أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

((قاعة الملك في قصر الملك ميتاس، الذي يبدو أشبه بماخور، إنّه مزدحم بالبشر والفوضى والاضطراب، والكل في حالة هياج أقرب للجنون، وتحطيم كل شيء))‏

مواطن1 : هذا هو تاج الملك ميتاس، وهذا سيفه، وهذا صولجان ((يرمي بهم للناس)) لا ملوك بعد اليوم، بل مواطنون أحرار، هيّا، خمراً خمراً، مزيداً من الخمر، ولتصدح الأرجل بأحلى الأغنيات، ولتعبّر الصدور عن فرحتها بلقاء صدور أخرى، هيا أيها الناس، لا آلهة و لا شرائع بعد اليوم، بل إلهنا المقدّس إله الخمر، باخص العزيز، هيا لنشرب، لننسى غدر الآلهة بحبيبنا أدونيس، لنشرب نخب أدونيس، ولنحطّم بعدها الأقداح، ((يشربون، يحطمون الأقداح، تدخل عشتار، غمامةً من نورٍ متجسّد جسداً أرجواني اللون، قرمزي القوام)).‏

مواطن2 : أيّ شمس أشرقت.!!‏

عشتار : هيا أيها الرجال، أروني متانة أسلحتكم، فترسي سيصدّ كل رمية رمحٍ، أو ضربة سيفٍ، والشديد سأكافئه أشدّ مكافئة، سأصيّره ملكاً على جبيل ((الجميع في فرح، وهياج، يتدافعون إليها بسرعة مذهلة، يقتربون منها بحماسة زائدة يخترقون غلالة الضوء التي تمثل جسدها، وهي أضواء متبدلة بألوان قوس قزح، يخرجون من غلالة الضوء بالسرعة التي يدخلون فيها، لكن يخرجون لاهثين شبه محطّمين)).‏

مواطن1 : آه، كأنّ مصيبة قد حلّت بنا.‏

مواطن2 : يد امتدّت وسلبت منّا شهوتنا.‏

مواطن3 : أطفأت موقد رغبتنا.‏

مواطن4 : فصارت المرأة كجذع النخلة.‏

مواطن5 : بل صارت المرأة كالبطيخ الفاسد من شدة النضج.‏

مواطن6 : أيّة امرأة قد حلّت بنا.‏

عشتار : إن لم يكن هناك رجال فيا أيتها النسوة هلمنّ إليّ، أمتعكنّ متعة سكرى، ((تقترب النساء من غلالة النور، يدخلن فيها يخرجن ذاهلات)).‏

امرأة1 : أحمق كائن خلقته الآلهة هو الرجل.‏

امرأة2 : بل أكثر الكائنات بشاعة هو الرجل.‏

امرأة3 : إنّه مثير للقرف، والاشمئزاز.‏

امرأة4 : هيا أخواتي، ضعن أيديكنّ على أنوثتكنّ، فرائحة الرجال تفوح من هذا المكان.‏

رجل1 : بل أكثر الكائنات بشاعة هي المرأة.‏

رجل2 : إنها ماء رخوّ.‏

رجل3 : نشكر الآلهة أنّها اخترعت لنا الثياب، لتغطية جسد المرأة.‏

رجل4 : على الأقل الثياب تستر ذاك الشيء القبيح، المقزز، الذي وهبته الآلهة إياها.‏

رجل5 : نحمد الآلهة أنّه ليس لنا ما للنساء.‏

رجل6 : وإلاّ كانت ورطة، وأية ورطة.‏

رجل7 : بل فضيحة وأيّة فضيحة.‏

رجل8 : وكيف عندئذ سنواري فضيحتنا يا أخي؟‏

رجل 9 : بتنكّيس الرأس.‏

رجل10 : ما أجمل رفقة الرجال، وما أبشع الحديث عن النساء، نحمد الآلهة الكرام، أننا كنّا من صنف الذكور من الرجال.‏

عشتار : سأتحوّل من غمامة نور، إلى ورد جوري، وريحان، وعنبر، خلطتي المفضّلة، وستشلّ رائحة مسكي المكان.‏

((تفوح رائحة المسك في المكان يدخل الملك ميتاس وخلفه زوجته، قائد الجند رئيس الكهنة، جنود. كأنهم سيقضون على التمرد الحاصل في المدينة، حين ترى الجموع الجند شاهرين سلاحهم يفرون مذعورين إلى طرف القاعة)).‏

الملك : لقد اندحرت الغوغاء، وانتصرت الملكية.‏

أحد الأشراف : الملك يا مولاي هو كلمة الحقّ، وظلال الآلهة على الأرض.‏

رئيس الجند : سننظف جبيل من الغوغاء، مرني يا سيدي، فأرمي جثثهم لطيور السماء.‏

((تسري رائحة عطر عشتار في المكان)).‏

الملك : إيه، ما أجمل رائحة هذا العطر كأنّه عطر الآلهة.‏

رئيس الجند : مرني يا سيدي بتنظيف المدينة.‏

الملك : وأنا آمرك بتنظيف جسد زوجتي.‏

رئيس الجند : إنني رهن إشارتك يا مولاي.‏

الملك : هيَّا أيها الأحبّة، تنشقّوا عطر الربيع، الذي بدأ يفوح في هذا المكان القذر، ألا يوجد مومسات في هذا المكان؟ كلّ مكان لا توجد فيه مومسات فهو مكان قذر، لا يتمتع بالنظافة المطلوبة، هيا، نظّفوا المكان، اجلبوا كل مومسات جبيل، لكن مهلاً، زوجتي هنا، فلا حاجة لأية مومس.‏

الملكة : ما أجمل هذا العطر، كأنّه يفوح من عزيزتنا عشتار.‏

الكاهن الأكبر : مولاي الملك، ما الذي جرى بعقلك؟ إننا خدم الإله بعل، ونحن صوته العالي إننا نمثّل أحكامه، وشريعته، وبم تهذي؟ إن كان لابدّ أن تقدم زوجتك لأحد، فأنا أولى بها، فأنا مجرّب وخبير، وقد خبرت جسدها مذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، بل منذ أيام قليلة، فقط، قد خبرت جسدها آخر مرّة، وهي تقدّم قربانها للإله بعل، العالي، والعالي جداً في أعالي السقف.‏

الملكة : كاهن أقرع الرأس مثلك لا أسربه.‏

الملك : لا تختلفوا يا أحبّائي، سنسويّ المشكلة، إنّه عهد الأخوّة والإخاء أصدر يا رئيس مجلس مديتنا، قراراً بإعلان المساواة، والمؤاخاة، بين النساء والرجال وسمّه، إعلان النيّات الطيّبة.‏

الملكة : ما أجمل أيام النيّات السيّئة.‏

الملك : ولتسد المحبّة الصافية، من كل غش وخداع ورغبة خفيّة، لقد أتى العهد العظيم فلننصرف إلى التأمل، والوحدة، والعزلة، وطلب الفراغ، من الفراغ أتينا، وإلى الفراغ نعود.‏

رئيس مجلس المدينة : حقاً أشعر أنّ رؤوسنا أصبحت فارغة، تقرقع فيها الحصى، وأوتار الريح، صار لنا رؤوس موسيقية، تصدر ألحاناً شجية.‏

الملك : ولنعلنْ هذا اليوم عيداً للضحك، هيا اضحكوا يا أهل جبيل ((الجميع في ضحك صاخب)) أهلاً بالشعب الحبيب، في صحّة مولانا أدونيس.‏

مواطن1 : عاش الملك ميتاس، إله الخمر الحبيب.‏

مواطن2 : الآن يتعانق الشعب والملك، في الأحضان يا حبيبتي الملكة ((يحتضن الملكة))‏

الملك : ببراءة.‏

مواطن2 : وأين أيام القذارة، لقد نظّفتنا يد عشتار من كل خير، ولم تبق فينا أي خير ((الجميع في ضحك وشرب وصخب)).‏

الملك : رعيتي السعيدة، ليكنْ هذا اليوم من شهر شباط، عيداً لنا، ولأحفادنا من بعدنا نشكر فيه الآلهة العظام، بأنّ عهد الأخوة بين الرجل والمرأة قد حلّ، وبه انتهى النزاع بين الأمم، واندثرت الشرور بين الجماعات، وانتهى النقار بين الكنّة والحماة، إنّها مناسبة تاريخية خالدة، المرأة أخيراً بلا نوايا عدوانية، ولا نوازع شريرة، إنها ترى الشجرة، ولا تقول اقطف لي التفاحة، لنشكر الآلهة على هذا التطور الهائل، الذي حدث على دماغ المرأة.‏

الملكة : ونحن نشكر آلهة السماء، أنها حوّلت الرجل من حيوان بهائمي، غريزي، لا يعرف سوى لغة القفز علينا، وجعلته كائناً مهذباً، أنيقاً دائم الابتسامة، أصبح مسالماً، ليناً، رطباً، مثلنا تماماً، واضحاً كالحقيقة.‏

الكاهن الأكبر : ولأنه يا أحبتي عهد الإخاء، فأنا أُآخي بين الآلهة والبشر، بعل أخي وأنا أخو بعل، لذلك ما تقدمونه لبعل، أعطوه لي، فهو خير لكم ولي.‏

(( الجميع يحيّونه بشجاعة))‏

رئيس مجلس المدينة : ولأنه عهد الأخوّة، فأنا أُآخي، بين الأغنياء والفقراء، فمالي مالكم، ومالكم مالي، لا عمل بعد اليوم، لا ثروة بعد اليوم، بل خمرة، وخمرة فقط، ولنبارك الخمرة، إنه عهد الأخوة، وزوال الأحقاد، وزوال العظمة والتعالي على الناس، الناس متساوون وأحرار، إذن لا داعٍ لرئيس ومرؤوس، وما نفع الرؤوس إن كانت تميّز الناس، بين سيد وعبد، وقوي وضعيف؟ لا رئيس بعد اليوم، ولا مرؤوس، بل الكل سواسية بلا رؤوس ((الجميع يهزجون فرحين عابثين، بصخب))‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244