|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:38 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
اعتدنا
أن نذهب كل يوم جمعة إلى مكان نختاره معاً. كأن نزور أقرباءنا، أو أصدقاءنا، أو
نذهب إلى منطقة أثرية نتعرّفُ من خلالها على حضارتنا، أو نقضي وقتاً جميلاً
وممتعاً في مكان طبيعي قريب من مدينتنا.. وحينما
تختلف أسرتي على المكان الذي سنذهب إليه، نلجأ للقرعة، كلّ فرد منا يكتب رغبته على
قطعة ورق صغيرة ويطويها، ثم نخلط جميع الأوراق خلطاً عشوائياً، ونترك أصغرَ طفلة
في عائلتنا تسحب ورقةً من بين هذه الأوراق. وعلى الجميع القبول بالمكان المسجّل
على هذه الورقة. حدث
واختلفْنا في يوم الجمعة هذا. أبي
يريد الذهاب إلى بيت أخيه، وأمي تفضّل بيت أختها، وأخي (أيهم) يريد زيارة جدي وجدتي، وأنا
أريد زيارة حديقة مدينتنا الكبيرة المسمّاة بـ (حديقة العظماء). وأختي (أحلام)
مصرّة على القيام برحلة خارج المدينة. كتب
كلّ منا رغبته على ورقة صغيرة. خلطتُ الأوراق، وقلت لصغيرتنا نسرين: - اسحبي
لنا ورقة. - لي
شرط: قالت نسرين.. سألناها
جميعنا: =وما
هو؟. ضاحكة
أجابت نسرين: -على
صاحب الورقة التي سأسحبها أنْ يشتري لي قطعة بسكويت وقطعة شوكولاته. صحْنا
جميعاً بفرح: -موافقون. أبصارنا
مفتوحة على آخرها وهي تراقب يدَ نسرين التي أخذت إحدى الورقات المطوية وناولتها
لأمّي. لم
تبتسم كثيراً أمي وهي تقرأ الورقة. هذا يعني أنّ رغبتها في المكان الذي اختارته لن
تتحقق. -ماذا
في الورقة يا أمي؟: قلتُ أنا وأخي أيهم وأختي أحلام. بصوت
لطيف، قالت أمي: -إنها
رغبتك يا (آية).. حديقة العظماء. بفرحٍ
لا يوصف، قبّلتُ نسرين: -هاه..
هيه.. لكِ اليوم أطيب قطعة بسكويت وشوكولاته. وبسرعة
هائلة هرع كلّ منا ليرتدي ثيابه. ماما
وبابا وأخي أيهم أصبحوا جاهزين.. ونسرين الواقفة على باب البيت الخارجي تستعجلنا: -هيا
يا آية ويا أحلام. لقد تأخّرنا. بسرعة
أخرجُ مع أحلام من الغرفة، وننطلق مع العائلة. الطقس
معتدل. وشوارع المدينة مزدحمة بالسيارات وبالناس المنشغلين بعطلتهم. نسرين
تتوسّط أمي وأبي، ونحن نسير خلفهم. من شارع إلى آخر، ونحن نمزح ونضحك. وفي أحد
الطرقات استوقفنا زجاج محل ألعاب. كانت خلف زجاج العرض دُمى كثيرة.. قطار صغير
يدور حول سكّته.. نمرٌ ورديّ يستند على سيارة كبيرة و(ميكي) يجلس رافعاً إحدى
ذراعيه وكأنه يودّع الجميع. عروسٌ ترتدي فستانها الأبيض الفضفاض تقف وراء القطار
الصغير وهي تفتح عينيها الزرقاوين. وفي إحدى الزوايا يركب جحا على حماره بهيئة
مضحكة جداً. بينما في مساحة أخرى يقف ثلاثة أبطال من مسلسل الأطفال (افتح يا
سمسم).. "أنيس" ممدد في سريره وكأنه يعدّ الخواريف كي ينام
و"بدر" المسكين ينظر في وجه "كركور".. - أوه..
إنه أنتَ يا أيهم: قلتُ لأخي وأنا أشير إلى كركور. بعجل
قال لي أيهم: وذاك
أنت يا آية. ثم
ضحك وهرب بعدما أشار إلى جحا وحماره. ضحكنا
جميعنا واجتزنا الشارع. لم
نشعر كيف وصلنا الحديقة.. فعلاً
إنها حديقة عظيمة.. بابُها
منقسمٌ إلى نصفين: واحد للدخول، والثاني للخروج. أعمدةٌ أسطوانية تنتصب خلف الباب
الكبير. مدخل مرمريّ على جنبيه أشجار ضخمة. الحشائش الطويلة تتمايل. ولونها الأخضر
يتباهى بألوان الأزهار، منها البنفسج، والأقحوان، والقرنقل، والشقائق، الزنبق،
والياسمين الأبيض والأصفر، و.. روائح عطرية يختلط فيها عبيرُ الريحانِ مع عبير
الورد مع روائح أشجار الزيزفون وهي تُدلّي أغصانها المزدهرة. صوتُ
مياه النوافير يضفي على الطبيعة جمالاً أخّاذاً.. زقزقة
العصافير في كل مكان.. والفراشات تطير بخفّة عجيبة. استقبلتْنا
الحديقة بمنحوتة حجرية، تقف كشخصية وقورة على قاعدة كتب عليها: "تمثال
الشيخ الرئيس ابن سينا". انعطفنا
نحو اليمين.. أطفال كثيرون يأتون بصحبة أهلهم لزيارة هذه الحديقة. أيضاً،
يجيء لزيارتها عربٌ وأجانب من مختلف البلدان. نعبر
مساحة أخرى نصب فيها تمثال الشاعر "أحمد بن الحسين" المشهور بـ
(المتنبي). ورغم أنه منحوت من حجر، إلاّ أننا شعرنا بالشرر الذي في عينيه وهو
يتطلّع نحو السماء بكبرياء وفخر. تمثال
آخر يقابل تمثال المتنبي.. ولا يفصل بينهما غير مساحة عشب صغيرة، في وسطها نافورة
ماء. هذا التمثال يقف أمام تمثال المتنبي متحدّياً.. وكلماتُ قاعدته تقول: الشاعر
(الحارث بن سعيد الحمداني) الملقّب بـ (أبو فراس الحمداني).. كل
شيء في هذه الحديقة يكاد ينطق.. مازلنا
نمشي وكأننا في زمن آخر… من
هذا السحر، يأتينا صوت والدي: -في
زيارتنا السابقة تحدّثنا عن حياة (ابن سينا) و (المتنبي) و(أبو فراس الحمداني)… وها نحن اليوم نقف أمام تمثال امرأةٍ عظيمة عاشت جزءاً من حياتها
في عصر ما قبل الإسلام، وقضت الجزء الأخير من عمرها في عهد الإسلام. تمثال
المرأة ينتصب بشموخ حزين. قالت
أمي: - لا تقرؤوا بعيونكم، إقرأْ لنا يا أيهم
المكتوب على قاعدة التمثال. يرفع
أيهم صوته قارئاً: =الشاعرة
(تماضر بنت عمرو الشريد) الملقبة بـ (الخنساء).. -سنتعرف
اليوم على الخنساء كشاعرة وأمّ وأخت، قال أبي وتابع: =كما
قرأتم، فإنّ اسمها (تماضر) ونسبها يرجع إلى قبيلة (مضر) العربية. كانت امرأةً
ذكية. تتمتّع بنسبٍ وجمال وأخلاقٍ عالية، ولشخصيتها المتفردة، المتصفة بالشجاعة
والصدق والإخلاص والبلاغة، خطبها كثيرٌ من الفرسان، منهم الشاعر (دريد بن
الصّمّة)، لكنها لم تقبل بغير ابن عمها (رواحة بن عبد العزيز السّلّمي) الذي أنجبت
منه أربعة فرسان استشهدوا في معركة (القادسية) التي قادها البطل (سعد بن أبي
وقاص). يصمت والدي قليلاً، وكأنه يسترجع صدى تلك الحرب التي انتهت
بانتصار جيش (سعد) على الفرس. تستغلّ
أمي سكوت أبي وتقول: =ما
تزال الخنساء رمزاً للأخوة، فلقد رثت أخاها صخراً بأبيات يبكي معها الحجر:
ومع
آخر كلمة أنشدتها أمي، نسمع صوت حركةٍ غريبة تصدر من تمثال الخنساء.. بتعجب تقول
أحلام: -انظروا..
دمعٌ.. نعم دمعٌ يتساقط من عينيّ التمثال.. وبينما
نحدّق لنتأكّد مما قالته أحلام، لا ندري كيف حرك التمثال يده، ومسح دموعه، ثم
تكلّم معنا: -يسعدني
أنّ عصركم لم ينسني. أنا فخورة بكم مثلما أنتم فخورون بي. لن أدعكم تبحثون عن
سيرتي في بطون الكتب، سأخفّف عنكم بعض الوقتِ والجهد، فهل تقبلون؟ باندهاشٍ
أجبناها: -وكيف
لا نقبل.. -في
فترة ما قبل الإسلام، أو ما تُسمّى بـ (الجاهلية)، فقدتُ أخي صخراً ومعاوية نتيجة
عادات الثأر التي كانت منتشرةً في تلك الأيام. كنتُ أحبهما كثيراً، وكانا يحبّانني
كثيراً، وبعد موتهما ساءتْ حالتي، حتى دعاني، يوماً، عمر بن الخطاب (رض)، وقال لي
معاتباً: -ألا
تعلمين أنّ أخويك في النار؟. قلتُ: -ذاك
أطول لحزني، كنت أبكي لهما من الثار، وأنا اليوم أبكي لهما من النار. شهق
تمثال الخنساء بألمٍ، وامتلأت محاجره بالدموع. مسحت
أمي عيني التمثال بمنديلها الورقيّ قائلة: -عليك
أن لا تحزني إلى هذه الدرجة.. وتذكّري أبناءك الأربعة الذين قاتلوا بمنتهى الشجاعة
إلى أن ماتوا جميعاً بعدما أبلوا بلاء حسناً في ساح الحرب التي انتصر فيها
المسلمون. أتمنى أن نسمع ما قلته لأولادك قبل ذهابهم إلى المعركة. يستجمع
تمثال الخنساء رباطة جأشه، فيصدح صوت الخنساء بأمومةٍ حريصة على الإسلام ونصرته: - يا
بَنِيّ، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، فإذا ما أصبحتم غداً إن شاء الله
سالمين، فأعدّوا إلى قتال عدوّكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين. ازداد
خفقان قلب التمثال، وتعالت نبرة صوته القادمة من تلك السنين: - واستشهد
أبنائي الأربعة. وحين بلغني خبر استشهادهم، قلت بكل صبر وحكمة الحمد لله الذي
شرّفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقرّ رحمته. يقول
تمثال الخنساء ذلك وهو يبسط كفّيه للسماء، فأبسط أنا وأسرتي أكفّنا للسماء، ندعو
ونحمد الله. وحالما
يخفض التمثال يديه، يسألنا: - هل
تعرفون شيئاً عن سوق (عكاظ)؟. أخاف
أن يسبقني أبي أو أمي في الإجابة، فأسرع قائلة: - في
ذاك السوق كان يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم متنافسين. بإعجاب
يسألني التمثال: - ما
اسمك؟ بافتخار
أجيب: -اسمي
آية. -اسم
جميل مثل إجابتك. من أين لك مثل هذه المعلومة؟ هل اكتسبتها من المدرسة، أم من
مطالعاتك، أم من والديك؟ -من
المدرسة.. كما أنني أعلم بأنك زرت سوق عكاظ وأنشدت فيه (النابغة الذبياني) الشاعر
الذي كان يأتيه الشعراء لإلقاء قصائدهم أمامه كي يسمعوا رأيه في أشعارهم. -ما
دمتِ تعلمين يا آية، فماذا كان رأي الشاعر (النابغة) في قصائدي؟ -بعدما
سمعكِ، أشار بيده إلى الشاعر (الأعشى) الملقب بـ (أبي بصير)، ثم قال: لولا أنّ أبا
بصير أنشدني آنفاً، لقلتُ إنكِ أشعر منه. ضحك
تمثال الخنساء، وانحنى وقبّلني، قائلاً: -ما
أروعك يا عزيزتي آية. ثم
صفّق لي التمثال، فصفق جميع أفراد عائلتي.. وبمودّةٍ
قال والدي: -هناك
شهادة أخرى من شاعر آخر قالها بعد وفاتك، أظنّك لم تسمعي بها. بلهفةٍ
قال تمثال الخنساء: -من
فضلك أخبرني باسم الشاعر وأسمعني رأيه. قال
أبي: -اسمه
(جرير). ولقد سئل هذا الشاعر مرّةً: من أشعر الناس؟ فقال: أنا.. لولا الخنساء. دمعت
من الفرح عينا التمثال وقال: =أيعقل
هذا؟ بانفعال
قال أبي: =وكيف
لا يعقل.. كفاك تواضعاً يا إنسانتنا العظيمة. فحتى الآن، والشعراء يذكرونك.. ثم،
ألم يكن رسول الله (ص) معجباً بشعرك، وكان يستنشدك قائلاً: (هيه
يا خناس) ويومئ بيده مستزيداً… تقشعرّ
حجارة التمثال وقلبه.. تقشعرّ جلودنا.. وبعد
هنيهةٍ، يتسرّب
صوت أمي: =تروى
الكتب، أنه عندما جاء (عديّ بن حاتم الطائي) مع أخته (سفّانة) إلى رسول الله (ص)
ليدخلا في دين الله، قال عديّ: يا رسول الله، إن فينا أشعرَ الناس، وأسخى الناس،
وأفرس الناس، فقال (ص): سمّهم. فأجاب عُديّ: أما أشعر الناس فـ (امرؤ القيس بن
حُجر)، وأما أسخى الناس، فـ (حاتم بن سعد الطائي)، يقصد عُديّ والده- وأما أفرس
الناس فـ (عمرو بن معد يكرب). فقال
رسول الله (ص): ليس كما قلت يا عُديّ.. أمّا أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأمّا
أسخى الناس فمحمد (يعني نفسه)، وأمّا أفرس الناس فعليّ بن أبي طالب. بعدما
صمتت أمي، هدأ التمثال وفي عينيه تجمّدت دمعتان.. اختفتْ
حركة التمثال، ولم يعد أمامنا سوى منحوتةٍ حجرية ترمز للخنساء. بحزنٍ
سألت أبي: -بابا،
هل صمت التمثال إلى الأبد؟. حضنني
أبي بحنان وقال: -لا
تحزني يا آية. لن تصمت الخنساء ما دام هناك أناسٌ يذكرونها، ويحفظون أشعارها.. كفى
اليوم، وهيا بنا لنعود. نودع
تمثال الخنساء، ونسير في ممرات الحديقة. تركض
نسرين وراء فراشة بيضاء، ثم تقف متذكرة: -متى
ستشتري لي البسكويت والشوكولاته، آية؟ تطمئنها
أمي: -حالما
نخرج من الحديقة، سنذهب لشراء ما ترغبون بأكله. نقطع
القنطرة الضخمة، ونلتف كحلقةٍ حول أبي الذي يقول: -بعد
كل هذه الحياة المحزنة، والمشرقة بالصبر والتضحية والشعر، غادرت الخنساء إلى
البادية، حيث قضتْ بقية عمرها وهي تنشر تعاليم الإسلام، إلى أن توفّاها الله عام
(24هـ) في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وعنها. -الله
ما أجمل حياة الخنساء رغم ما فيها من آلام: قالت أختي أحلام وأمسكت يد والدي،
ومشيا أمامنا في طرقات الحديقة.. بين
مسافة وأخرى، يظهر لنا تمثالٌ لإنسانٍ عظيم، تقول أمي: -لابدّ
من أن نتعرّف عليهم في زيارات لاحقة. في
هذه اللحظة، كنّا
قد وصلنا إلى الأعمدة الأسطوانية الكبيرة، وسنغادر حديقة العظماء من باب الخروج..
بعد قليل، سيحلّ
الغروب.. وسينشد
مع الأشجار والأزهار والأعشاب والتمثال:
ما
زال تمثال الخنساء منتصباً في الحديقة.. مازال
الغروب، وكلّما زارَ الأرضَ، يُنشد…:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||