الثورة المنسية - زبير سلطان قدوري

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل العشرون: -نتائج الثورة-

حققت الثورة في دير الزور معظم أهدافها الكبرى التي سعت من أجلها، وإن لم تستطع أن تحقق الاستقلال التام للعراق، وإقامة حكومة عربية غير موالية لبريطانيا فيه، كما كان يريد ياسين ورمضان وبقية ضباط العهد. إلا أنها أنجزت نتائج هامة. وأهمها:‏

1-تحرير منطقة دير الزور بريفها ومدنها من الاحتلال البريطاني، وإعادتها إلى القطر العربي السوري الذي كان وقتئذ يتمتع باستقلال تام وحكومة وطنية. وهو إنجاز لم يتحقق لأي ثورة وطنية قطرية في الوطن العربي.‏

2-إشعال الثورة في كافة أنحاء العراق، وهو هدف أراده حزب العهد، حين اتخذ من دير الزور قاعدة انطلاق إلى كل العراق شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. ففي حين اشتعلت الثورة في دير الزور من 11 كانون الأول 1919. واستمرت حتى نهايات آب تقريباً من عام 1920. فإنها كانت تحريضاً أسهم في انطلاقة ثورة العشرين في الجنوب العراقي.‏

3-نزعت ثورة دير الزور من نفوس القوميين العرب والعشائر والأهالي في وادي الفرات وغيره عامل الخوف والرهبة تجاه جيش بريطانيا العظمى، الذي كان في رأي الكثير من الضباط والزعماء السياسيين أن مواجهته ستكون ضرباً من الجنون.‏

فقوات الثورة من عشائر بسيطة لم تتدرب في مدارس حربية أو أكاديميات عسكرية، سطرت نصراً في أكثر من موقع مع هذا الجيش العظيم، وألحقت به العديد من الخسائر الجسيمة في الأرواح والمعدات، وزرعت الرعب والخوف في نفوس الجنود البريطانيين. قالبة المعادلة رأساً على عقب، وأعطت جرعة عالية من الروح المعنوية للجماهير العربية الشعبية. فكتبت المس /بل/ حول انسحاب الجيش البريطاني أمام الثورة وتخليها عن دير الزور وعن الانصياع البريطاني لطلبات الثورة:‏

"إن استعداد الإدارة البريطانية للنزول عند رغبة الحكومة العربية والانصياع إلى مقترح ينبعث منه أمل معقول في تطمين ادعاءاتها في الفرات، قد أسقطته من الحساب جمعية العهد العراقية ووكلاؤها، حيث لاحظت صعوبتنا الواضحة في المحافظة على خط مواصلاتنا الطويل. ضد هجمات القوات غير النظامية عليه. ثم اعتبرت موقفنا الاسترضائي العام دليلاً على ضعفنا العسكري. وعلى هذه الشاكلة كان موقفنا هذا شيئاً متحفزاً، وليس مهدئاً لها. وكانت كتابات الصحافة السورية المحلية عن المناوشات التي جرت معنا مهما كانت لهجتها غير معقولة تُقابل بالتصديق من الجميع، فقد كتبت تقول: إن الجيش البريطاني طرد من دير الزور، وأن القوات العربية أجبرته على إخلاء البوكمال، وأنه ينتظر الضربة الأخيرة التي سوف تنزل به في عانة على يد الأمير عبد الله وقوته التي لاتقهر. وفي الوقت الذي كانت هذه الإشاعات تتردد في مقاهي بغداد. بدأ العمل في البادية"(1) .‏

ويشهد على رفع المعنويات العربية لدى الجمهور بعد أن تحققت عدة انتصارات لثورة دير الزور. ارنولد ولسن نفسه، فقد كتب: "إن تقلص حدودنا المستمر في الفرات الأعلى، والغارات على تل عفر وطرق الموصل. قوى الاعتقاد السائد لدى الناس، بأن وضعنا العسكري ليس في مقدوره ضبط العشائر في حال قيامها. ففي أوائل شهر حزيران أعطانا علي السليمان تحذيراً خطيراً. وهذا الرجل يُعدُّ من أكثر مؤيدينا ثباتاً بين شيوخ العشائر بالقرب من بغداد، وفي الوقت نفسه أعطانا مثل هذا التحذير شيخ مشايخ عنزة. وهو الذي أعطى آذاناً صماء للدعاية الثورية الموجهة إليه. فهو أعلن بجدية أننا إذا لم نحصل على بعض الانتصارات، فإنه لايستطيع أن يعطي جواباً مقنعاً لأفراد عشيرته.."(2) .‏

4-إلحاق الهزيمة بالسياسة البريطانية التي يمثلها ولسن الذي يحتقر العرب، ويرفض إشراكهم في أية إدارة مدنية أو عسكرية بحجة عدم الأهلية، حتى وإن كانت الوظائف متدنية ومحتقرة. وكان ينظر إلى العرب المسلمين بعين الاحتقار والعداء.‏

وأفشلت الثورة خطة ولسن الساعية إلى خلق صراع ديني وطائفي في العراق، وإلى تفضيل دين على دين فكتب يقول: "كنا نعتقد أن مساهمة بريطانيا في رفاهية البشرية تكمن في تشرب حكومتها بمبادئ المسيحية. وأن العراق بحاجة إلى ماهو أكثر من فوائد الحضارة المادية، كنا نعتقد أنه مالم يتشرب العراق بمبادئ المسيحية فإنه لم يكن صالحاً للحرية"(3) . لقد أثبتت الثورة أن العرب كتلة واحدة سواء من كان منهم مسلماً أو مسيحياً، وعلى مختلف مذاهبهم وطوائفهم.‏

5-حققت الثورة في دير الزور وإن كانت بعد انفجار ثورة الجنوب إقامة دولة عربية في العراق، بعد الرفض المطلق من قبل وزارة شؤون الهند وولسن، كما نصب الملك فيصل ملكاً عليها.‏

ثورة دير الزور الإرهاصات الأولى لثورة العشرين.‏

إن دير الزور في ثورتها التي امتدت مايزيد على ثمانية أشهر كانت الإرهاصات الأولى التي أشعلت الثورة في العراق والتي تعتبر من أهم الثورات في وادي الرافدين. وقد أنكر بعض الباحثين أو المؤرخين أية صلة بها. إلا أن المنصفين من المؤرخين أقروا بذلك وجعلوا ثورة دير الزور أهم مقدمات ثورة العشرين. إن لم تكن ثورة الجنوب هي التواصل للثورة في دير الزور، ففي حين كانت تخبو وتهدأ في دير الزور نتيجة الاحتلال الفرنسي لسورية، وانقطاع الإمدادات المادية والسلاح عنها. تنفجر في الرميثة في 30 حزيران 1920 لتعم العراق بكامله. ومن الذين كتبوا إنصافاً للحقيقة نذكر منهم: د.علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث حيث يقول: "إن اندلاع الثورة المسلحة في الرميثة في 30 حزيران 1920. سبقت أمور أربعة يمكن اعتبارها عوامل ممهدة له هي: 1-أحداث دير الزور 2-واقعة تل عفر. 3-أحداث رمضان في بغداد. 4-نفي ابن شيرازي."(4) .‏

*ويقول الدكتور وميض عمر جمال نظمي في كتابه القيم "الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق" مايلي: "في أيار /مايو 1920 كان الضباط العراقيون قد نظموا جيشاً فعالاً نسبياً، يمثل خطراً جدياً للإنكليز، ويهدد وجودهم في الموصل. إلا أن الغزو الفرنسي لسورية في تموز 1920، بدد حلم الضباط بـ تحرير العراق بحرمانهم من مؤازرة دمشق. ومع ذلك كان الدير وتل عفر مقدمة لانتفاضة عامة"(5) .‏

*أما المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني فكتب: ".. والذين قدر لهم أن يكتبوا عن.. الثورة العراقية الكبرى" اختلفوا في بيان مقدماتها وعواملها، وأسبابها، حتى نتائجها. اختلافاً جعل دارسي تاريخ هذه النهضة على حداثة عهدها. غير مطمئنين إلى ماوصلت إليه يد البحث، ولا مؤمن بمعظم مانشر عنها. فقد وصفها فريق بأنها كانت جزءاً من ثورة "الملك حسين". وأدلى آخر بأنها كانت من متممات الحوادث الدامية التي جرت في دير الزور وتل عفر، وغالى فريق ثالث فقال: إنها كانت فراتية بحتة"(6) .‏

*ويعترف وزير في العهد الملكي جلال بابان بقوله: "إن من الواجب أن أذكر بأن حصول الحجاز على استقلاله كدولة مستقلة، وما كان جار من قبل الملك فيصل بن الحسين من جهود فعالة لضمان استقلال سورية، ومقاومة الاستعمار الفرنسي لها. والحركة الاستقلالية التي قام بها العراقيون في دير الزور وتل عفر. فقد كان لهذه النتائج الأثر البالغ في نفسية العراقيين"(7) .‏

*أحمد قدري طبيب الملك فيصل ومرافقه قال: ".. كان رمضان الشلاش قد أخرج الإنكليز منها في 11 كانون 1919، وعين فيصل مولود مخلص حاكماً لها يقصد دير الزور). وقد سافر إلى الدير بعد إعلان الاستقلال بقليل جميل المدفعي وعلي جودت وتحسين علي لترؤس الحركة. ولم يكد ينتهي شهر آذار حتى بدأت العصابات تشن هجماتها، وتبلو بلاءها في العراق، وكان في بادرة أعمالها تخريب سكة الحديد بين سامراء والشرقاط. كما أن قوى جميل المدفعي هاجمت تل عفر، وقتلت الميجر باولو والكابتن استوارت، ونسفت دار الحكومة بالديناميت بمن فيها، فسيرت إليه القيادة البريطانية من الموصل قوى كبيرة، فانسحب إلى الدير. وكان ذلك إيذاناً باندلاع ثورة العراق"(8) .‏

*الدكتور أحمد طربين المؤرخ العربي المعروف قال "لما نشبت ثورة العراق في ربيع عام 1920 على الإنكليز، وتألفت في دمشق لجنة خاصة للإشراف على الثورة، وإجراء الاستعدادات اللازمة لإنجاحها. وكان ذلك أن توترت العلاقات بين بريطانيا والحكومة العربية المؤقتة. بل إن أول قوة وطنية عراقية أضرمت نار تلك الثورة خرجت من دير الزور السورية"(9) .‏

(1) المس غرتيرودبل- "فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط -بيروت- 1971- ص417-418.‏

(2) د. علي الوردي -لمحات من تاريخ العراق الحديث -مصدر سابق ص147.‏

(3) Sunday Times- 20 September 1920.‏

(4) د.علي الوردي- لمحات تاريخية من تاريخ العراق الحديث -ج5- ص130- مصدر سابق.‏

(5) د. وميض جمال عمر نظمي -الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق. مصدر سابق ص195.‏

(6) عبد الرزاق الحسني -الثورة العراقية الكبرى- مصدر سابق ص101.‏

(7) المصدر السابق ص206.‏

(8) د. أحمد قدري- مذكراتي عن الثورة العربية - طبعة ثانية- وزارة الثقافة السورية- دمشق 1993-ص207.‏

(9) د.أحمد طربين- الوحدة العربية بين 1916-1945- القاهرة- المطبعة الكمالية- 1959-‏

ص26.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244