين مشابهة للاتفاقية الأنكلو- فارسية، وتعاطف اللورد كرزن وزير الخارجية مع طرح مونتاغو وبين أنه لا يحبذ الانتداب وسياسته فقال: "أنه شخصياً حريص على التخلص من الانتدابات بالمرة".(9) هذه التراجعات لم تأت من فراغ، بل هي جاءت بعد النجاحات التي حققتها ثورة دير الزور، حيث جاءت تلك التصريحات في شهري آذار ونيسان 1920. وهي الأيام التي كانت ثورة دير الزور وحدها في العراق تقارع الاحتلال الإنكليزي، ولم تتفجر ثورة العشرين المعروفة في الرميثة بعد. وأن طروحات مونتاغو وكيل وزارة شؤون الهند، وتعاطف معها اللورد كرزن وزير الخارجية، كانت ثمار ثورة دير الزور. وإن كانت تلك الأماني والتصريحات البريطانية لم تؤد إلى إزاحة ولسن وسياسته، إلا أن الأيام بدأت توجه الرياح وجهةً مخالفة لسير سفن ولسن. حيث بدأ يتشكل رأي عام بريطاني في لندن، يدعو إلى تغيير سياسة ولسن وإزاحته. فالصحافة في لندن بدأت تنتقد بشدة تلك السياسة، التي أدت إلى خسائر في الأرواح والعتاد، وأجبار بريطانيا على الانسحاب لأول مرة عن أراض احتلتها في القرن العشرين. مما أغضب ولسن واعتبر معارضيه بالمتطرفين كما اليوم من يعادي الصهيونية وأمريكا). فكتب إلى وزارة شؤون الهند غاضباً من الحملة الصحفية والمعارضين من الإنكليز ضد سياسته فقال: ".. قد اعتادوا على إبلاغ المتطرفين بكافة الإشارات الواردة في الصحافة الإنكليزية ضد السياسة المحلية، والإمبراطورية لحكومة صاحب الجلالة. لا سيما مقالات "التايمز" والمناقشات في مجلس العموم، والتي يشير إليها المتطرفون في خطبهم وأحاديثهم"(10) . ومع اشتداد الأزمة السياسية والعسكرية لإدارة ولسن، وخاصة بعد تواصل الثورة إلى العمق العراقي. ونسف القطار في الشرقاط، والهجوم على تل عفر قرب قرب الموصل. استمرت اتهامات ولسن لحكومة فيصل، ملقياً عليها أسباب الفشل الأمني والعسكري لقواته. واعتبر أن الأمر ليس سوى معركة بين قواته وقوات الحكومة العربية في دمشق. حيث قال في برقيته إلى وزارة شؤون الهند في 8 حزيران 1920 بأن "حالة حرب فعلية تقوم بين القوات الشريفية، وقوات حكومة صاحب الجلالة في بلاد مابين النهرين(11) . وتتابعت اتهامات ولسن كما أشرنا من قبل لفيصل وحكومته وللثورة. وأمام سيل تلك الاتهامات طالبت الحكومة البريطانية في برقية لها في 11 حزيران 1920 ولسن أن يُقّدم "بياناً مختصراً عن التصرفات الشريفية العدائية. وارتباطها بحكومة دمشق"(12) فرد ولسن على حكومته ببرقية جوابية في 18 حزيران 1920 قال فيها: "إن إرسال مجموعات متعاقبة من المتطرفين إلى دير الزور بصفة رسمية من عهد العراق، الجمعية العراقية في سورية، وهو في حدّ ذاته دليل كاف على عدم رغبتهم في التعاون"(13) وطالب ولسن في برقيته بأن تضغط الحكومة البريطانية على الأمير فيصل بطرد الضباط العراقيين من دير الزور، وبذلك تتوقف العمليات الهجومية للقوات العشائرية ضد القوات الإنكليزية. واستمرت دعوات ولسن المضادة لفيصل، وبضرورة قطع المعونات المالية له. واتهم حكومته بالتساهل بطلباتها لفيصل ولضباط العهد، وأسماها بالتصالحية واعتبرها تخدم أهداف حزب العهد المعادي لسياسته، والمناهض لها بالسلاح والسياسة. وفضل ولسن الجلاء عن بلاد مابين النهرين أي /العراق/ على أن تلبى مطالب حزب العهد العراقي. فقد كتب في 29 حزيران 1920 إلى حكومته ".. إننا لانستطيع المحافظة على مركزنا كدولة منتدبة بسياسة المصالحة مع المتطرفين. وإذا كانت حكومة صاحب الجلالة تعتبر هذه السياسة غير عملية، أو فوق طاقاتنا. فإني أرى الأفضل بالنسبة لها مواجهة البديل الآخر، مهما كان جسيماً ومخيفاً ألا وهو الجلاء عن مابين النهرين"(14) . وتابعت سياسة ولسن بإلقاء هزائم جنده في العراق على الحكومة العربية في دمشق وعلى الأشراف، وحزب العهد، التي تنطلق قواتهم وإمداداتهم من دير الزور. فيقول في برقيته في 18 حزيران 1920 : ".. ثمّة سيل متواصل من المال والدعاية. ويستخدم في الأخير اسم عبد الله، وكذلك اسم فيصل والدولة السورية، وذلك من دير الزور إلى هذا البلد. ومن الصعب أن يكون هناك مصدر آخر لهذا السيل لاسيما الأموال. غير حكومة دمشق أو موظفيها"(15) . معارضة بريطانية قوية لولسن: منذ شهر حزيران 1920 بدأت الأصوات البريطانية تشتد ضد سياسة ولسن وأنصاره من العاملين في وزارة شؤون الهند، وتنتقد بشكل عام السياسة البريطانية في المنطقة العربية حيث تنازع مكاتب الاستخبارات البريطانية. حيث كان لكل مكتب بريطاني رؤية سياسة خاصة تجاه القضايا العربية، فمكتب القاهرة يناصر القضايا القومية العربية، في حين مكتب الهند يعادي هذه السياسة. مما أدى إلى تقلبات حادة في سياسة بريطانيا في المنطقة. ويصف الميجر يونغ سكرتير وزير الخارجية البريطانية هذه السياسة قائلاً: ".. إن سياستنا في الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث. أو الأربع الأخيرة قد تأثرت كثيراً جداً.. ولأقول خضعت بشخصيتين قويتين. ففي الجانب السوري، كان هناك الكولونيل لورنس الذي يشجع المطامح العربية بدوافع مناوئة لفرنسا. وفي الجانب العراقي. نجد السير ارنولد ولسن الذي يكبح المطامح، ولايبذل أي جهد لإخفاء أسباب عمله هذا"(16) . وأصبح الميجر يونغ أكثر القادة البريطانيين إدراكاً لمخاطر سياسة ولسن، التي تسببت بكوارث لبريطانيا في المنطقة عبر الانتفاضات والثورات، التي بدأت في مدينة دير الزور. ثم توبعت في بقية المناطق. وبدأ يسعى من داخل وزارة الخارجية البريطانية لإقصاء ولسن عن العراق. واستبداله بشخص آخر أكثر تفهماً للمسألة العربية في المنطقة. فكتب في 14 حزيران 1920 "أخبرني الكولونيل كريبون اليوم 14 حزيران /يونيو/ 1920: تلفونياً بأن وزارة الحربية لم تكن مرتاحة لاتهامات السير .أ. ولسن المتكررة حول التواطؤ الشريفي في اضطرابات الحدود". وأشار في مذكرته إلى سياسة ولسن المعادية لفيصل وللعرب، حيث تسبب إفساد العلاقات بين فيصل وبريطانيا، وإلى خلق تصادم بين الطرفين. فقال: ".. إن رأيي الخاص -كما كان دائماً- هو أنه من المؤسف بالنسبة لأي ضابط كان مع فيصل أن يتخذ موقفاً مضاداً لبريطانيا. إن روح إدارتنا في مابين النهرين هي مسؤولة إلى حد كبير -إن لم يكن كلياً- عن ذلك، إن عداء ولسن الشديد لكل ماهو شريفي، قد خلق لنا الكثير من المتاعب في الماضي، وسيسبب لنا المزيد منها في المستقبل. وإني أعارض بشدة اقتراحه حول القيام بأعمال هجومية بالطائرات فيما وراء حدود مابين النهرين، وآمل مخلصاً أن لاتتم المصادقة عليه.."(17) . تقدم يونغ بهذه المذكرة لمجلس الوزراء عن طريق وزير الخارجية، موضحاً أن أسباب هذه الأحداث سياسة ولسن، وينذر محذراً أنها سوف تسبب المزيد من المشكلات لبريطانيا في المستقبل، وهذا ماحدث فعلاً. وكان لتحذيرات /يونغ/ فعلها حين امتنعت وزارة الحربية والطيران عن قصف مدينة دير الزور بشكل فاعل ومدمر، وإنما استخدم الطيران بقصف المدينة بشكل غير مؤثر، في حين قصفت جزيرة ابن عمر ملتقى الحدود السورية العراقية على نهر دجلة، وكانت معبراً للعديد من القبائل الثائرة. حيث ورد في إحدى البرقيات شجب قصف دير الزور وابن عمر من قبل الحكومة البريطانية "وزارة الهند ووزارة الحربية تشجبان قصف دير الزور وجزيرة ابن عمر لاعتبارات سياسية. وقد استشيرت وزارة الطيران أيضاً، وهي ترى لأسباب فنية أن قصف دير الزور بشكل فعال هو أمر غير وارد"(18) . لم يتراجع ولسن عن سياساته بل دافع كثيراً عنها. واعتبر الضباط العراقيين في سورية وحكومة فيصل والأشراف، هم سبب إثارة أشكال العنف في العراق، وليست سياساته المتشددة الرافضة لحكومة عربية، أو إعادة الضباط إلى بلادهم. دعوة لإعادة احتلال دير الزور حين بدأت الأوضاع في العراق تتفجر في كل مكان، بعد حوادث الرمثية وكربلاء والنجف، لتتكامل الصورة التي رسمها العهد في تفجير الثورة في العراق. وأدرك ولسن جسامة وخطورة الأحداث، والعجز عن ردع الثائرين، وإيقافهم بدون عاصفة قد تطيح به. كما أدرك عمق المعارضة البريطانية التي تنامت إلى حدّ كبير في داخل بريطانية بمؤسساتها المدنية والعسكرية، وحملات الصحافة، لتشكل رأي عام مضاد له ولسياساته في العراق. فتقدم باقتراح لحكومته يطلب منها إعادة احتلال دير الزور، وبما فيها الرقة، ليستأصل جذور المعارضة العربية، وبؤرة الثورة المضادة لسياساته، لأنه الحل الأمثل لإنهاء الثورة في العراق. فكتب ارنولد ولسن إلى حكومته في 9 حزيران 1920 التالي "في شباط /فبراير/ الماضي. حذرت الحكومة من أننا يجب أن نتمسك بما لدينا آنئذ بواسطة القوات الموجودة في البلاد، أو نجلو عنها، وأنه ليس ثمة طريق وسط. إننا لانستطيع تنفيذ الانتداب بدون مجازفة بكارثة، إلا إذا كنا مستعدين للاحتفاظ خلال العامين القادمين بنفس العدد من القوات الموجودة في البلاد الآن على الأقل. وفي حالة من الكفاءة بأكثر بكثير مما هي عليه الآن. يجب أن نسترجع دير الزور، ومن ضمنها الرقة. لايمكننا أن نحافظ على مركزنا كدولة منتدبة باتباع سياسة مصالحة مع المتطرفين. يجب أن نكون مستعدين بنفس النظر عن عصبة الأمم، للسير ببطء شديد في إقامة المؤسسات الدستورية أو الديمقراطية. وإذا كانت حكومة صاحب الجلالة تعتبر مثل هذه السياسة غير عملية أو فوق طاقتنا، وهذا جائز) فإني أرى أنه من الأفضل مواجهة البديل.. والجلاء عن مابين النهرين.. إني لعلى ثقة من أن أنصاف الحلول ستؤدي إلى كوارث"(19) . وضع ولسن حكومته بين خيارين إما احتلال دير الزور، وتدمير مواقع الثائرين "المتطرفين"، أو الجلاء نهائياً عن العراق. وهذا هزيمة نكراء لبريطانيا العظمى. إلا أن يونغ عدو ولسن وسكرتير وزارة الخارجية رد على مذكرته بأن ولسن كان يصرح: "هناك خياران فقط أمامنا. إما الاحتفاظ بما بين النهرين بالقوة، أو الانسحاب نهائياً". ثم يقول "إن ولسن لايذكر شيئاً على الإطلاق عن الخيار الثالث الذي كان يمثل دائماً سياسة حكومة صاحب الجلالة، وهو البقاء في مابين النهرين برضاء الشعب، وليس من الصعب معرفة سبب ذلك، وهو يعلم أننا لانستطيع الحصول على رضاء الشعب إلا بإقامة حكومة ذات طابع عربي غالب. وإني لواثق تماماً من أن الكولونيل ولسن سيبذل قصارى جهده للحيلولة دون تحقيق هذا الهدف"(20) . إقصاء ولسن وتحقيق أهداف العهد نسبياً بعد انفجار الوضع العام في العراق، شعرت الحكومة البريطانية مدى الخطأ الجسيم الذي ارتكبته بتأييد سياسات وزارة شؤون الهند، والتي كان ينفذها ولسن ويتشدّد في تطبيقها، ورفض كل دعوات الأصدقاء والناصحين بتغيير هذه السياسة قبل ثورة دير الزور وأثناء نشوبها، وحتى خلال تداعاياتها، وإلى أن تفجر كل شيء في العراق. فبدأ البحث الجدّي في ضرورة إقصاء ولسن عن بغداد، واستبداله بشخص بريطاني آخر، يستطيع أن يمتص النقمة الشعبية، وينهي الثورة الشعبية، ويبدو الندم واضحاً في تصريحات وزير الخارجية البريطاني اللورد كرزن حين قال: "من المؤسف جداً أن الكولونيل ولسن بقي طيلة هذه المدة في مابين النهرين"(21) . وفي اجتماع 16 حزيران 1920 أكد /كرزن/ على ضرورة إقصاء ولسن واستبداله. وتحقيق مطالب العهد في عودة الضباط العراقيين إلى بلادهم فقال ".. إنه من غير العملي تأجيل قرار عودة هؤلاء الضباط. فقد ظلوا بعيدين عن وطنهم لمدة طويلة وهم يقاتلون الأتراك، وأن فخامة اللورد كرزن يستنكر أية بادرة من جانب حكومة صاحب الجلالة في وضع العراقيل في طريق العودة إلى الوطن بالنسبة لرجال تطوعوا للخدمة في قضية الحلفاء، وساعدوا عمليات الحلفاء في سورية"(22) . وبعد المداولة تمّ الاتفاق أيضاً على تشكيل حكومة عربية وفق إرادة الشعب. فقد أُذيع بيان صادر من الحكومة البريطانية إلى الشعب العراقي، تم إرساله إلى وزارة شؤون الهند في 17 حزيران 1920 أي بعد انعقاد الجلسة التي أشرنا إليها في 16 حزيران، وقد أُذيع التصريح علناً في 20 تموز 1920 جاء فيه: ".. إن حكومة صاحب الجلالة تتوقع أن الانتداب سوف يتطلب منها صياغة قانون أساسي ضمن فترة محدودة لا تتجاوز سنتين على الأرجح، على أن يتم وضعه بالتشاور مع السلطات الأهلية. إن حكومة صاحب الجلالة أخذت بعين الاعتبار الرغبات المعلنة لشعب مابين النهرين في إعادة السير برسي كوكس. قد قررت تكليفه بالدعوة إلى تشكيل: 1-مجلس دولة ذي طابع عربي غالب. يرأسه عربي. 2-جمعية عامة تمثل شعوب مابين النهرين كمجموع. وسيكون من واجبه تهيئة قانون أساسي دائم بالتشاور مع هاتين الهيئتين المؤقتتين"(23) وأعلنت الحكومة إنهاء السير ارنولد ولسن كمندوب سامٍ في العراق، وتعيين السير برسي كوكس بدلاً عنه. وفي 21 أيلول 1920 نشرت جريدة العراق قرار الحكومة جاء فيه: "سيمثل السير برسي كوكس الحكومة البريطانية بصفة مندوب سامي،ـ وستقع عليه مسؤولية إدارة الحكومة الملكية في البلاد، إلى أن يتمكن من تنفيذ سياسة حكومة جلالة الملك لتأسيس حكومة عربية في العراق. وستكون مهمته هذه الأولى، التي يقوم بها عند سنوح الفرصة. وينتظر ورود السير برسي كوكس إلى البصرة في أول الشهر المقبل /تشرين الأول"(24) . وفعلاً تشكلت أول حكومة عربية في العراق برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب. (1) Wilson- mesopotamia- 1917- 1920- Aclush of Loyalties- A personal and Historical Record London- Oxford. University press- 1930 p. 234. (2) F. o. 371- 5128- E- 95- 12 February 1920. (3) F. o 371- 5128- E- 6453- From war office. 15 March 1920. (4) No- 52455- vol- copy Deleted from Revtera- 26 March 1920. (5) F. o. 882- 23- Mes- 20-1- 10 March 1920. (6) ليس تيدور هرتزل مؤسس الصهيونية (7) No. 52455- Vol. 2- To HISTZEL- No 3517 A. 19 March 1920. (8) No 52455- Vol. 1- 7 April 1920. (9) F. o. 371- 5068- Mimutes- of p. C. p. Dated- 13 April 1920. (10) F. o 371- 5228- E- 984- From Civil Conmissiner. Boyhad- Dated- 15 Auqast 1920. (11) F.0.371-5129-E6324-8June 1920. (12) F.0.371-5130-E6905. 4June 1920 (13) F.0.371-5130-E7219-18 June 1920 (14) F.0.371-52455-6948.9 June 1920 (15) F.0.371- 5130-E-7219. 18 June 1920 (16) F.0.371- 5228-E-8483- 4 June 1920 (17) F.0.371- 5129-E.6324-18 June 1920 (18) F.0.371-5128- E-6531- 15 Marsh 1920. (19) F.0.371- 5227- E- 6509- 9 June 1920. (20) F.0.371- 5227- E- 6509. Dated 16 June 1920. (21) F.0.371-4146-8610- 14-16 June 1920. (22) F.0.371-4146- 86170-14-16 June 1920. (23) F.0.371-5228-23 Jugy 1920. (24) جريدة العراق العدد /95/ 21/أيلول 1920. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |