شُمُوسٌ لا تَغيبُ - تأليف: محمد بري العواني

مسرحيتان للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

(فجأة يظهر من وراء الستارة الشاعر الغزال رافعاً صوته، ساخراً، وبذلك يفاجئ الجميع).‏

الغزال : مهلاً يا أبا الحسن!!‏

زرياب : (دهشاً) الشاعرُ الغزالُ؟! كيفَ دخلْتَ علينا ومتى؟!‏

الغزال : أمَّا كيفَ دخلْتُ فقدْ تسلَّلتُ، وأمَّا متى.. فمنذُ اللحظةِ الأولى لتدريباتِكُمْ.‏

زرياب : لماذا؟!‏

الغزال : أحببتُ أن أعرفَ كيفَ تُجُرونَ تدريباتِكُمْ على فنونِ الشِّعرِ والغناءِ والعزفِ والرقصِ والتعبيرِ.‏

زرياب : إذنْ: فقدْ دخلْتَ مَعْهَدَنا مِنْ دونِ استئذانٍ، وهذا مخالٍفٌ لأوامرِ اللهِ.‏

الغزال : اعذُرْني يا أبا الحسنِ على ذلك، لأنَّ رغبتي في المعرفةِ غلبتَنْي.‏

زرياب : بهذا عذرناكَ.‏

الغزال : غيْرَ أنّي أرى شِعْرَ غنائِكُمْ ضعيفاً، سخيفاً، عامِّياً، وبذلكَ متَّعتُ نفسي بعضَ المِتْعَةِ.‏

زرياب : باللحنِ فقط؟!‏

الغزال : بلى.. ولكنْ، كأنَّ اللحنَ ليسَ لكَ!!‏

زرياب : بلْ هو لي. غيْرَ أنَّ فيهِ بِدْعَةً جديدةً.‏

الغزال : (يبتسم بدهاء) خِفَّةُ الوزنِ، وبساطةُ اللغةِ، وقُرْبُها مِنْ لغةِ الناسِ، وتآلفُ نَغَماتِها، وتقارُبُ مخارج الأصواتِ...‏

زرياب : أَصَبْتَ أيُها الغزالُ. والشِّعْرُ؟!‏

الغزال : (بخبث ومكر) كأنكَ لا تحبُ قُرْطُبَة!!‏

زرياب : (دهشاً من الهجوم المفاجئ).. أنا؟!!!‏

(يندهش الجميع فتسري همهمات ودمدمات بين الطلاب من كلام الغزال؛ ومن هجومه الجريء على أستاذهم ـ يلتفت الغزال ـ وسط هذه البلبلة ـ إلى الطلاب متابعاً بدهاء وسخرية).‏

الغزال :أما كنتمْ تغنّونَ هكذا،(يغني بصوت نشاز مقصود)،وأَعيديني إلى مهوى فؤادي؟!!‏

زرياب : (منزعِجاً؛ رافعاً صوته)، ما هكذا كانوا يغنّون يا غزالُ، ثمَّ إنَّ غناءَنا تمجيدٌ للأرضِ التي وُلِدْنا عليها.‏

الغزال : (بدهاء) ها هااااا.. قُلْتَها بلسانِكَ!!‏

زرياب : ماذا تعني؟!‏

الغزال : إنَّكَ تُحِبُّ بغدادَ أكثرَ مِنْ قُرطُبَةَ!!‏

زرياب : (مصعوقاً) كلاّ يا غزالُ، كلاّ!!..‏

الغزال : (بصوت بارد) بغدادُ يا زريابُ طرَدَتْكَ فقيراً مُعْدَماً تحتَ جُنْحِ الليلِ.‏

زرياب : (بصوت مكتوم) بلْ طَرَدَني إسحاقُ الموْصِلِّيُّ.(3) (صمت قصير) أستاذي!!!‏

الغزال : لأنكَ غَدَرْتَ بهِ عندَ الخليفةِ هارونَ الرَّشيدِ وَخُنْتَهُ(4)!!!‏

زرياب : (غاضباً) لم أفعلْ، لم أفعلْ!!‏

(يبدأ الطلاب بمغادرة الصالة إلى الزوايا، بعضهم يختفي خلف الستائرِ، واضح أنهم لا يريدون أن يسمعوا افتراءاتِ الشاعرِ الغزالِ على أستاذهم وربما لكي يُتيحوا له حريةً أفضلَ للدفاع عن نفسه، فيصرخ بهم زرياب....).‏

عودوا إلى أماكِنِكُمْ واسمعوا ما أقولُ، فليسَ في حياتي عملٌ يُسِيءُ إلى أخلاقي. (يبدؤون في العودة إلى أماكنهم...).‏

الغزال : (ببرود) نافَسْتَهُ في الغناءِ والعزفِ، وادّعاءِ العلمِ الواسعِ فسَرَقْتَ منهُ إعجابَ الرشيدِ بهِ!!‏

زِريابَ : وهلْ تريدُني أن أَدْفُنَ موهِبةً عظيمةً وهَبَني إياها اللهُ سبحانَهُ، فانكشفَ أمري بها أمامَ الرشيدِ؟! ثم كيفَ أسْرُقُ إعجابَ الخليفةِ بهِ وَهو معلمي وأستاذي؟!!!...‏

الغزال : ألم ترفُضِ العزفَ على عودِ أستاذِكَ؟! أليسَ هذا خيانةً لهُ؟!‏

زرياب : كلاّ. بلْ فعلْتُ ما فعلْتُ لأنَّ لي عوديَ الخاصَّ.نَحَتُّهُ بيديَّ بما يتناسبُ مع أفكاري الموسيقيةِ، وأحلامي في الغناءِ والتلحينِ المحْدَثْينِ!!‏

الغزال : (للطلاب) أتسمعونَ.. (لزرياب) هلْ تَعْني أنَّ إسحاقَ كان تقليدياً قديماً، لا يتطورُ في ألحانِهِ وغنائِهِ ولا في آلاتِهِ ومعازِفِهِ؟!..‏

زرياب : (بثقة) إنْ كنتَ تريدُ ذلكَ فجوابي نعمْ!!.. وأما أنا فلي مَذْهَبِي الخاصُّ.‏

الغزال : أنتَ إذنْ مِنْ أنصارِ الأميرِ إبراهيمَ ابنِ المهديِّ(5)!!!‏

زرياب : أليسَ هو أخا هارونَ الرشيدِ؟! أليسَ هو موسيقاراً بارعاً. (لطلابه) اسمعوا يا أبنائي. كان إبراهيمُ بنُ المهدي موسيقاراً مجدِّداً حديثاً، يتطورُ مع تطور الحياةِ الاجتماعيةِ في بغدادَ.‏

الغزال : (يقاطعهُ) كما يتطورُ شعرُ أبي نُواس(6)، (صمت شبه طويل.. ثم) أليسَ كذلكَ؟!!‏

زرياب : (بدهشة) كأنّك تهاجِمُ التطورَ في الآدابِ والفنونِ يا غزالُ، وشِعْرُكَ مثلُ أشعارِهِمْ، كيفَ أُصدِّقُ ذلكَ؟!!..‏

الغزال : أنا أتكلَّمُ عن خِيانَتِكَ لأُستاذِكَ!!‏

زرياب : (يصرخ) أنا لم أَخُنْهُ وأنتَ تعلمُ ذلكَ. بل هو الذي غارَ منّي وحَسَدَني على إبداعي، ولا أظنُّ أنَّ مُعلمي إسحاقَ كان سيرضى عَنْ اختراعي لعوديَ الخاصِّ بي، ولا عَنْ ألحاني، لأنها ليسَتْ من مدرَسَتِهِ.‏

الغزال : كانَ يجبُ ولاءً لـهُ، أنْ تُعلِمَهُ باختراعاتِكَ.‏

زرياب : كان سيرفُضُها، وأنا الذي سَهِرْتُ من أَجْلِهَا اللياليَ، بلْ كان سَيَـ....(ويسكت زرياب فجأة...).‏

الغزال : كانَ ماذا يا زريابُ؟! هل كانَ سيدَّعِيها لِنَفْسِهِ؟! أتعني أنه كانَ سَيَسْرُقُها؟ أنتَ تَهْذي إذنْ.‏

زرياب : أنا لا أَهْذي يا غزالُ، مُعلِّمي لم يكنْ في حاجةٍ إلى شهرةٍ، لكنّهُ خافَ على نفسِهِ، واْعلمْ ـ (لطلابه) واعلموا جميعاً أن اختراعاتي أفزعَتْهُ لأنها جديدةٌ لا يعرِفُها هو. لهذا غارَ مِنْ إعجابِ الخليفةِ بي، وحَسَدني. (يضغط على كلماتِه)، وها أنتَ الآن يا غزالُ تشْبه، للأسفِ، أستاذيَ وتغارُ مِنّي وتحسُدُني بسببِ حبِّ الأميرِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحكمِ لي وتفضيلِهِ إيَّايَ على غيري!!‏

الغزال : أغارُ منكَ أنتَ وأنا الشاعرُ الرقيقُ، والسفيرُ الناجحُ؟! يابنَ نافعٍ سأنقلُ لمولانا الأميرِ ما سمِعَتْ أذنايَ مِنْ غناءِ طُلابّكَ ومِنْ صريحِ أقوالِكَ!!‏

زرياب : اسِمَع إذن يا غزالُ: طلابي ينتظرونَ دروسي وأنتَ تُعطِّلنا.‏

الغزال : (وقد فاجأهُ كلام زرياب وجرأته) أَتطرُدُني يا زريابُ؟!!‏

زرياب : (ينادي) منصور!!‏

منصور : (يسرع ويقف أمام أستاذه) نعمْ ياسيّدي!!‏

زرياب : (بجفاء) رافقْ شاعِرَنَا إلى البابِ، واحْرَصْ على وداعِهِ.‏

(لحظات من الصمتِ تمرّ بطيئةً، ثم يندفع الغزال الشاعر مسرعاً نحو باب الخروجِ وفجأة يتوقف، ويلتفت إلى زرياب).‏

الغزال : ستدفعُ الثمنَ غالياً يا زريابُ. (ويخرج سريعاً لكن منصوراً لا يلحق به، بل يبقى واقفاً في فتحة الباب. صمت بين الجميع وزرياب مطرق برأسه قليلاً).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244