أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الخامس

" قاعة الملك في قصر الملك ميتاس، أعضاء مجلس المدينة، مواطنون، رئيس الجند، رئيس الكهنة إلى جانب الملك، تجلس الأميرة سميرنا وقد انتفخ بطنها، من الواضح أنها حامل، الجلسة تبدو عاصفة ".‏

عضو1 : إنها وصمة عار، لطَّخت أسوار مدينتنا، أميرتنا وابنة ملكنا تعشق ثوراً؟!!‏

عضو2 : بل ثيراناً، ثيراناً جامحة، ما أنْ ترى نظراتها حتى تجثو تلك الثيران أمامها صاغرة ككلب ذليل.‏

عضو3 : إنه السحر، وبه تحولت ثيراننا البرية إلى قطط منزلية.‏

عضو4 : ثيران جبيل البرية، المشهورة بفحولتها، تتحول إلى حملان وديعة مخصية، عازفة عن اللقاح والإنجاب، إنها مصيبة حلَّت بحقولنا وبأبقارنا.‏

عضو5 : ترى البقرة تركض خلف الثور، والثور حزين، نظرات الأسى تلوح من عينه، إنه عازفٌ عن الدنيا، معرضٌ عنها.‏

عضو6 : حتى ثيران جبيل أصيبت بالزهد، إنها كارثة.‏

عضو1 : يقيناً أنَّ السبب هو الأميرة، وما تحمله في بطنها من جنين سفاح، جنين سفاح مع ثور بري جامح.‏

عضو2 : ما عقاب المرأة التي تقترن بحيوان؟‏

الكاهن : تقتل.‏

عضو3 : وما عقاب المرأة التي تلتحف برجل‏

الكاهن : يباركها الرب بعل، إن قدَّمتْ جسدها في المرة الأولى هبةً، لكنْ يعاقبها إن لمْ تأخذْ ثمن المتعة في المرة الثانية.‏

عضو4 : هذا هو قانوننا السوي والطبيعي، الأنثى للذكر، والمرأة للرجل، لكن من قال أو شرَّع أن المرأة للحيوان، أية سلالة ملعونة ممسوخة ستنجبها المرأة لو حملت من ثور، أو خنزير عابر، لعنة الآلهة ستطاردنا لأننا ننتهك حرمة الجسد، وننتهك قانونها الطبيعي المقدس، حيث نظمت الآلهة الأشياء وفقاً لـه، الشذوذ والانحراف عن الطبيعة السوية أشدَّ اللعنات التي تنزلها الآلهة بالمدن العاقة والعاصية.‏

عضو5 : لذلك لنرفعْ المعصية عن مدينتنا ولنرجمْ الأميرة المنحرفة، المغرمة بالثيران البرية.‏

الكاهن : قبل رجم الأميرة لنسمع دفاعها، فقد لا تكون منحرفة، وقد يكون أمراً غريباً يسمو على عقولنا قد تمَّ معها.‏

عضو6 : أيُّ دفاعٍ وجنينها دليل جريمتها؟!‏

الكاهن : أعترفُ أنَّ في هذه القضية أمرٌ غريب، حين دخلتُ الغرفة المباركة لأبارك الأميرة، حسب ناموس شريعتنا، شريعة الإله بعل، والإله إيل سيد الآلهة، هتفت بي الأميرة وهي سعيدة، ولكنك أتيت يا سيدي منذ قليل، وباركت جسدي، وأقسم أنني لمْ ألمسها، فمن هو ذاك الشخص الذي بدا لها بصورتي.‏

عضو3 : لعلَّه لص ما؟‏

الكاهن : لصٌّ في هيكل الإله بعل، وفي الغرفة السرية التي لا يعرف دروبها، سوى عدد محدود من الكهنة.‏

عضو1 : أيها الكاهن المقدس، لا تحاول إرضاءً لملكنا الموقر، الهروب من الحقيقة، أميرتنا شاذة، ودليل شذوذها بطنها المنتفخ من ثور.‏

الكاهن : لم لا يكون الحمل قد تمّ من رجل عرفها من قبل، وليس من ثور بري كما تدَّعون.‏

عضو1 : إنْ كان من رجل فمن هو، وأين هو، لم لا يظهر ليعلن أبوَّتَهُ للطفل القابع في بطنها (صمت) أرأيت، إن كانت قد خرجت من الهيكل، وتبعت الثور البري، وهامت به حباً، والثيران البرية بادلتها الحب، فهي حتماً قد أسلمت نفسها للثيران، وابنها ابن ثور، لذلك تستحق القتل.‏

(يبرز هرمس من خلال الجموع، ويقف في وسط القاعة، مجابهاً للجمهور).‏

هرمس : وأنا ابن ثور، فلم لا أستحق القتل؟‏

الملك : من أنت أيها الغريب؟‏

هرمس : هرمس، ابن الثور الإلهي المقدس، ابن إيل سيد الآلهة أجمعين.‏

الملك : الآلهة يمتازون بعلامة، فما هي علامتك؟‏

هرمس : علامتي هي أن أخبركم بالحقيقة.‏

الملك : أية حقيقة؟‏

هرمس : ما تمَّ في الغرفة المباركة.‏

الملك : وماذا تمَّ؟‏

هرمس : إيل سيد الآلهة حضر بذاته، (همهمة بين الجمهور) حضر ومعه عشتار (همهمة أخرى) عشتار نفخت في جسد الأميرة، وجعلته مهيأً لاستقبال أنسام سيد الآلهة، سيد الآلهة عبر من العتبة التاسعة إلى العتبة الثانية، فكانت مسة الآلهة المباركة، وكان رسوخ بذرة الحياة، في الرحم المبارك، الرحم الطاهر.‏

عضو2 : آه، مجنون يرد إلى هذه القاعة، وشهادة المجانين لا تقبل بل ترد.‏

الكاهن : لعل هذا الغريب صادق.‏

عضو6 : آية الصدق البرهان، فما هو برهانك، أنَّ إيل سيد الآلهة، والقاطن بعيداً عن جبيل، وفي ذرا حرمون، قد أتى وحلَّ في جسد الأميرة، ثم لماذا يحلُّ سيد الآلهة في جسدها؟ أين مولاتنا عشيرة أمَّ الآلهة وسيدتهم؟ هل سأم سيدنا جنس الآلهة فاختار جنس الإنسان؟‏

هرمس : إنَّها مكيدة الإله إيل.‏

عضو5 : العدالة لا تحكم وفق المكائد، بل وفق القرائن، ما هي قرائنك الملموسة؟‏

هرمس : لا قرينة عندي.‏

عضو3 : إذن شهادتك تُردّ، لأنّك لست عضواً في مجلس المدينة، ولست من أبناء جبيل، شهادتك مرفوضة حتى لو كنت من جنس الآلهة.‏

عضو2 : الآلهة يشهدون في مجلس الآلهة الموقر وفق قضاياهم، أما في مدينتنا فنحن نقبل شهادة مواطنينا وفق قضايانا.‏

عضو4 : القضية واضحة، إما أن تروِّض تلك الفاجرة جميع ثيران جبيل، بل ربما ثيران أمور وفينيقيا، وإما أن نقتلها في الحال ونرفع لعنة الآلهة وغضبها عن مدينتنا، ولأنَّ أميرتنا مزقت رداء الطبيعة السوي، واختارت طريق الشذوذ والانحراف، فجزاؤها القتل رجماً بالحجارة، لأن النار لا تليق بها، بل بالشرفاء من الرجال والنساء، أيها السادة مَنْ كان يرى، طرد الأميرة خارج الأسوار، وقتلها رجماً بالحجارة، فليرفعْ يده "الجميع يرفعون أيديهم".‏

عضو3 : اطردوا المنحرفة الملعونة خارج الأسوار، وابدؤوا حفلة تطهيرها من الرجس، قبل أن ينتشر الرجس في حقولكم وأبقاركم، بل ربما نسائكم أيضاً.‏

هرمس : أيها الناس، اسمعوا، الجنين الذي في بطن هذه المرأة، يخص إيل سيد الآلهة وهل تعلمون ماذا سيحدث لو قتلتم ابن سيد الآلهة؟‏

عضو2 : إن كان الجنين حقاً هو ابن إله، فليحمِ ذاك الإله ابنه، وليمنعْ عنه القتل، هيا أيتها الجموع المباركة، طهِّري جبيل من الرجس، والإثم والانحراف "تتدافع الجموع نحو الأميرة، يحاول هرمس عبثاً أن يمنعهم من الوصول إليها لكن الجموع تتخطاه، يشدُّون الأميرة من شعرها، يخرجون بها، يتبعهم هرمس، الملك وحيداً مع الكاهن"‏

الملك : هل ابنتي قرينةٌ لثور بري، أفي أحشائها رجس وخطيئة؟!!‏

الكاهن : في أحشاء ابنتك خبرٌ عجيب، وكلامٌ أعجب، فلننتظرْ حضور اليقين.‏

الجوقة1 : الأميرة الطاهرة‏

تُطارَد كخاطئة‏

مقذوفةً بالحجر‏

وأغصان الشجر‏

تطاردُها الجموع‏

خارج المدينة‏

المدينة التي ولدتها‏

أنكرتها‏

ابنة الدلال صارت‏

ابنة اللعنة‏

وابنة الحرير صارت‏

ابنة الشوك والحجارة‏

جوقة2 : أبعدوها خارج الأسوار‏

بعيداً عن الأبواب‏

شدُّوا عليها بالحجارة‏

والغضب واللعنات‏

سدوا عليها المنافذ‏

حاصروها من الجهات‏

خلاصها حفرة القبر‏

وزبانية العذاب‏

هذا جزاء من أسلمت نفسها لثيران البرية‏

وفضَّلتها على رجال المدينة‏

لم يبق رجل إلا احتقر ذاته‏

حين فضَّلت الأميرة‏

قطيع الثيران الهائج‏

على قطيع الرجال المهذب‏

رئيس الجوقة : اصبري يابنة الملك ميتاس‏

فالإله إيل لن ينساك‏

مَنْ أودع مسكه الشريف في روحك‏

لن ينساك‏

إنه إيل سيد الآلهة‏

سيد الموت والحياة‏

سيد القدرة والمعجزة‏

إيل لن ينسى الفتاة المباركة‏

التي اختار تربتها‏

بذاراً لنسله الشريف‏

ومائه الشريف‏

تربةً خيرة‏

تلدُ آلهةً طيبين‏

الجوقة1 : يا للروع، يا للهول‏

أيَّةُ سحابة قادمة‏

أهي سحابة الغضب‏

أمْ سحابة الخلاص‏

السحابة تلفُّ الأميرة‏

ترفعها من مرقدها‏

الأميرة تعلو وتطير‏

والجموع تتبعثر وتجثو‏

الأميرة، تحلِّق وتستقر على صخرة‏

يا للروع‏

أيا سيد الآلهة‏

كم عجيبةٌ أفعالك‏

الفتاة النقية‏

أميرتنا سميرنا‏

تتحول إلى شجرة‏

مسَّتْها أنوار إيل‏

فحوَّلَتْها إلى شجرة‏

شجرة مُرٍّ كريمة‏

الشعب يسجدُ للشجرة‏

الشعب يسجد لابنة إيل‏

بل لزوجة إيل‏

لكن ما مصير الجنين‏

أصار لحاءً في الشجرة‏

أمْ بقي حياً بأنفاس سيد الآلهة‏

(يدخل كاهن مسرعاً، يسجد أمام الملك)‏

الكاهن : مولاي الملك، سيدي رئيس الكهنة، مولاتنا سميرنا المطهرة صارت شجرة.‏

الملك : شجرة؟!‏

الكاهن : شجرة مر.‏

الكاهن الأكبر : إنها لمسة الآلهة، لمسة الإله إيل، أيُّها الملك المحترم، الجنين الذي في بطن ابنتك، هو ابنُ سيد الآلهة إيل، رحم مبارك، لم يعرف إنساناً من قبل، سيلدُ ابناً لإيل.‏

الملك : لكن يقول أنَّها صارت شجرة.‏

الكاهن الأكبر : شجرة ستلد ابناً لسيد الآلهة، ابن الإله، أبوه إيل، وأمه شجرة.‏

الملك : إنني لا أفهم.‏

الكاهن الأكبر : حين تتكلم الآلهة، تخرس الألسن، وتتلاشى الأفهام، افرحْ يا مولاي، فابنتكم اختيرت زوجةً لسيد الآلهة أجمعين، هيّا يا مولاي ولنسجدْ مع الجموع أمام الشجرة، ولنرقبْ ولادة الجنين (يخرج الملك مع كبير الكهنة، وبقية الكهنة).‏

رئيس الجوقة : شهراً كاملاً‏

وأبناءُ جبيل ساجدون أمام الشجرة‏

يرتقبون المولود الإلهي‏

من رحم الشجرة‏

ولدى الآلهة‏

كلُّ الطبيعة رحمٌ‏

لولادة ما تشاء‏

من مخلوقاتٍ0 وأشياء‏

ولدى الآلهة‏

كلُّ الطبيعة قبرٌ‏

لطيِّ ما تلده‏

من مخلوقاتٍ وأشياء‏

بيد تمسك الآلهة البذار‏

وباليد الأخرى المنجل البتَّار‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244