أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد السادس

((غابة في جبل لبنان، قرب نبع أفقا، الأيام الأخيرة من شهر آب))‏

أدونيس : (جاثٍ أمام شجرة مر) أيتها الشجرة المباركة، بل أيها الرحم الذي حملني، أنت أمي لكن أيّ الأشجار هي أمي، وكلها متشابهة بالوداعة والسكون، والصمت، لكن إذا تشابهت الأشجار بالشكل، فلابُدّ أنها تختلف بالمعنى، مَنْ كانت أمي، سترسل لي رسالة من داخل قلبها النباتي، وتقول لي، أنت ابني، فتعالْ، فلأنصتْ عسى أن أسمعَ رسالة الأم من لحاء الشجرة ((يسير بين الأشجار)) آه، لم أسمع، بل أشمُّ رائحةَ البخور، تنبعثُ من هذه الشجرة، شجرة المرِّ هذه لابد أن‏

تكون أمي ((يجثو أمام شجرة أخرى)) الدلالةُ صحيحة، لكنَّ قلبي ساكنٌ صامت، وأحرف القلب هي كلمات الأم، لابدَّ أنَّ في الأمر خديعة، فالبخور دلالة الهيكل، فأية امرأة من الهيكل، تقطن داخل هذه الشجرة، أهي كاهنة مقدسة، أم مومس مقدس، أم راقصة المعبد، إنه مكرُ إلهٍ شديد.‏

الجوقة : أغصان الشجر‏

انطقي بالعجب.‏

أغصان الشجر‏

اكتمي الخبر‏

فلو عرف ابن التراب‏

حقيقة الأمر‏

لشكَّ بالآلهة العظام‏

فتدبيرهم عصي على الإفهام‏

لا الريح أمك ولا التراب‏

لا الماء أبوك ولا الشجر‏

فلنساعدْ الغريق‏

في بحر السؤال‏

الجوقة2 : هيا يا سميرنا‏

هيا يا راقصة المعبد‏

استيقظي من نومك‏

بلا زينة أو عطور‏

فابنك الذي ولدت‏

يناجي أغصان الشجر‏

ابنك يفتح ذراعيه لك‏

فعانقيه‏

واسكبي في قلبه‏

"جواب السؤال‏

سميرنا : لو سكبتُ لعدتُ كما كنت شجرةَ‏

وعندئذ سأفقدُ النظر لحبيبي‏

فأصاب بالعمى‏

والبله والجنون‏

وسجن الخشب‏

رئيس الجوقة : أَعطهِ الجواب‏

دون إعطاء الجواب‏

تكلَّمي بالرمز والإشارة‏

واستخدمي الدلالة والإيماءة‏

وذاك يكفي‏

لمن كان إلهاً‏

عنصره من سيد الآلهة‏

وجوهره من أبي السنين‏

سميرنا : حبيبي سأرى‏

ولصدري سأضمه‏

وباقةً ريَّانةً سأعطيه‏

فطالما حنَّ ثديي لإرضاعه‏

كي ينطلقَ لسانه‏

وينادي‏

أمي‏

أدونيس : ما البخور أمي ولا الآس، مَنْ أسألُ، الريحَ أم الهواء، الشمسَ أو القمر، سكونُ الغاب أم صمتَ المغاور، أين القمرُ البازغ الذي ولدني (تدخل سميرنا تضع لثاماً على وجهها).‏

مَن أنتِ؟‏

سميرنا : أنا راقصة المعبد.‏

أدونيس : لكنَّ راقصة المعبد محجوزةٌ في ثنايا الخشب.‏

سميرنا : أبكَ هلوسة أيها الفتى الجميل ما تدعى، ومَنْ تكون؟‏

أدونيس : إنني أدونيس.‏

سميرنا : أدونيس، وماذا يعني هذا؟‏

أدونيس : عابر سبيل.‏

سميرنا : أفصحْ.‏

أدونيس : غريبٌ عن عالم البشر، وعن مجال هذا الكوكب.‏

سميرنا : لغة غريبة.‏

أدونيس : أبي سيد الآلهة، وأمي الأميرة سميرنا، وكلاهما لا أعرف ولا أرى، ولهذا أنا غريب الأفكار، مضطرب الخطا، ولكأنني ذات يوم سأنسى مَنْ أنا.‏

سميرنا : "ما رأيك أيها الشاب بخير من ذلك؟‏

أدونيس : ماهو؟‏

سميرنا : أن ترضع من ثديي.‏

أدونيس : أرضعُ من ثديك؟‏

سميرنا : لبنَ الحياة.‏

أدونيس : لبن الحياة أم لبنَ الموت.‏

سميرنا : وهل تخاف الموت؟‏

أدونيس : إن كان من صدر الأم فلا.‏

سميرنا : وإن كان من صدر غانية مثلي، تهبُ جسدها للإله بعل، ولكل من يطأُ عتبات هيكله.‏

أدونيس : إن كنت أشم رائحة أمي، نعم.‏

سميرنا : تعالَ وارضعْ حليب صدري.‏

أدونيس : وهل ترضعين حليب صدرك كل سائل؟‏

سميرنا : فقط لأحبتي.‏

أدونيس : وهل أنا من أحبَّتِكِ؟‏

سميرنا : بل أنت سيدهم وأجملهم وأقربهم إلى قلبي.‏

أدونيس : كيف وعمر لقائنا لحظات؟!‏

سميرنا : لحظات الحب هي الأبد.‏

أدونيس : كأني سمعت هذا الصوت من قبل، كأني رأيت هذا الوجه من قبل، انزعي خمارك.‏

سميرنا : سأنزع خماري لأجلك يا صغيري (تنزع خمارها).‏

أدونيس : أنت راقصة المعبد، لقد رأيتك من قبل.‏

سميرنا : أجل.‏

أدونيس : كيف عرفت مكاني؟‏

سميرنا : قلبي دلَّني عليك.‏

أدونيس : أعطني صدرك سيدتي، فلأجلك يمكن أن أعاشر الموت.‏

سميرنا : لا، أخاف عليك الموت، أنتم الآلهة، لو شربتم حليبنا نحن البشر لصرتم مثلنا، تعرفون الموت والحياة، ثديي لن أعطيك، وحليب صدري لن تمسَّهُ، لن أهبَ حبيبي الموت لقاء نزوةٍ عابرة.‏

أدونيس : أتخافين عليَّ من الموت؟‏

سميرنا : أجل.‏

أدونيس : لِمَ؟‏

سميرنا : أنت حبي الوحيد.‏

أدونيس : والحبيبة قد تهب حبيبها الموت بسبب الغيرة، لكن الأم لا تهديه سوى الحياة مهما عقَّ بها وتجبَّر.‏

سميرنا : إنني.‏

أدونيس : أنت أمي.‏

سميرنا : لا، بل أنا راقصة المعبد، يتناولُ جسدَها من يشاء من الرجال، لقاء مبلغ محدد، يدفع لبناء مجد الرب، وإشادة قصره.‏

أدونيس : سواءً أكنت راقصةَ المعبد، أم أمي، دعيني أتناول سرَّ الحياة من صدرك النبيل، فمثل هذا الصدر أرجو أن يكون صدر أمي.‏

سميرنا : لا أستطيع أن أهبكَ الموت يا صغيري، إنني أشفق عليك.‏

أدونيس : أبي سيد الآلهة بعيدٌ متوارٍ، في مكانٍ ما من السماء أو الفراغ، صدُركِ أقرب، فلأعرّفْ بكِ وَلأَنْتَمِ إليك، وليكن شرف سلوك طريق الموت بيدكِ، أنتِ معرِّفتي في عالم الموتى، ومن صدرك، سأتناول سرَّ الحياةَ وهو ذاته سرُّ الموت.‏

سميرنا : خذ يا حبيبي، تذوّق حليب صدري، فقد خُبّئ لك من سنوات وسنوات ((يقرب أدونيس رأسه من صدرها)) أنت سعيد؟‏

أدونيس : أجل.‏

سميرنا : وأنا حزينة.‏

أدونيس : لِمَ؟‏

سميرنا : لأنّك ستعرف الموت.‏

أدونيس : معرفتك يا سيّدتي هي الحياة، وجهلك هو الموت، فغير الموت لن أخسر، وسوى الحياة لن أكسب، ضمّيني لصدرك يا أماه، ونادني يا بني، ولو على سبيل الخداع.‏

سميرنا : يا بنيّ.‏

أدونيس : أمّي.‏

((تضمه إلى صدرها بشوق)).‏

الجوقة1 : غصنان متآلفان‏

ظلان ملتفّان‏

جسدان مندغمان‏

روحان متّحدان‏

هذا مسرى الأمّ في الجسد‏

هذا مسرى الابن في الجسد‏

هذا جسد أفرز جسداً‏

هذا جسد اتّحد بجسد‏

فباتت الآلهة حيرى‏

مأخوذة من هذا الجمال‏

أمّ تعانق ابنها‏

ابن يسري في فلك أمه‏

هذا اشتعال نور الآلهة‏

ونبض قلبها‏

يخفق في جسد الأرض‏

الجوقة 2 : ألقت الآلهة سرّها في الأمّ‏

وأغلقت الصندوق‏

ورمت الصندوق في متاهة‏

فسرى الصندوق في مجرى النهر‏

والنهر ألقاه إلى الشاطئ‏

وبيع بتجارة‏

لكن‏

حيثما سرى الصندوق‏

احتوى سرّ الآلهة‏

فحيثما هطلت عينا أمٍّ من الفرح‏

فهناك مجمع الآلهة‏

وحيثما هطلت عينا أمٍّ من الحزن‏

فهناك هيكل الربّ‏

وحيثما ابتسمت أمٌّ من محبّة‏

فأنت ترى ابتسامة الإله‏

قلب الأمّ جوهرة‏

كمنت فيها روح الآله‏

رئيس الجوقة : لكن للآلهة صورة أخرى‏

آلهة الرحمة‏

هي آلهة الانتقام‏

مجمع الآلهة‏

أقرّ القرار‏

وأعلم أرشكيغال‏

بمضمون القرار‏

فارتدت الخنزير البريّ ثوباً‏

وهاجت شهوتها هيجاناً‏

تعال يا أدونيس‏

وهلمّ إلى جحيمي‏

فغابات جحيمي‏

مشتاقة أن ترى نورك‏

"أُحْبُكُ خلايا جسدي رداءً لكَ‏

فتدثّرْ بالرداء‏

جسدي يرتدي جسدك‏

فأشرقُ بالنشوة والضياء‏

وعندئذ‏

آلهة الجحيم تكتسي حلّة البهاء‏

وآلهة العذاب تنبضُ بالجمالِ‏

((غابة جبيل، حيث لا يزال أدونيس مع أمّه سميرنا، سميرنا تبكي بهدوء‏

أدونيس : أنت تبكين؟‏

سميرنا : أجل يا بنيّ، أعني يا حبيبي.‏

أدونيس : مذ تذوقت حليبك، والوهن يدبّ فيّ، كأنّ سيفاً من هواء، شطرني نصفين لقد فقدت سرّ الألوهة يا أماه.‏

سميرنا : صرت إنساناً مثلنا، فدعني أناديك ابني.‏

أدونيس : وسأناديك أمّي، أنت حزينة باكية، كأنّه اجتماع الموت، وليس اجتماع الحياة.‏

سميرنا : لا تذكر الموت ثانية، فأموت.‏

أدونيس : أتشمين رائحةً ما؟‏

سميرنا : أية رائحة؟‏

أدونيس : رائحة خنزير، ومعه رائحة الموت.‏

سميرنا : جسدي درعٌ لك.‏

أدونيس : أتسمعين ما أسمع؟‏

سميرنا : وماذا تسمع؟‏

أدونيس : صوت أقدام خنزير، وأقدام إله الموت.‏

سميرنا : سأخبّئك في جسدي فأطعن أنا وتبقى أنت.‏

أدونيس : احتمي بهذه الشجرة، أقتلُ الخنزير وأعود، قد يكون مقتلي بيد البرق أو العاصفة لكن ليس " بخطم" خنزيرٍ‏

بريٍّ، سأمزقه بضربةٍ واحدة وأعود، قوة إيل لا تزال في ذراعي، وإيل لن يتركني ساعة الشدة، إنه الإله الوفي، الذي لا ينسى مخلوقاته فكيف بابنه الصغير؟.‏

سميرنا : خُذْ قلبي معك ليرى ما سيحدث.‏

أدونيس : هاتي قلبك يا أماه، فهو الشاهد على ما سيحدث (يخرج)‏

سميرنا : (صارخة) أدونيس‏

((يدخل الإله موت))‏

موت : إهدئي يا امرأة، إنه مجرد التهام للجسد، سيلتهم الخنزير جسد ابنك، ونغادر المكان، فاهدئي، ولا تعكري مزاج خنزيرنا العظيم، بالتهام جسد أدونيس.‏

سميرنا : ابني. ((صارخة)).‏

موت : قلتُ اخرسي، والا نظرتُ إليك فصرت حطاماً.‏

سميرنا : وهل أنا إلا بقايا حطام، مستأنسةً بالجنون، متوحدة مع العذاب، ابني يمضغ أمام عيني ((صوت خنزير بري يلتهم فريسة، وبشكل وحشي)) آه، تعالَ إليَّ أيها الجنون، وخلصني من عقلي، كُنْ رحيماً بقلب أمٍ معذبة، وَهبْها نعمة النسيان.‏

موت : لقد فقدتْ عقلها، لقد ماتت إذن، لن ألوث يدي بهذه الجريمة، سأبقى نظيف اليدين.‏

((تدخل أرشكيغال، إنها في كامل ثورتها وقوتها الجنسية الهائلة، آثار دماء تلطّخُ فمها وصدرها العاري)).‏

أرشكيغال : تعالْ ((بوحشية مطلقة مخاطبة الإله موت))‏

موت : لا ((يهرب منها)).‏

أرشكيغال : أين ستهرب ((تخرج إثر الإله موت))‏

سميرنا : أدونيس حبيبي، أين أنت، إنني هنا، صدري بانتظارك، آه، أين ذهب صغيري، لعله اختبأ في تويجات زهرة فلأفتشْ عنه في تويجات الورد، فشبيه الورود هو‏

((تخرج سميرنا))‏

الجوقة 1 و- 2 : نعلن الصمت بياناً‏

نعلن الصمت خطاباً‏

نعلن الصمت كلاماً‏

فإن كان الكلام يقود إلى الباطل‏

فالصمت يقود إلى الحقيقة‏

الحقيقة جوهرة‏

متلألئة‏

في فراغ كرة الصمت‏

نهاية الجزء الثاني‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244