شُمُوسٌ لا تَغيبُ - تأليف: محمد بري العواني

مسرحيتان للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهدُ الأوّل

المكانُ برِّيةٌ قفراءُ إلاّ منَ الأشواكِ والحجارةِ. والشَّمسُ في وَسطِ السَّماءِ تُحرقُ الوجُوهَ.‏

مجموعةٌ من العربِ الفلسطينيينَ المطرودينَ مِنْ قُراهُمُ التي دمَّرها الصهاينَةُ تحطُّ رحالها هُنا. لقدْ أنْهكهمُ السَّيرُ الطَّويلُ، ونالَ منهمُ العطشُ والجوعُ والتَّعبُ- أطفالٌ يبكونَ...‏

في مقدِّمةِ المجموعةِ رجلٌ عجوزٌ يتوكَّأُ على عُكازٍ منْ غصنِ شجرةٍ.‏

وفجأةً تدَّوي صرخةٌ لامرأةٍ شابَّةٍ كانتْ تجُرُّ نفسها جرَّاً، وتسقطُ نحوَ الأرضِ)‏

المرأة 1 : صارخةً) آ ا ا ا ا ه...‏

تندفعُ بعضُ النسوةِ نحوهَا وهُنَّ يصرخنَ ويُولولنَ)‏

المرأة 2 : مَاءْ...‏

ماءْ..‏

هاتُوا مَاءْ!!‏

تتقدَّمُ امرأةٌ عجوزٌ محنيَّةُ الظَّهرِ بحركةٍ نشيطةٍ وتدفعُ النِّساءَ بيدها، وتصرخُ فيهنَّ وبالأطفالِ)‏

المرأة العجوز : ابتَعِدي..‏

هيَّا..‏

ابتَعِدُوا‏

يبتعدُ النّاسُ عنِ المرأةِ الأُولى، فتتابعُ العجوزُ)‏

أكْثرْ..‏

أكثرْ..‏

خلُّوها يا ناسْ‏

تتنفَّسْ‏

طفل 1 : يتقدمُ مُسرعاً منْ الخلفِ، ويمدُّ يدهُ بمطرةِ ماءٍ)‏

الماءْ...‏

المرأةُ الثَّانيةُ وهي ترتجفُ، تتناولُ مِنَ الطِّفلِ مطرةَ الماءِ‏

وتنحني فوقَ المرأةِ الأولى لِتسقيها..)‏

المرأة العجوز : مَهلاً...‏

المرأة 2 : هيَ عطشانةْ‏

المرأة العجوز : أعرفْ‏

وأنا أيضاً عطشانةْ‏

والأطفالُ، وأنتِ‏

المرأة 2 : هلْ اسقيها قَطرةْ؟!‏

المرأة العجوز : اسقيها، لكنْ بهدوءْ!!‏

المرأةُ الثَّانيةُ تبدأُ بسقي المرأةِ المريضةِ، وتمسحُ لها وجهها بالماءِ- يتقدَّمُ الرَّجلُ العجوزُ مرتبكاً ويسألُ)‏

الرجل العجوز: ماذا يجريْ‏

هلْ ماتَ أحدْ؟!!‏

المرأة العجوز : فألُ اللهِ ولا فَألكْ!!‏

دَعنَا نأخذْ بعضَ الرَّاحةْ‏

ما عدنا نتحمَّلُ أكثرْ‏

تنتفضُ المرأةُ الثانيَّة وتندفعَ نحو الرَّجُلِ العجُوز وهي ترتجفُ)‏

المرأة 2 : بلْ نمشي يا جدِّي أسرَعْ،‏

نمشي أسرَعْ‏

حتّى لا يَدْهَمَنا العسكرْ(1)

إني خائفةٌ، مرعوبةْ‏

الرجل العجوز: إنَّكِ دوماً مرعوبةْ.‏

قلبكِ منْ برغشةٍ يتصلَّبْ‏

المرأة 2 : بثقة) بلْ قلبي لا يكذِبْ.‏

لا يكذبْ!!‏

وفجأةً تبدأُ المرأةُ الثَّانيةُ بالدَّورانِ حولَ نفسِها وهي ترفعُ رأْسَها نحوَ الأعلى، ثمَّ تستلقي على الأرض واضعةً أذُنها فوقَ التَّرابِ الملتَهبِ وتتنصَّتُ وسطَ دهشةِ الجميعِ- الرجلُ العجوزُ دَهِش أيضاً)‏

الرجل العجوز: ماذا يَجْري؟!‏

المرأة العجوز : دعْها تُفرغْ منْ داخلها‏

بعضَ الخوفِ وبعضَ الذُّعرِ‏

المرأة 2 : بذعر) إني أسمعهمْ!!‏

المرأة العجوز : منْ هُمْ؟!!‏

المرأة 2 : العَسْكَرْ.‏

إنيّ أُبصرُهُمْ آتينَ إلينَا‏

ببنادقهمْ، بقنابلهمْ‏

بالشَّرِّ الأَكبَرْ‏

تنهضُ مذعورةً وتدورُ بينَ النَّاسِ وهيَ تصرخُ بصوتٍ مخنوق)‏

منْ يحمي أبنائي منهمْ؟!!.‏

منْ يُنجينا منْ غضبتِهمْ؟!!.‏

منْ؟!... مَنْ؟!‏

وتُجهِشُ في بكاءٍ طويلٍ، وهيَ تحضنُ طفلها الوحيدَ، وحواليها بناتُها الخمسُ).‏

الرجل العجوز: هذي المرأةُ مجنونةْ.‏

تصْرخُ في وجهي،‏

تَنهرُني(2)

المرأة العجوز : بلْ هي أعقلُ منكَ وَمِّني!!‏

وتتجَّهُ المرأةُ العجوزُ نحوَ المرأةِ الثَّانيةِ، تحضُنها وتهدِّئُها وتشِّجِعُها)‏

أعرفُ أنّكِ أقوى منْ كلِّ النِّسْوَةْ.‏

أعرفُ أنكِ لا تخشينَ على نفسكْ،‏

بلْ تخشينَ على خمسِ بناتٍ‏

ووحيدِكْ‏

سمِّي باسمِ اللهِِ‏

واْخِزي الشَّيطانَ الملعُونْ.‏

المرأة 2 : باسمِ اللهْ،‏

باسمِ اللهْ،‏

لكنَّ العسكرَ آتُونْ.‏

كأنها تحاول أن تقنع المرأة العجوز بصوابِ رأيها)‏

إنيِّ أسمعهمْ.‏

إنيّ أسمعُ صوتَ بنادقهمْ‏

وأُحِسُّ فظاعةَ شهوتِهِمْ للدَّمْ‏

المرأة العجوز : وهيَ تُهدِّئُها وتضمُّها، وتهمسُ لها بحنانٍ)‏

بعدَ قليلٍ نرْحَلْ.‏

فلنأَخذْ بعضَ الراحةْ‏

تسقينَ الأولادَ جميعاً‏

وعلى اللهِ‏

نتوكَّلْ‏

المرأة 2 : تُطيعُ بشكلٍ آليٍّ وهي تَهُزُّ رأسَها)‏

حاضِرْ... طيِّبْ‏

تنهضُ المرأةُ العجوزُ نحوَ المرأةِ الأُولى، بينما تسقي المرأةُ الثانيةُ أولادَها..)‏

المرأة العجوز : للمرأةِ الأُولى)‏

كيفَ الحالُ الآنْ؟!!‏

المرأة1 : أفضلْ...‏

لكنَّ الدَّوخةَ تفزِعُني،‏

والغثيانْ(3)

يا جَدَّةْ‏

قدْ أتعبني‏

المرأة العجوز : بدهشةٍ مخلوطةٍ بابتسامةٍ وسُرورٍ)‏

هلْ قُلتِ الغثيانْ؟!‏

هلْ قلتِ الدَّوْخةْ؟!!‏

يعلو صوتُها من الفرحِ- تُشجِّعُها)‏

منذُ مَتى؟! قُولي‏

المرأة 1 : مِنْ أيَّامٍ، وأنَا...‏

المرأة العجوز : تُقاطعها) حَامِلْ!!‏

بفرحٍ) إنَّكِ حاملْ...‏

تنظرُ المرأةُ الثّانيةُ إلى العجوزٍ بدهشةٍ..)‏

المرأة 2 : حاملْ؟!!‏

والعَسْكَرْ؟!!!‏

المرأة العجوز : يا فرحتَنا...‏

يا نسوانْ‏

أطلقنَ زغاريدَ الفرحِ‏

لعروسَتِنَا‏

تنطلقُ الزَّغاريدُ، وتتقدَّمُ النِّساءُ منَ المرأةِ الأولى يبارِكنَ لها -ومنْ بينِ النِّساءِ مُعلِّمةُ مدرسةٍ تُرافِقُ المطرودينَ وتُعلِّم الأطفالَ في أوقاتِ الرَّاحةِ)‏

المعلمة : سوفَ يجيءًَ صبيٌّ بطلٌ‏

ويحاربُهمْ.‏

يأخذُ ثأْرَ أَبيهِ‏

وجدِّهْ‏

فيُشرِّدُهُمْ!!‏

ويُخلصِّنُا منهم!!‏

فجأةً تدوِّي أصواتُ رصاصٍ قريباً منَ المكانِ- الجميعُ في ذُهول- يتكوَّمُ بعضهمْ على بعضٍ- صمتٌ فظيعٌ...)‏

المرأة 2 : تصرخُ) قلتُ لكُمْ‏

ما صَدَّقتمْ‏

قلتُمْ: إني مجنونةْ‏

تخشى العسكرْ...‏

ها قدْ جاءَ الآنَ صهاينةُ البربرْ!!‏

المعلمة : تُحمسُهُمْ) لنُقاوِمْهُمْ.‏

لنقاتِلْهُم.‏

الرجل العجوز: الأفضلُ أنْ نتحاشاهُمْ‏

حتّى نَسلمْ،‏

فلدَينا أطفالٌ‏

وعجائِزْ،‏

والأسلمْ‏

أنْ نمشي الآنَا‏

كي لا نندمْ!!‏

منْ يدْري‏

ماذا يَجري؟!!‏

إنَّ اللهَ هُوَ الأَعْلَمْ!!‏

المعلمة : ما يَجْري نعرِفُهُ،‏

حربٌ وقِتالُ.‏

بلْ هيَ معركةٌ‏

يسقطُ فيها شهداءٌ أبطالُ‏

الرجل العجوز: يحاوِلُ أنْ يُقنعها بهدوءٍ)‏

يا بنتي..‏

المعلمة : يا جدّي‏

اسمعني.‏

هيَ حربٌ منْ عهدِ نَبوخَذْ نصَّرْ‏

نتوارَثُها جيلاً عنْ جيلِ‏

سأُعلِّمُ أَطفالي‏

ما قدْ فعلَ اللهُ‏

بالأَفيالِ،‏

وبأصحابِ الفيلِ‏

تزدادُ أصواتُ الرَّصاصِ وتقترِبُ- تصرخُ المرأةُ الثانيةُ)‏

المرأة 2 : فَلْنَرْحَلْ.‏

هيَّا نرْحَلْ‏

الرجل العجوز: للجميع) هيّا، قُوموا.‏

ينهضُ الناسُ ببطءٍ لأنَّهم ما زالوا تعبين- فيصرخ العجوزُ)‏

أسرعْ‏

أَسْرَعْ‏

وبينما يتحرَّكُ الناسُ وهمْ يجمعونَ حوائِجَهُمْ للمسيرِ تُسمَعُ أَصواتُ الأطفالِ مختلطةً بصوتِ المعلمةِ وهمْ يرتّلونَ سورةَ الفيلِ، حتى يشاركهم الجميعُ بمنْ فيهمُ الرَّجُلُ العجوزُ)‏

بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ‏

ألمْ تَرَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بأصْحَابِ الفيلِ.(4)

ألمْ يجعلْ كيدهمْ في تضليلٍ،‏

وأرسلَ عليهمْ طَيْراً أبَابيلَ،(5)

ترْمِيهمْ بحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ،(6)

فجعلهمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ،(7)

يصبحُ ترتيلُ السورةِ بشكلٍ جماعيٍّ قُوَّةً تمكِّنُ النَّاسَ من ملاقاةِ الجنودِ الصَّهاينةِ منْ دونِ رُعبٍ أو خوفٍ..‏

ولهذا تزدادُ قوّةُ الصَّوتِ كُلَّما عاود النَّاسُ قراءةَ السُّورَةَ..)‏

**‏

(1) يدهمُنا: يفاجئنا ويهجمُ علينا الجنود الصهاينة.‏

(2) تنهرني: تزجرني وتصرخ في وجهي. ومنه الآية الكريمة وأمّا السائل فلا تنهر). من سورة الضحى.‏

(3) الغثيان: هو شعور الإنسان بأنه سوف يُفْرِغُ ما في جوفه من طعام وشراب.‏

(4) أصحاب الفيل: هم أبرهة ملك الحبشة و جيوشه وأمراؤه.‏

(5) طيراً أبابيل: طيور تأتي جماعات متفرقةً ومتتابعة وراء بعضها بعضاً.‏

(6) من سجّيل: من طين متحجّر محروق ومشويٌّ بالنار. وهو الآجرُّ.‏

(7) كعصف مأكول: العصفُ هو التبن طعام الحيوانات. وهو من بقايا سوق القمح أو الشعير وغيرهما. تأكله الحيوانات وقد بالت عليه وداسته بأقدامها.‏

والقصة هنا عن غزو الأحباش لتهديم الكعبة قبل الإسلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244