شُمُوسٌ لا تَغيبُ - تأليف: محمد بري العواني

مسرحيتان للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
المشهد الثالث

المشهد الثالث

               (فجأة، يندفع زرياب نحو عوده، ويعزف بضعة أصواتٍ بسرعةٍ، وينشد بصوت قوي حزين).

زرياب        :

أيُّهذا الزَّمانُ أَشْقيْتَ عُمْري

زَاغَ (7) منّي الأمانُ وانْهَدَّ صَبْرِي

يا إلهي، ضِعْتُ مِنْ شَرٍّ وَغَدْرِ

               (لقد أدهشَ غناءُ زريابَ بهذا الأداء التعبيريِّ المبهرِ جميعَ الطلاب ـ يتقدم إبراهيم بحذرٍ من زرياب، وكأنه يواسيه).

إبراهيم        : كأنَّكَ حزينٌ يا معلمي؟!!

زرياب        : بل أنا مقهورٌ يا إبراهيمُ. ولهذا تراني أُغنِّي بصوتٍ قوي ومُلْتَاعٍ كمنْ يستغيثُ لِيَسْمَعَ الناسُ جميعاً.

إبراهيم        : هذهِ فائدةٌ عظيمةٌ يا سيِّدي، تجعلُ مِنْ آلامِكَ دروساً لنا؟!!

زرياب        : نعم... التعبيرُ عمّا نُحِسُّ ونَشْعُرُ ونعاني بالغناءِ.(يلتفت إلى الطلاب) أليسَ  الغناءُ ـ والفنونُ  كلُّها ـ تعبيراً عن تجارُبِنا في الحياةِ؟! (صمت.. يعزف زرياب بضع نغماتٍ رقيقةٍ، حزينةٍ لكنها قصيرة.. ويغني، بينما ترافقه بعض آلات الإيقاع...).

 

مَنْ نصيري مِنْ حَقُودْ

 

مَنْ مُجيري(8) مِنْ حَسُودْ

 

 

مَنْ صديقي في العُهُودْ

 

مَنْ سميري(9) في أنيني

 

 

 

فاهْدَئِي يَا عَيْنُ إنَّ الغَدْرَ يَفْنَى لا يَسُودْ

 

إبراهيم        : (مشجعاً) اللهُ.. الله.. ما أجملَ هذا الغناءَ في هذا الكلامِ. واللهِ ما علَّمنا أحدٌ كما تُعلِّمنا يا سيِّدي

زرياب        : (مسروراً بالمديح): شكراً يا إبراهيمُ، شكراً لكمْ وأرجو أنْ نعودَ إلى دروسِنا.

منصور       : (وهو يقفز في الهواءِ من الفرح، يصرخ)، إلى النَّوبة الموسيقيَّةِ.

زرياب        : هل أتقنتَها يا منصور؟!

سلمى         :  (بفرح، تمازح منصوراً)، إنه يتقنُ نوبةَ الملاعقِ والصُّحونِ والطناجرِ.

زرياب        : (بدهشة) نوبة الملاعِقِ.. ماهذهِ؟!!

منصور       : (مرتبكاً) هيَ.... أعني... (لا يجد كلاماً يقوله...).

زرياب        : ماهيَ يا سلمى؟!..

منصور       : هيَ يا سيدي لحنٌ للمِتْعَةِ والضَّحِكِ وتفريحِ النَّفْسِ والبدَنِ!! صَدِّقْني!!

سلمى         :  (تمازح منصوراً) هو في الحقيقةِ لا يُتْقِنُ سوى نوبةِ الملاعقِ والصحونِ!!!

منصور       : أنا؟!!!

زرياب        : أحقاً يا منصورُ؟!!

منصور       : لا ياسيدي، إنهمْ يغارونَ منّي، ويَحْسُدونَني لأنَّني...

زرياب        : (يقاطعه بقوة) كفى، كفى..

منصور       : (بدهشة) عفواً يا سيدي.

زرياب        : (كمن لا يصدق) هل سَمِعْتُكَ تذكُرُ الحَسَدَ والغَيْرَةَ؟!

منصور       : (مرتبكاً) نَعَمْ...

زرياب        : (غاضباً) لا أُريدُ أنْ أسمعَ هذا الكلامَ هنا أبداً. (يدور بين الطلاب بحماس ظاهر) الأخلاقُ مبدَؤنا والمحبةُ رائِدُنا. فلا حِقْدٌ بيننا ولا كراهيةٌ. هذا هو الفنانُ، إنسانٌ عظيمٌ لأنهُ كريمٌ وعفيفٌ. يسعى وراءَ الجمالِ واللَّطافةِ والرَّهافةِ بصدقٍ ومحبَّةٍ.

منصور       : عفواً يا معلمي. إنها زلَّةُ لسانٍ أحْمَقَ!!

زرياب        : أعرِفُ ذلكَ، ولكنْ عليكَ أن تعتذرَ لسلمى!!

سلمى         : أسامِحُهُ إذا غنَّى لنا نوبةَ الملاعقِ.

زرياب        : رغمَ أنّني لا أُحِبُّ الغناءَ الهابطَ فإنّني سأَسْمَعُ نوبةَ ملاعقِ منصورٍ، ولكنْ بعْدَ أنْ نعرِفَ منهُ ماهيَ نوبَتُنا الموسيقيةُ، إنْ كانَ يعرِفُها!!

منصور       : (بفرح وحيوية لأن أستاذه سامحه) النوبةُ يا سيِّدي هي أسلوبٌ، أو... طريقةٌ في الغناءِ اخْتَرَعَها أستاذُنا زريابُ.

زرياب        : (يطرق برأسه إلى الأرض متأملاً وشابكاً ذراعيه خلف ظهره ـ يهز رأسه).. آا... اخْتَرَعَها... لا بأسَ بهذا الكلامِ. ولكنْ، كيفَ كانَ الغناءُ قبلَ ذلكَ يا منصورُ؟!!

منصور       : كانَ يا سيدي أيامَ الرشيدِ يتألّفُ مِنْ مجموعةِ مغنّينَ  يغنّونَ وراءَ بعضِهِمْ على التوالي، أَعني بالدَّوْرِ. وكانَ كلُّ مغنٍّ مختصّاً بنوعٍ مُحَدَّدٍ من الغناءِ. أمَّا أنتَ فمختلفٌ عنهمْ جميعاً.

زرياب        : أحسنتَ يا منصورُ..

منصور       : هل أتابعُ يا سيدي؟!

زرياب        : بل نستمعُ إلى سلمى.

سلمى         :  طريقَتُنا يا سيدي أننا نبدأُ نَوْبَتَنا بالنَّشيدِ الثقيل مِنَ الأوزانِ والنَّغَمَاتِ، ثم نَخْرُجُ منها إلى الألحانِ البسيطةِ، فالأهزاجِ المرقِّصَةِ فالنَّشيدِ المرْسَلِ.

منصور       : بهذا الاختراعِ يا سيدي لتسلسلِ الأنغامِ والأصواتِ والإيقاعاتِ وأساليبِ الغناءِ تفوَّقْتَ على أساتِذَتِكَ جميعاً!!..

زرياب        : لا يا منصورُ، بلْ تعلَّمْتُ مِنْهُمْ، وعلى علومِهِمْ  بَنَيْتُ علمي، ولولاهُمْ ما كنتُ ولا كنْتُمْ!!

منصور       : لكنَّكَ فتنْتَ الخليفة الرشيدَ، يومَ غنَّيتهُ بأسلوبِكَ الجديدِ على عودِكَ، ما أدْهَشَهُ، فأوصى بكَ إسحاقَ..

زرياب        : صَدَقْتَ يا منصورُ، يومَها غنَّيْتُ كما لم أُغَنِّ مِنْ قَبْلُ أبداً.

سلمى         :  صوتُكَ يا سيدي هِبةُ اللهِ، ولهذا سمَّاكَ أهلُ الفنِّ زريابَ تشبُّهاً بطائرٍ أسودِ اللونِ جميلِ الصّوتِ.

               (صمت طويل بين زرياب والطلاب، وبحركة خفيفة هادئة يسير زِرياب نحو طاولته والعود بين يديهِ. وكأنه يتذكر أيام بغداد...)

زرياب        : يومَهَا عزفْتُ على عودي...(يعزف بضعة أصواتٍ ثم يتوقف ويتنهد).

إبراهيم        : هل اسألُ  ياسيدي ؟!

زرياب        : نعمْ يا إبراهيم؟!

إبراهيم        : لماذا لمْ تَعْزِفْ على عودِ معلِّمِكَ؟!!!

زرياب        : لقد سألَني الخليفةُ الرشيدُ هذا السؤالَ. بل إنّهُ لمْ يستَطِعْ أنْ يُفرِّقَ بين عودي وعودِ معلمي. كانا متشابهِينِ مِنْ حيثُ الشَّكلُ.

سلمى         : برغمِ عِلْمِهِ ومعْرَفتِهِ؟!

زرياب        : لا يعرفُ ذلك سوى أهلِ الفنِّ يا سلمى، وبالتَّجْرُبَةِ!!!

منصور       : لَمْ أفهمْ!!

زرياب        : انظروا إلى عودي. (ينظرون جميعاً باهتمام) الخشَبُ هو نَفْسُهُ، لكنَّهُ أخفُّ ثلثَ وزنِ عودِ إسحاقَ. وأما أوتارُهُ فَمِنَ الحريرِ الذي لَمْ أَغْسِلْهُ بماءٍ ساخنٍ حتى لا ترتخيَ فتصْبَحَ أُنثى. وأما هذانِ الوترانِ (يشير إلى الوترين العلويين) فقد صَنَعْتُهُمَا مِنْ مُصْرانِ شِبْلِ أسدٍ، إذا عزفْتُ عليها بالمِضْرابِ أصدرتْ رنيناً حُلواً وصفاءً مُدْهِشاً. وأوتارُ المصْرانِ هذه تتحمَّلُ الضرْبَ والعفْقَ بمضرابِ الخشبِ. مع أننا الآن  نستخْدِمُ ريشةً مِنْ جناحِ النَّسْرِ.

إبراهيم        : ونحنُ ـ والتاريخُ ـ لن ننسى إضافَتَكَ الوترَ الخامسَ الذي زِدْتَ بهِ مَساحةَ الغناءِ والأنغامِ في مختلف الطبقاتِ. فاكتسبَ العودُ قدرةً تعْبيريةً جديدةً وطاقةً فريدةً.

منصور       : ولن ننسى يا سيدي اختراعكَ وتطويرَكَ لأَداءِ الفرقةِ الموسيقيةِ  ومجموعاتِ الغناءِ، وأساليبِ التدريبِ الحديثةِ!!..

سلمى         : وفنَّ ارتداءِ الملابسِ بِحَسْبِ الفُصولِ، وتزيينَ الشَّعْرِ وآدابَ الطعامِ. وغيرُ ذلك كثيرٌ ياسيدي.

زرياب        :  (يتنهد) ومع هذا فإنهُمْ يغارونَ مني ويَكيدونَ لي وأنا بعيدٌ عن السياسيةِ.

منصور       : الصبْرُ يا سيدي صفةُ المؤمنين!!!

زرياب : سامَحَكَ اللهُ يا إسحاقُ، غيرَ أنَّكَ نَفَعْتَني بعلْمِكَ، وَبِطَرْدِكَ  إيَّايَ مِنْ بغدادَ.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244