أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثالث

((قصر الإله إيل في إحدى ذرا حرمون، القصر منفرد عمّا حوله، كأنّ الغرفة التي يجلسون فيها تحيط بها ستارة من فولاذ لين، الرؤية فيها ضبابية، صوت نافورة ماء، سرير فخم، شجرة تفاح قرب السرير، طيور غريبة الشكل))‏

عشتار : أين نحن يا سيد الآلهة؟‏

إيل : في قصري، وهذه غرفتي الخاصّة.‏

عشتار : غرفتك الخاصّة؟‏

إيل : حيث أجلس منفرداً، مع نفسي، أفكّر في شؤون العالم، كيف يمكن ضبطه، وتوجيهه، وتطويره.‏

عشتار : إنّك تشغل فكرك كثيراً يا مولاي، وأنت تحتاج لبعض الراحة.‏

إيل : الرّاحة؟‏

عشتار : والمتعة، المتعة أقصر طريق إلى الراحة.‏

إيل : لم أحضرك هنا للمتعة بل للعمل.‏

عشتار : والمتعة هي غاية العمل، وطريقه القويم.‏

إيل : آه ربما.‏

عشتار : لكلٍ يا مولاي طرقه الخاصة في الوصول لما يبغي، أنت تفكر، تريد، تخلق، أما أنا، فأجمّل، أثير، أُأََجّج، إنني نار الموقد، وفي نار موقدي تُطْبَخُ الحياة، وتُطْبَخُ الأبطال.‏

إيل : أعلم من أنتِ يا عشتار، ولهذا دعوتكِ.‏

عشتار : وأنا سعيدة لهذه الدعوة أن أكون في حضرة سيد الآلهة، أُسَرِّي عن نفسي، وامتحن قوته الذي ذاع صيتها في مملكة الجحيم وفي عتبات السماء العليا.‏

إيل : قوتنا لا شك في صدقها وثورك المقدس سيكون كريماً معك. ويهبك بعض قوته، لكن هناك قضية.‏

عشتار : حين أكون جائعةً يا مولاي لا أعرف التفكير والتدبير، تنحل منّى عرى الموهبة، وأصبح تائهة ضائعة، كُنْ ثورى المقدس لليلةٍ واحدة، أَكُنْ أمتك أبد الدهر.‏

إيل : وأختك التي تنظر إلينا بمكر وخبث ودهاء؟‏

عشتار : إننا دائماً معاً أنا وهي، أنا أهب الحياة للكائنات وهي تهب الموت لما تنتجه الحياة، فنحن توأمان وبنا تدور عجلة الوجود.‏

إيل : لكن اللياقة تقتضي.‏

عشتار : لا لياقة، ولا قواعد نحن تتمّ إحدانا الأخرى، جسدي وجسدها جسدٌ واحد.‏

إيل : آه، مهمة عسيرة، الأختان معاً.‏

عشتار : أجل يا مولاي الأختان معاً، وهكذا أرضى أنا وترضى هي، فيعم التوازن جسد الوجود.‏

إيل : لكن.‏

عشتار : كُنْ ثورنا المقدس لليلةٍ واحدة، أنا وأختي أرشكيغال، فترتوي جذورنا، فأهب الحياة الدافقة، وهي تحصد الحصاد الوفير، فتعم الثروة والرفاه إهراءات القمح، ومساكن القبور، هيا يا مولاي، كُنْ نورنا المقدس وليكن ليلك طويلاً فجسدنا مستثارٌ بنظراتك الإلهية، لَقِّحْ يا مولاي بقرتين ناعمتين، مشتاقتين لمائك المقدس.‏

إيل : ليلةٌ من وقتي زمن طويل، سأمنحكما لحظة واحدة، نظرة تكفي.‏

عشتار : العبرة بالنتيجة وليس بالمقدمات.‏

إيل : نتائجي مضمونة واسالي الأشياء.‏

عشتار : لا نشك في ذلك يا مولاي، ولهذا أتينا مُخَلِّفَتَيْنِ موطننا.‏

إيل : قليل من الظلمة ضروري لبزوغ النور ((ظلام))‏

الجوقة1 : سيد الآلهة‏

سيد الخصب‏

يلقي بذار الحياة‏

فتسري في الحجارة والشجر‏

وفي الماء والمطر‏

إنه روح الحياة‏

إنه شهوة الحياة‏

الجوقة2 : سيد الآلهة‏

سيد الموت‏

سيد الدمار‏

والهلاك‏

يهدم ما يبني‏

ويبني ما يهدم‏

وهكذا تدور العجلة‏

وتدور الأشياء‏

الجوقة1 : بوركتْ شهوة سيد الآلهة‏

فهي مقدسة كهذا العالم‏

بوركت شهوة الحياة‏

فهي مقدسة كهذه الحجارة‏

بوركت شهوة الموت‏

فهي مقدسة كهذا التراب‏

الجوقة2 : فتيل يشتعل‏

وفتيل ينطفئ‏

حجر ينقدح‏

وحجر يتلاشى‏

والكل في دورة الخلق‏

ودورة الفناء‏

فلا تَبْكِ للتراب‏

ولا تفرح للوردة‏

فالتراب يلد الورد‏

والورد يلد التراب‏

فلم الحزن‏

ونهر الحياة لا يتوقف‏

ولم البكاء‏

وما كان في النهر يعود إلى الحقول‏

وما كان في الحقول يعود إلى النهر‏

في تعاقب مستمر‏

كتعاقب الليل والنهار‏

وتعاقب الشمس والقمر‏

الجوقة : ثورنا المقدس‏

إله الخصب‏

أخصب البقرة المقدسة‏

فهدأ أوارها‏

واستكانت بين ذراعيه‏

فراشة عذراء‏

والموت لوى عنانه‏

وانساب في الحقول‏

مهرةً بيضاء‏

هذا هو فعل الثور المقدس‏

يحوّل البقرة إلى فراشة‏

والمهر إلى وردة‏

إنها لغة التحول‏

وسرُّ التحول‏

آيةٌ من آياته‏

ومفتاحٌ من مفاتيحه‏

فقدِّسُوا ظهوره‏

واختفاءه في الأشياء‏

إنه إيل سيد الآلهة‏

مسكنه في ذرا حرمون‏

يطلُّ زهرة برية‏

على أرض سورية المباركة.‏

((يدخل إيل وخلفه عشتار وأرشيكيغال إنهما في منتهى السعادة)).‏

عشتار : أين نحن يا مولاي؟‏

إيل : في غرفتي الخاصة.‏

عشتار : على الأرض أم بين النجوم؟‏

إيل : بل نحن في ذروة جبل حرمون، مكاني المفضل، وحرمي المقدس.‏

عشتار : كم مضى يا مولاي من الزمن، مذ ذهبنا برحلتنا؟‏

إيل : رحلتنا؟‏

عشتار : إلى الداخل.‏

إيل : لعلها طرفة عين، أو أقل، نظرة عابرة.‏

عشتار : أحس كأنه الأبد...‏

إيل : نظرة سيد الآلهة هي الأبد.‏

عشتار : اسمح لي يا سيدي بقطف هذه التفاحة.‏

إيل : اقطفي.‏

عشتار : وبقضمها.‏

إيل : اقضمي.‏

عشتار : الآن ابدأْ حديثك‏

إيل : وعزيزتنا أرشكيغال؟‏

أرشكيغال : إنني أتأمل بهاءك يا مولاي وأتساءل كيف سأحّوله إلى نسيان.‏

عشتار : ما ألذ طعم هذا التفاح!!‏

إيل : عشتار كوني معي.‏

عشتار : كلي لك يا سيدي تفضلْ بالحديث.‏

إيل : أشعر أنَّ رياح الشيخوخة والنسيان بدأت تهب ولعلها ستطويني بعد مئةٍ أو ألفٍ من السنين، ستحيا الأرض وأندثر أنا، ستشرق الشمس وأنسى أنا.‏

عشتار : وسنطوى معك.‏

إيل : لا، أنت يا عشتار مزروعة في دماغ الإنسان وفي دمه، وفي عظامه، سيذكرك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.‏

أرشكيغال : وأنا؟‏

إيل : أنت مستقر كل جسد، وهيكل كل ميت، أمَّا أنا فهيكلي هو الخيال، وموطني هو الوهم ومن يُشِدْ هيكله على الوهم يسلوه الخيال.‏

عشتار : ثم؟‏

إيل : هناك أبنائي السبعون وكلهم متهيئون للانقضاض عليَّ والاستيلاء على عرشي، ومَسْكِ صولجان أمري، ولأنني قويٌ إلى الآن، فأنا أملك القوة على زجرهم، لكن قوتي تخونني، والزمن يطاردني، ولا ملجأ لي سوى مغائر النسيان.‏

عشتار : ألا يوجد عندك رمان؟‏

إيل : مَدِّي يدك إلى الشجرة تعطيك رماناً.‏

عشتار : لكنه تفاح!!‏

إيل : والتفاح يصير رماناً.‏

عشتار : حقاً إنه رمان ((تقطف وتبدأ تأكل حبات الرمان)) أتمَّ يا مولاي.‏

إيل : وعلى الأرض، الملوك يظلمون البشر، والآلهة يغضّون النظر، بيرم العبد الصالح سُحِقَ جسده، وهرس رأسه تحت نظر الملك، وسمع الإله بعل، أبنائي الآلهة صاروا طغاة كالملوك، يأكلون مال اليتيم، ويحتجزون إرث الأرملة، هياكل الآلهة صارت بيوت سرقةٍ واغتصاب، الكهنةُ رؤساءُ لصوصٍ، والملوك هم الخزنة، عِفْتُ الملوكَ وأبنائي، هل أجري لعنتي على الملوك والآلهة أم أنزوي بعيداً في فيافي الكون الموحشة، أم أمكر بالملوك وأبنائي؟‏

عشتار : ((تنتبه لمغزى حديثه)) تمكر بالملوك وأبنائك؟ كيف؟‏

إيل : أغرسُ سري الإلهي، وأمر صولجان قوتي إلى واحد من الفانين.‏

عشتار : (تنتفض غاضبة) إلى واحد من البشر؟‏

: إيل لا تقعْ في هذا الخطأ يا مولاي، ذات مرة أحببت واحداً من الفانين، تموز، فأذاقني مُرَّ الهوان، من غروره وكبريائه، وحماقته، أنصحك يا مولاي، لا تضعْ سرك الإلهي في واحد من أبناء التراب، عندئذ يتمرد عليك، بل يغدو أشدَّ شراً من أبنائك عليك.‏

إيل : سأعطي قوتي لواحدٍ من أبناء التراب، سأبرز بصيغته هو، صيغة الإنسان.‏

أرشكيغال : وهذا يسهل الأمر، بقبضة واحدة أقبض روحك، فأضمُّ سيد الآلهة إلى عالم ظلماتي الأبدية.‏

إيل : ما قرارك يا عشتار؟‏

عشتار : لقد أفسدتَ لذتي يا سيدي، لعلك ستزجني ثانية في طريق الدموع والألم، والجري خلف بني الإنسان، أستجديهم المتعة والنظرة والهمسة واللمسة، وهم كطواويس الغاب ما إن يشعروا أنَّ إحدى الإلهات تجري خلفهم، حتى يتمنّعوا، ويعرضوا، ويظهروا التقى والصلاح، لم أجدْ جنساً أشدَّ مكراً وخبثاً من جنس الذكور من الرجال، لأكنْ بَقرتك المقدسة، ولتلقحها يا مولاي ليل نهار.‏

إيل : ومصير الإنسان؟‏

عشتار : قلبي عليك أيها الإله الطيب.‏

إيل : التراب سيكون هيكل سري، وسألدُ آلهةً من تراب، تراباً يحجب النور، تهوي قشرة التراب فيبزغ رشيم النور.‏

عشتار : وكيف ستلقي بذرتك إلى رحم التراب؟‏

إيل : ابحثي عن عذراء.‏

عشتار : عذراء!!‏

إيل : أغرسُ في جسدها بذرتي المباركة، هبيها الطاقةَ والقوة، كي تتلقى فيوضي ولا تنهار.‏

عشتار : أتريدها ابنةَ ملكٍ؟‏

إيل : كأنك تقرئين ما في ذهني، سيد الآلهة يجب أن يلقي بذاره في حقلٍ ملكي شريف مثله.‏

عشتار ": من مكاني أرى هناك احتفالاً لضمِّ ابنة ملك جبيل إلى مومسات المعبد.‏

إيل : أرى كذلك أنا.‏

عشتار : إنه الاختيار، جسدٌ لم يعرفْ لغة الشهوة وأسرارها، ستكون أولى كلماته التي يتعلم نطقها، وتهجئتها فيما بعد هي كلمة ثور، ستغدو الأميرة سميرنا عاشقةً للثور، الثور الإلهي المقدس إيل سيد الآلهة.‏

إيل : وليبق الأمر طي الكتمان.‏

عشتار : أيوجد أحد غيرنا في هذه الغرفة؟‏

إيل : هذه الغرفة محاطةٌ برصدٍ لا يمكن اختراقه، حتى أبنائي الآلهة لا يستطيعون تجاوز رصد هذا المكان.‏

عشتار : إذن سيبقى الأمر طي الكتمان.‏

إيل : سأحيط بذرتي بكل رعاية وحماية، وأمان، سأسري في جنس الإنسان، باسمٍ آخر جديد، ضوءاً خفياً، متقداً في مصباح جسد الإنسان.‏

عشتار : آلهة من فخار، أيصلح الطينُ لأن يكونَ رداءً للآلهة، والجرارُ الترابية قاعاً لخمرتها، ألن يحدث هذا المسَّ والاضطراب في خابية الفخار، فتتصدع من لمس البرق لحوافيها، أيُّ مكرٍ نحته سيد الآلهة، أيكون الطينُ حجاباً له، وجسدُ الإنسان هيكلَه، وحرَمهُ المقدس، إنه رداءٌ عجاب..!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244