الفصول المجنونة - غالية خوجـة

قصص للأطفال - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصول المجنونة

في الأزمنة الغابرة،‏

حيث القُرى تتناثر كَعِقدِ لؤلؤ مفروط...‏

كانت الفصولُ تمرُّ على البراري والسهولِ والجبال..‏

كانت الحقولُ تعلمُ متى سيحلُّ عليها الصيف لتنحصدَ سنابلها الشقراء، ومتى سيُقيم فيها الخريف لتسقط بعض الأشجار أوراقها، ومتى سيعبرها الشتاء لتفتح ذراعيها إلى أمطاره وثلوجه، ومتى سترقص هذه الحقول مع الربيع.. وحدث في زمنٍ ما، أن تصارعتِ الفصول. كان خِلافُها يدور حول تبديل الأشهر.. الصيف يريد أن يأتي في أشهر الشتاء، والشتاءُ يريد أشهر الربيع، والخريفُ يرغب في استبدال أشهرهِ بأشهُرِ الصيف...‏

واحتدَّ الصراع بين الفصول..‏

وعندما لم يتوصّلوا إلى اتّفاق، هرع كلٌّ منهم، في اللحظة نفسها، إلى الأرض.. فوجئتِ الحقولُ بهذا الجنون..‏

ونباتاتُها وقعتْ في حيرةٍ هائلة..، والحيواناتُ أيضاً..‏

وحدها بعضُ الأشجار لم تكترثْ لهذا التغيير، كالصّبّار والزّيتون، والدّفلى والصنوبر والبلّوط والنّخيل والسَّرو..‏

غضبتِ الريحُ من هذا الوضعِ الجديد، فقرّرتْ أن تطرد الفصول كلها.‏

جلستِ النسائم والعواصف والأعاصير والزوابع تحت شجرة مشمشٍ في حقل فلاحٍ عجوز، تُخطّط لطرد الفصول إلى مقبرةٍ أو إلى وادٍ، أو حتى خارج الأرض.. ولحُسنِ الحظ، كان الفلاح العجوز موجوداً لحظتها، وكان قد وِرث طريقة التّفاهم مع الريح من والدهِ...‏

كانت الرياح تتهامس وتُخطّط بصوتٍ منخفض حينما اقترب منها العجوزُ مُحيّياً:‏

-السلام عليكِ يا رياحنا المباركة.‏

-وعليكَ السلام أيُّها الرّجل الوقور: ردّتِ الرياح باستغراب، وهبّتْ واقفة.‏

-أتمنّى أنْ لا تنفذّوا ما شرعتُم في التفكير به.‏

-ولماذا؟ سألتِ الرياحُ بغضبٍ حادّ..‏

-لأنكم إذا قتلتم الفصول، فسنموتُ جميعاً.. ألا تجدون الإقناع أفضل وسيلة؟:‏

قال العجوز بحكمة السنين التي عاشها وتعلّم منها ما يصلحُ لكلِّ موقفٍ من مواقف الحياة.‏

-أنا لا أوافقكَ: أجابت العواصف والأعاصير والزوابع.‏

-أمّا أنا، فأرى أن حلَّ الفلاّح العجوز أكثر نفعاً: قالت النسائم بثقة...‏

-هل أقنَعكِ مباشرةً؟: قالتِ العواصف والأعاصير والزوابع.‏

-لا تكونوا شرّيرين. فكلامه مناسب، لكنْ، تساءلوا، كيف سنُقنِعُ الفصول؟‏

قالت النسائم وعادت إلى الجلوس تحت شجرة المشمش.‏

سؤالُ النسائم، جعل بقيّة الريح تجلس..‏

-أتسمحون لي بمشاركتكم الجلسة؟: سأل الرجل.‏

بصوتٍ واحد، قالوا:‏

-بكلّ تأكيد.. يُسعِدُنا وجودك معنا، فأنت البشريُّ الوحيد الذي يفهم لغتنا. سيطر الصمت بُرهةً...‏

كانت النسائم تلتهم حبَّةَ مشمش، والعواصف تضع في فمها غصناً يابساً أخذته من الأرض، والزوابع، تحدّق في التربة حالمةً برملِ الصحارى.. والأعاصيرُ، تنظر إلى العجوز بتفحّصٍ.. ثم تسأله:‏

-ألديك أولاد؟‏

-منحني اللهُ ثلاثة شُبّان.‏

-وماذا يعملون؟: استفهمتِ الزوابع.‏

-يساعدونني في رعاية الحقل.‏

-هل هم أذكياء مثلك؟: بلهجة لطيفة سألتهُ النسائم.‏

-أعتقد ذلك..‏

-إذنْ، دعهم يساعدونا في عودة الفصول إلى أشهرها الطبيعيّة.‏

-لكمُ ما تطلبون..‏

اقترب الصباحُ ولم يعدِ العجوز، فقلق أبناؤُهُ عليه.. خرجوا من البيت متّجهين إلى الحقل..‏

لم تكن الطريق بين البيت والحقل بعيدةً.. دقائق أخرى، ويصل الشُّبَّانُ لاهثين.. فوجئ الأولاد الثلاثة بأبيهم جالساً تحت شجرة المشمش وهو يتحدّث مع نفسه.‏

ركض الشابُّ الكبير وقال:‏

-سلامتكَ يا أبي. لماذا تتحدّثُ مع نفْسِكَ؟‏

ثم، فوراً، قال الشابُّ الأوسط:‏

-أقلقْتَنا عليكَ جداً. هل أنتَ مزعوج من واحدٍ منّا؟‏

سأل بتردُّدٍ الشابُّ الأصغر:‏

-بماذا تفكّرُ يا أبَتِ؟ هل أستطيع مساعدتَكَ؟ هل أنتَ متعبٌ فأحملك إلى البيت؟.‏

ابتسمَ العجوزُ، وقال بهدوء لأولاده:‏

-اجلسوا..‏

كانت الرياح تُراقبُ ما يجري بين الرجل وأبنائه الثلاثة مثلما تُراقب الفصول المجنونة وما تفعله، نتيجة أنانيّتها، بالأرض.. فالثلجُ يتساقط مع انتشارِ شمسٍ صيفيّة حارقة، والبراعمُ ستتحوّل إلى أزهارٍ وثمارٍ لولا وجود الخريف الذي يُيَبّسها ويُسقِطُها بعدَما تصبح صفراءَ..‏

كلُّ ذلك كان يحدثُ في نفس الوقت.‏

ولم يقطع الرياح عن مراقبتها للفصول وغضبها منها غيرُ صوتِ الأب وهو يقول:‏

-في زمنٍ مضى كان يحكم هذه القرية إقطاعيٌّ ظالم لا تعرف الرحمةُ إلى قلبه سبيلا.. كان يضرب الفلاحين، ويطرد بعضهم، ويسجن البعض الآخر. وفي يومٍ من الأيام، جمع أهل القرية التي يملكُها، وأمرهم:‏

-يجب أن لا يبقى في هذه القرية من بلغَ الخمسين سنة فما فوق.‏

نظر أهل القرية بعضهم إلى وجوه بعضهم الآخر، كان القهرُ والصمتُ والظلمُ يمشي في عروقِ طفلهم وشابّهم وكبيرهم ونسائهم وشابّاتهم.‏

قال رجلٌ عجوز يتوّكأ على عصا:‏

-أتطردنا؟ إلى أين سنذهب؟ هل نذهب إلى الغابات المليئة بالوحوش، أم إلى الصحارى؟‏

بصوتٍ محروق، قالت إحدى النسوة العجائز:‏

-إنكَ قاسٍ، وبلا رحمة، إنكَ تدفُعنا إلى هلاكٍ مُحقَّق.‏

من بين الجمْعِ جاء صوت عجوزٍ آخر:‏

-كيف تطلب منّا أن نترك الأرض التي تربَّيْنا فيها، ثم كبرنا ونحن نزرعها ونعتني بها عشبةً، عشبة، حبّةَ تراب، وحبّةَ تراب، قشّةً، قشة، وجذراً جذراً، وجذعاً، جذعاً.. إنها أُمُّنا أو أحد أبنائنا.. كيف تأمرنا بالابتعاد عن أسرتنا والأرض التي أفنينا فيها عمرنا وأنتَ تأكلُ خيراتها، وتظلمُها وتظلمُنا.‏

قال عجوزٌ آخر:‏

-لن نغادر، ولن ننفّذ أمرك هذا، ولن...‏

وقبل أن يُكمل العجوز الأخير كلامه، أشار الإقطاعيُّ إلى حرسه، فالتفّوا حول أهلِ القرية كسياجٍ شائك.. ثم أشار الإقطاعيُّ ثانيةً، فاقتربَ الحرسُ من كلِّ الكبار في السن، وقادوهم إلى السجن.‏

وقبل أنْ يلحقَ الإقطاعيُّ بِحَرسهِ، قال لأهلِ القرية مُقهقهاً:‏

-كلُّهم سيُطردون غداً. ومَنْ سأجد في بيته عجوزاً، سأطردُ العائلة كلها معه.‏

أجهشَ الجميع بكاءً.. الأطفال يبكون آباءهم وأمهاتهم، أجدادهم وجداتهم، وكذلك الشبّان والشابّات. بعضُهم ركض وراء الإقطاعيّ يَسْترحمهُ. بعضهم بدأ يدعو الله...‏

كل ذلك كان بلا جدوى.‏

عاد أهلُ القرية إلى بيوتهم وكأنّهم يمشون في جنازةٍ جماعية.‏

لم ينَم أهل القرية في تلك الليلة. كان القمر يُرسلُ أشعّةً شاحبة، وكانت الأرض تبكي بصمتٍ رهيب..‏

كبار السن كلهم سيُطْردون غداً، ما عدا عجوز واحد ظَلَّ في بيته لأنه مشلولُ القدمين. عندما دخل ابنهُ الوحيد عليه، ركض إليه مقبّلاً قدمَيْهِ ويديه ووجهه. اقشعرَّ جسد العجوز وقبّل وجنتي ابنهِ المبلّلتين بالدموع، ثم استفسر:‏

-ما لكَ يا بُنيّ؟ ماذا يريد الإقطاعيُّ؟ ولماذا كُلُّ هذا النشيج في القرية؟‏

-لا شيءَ يا أبتِ، لا شيء..‏

-أعرف أنك لا تُخبِّئُ عني شيئاً، كما أعرف أنني ربّيتُك على الصدق.‏

مسح الشاب دموعه وجلس قرب فراش أبيه، تنهّدَ بعمقٍ، ثم قال:‏

-قبضَ الإقطاعيُّ على الكبار في السن لأنهم لا يستطيعون العملَ في أراضيه، وغداً سيطردهم.‏

دمعتْ عينا الأب، وحدّق في ابنهِ وكأنّه يسأله: وماذا أيضاً؟‏

كان الشاب يفهمُ ما يريدُ والدهُ دون أن يُفصح عن ذلك.‏

وبجوارح تبكي، وبصوت يبكي، أضاف الشاب:‏

-هدّدَ بِطردِ العائلة كلِّها فيما إذا تبيّن أن لديها عجوزاً.‏

بيأسٍ، وبمحبّةٍ، قال الأب:‏

-خذني الآن إليه.‏

أغلق الشابُّ فمَ أبيه بيده المرتجفة، وصرخ:‏

-ماذا تقول؟ لا أريد إلاّ أن يطردني قبْلكَ.‏

ابتسمَ الأب بطمأنينةٍ، وحضنَ رأسَ ابنه قائلاً:‏

-اخفض صوتك، ربّما يكون أحد جواسيس الإقطاعيّ قريباً من دارنا.‏

-سأُخفيكَ في القبو الذي نستخدمه للمؤونة، فهو مكانٌ آمن، ولن يخطرَ في بالِ أحدٍ من أهل القرية، أو من الجواسيس.‏

وبسرعةِ البرْق، أعدَّ الشاب مكاناً لوالده في تلك الغرفة وجهّزَها بكلِّ ما يلزمه. وجاء الصباحُ أسْود..‏

في ذلك الصباح طُرِدَ العجائز كلهم، فحزن الناس حزناً خالداً..‏

لكنَّ الإقطاعيَّ لم يطمئنّ إلى خُلوِّ القرية من كبار السن.‏

فَدَبّر حيلةً ماكرة. أرسل رجالاً ليقرعوا الطبول مُنادين على الشبّان والشابّات لاجتماعٍ طارئ.‏

حضر الجميع مسرعين إلى ساحة القرية حيث ينتظرهم الإقطاعيُّ الذي فتح فمه الواسع، آمِراً:‏

-كلُّكم تعرفون أرضي الغربيَّة. غداً، مع شروق الشمس، أريدكم أن تذهبوا إلى هناك لتحصدوها.‏

دُهِش الجميع من كلام الإقطاعيّ. تُرى، هل جُنَّ، أم أنه يقصد ما يقول؟‏

رجع الشبّانُ والفتياتُ إلى بيوتهم مُتهامسين حول طلب الإقطاعيّ الغريب.. ماذا وراء طلبه؟ وما السرُّ فيه؟ وكيف سيحصدون أرضاً صحراويّةً لا تنْبتُ فيها إلاّ بعض الشوكيات؟‏

أغلبهم نام بعد منتصف الليل وهو حائر.‏

تُرى، أية مؤامرة أو مكيدة تنتظرهم مع شروق الشمس؟‏

وصل الشابُّ الذي يُخفي والده إلى المنزل، وفورَ وصوله، ركض إلى غرفةِ أبيه، قبّلهُ وعلامات غير مفهومة تعتلي وجهه.‏

-ما بكَ يا بُنيّ؟‏

وأخبرَ الشابُّ والده بذلك الطلب. وما إن انتهى الابنُ من الحديث، حتى وشوشهُ العجوز بكل ما عليه أن يفعله، واختتم نصائحه وتعليماته بهذه الكلمات:‏

-بعد ذلك سيساعدك فصلُ الصيف.‏

ما زال الرجلُ الذي يفهم لغة الريح يسرد على أبنائه هذه القصة.. وحينما وصل إلى كلمة فصل الصيف، هدأ الصيفُ، وجلس مع أولاد الفلاح ومع النسائم والعواصف والأعاصير والزوابع تحت شجرة المشمس.‏

أهّل وسهّلَ الجميعُ بفصلِ الصيف، ثم تابعَ الرجلُ حكايتَهُ:‏

-ومع شروق الشمس، كان الفتيان والفتيات جميعاً في الأرض الغربيّة. وكان الإقطاعيّ يقف على هضبةٍ مرتفعة منها، وبصوتٍ حادّ يقول:‏

-هيّا اعملوا، ما لكم تقفون كالبُلهاء؟ هيا احصدوا سنابل القمح الذهبية.‏

كانت عيون الحاضرين ذليلة.. لا يعرفون ماذا يفعلون..‏

وفجأة،‏

صاحتْ إحدى الفتيات:‏

-هل جُنِنْتَ؟ ألا ترى أنه لا أثر للسنابل هنا؟ ألم تعد تميّز بين الصحراء والحقول؟‏

طبعاً، قبض عليها حرّاس الإقطاعي وسيضعونها بين القضبان حتى الصباح التالي حيث سيشهد الجميع طرْدَها...‏

وحْدَهُ ذلك الشاب كان قد أحضر معه منجلاً، كان يحزم بيده الهواء كما يحزم الحاصدُ السنابلَ، ثم يضرب منْجِله، ليقطع سوق السنابل. حصد صفّاً من الهواء وكأنه يحصد قمحاً حقيقياً. ثم حصد صفّاً آخر من الهواء، وعندما بدأ يحصد صفاً ثالثاً، صاح به الإقطاعي:‏

-أنتَ.. تعالَ إليَّ.‏

اقتربَ الفتى غير خائف، ووقف على مقربة من حصان الإقطاعي.‏

-ماذا تفعل؟‏

-أحصد.. أنفّذ أمرَكَ.‏

-أين ما حصدته؟ لماذا لم تأكلْ منه؟‏

ذُهِل الحاضرون. لكنّ الفتى عاد إلى المكان الذي وصلَ إليه وهو يحصد وتابعَ صفاً ثالثاً من سنابل الهواء. في هذه اللحظة، اقتربَ فصلُ الصيف من الشاب وأخبرهُ ما الذي سيفعله.‏

وضع الفتى المنجلَ على الأرض، ودعك كفَّيْهِ كمَنْ يدعك بضعَ حباتٍ من القمح، ونفخَ عليها لتطيرَ قشورُها، وكمن يأكل حنطةً حقيقية يضع ما في كفّيْهِ من هواءٍ في فمه، ويمضغ..‏

يتعجّب الإقطاعيُّ من هذا الفتى، ويُناديهِ قائلاً:‏

-من علّمَكَ كلَّ هذا؟‏

يحاول الشاب إخفاءَ ارتباكه، ويجيب:‏

-كما تَرى، لم يُعلّمني أحد.‏

-وحدك ستأتيني غداً بعد الظهر إلى قصري، مُحضراً معك أخلصَ صديق، وألدَّ عدوّ، وخيرَ من يكتمُ سِرّاً.‏

وصل الشاب إلى بيته كئيباً، محزوناً، وباكياً..‏

أدرك والده العجوز المشلول ما يعتري ابنه، وقال:‏

-هل استنتجتَ شيئاً؟‏

كانت دموع الفتى الحرّى تقطع إجابته بين كلمةٍ وأخرى:‏

-نعم يا أبي لقد استنتجتُ أنّ الإقطاعي يريد أن يعرف هل هناك رجلّ عجوز في قريتنا، أم أنه قد طردهم جميعاً.‏

هزّ الشيخ الكبير رأسهُ، ومُكفكفا دموع ابنه قال:‏

-ماذا طلب منك بعد ذلك؟‏

-كأنك كنت معي. لقد طلب مني أن أُحضر له أخلص صديق، وألدّ عدوّ، وخير من يكتم سراً.‏

ضحك الرجل، وقال:‏

-لا يوجد أسهل من هذا الطلب.‏

فتح الابنُ شدقيهِ على مصراعيهما متسائلاً:‏

-وكيف؟‏

-هاتِ أذنكَ.. فأنتَ تعلم بأنّ للجدران آذاناً.‏

ومع إشعاعاتِ الشمس الأولى قبّل الفتى يد والده مغادراً إلى حيث أرشدَه..‏

ركض الشاب في طريق وعرةٍ ستوصلهُ إلى جبلٍ فيه مغارةٌ. لاهثاً، دخل المغارة ليقابلَ فصل الشتاء.‏

عندما ذكر الفلاّحُ اسم الفصل الذي سيقابله الفتى، جاء فصل الشتاء إلى المجتمعين تحت شجرة المشمش، واستأذنهم بالجلوس، فرحّبوا به ضيفاً عزيزاً، صافح فصل الصيف، وأصغى لبقيّةِ الحكاية:‏

-كان فصل الشتاء جالساً على صخرةٍ في المغارة يُهيّئ نفسه لأشهُرهِ. ضوءُ المصباح الذي يحمله الفتى أفزعه قليلاً، وحين أخبره الشابُّ بأنّ والده أرسله إليه ليجيبهُ عن سؤاله، اعتزّ الشتاءُ بنفسه، وجلس كحكيمٍ هرمٍ على صخرته مستمعاً للسؤال:‏

-مَنْ برأيكَ أخلص صديق لي، أو لأيّ إنسان؟‏

-هل لديكم في البيت كلب؟‏

-نعم، فأنت تعرف أنّ أهل القُرى لا يستطيعون العيش بلا الحيوانات، كالغنم والماعز والإبل والبقر، والدجاج، وخاصة الكلب.‏

-هل وصلكَ الجوابُ؟: سألَ الشتاءُ الفتى.‏

-بكلِّ تأكيد، أشكرك.‏

ثم أسرع الشاب إلى النبع المتدفّقِ من الأرض المقابلة للجبل، حيث الربيع يغسل وجهه في المياه الباردة، النقيّة..‏

-أسعدتَ صباحاً يا فصلَ الربيع: سلّم الفتى.‏

-وصباحُكَ سعيد: رَدَّ الربيعُ.‏

وبينما يُحدِّث الرجلُ أبناءه الثلاثة والرياح وفصل الصيف والشتاء، بهدوءٍ انضمَّ إليهم فصلُ الربيع ليستمع:‏

سأل الفتى:‏

-منْ ألدّ عدوّ؟‏

نظر فصل الربيع مَليّاً في الأفق، مُنقّلاً بصره بين السماء والجبل والنبع، ثم أجاب:‏

-هل في بيتكم خادم؟‏

-أيعقل أن يكون عدوَّنا خادمنا الذي نعامله أنا وأبي كأخٍ عزيز؟‏

ودّع الشاب فصلَ الربيع غير مصّدقٍ ما يسمع، واتّجه راكضاً بأقصى قواه إلى المكان الأخير الذي دلَّهُ والده العجوز عليه. قطعَ الفتى الأحراج ووصل إلى غابة مليئة بمختلف الأشجار، كان الخريفُ يجلس على أحد الأغصان العملاقة يُحصي الأوراقَ التي سيسقطها. رمى الشاب التحية على فصل الخريف الذي ردَّها بتحيَّةٍ حارة.‏

هنا، انسحبَ فصلُ الخريف الواقف وحيداً خلف شجرة المشمش، انسحب من وحدته، ومبتسماً جاء ليشارك الجميع في الجلسة.‏

نظر العجوز صاحبُ الحقل إلى الرياح المجتمعة حوله، وإلى الفصول التي نسيت صراعها والتفّتْ حولها، وبسرورٍ أكمل:‏

مرهقاً: سأل الفتى الخريف:‏

-قصدتُك لأجل هذا السؤال: مَنْ هو خير من يكتم سِرّاً؟‏

قهقهَ الخريف. قفز من الغصن إلى التربة، وأجاب:‏

-ألمْ يخطرْ لك بأنّ الحمار لا يفقه شيئاً. لذلك هو خير من يكتمُ سرّاً؟‏

ثم عاد الخريف إلى الغصن، ودموعهُ من كثرة الضحك كانت تُبلّل وجه الشاب.‏

بغتةً، صمت العجوز، ولم يتابع القصة.‏

-لماذا تصمت؟ من فضلك إحْكِ لنا ما حدث بعد ذلك؟: سألتِ الرياحُ والفصول.‏

قال العجوز بكلِّ إصرار:‏

-لن أخبركُم قبل أن تتصالحوا جميعاً.‏

عندئذٍ، فهِمَ أولاده الثلاثة أنه كان يتكلّم مع الرياح والفصول، فاعتذروا منه، مُتمنّين أن يحكي لهم ما جرى بعد ذلك.‏

-حسناً يا أبنائي، سنتابع، ولكنْ، ليس قبل أن تتصافى الفصول والرياح.‏

نهضتِ الفصول باحترام وتصافحت وقبّل بعضها بعضاً، وكذلك فعلتِ النسائم والعواصف والأعاصير والزوابع. ثم كلٌّ من الرياح والفصول تعاهدوا على محبّةٍ تُقاوِمُ كلَّ الظروف.‏

-هل كلّ منكم راضٍ الآن بأشهره؟‏

بصوتٍ واحد، أجاب الصيف والشتاء والربيع والخريف:‏

-بل نحن فرحين بأشهُرِنا.‏

-وأنتِ يا رياح، هل نزعتِ النقمةَ من قلبك؟.‏

-لا نقمة على أحد بعد الآن.‏

-إذنْ، إليكم خاتمة القصة:‏

قبل الظهر، عاد الشاب إلى والده. كان الأب العجوز يعرف الأجوبة، لذلك، قال لابنه:‏

-لا وقت لديك خُذِ الكلبَ والخادمَ والحمار واذهبْ إلى قصر الإقطاعي.‏

تماماً، بعد الظهر، كان الفتى قد وصل إلى القصر.‏

من الشرفة المزركشة، قال الإقطاعي:‏

-هل أحضرتَ ما طلبتُهُ منك؟‏

-نعم، فهذا الكلبُ هو أخلص صديق.‏

-وما دليلُكَ؟.‏

ضربَ الفتى كلبَهُ بالعصا، فهربَ بعيداً، ثم صاحَ عليه الشابُّ رامياً العصا على الأرض، قائلاً:‏

-هاتِها..‏

حمل الكلب العصا بين أسنانه ووقف أمام الشاب.‏

-أَأُخبركَ من هو كاتمُ سرّي؟.‏

-لو لم أكن أريد ذلك، لمَا طلبتهُ منك.‏

اقترب الفتى من الحمار، وهمسَ في أُذنه، ثم قال للإقطاعي:‏

-اسألهُ ما أسررتُ له.‏

بُهِتَ الإقطاعيُّ من ذلك، وقبلَ أنْ يتفوّهَ، قال الشاب:‏

-ستعلم الآن مَنْ هو ألدّ الأعداء.‏

أخذ الشاب العصا من فم الكلب، وضربَ بها خادمَهُ الذي قفز وصرخ:‏

-يا سيدي العزيز، إنه يُخبّئُ والده العجوز، المشلولَ في بيته، في غرفة المؤونة.‏

باحَ الخادمُ بالسرِّ، فاصْفرَّ وجه الفتى ليس لأنَّ الإقطاعيَّ سيطردهُ، بل، لأنه سيطردُ والدهُ.‏

بلمحِ البصر، غاب الإقطاعيُّ عن شرفتهِ، وظهرَ أمام الفتى الخائف.‏

-هيا إلى بيتكم: بلهجةٍ غير غاضبة خاطب الإقطاعيُّ الشاب.‏

كلٌّ منهما ركب حصانَهُ ولم يتكلّما معاً طوال الطريق.‏

دخل الشاب على والده شبهَ منهار، ووراءه يقف الإقطاعي.‏

رحّبَ والدُ الفتى بضيفهِ وطلبَ من ابنهِ أنْ يقدّمَ له شيئاً يشربه.‏

جلس الإقطاعي قرب فراش العجوز، وبحزنٍ قال:‏

-اعذرني يا شيخنا المبجَّل، فقبل الآن، لم أكن أدرى بأنَّ لكبار السنّ كل هذه الأهمية. تعلّمتُ منك أن أكون منذ الآن رجلاً آخر، وكم أنا مرهق الروحِ من ظلمي للناس ومن طغياني. كنتُ أحسبُ أنّ المُلْكَ وحده يجعلني قوياً، آمراً، ناهياً.‏

-ربما سيعذرك أهل القرية عندما ستُلَبّي ما أطلب منك، فهل تسمح بأن أصرّح عن ذلك؟.‏

بيدَيْنِ تهزّان صينية الشاي، دخل الفتى على والده وضيفه.‏

تناول الإقطاعيُّ كأسَ الشاي شاكراً. استغربَ الفتى تصرُّفات الإقطاعي الغريبة.‏

تُرى، هلا فعلاً هو مجنون، أم أنه أصبح عاقلاً؟: همسَ الشاب في نفسه، وجلس.‏

-وما طلبُكَ أيها الشيخ؟‏

-هل تَعِدُني بتنفيذه؟‏

-أعِدُك..‏

-أن تصبح رجلاً خيّراً، وأن تُعيدَ الناس الذين طردتهم جميعاً، وأنْ تعيش بين أهل القرية وكأنك واحد منهم.‏

-أهذا كل شيء؟‏

-نعم، هذا كل شيء.‏

-لك ما تريد، لكن مقابل شرط.‏

-ما هو؟‏

-أن تأتي أنتَ وابنُكَ وتقيمان معي في قصري.‏

يرغب الجالسون تحت شجرة المشمش بانتهاء الحكاية، لكنّ الرجل العجوز الذي كان يَسْردُها لأبنائه وللريح وللفصول، ولكَ، قال:‏

-وهكذا انتهتْ هذه القصةُ التي وجدَها يوماً والدي في أرضه.‏

-وهل توجد في الأرض حكايات؟: استفهمتِ الرياح.‏

بهدوءٍ أجاب الرجل:‏

-لقد وجدها والدي مكتوبةً على لوحٍ طينيّ، دفنتْهُ عواملُ الطبيعة، من فصول ورياح وسنوات.‏

كانت الشمسُ قد توسّطتِ السماءَ، وتلألأتْ صافيةً على حقل العجوز الذي نهض مُودِّعاً الرياح والفصول، سالكاً مع أولاده الثلاثة طريقاً ستؤدّي إلى بيته.‏

ومنذ تلك اللحظات،‏

وبعدما سمعتِ الفصولُ هذه الحكاية،‏

صارت تأتي في مواعيدها على مَرّ السنين..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244