أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

(الزمان: الأيام الأخيرة من شهر آب المكان قرب نبع أفقا، في تخوم جبيل البعيدة)‏

الجوقة1 : خرجت عشتار تتصيد‏

فراشةً، أو نحلةً، أو ثوراً‏

صاعقة، أو ريحاً، أو ماء‏

لكنّ شهوتها تبغي‏

خابية العسل‏

فتنتشي‏

وتحطم الخابية‏

إنّها محطّمة الجرار‏

الجوقة2 : إنّها عشتار‏

ملتهمة الحطب‏

سعيد مَنْ أدخل حطبه‏

في موقدها‏

وشقي مَنْ صار‏

ناراً في موقدها‏

رماداً تصيرُ النار‏

وهباءً يصير الحطب‏

لكنْ هكذا قدّرت‏

الآلهةُ الأشياء‏

لكيْ تولد النار‏

فلا بدّ من الاحتراق‏

متعتنا النّار‏

وجسدنا الحطب‏

عشتار : الثيران تسعى خلف أناثها، والريح خلف السّحاب، وأنا وحيدة، أطلب حبيبي فلا أجده، سيّد الآلهة غطّاه بردائه، فحجبه عن العيون والأبصار، لكنّ هرمس الحكيم أعطاني هذه الكأس وقال: ضعي الكأس تحت شجرة البلوط، فيأوي إليك أدونيس، كما تأوي الطيور لوكُناتها، إنّه ابن الشجرة، والكأس ابن الكرمة، فهما ابنا عم، بل، أخوان، هذه شجرة البلوط، وهذه كأس الخمر، فلننتظر قدوم الطريدة (يدخل أدونيس، لا يلاحظ وجودها بعد) سيدي وإلهي، وحبيبي ونجواي، سأتبدّى له بثوبي اللازوردي، فهو يهوى الفيروز من الألوان، سأبعد فتحة الصدر إلى ما دون السرّة، فيبدو له خطفاً جمال ثدييّ، فيقع في بركة الحليب، عسلي طازج رغم أنّ كل الألسن ذاقته، وعسلي بكر رغم أنّ كلَّ الشفاه مستّه، هذا الإله الساحر، طعام جميل لوجبةٍ ملكية فاخرة، ألتهمه صباحاً مع تغريد الكنار، حين تسرّح الرّيح جدائِلَها (تبدو عشتار بثوبها الفيروزي لأدونيس)‏

أدونيس : آه، مَنْ أنت أيتها الشّمس؟‏

عشتار : إنَّني القمر يا حبيبي.‏

أدونيس : القمر؟!‏

عشتار : ألا ترى أنني أرتدي ثوب القمر، رغبةً فيروزية، تُسْقَى من حَانِ الجنون والغياب.‏

أدونيس : أنتِ إلهة؟‏

عشتار : أنا أنتَ يا حبيبي.‏

أدونيس : أنا أنتِ؟‏

عشتار : إنَّني ظِلُّك.‏

أدونيس : ما هذا اليوم المليء بالأحاجي؟‏

عشتار : لستُ أحجيةً بل لغزاً، ولحلّ اللغز لا بدّ من فكّ الخيال، فاشربْ يا حبيبي هذه الخمرة، إنّها النغم الساري من تويجات الزهور، المكللة لجبين الهضاب والبراري، مع كل ربيع تعزف لحنها السماوي.‏

أدونيس : مَنْ أنت؟‏

عشتار : أنا القمر، وتراني الشّمس، فلكي تعرف مَنْ أنا، اشربْ.‏

أدونيس : أشربُ ماذا؟‏

عشتار : خمرةَ باخص، عصرت من كروم الآلهة، في ذرا حرمون.‏

أدونيس : أخي باخص؟‏

عشتار : أخوك باخص.‏

أدونيس : (يأخذ الكأس، يشربها دفعة واحدة) لقد فرغت الكأس.‏

عشتار : كأس باخص لا يفرغ.‏

أدونيس : (ينظر إلى الكأس) آه، ملئت ثانية؟‏

عشتار : إنه كأس الآلهة، خمرته مترعة، أنهاره دفّاقة، وبحاره هدّارة، ورياحه مكّارة.‏

أدونيس : ((يفرغ الكأس ثانية)) أعندك المزيد من هذا البلسم؟‏

عشتار : بحارٌ وبحار، روحك عطشى ولدينا مزيد.‏

أدونيس : ((يشرب إنه الآن منتش)) آه، كم أنت جميلة يا إلهتي، ((يشرب منتشياً).‏

عشتار : إلهتك؟‏

أدونيس : إلهتي الجميلة.‏

عشتار : خُذْ كأساً أخرى، فقد تراني نارك وجحيمك.‏

أدونيس : ((يشرب)) اخلعي رداءَك.‏

عشتار : سأخلع ردائي الفيروزي، لأرتدي ثوبي الأرجواني، سترى جسدي كما هو رغم ارتدائي الأرجوان.‏

أدونيس : آه، ما هذا؟‏

عشتار : هذا أنا.‏

أدونيس : كل تلك الزوابع والأعاصير والبروق هي أنت؟‏

عشتار : وثمَّة مهاوٍّ من أودية الجحيم لم ترها بعد، جحيمٌ لن تراه، لأنك يجب أن تلج فيه.‏

أدونيس : كيف؟‏

عشتار : أعطني يدك، لتتذوقَ طعمه، فتنسى برودة حقول إيل، وسكونها.‏

أدونيس : "آه، أين أنا؟‏

عشتار : في غابة جحيمي، بين أغصان الشجر النارية.‏

أدونيس : إنني أموت وأتحوّل.‏

عشتار : مُتْ بي، لتحيا فيّ.‏

أدونيس : إنني أموت بك، لأحيا فيك.‏

عشتار : أنت الآن أنّة جسدي الخفية، أطلقها في بهيم الليل حيث الكلُّ نيام، أنت الآن تنبض في موقدي كنقار الخشب.‏

أدونيس : أشعرُ أنني لست أنا، جسدي يتركب في جسدك.‏

عشتار : أنت تتركب فيَّ وأنا أتركب بك، سمائي تطابق سماءك، وأرضي تلج أرضك، وجحيمي يجتاج جحيمك، وأنهار عسلي تندلق في جرارك.‏

أدونيس : ما ألذّ هذا العسل.‏

عشتار : مجنيّ من أزهار الجحيم، ومخبأ في كهوف الرغبة، منذ آلاف السنين.‏

أدونيس : ماذا أفعل؟‏

عشتار : لا تفعلْ شيئاً، اسكنْ بيّ، واطمئن، واهدأْ، وتلاشىَ موجةً على شاطئ حبي.‏

أدونيس : يجب أن أغادرك.‏

عشتار : لا تستطيع، فقد تعشّقت بي، وتركّبت، وتداخلت، محال فصل لبني عن لبنك، ومائي عن مائك، امتزج الماءان، فهمدت الشمس، وأضاء القمر.‏

أدونيس : أية مصيدة ألقيتُ بها؟. لطالما حذرني أبي إيل منك، أيُّ مكر حاق بي؟‏

عشتار : إنّه مكر هرمس يا حبيبي.‏

أدونيس : وماذا يبغي هرمس؟‏

عشتار : لا أدري ما هي غايات هرمس، لكن أدرك أنني أموت وأحيا من لذّتكَ آلاف المرات، يا حبيبي، قوّة الإله ثور انتقلت إليك، قوّة سيّد الآلهة إيل صارت فيك، لذّة تحطم أعتى الجبال، فكيف بجسد أنثى ضعيف مثلي، آه، أشعر أنني عاجزة عن احتواء فيض قوتك الطاغية، فلا بدّ أن أفلتك، وإلاّ أنت محطّمي، ومفتتي ذراتٍ، وذرات.‏

(يظهر أدونيس)‏

أدونيس : آه، هذا يذكرني بغرام الكلاب، أيتها المرأة، لقد صفحت لك شهوتك، لكن حذارِ أن تقتربي ثانية وإلاّ حوّلتك رماداً.‏

عشتار : أعلم أنك قادر على ذلك يا حبيبي، لكن هذا يروق لي، وهو غايتي العليا.‏

أدونيس : أمَّا أنا فلي غايات أخرى.‏

عشتار : غايات أخرى.‏

أدونيس : ميزان العدل.‏

عشتار : ما به؟‏

أدونيس : أتيتُ لأرفعَ كفتيّ العدل في سماء جبيل، وعلى أسوار بيروت وصور وأوغاريت، فوق ربا دمشق وماري، وفي حصون نينوى وتلال عمون، وسهول أريحا.‏

عشتار : مشوارك طويل والطريق إلى جسدي أقصر.‏

أدونيس : الطريق إلى جسدك هو الطريق إلى الموت، وأنا طريق الحياة أمرت أن أسلك، هكذا أبي سيّد الآلهة قال، طريق الحياة تسلك، طريق الناس تقتفي، فحيث تزرع بذور الناس تنتش الحياة.‏

عشتار : أنتم الآلهة الطيبون، مغرمون بآلام الناس، معرضون عن آلام الآلهة مثلي.‏

أدونيس : عشتار أيتها الأمّ الولود، مقدّس فعلك في إنتاش الأرض، وانتاش الناس.‏

عشتار : أدونيس أيّها الإله الجميل، أبغض الأسماء ليّ الأمّ الولود، وأحبها إليّ سيّدة الرغبة والإثارة، نادني ربّة الأنوثة، موقظة الموتى من مرقدهم، تسير قطراتي في عظامهم النخرة، فيهبّون أيقاظاً، نادني عشتار واهبة الذكورة فحولتها، والأنوثة رقّتها، أمزج النار بالماء في إناء واحد، فأساوي بينهما.‏

أدونيس : أيّتها الآلهة المحترمة، حسبك ما وهبتك من متعة.‏

عشتار : حسبي يا حبيبي ما وهبتني من متعة، متعتك ستبقيك في ذاكرتي عاماً كاملاً سأغيب بعيداً في كوكبي على سطح الزهرة، وقد ألجأ إلى المريخ، ستبقى ذكراك زيت مصباحي أرى به الأشياء، لكن حذار لو أتيت في العام القادم إلى هذا المكان في مثل هذا الزمان ولم أجدك.‏

أدونيس : إن لم أكن هنا فستجدين زهرة الشقائق، رسالة تدلّ عليّ، وإشارة تنمّ عنّي.‏

عشتار : بم تتحدث يا مولاي فلا شقائق في آب.؟‏

أدونيس : قد يأتي موعدنا باكراً، وقد تكون حقول الشقائق موعدنا.‏

عشتار : أنت مولاي، أدونيس اسمك، وأزهار الشقائق رمزك، فتقدس اسمك يا مولاي، وموعدنا، يوم تدخل الشمس ثانية برج السنبلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244