أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الخامس

الجوقة1 : ما عاد غيم يلقح مطراً‏

ولا ريح تسأل شجراً‏

ولا شمس تداعب رملاً‏

ولا ظل يطارد حروراً‏

ولا دنّ يغازل خمراً‏

ولا ظبي يعانق وعلاً‏

الكون أغنية خراب‏

والأرض تزيّنت بالاكتئاب‏

رموشها ذبلى‏

وشفاهها جوعى‏

وأثداؤها ظمأى‏

فاتّقد موقد الخراب‏

إنّه الاضطراب‏

رماد، رماد‏

وجه الشمس رماد‏

تفككت قوانين الأشياء‏

وانتثرت ذرات من رماد‏

الجوقة2 : أيا عشتار‏

مدّي يدك يا إلهتنا المقدسة‏

ولملمي جراح الحياة‏

الجرح قاتل‏

وإن لم يعالج‏

انزوت ظلال الحياة‏

وساد صمت البرودة‏

وسرى مركب الظلام‏

عشتار : من الذي أيقظني من مداعبتي لذاتي، وتأملي لجمال بهائي.‏

الجوقة1 : نحن أيّتها الأم المقدسة‏

يا من ولدت كل الأشياء‏

وبقيت كما أنت عذراء‏

سرّك أعصى من أن يحلّ‏

وضوؤك حجاب وستار‏

عشتار : ماذا تريدين أيتها الأشياء؟ التي صنعتها رغبتي ذات يوم، وكنت أعتقد أنّها ستكون أنا، لكنّها عصتني، حنّ التراب للتراب، ونبذت أنا في العراء.‏

الجوقة2 : أيتها الفائقة المحاسن‏

أيتها الفاتنة المظاهر‏

أيها المعبد الحارق‏

أيها المسّ الساحق‏

الأرض خربة مهجورة‏

والأجساد عظام منخورة‏

ولا شيء يسقي العظام سوى نبعك‏

لنرمم القلوب‏

فتشفى من داء الحقد‏

وسُمِّ الضغينة الفتّاك‏

ما عاد في الأرض شفة تنطق كلمة حبّ‏

أنجدينا يا نبع الحب والحنان‏

عشتار : ردّوا أدونيس إليّ، فأفيض بدمعي على التراب العاصي، فأطفئ جنون الحصان الجامح، ويعود كما كان، فراشة زرقاء.‏

الجوقة1 : وأين أدونيس نردّه إليك‏

أيتها الأم المباركة‏

عشتار : اسألوا ارشيكيغال المساعدة، فلعلّ في تربة موتها، تكمن بذرة أدونيس الحية، حبيبي لا يموت، وإن تدثّر بالموت رداء، وبالفناء وسادة، الموت يغذيه بالحياة كما تغذي الحامل جنينها، القاطن في حجب الظلمات، ماء الحياة يرقد في كهف الفناء، كما ترقد البجعة في بحيرة ساكنة.‏

الجوقة2 : لنيمم وجهنا شطر ارشيكيغال‏

الأم الحانية‏

ولشدة حنانها‏

تعذب في نار الجحيم‏

أبناءها الخطاة‏

ليرتدعوا عن خطئهم‏

ويعرفوا الطريق الصحيح‏

تتألم لألم الخطاة‏

لكن لا بد من الألم‏

لولادة المعرفة‏

ولا بد من العذاب‏

لولادة الحقيقة‏

الجحيم لوح‏

وعليه نقشت أحرف الحقيقة‏

الجوقة2 : مباركٌ عذابك يا أمنا‏

مباركةٌ نارك‏

التي تشوينا‏

وتغير جلدنا‏

وتبدل وعينا‏

فنارك تحمينا من نسيانك‏

عذابك رحمة‏

أما نسيانك فجريمة‏

قبّلوا شفاه الجحيم‏

فبها تسقون كأس المعرفة‏

تعرفون التبدل والتحول‏

فتولدون من جديد‏

أبناءً للآلهة، نورانيين‏

رئيس الجوقة : الجحيم يخلّص النور من الظلمة‏

يطلق الرشيم من البذرة‏

مباركة زبانية الجحيم‏

فهم المهذبون‏

وهم المربون الأبرار‏

مباركة مطارقهم ومهارسهم‏

فهي تهرس الجهل والحقد والغضب‏

وتطرق الأنانية والشره والحسد‏

ارشيكيغال : من هذا وماذا يريد؟‏

الجوقة1 : نحن يا أمنا أبناؤك في كوكب التراب‏

أتينا قاصدين عتباتك‏

في كوكب المريخ‏

كوكب من نار وغضب‏

وريح السموم تدور فيه صباح مساء‏

مفعم بالقوى النارية‏

والمسوخ المرعبة‏

ارشيكيغال : ماذا تريدون يا أعزائي؟ حفنة من نار، أم دواء قطران؟‏

الجوقة2 : نريد تقبيل قدميك ويديك‏

والتمعن في جمال وجهك الآسر‏

ارشيكيغال : آه، هذه أول طينة تتغزل بي "صارخة بوحشية" ماذا تريدون؟‏

الجوقة1-2 : "برعب" أدونيس.‏

ارشيكيغال : أدونيس فيّ، ولن أخرجه مني، أدونيس لي، ولن أسلخه عنّي، إنّه وجهي إنّه أنفاسي.‏

الجوقة1 : أيتها الأمّ الحنونة‏

يا أمّ الجحيم الأزلية‏

وسيدة الموت الأبدية‏

الأرض ثمرة مريضة‏

نخرت عظامها الرطوبة‏

قليل من نارك‏

تطهر الأرض من العفونة‏

ارشيكيغال : ناري خمدت، مذ الشهوة في الأشياء انطفأت، ناري بردت، مستنقعاً آسناً صارت.‏

الجوقة2 : ولكي يورق المستنقع زهراً‏

يحتاج لدفء الصيف‏

وانسلاخ الخريف‏

وهمود الشتاء‏

وانبثاق الربيع‏

الحياة رغبة‏

وأنت قد احتجزت نهر الرغبة‏

والنهر ان حجز‏

نما وتكاثر‏

وإن لم يجد منفذاً‏

انفجر‏

ارشيكيغال : إنني آلهة.‏

الجوقة : حتى الآلهة تخضع لقانون الطبيعة والأشياء‏

ارشيكيغال : أحسّ بها لحظة الانفجار قد اقتربت، لكل شيء ميقات، ولكل توقيت انفجار الكواكب كما الأنهار، الجسد كما الأشجار، النجوم كما الآلهة، الزمان كما الفراغ، كل شيء ينتهي بانفجار كما بدأ.‏

الجوقة1 : إذن أفيضي على الأرض الخير والبركة‏

المحبة والسلام‏

ارشيكيغال : لماذا؟‏

الجوقة2 : لتزدهر الحياة‏

ويغرد البلبل‏

ويرتل العصفور‏

ويختال الشحرور‏

فنوجد نحن وأنت‏

فعالم بلا أناس‏

عالم بلا آلهة‏

وعالم بلا رغبة‏

عالم بلا حياة‏

والحياة أخذ وعطاء‏

ارشيكيغال : لقد أخذت أدونيس ولن أعطيه، وما نفع تغريد البلابل إن فقدت أدونيس؟ بلابل بمناقير حديدية، سترسل أغنياتها النارية، عندئذ.‏

الجوقة1 : حين يزهر أدونيس ستزهر الحياة‏

أدونيس هو كل نسمة حية‏

سيتبدى في خفقة الطير ورقة النهر‏

في تصفيق الموج وابتسامة الفجر‏

في هدأة الريح والعاصفة‏

بهاء الكون أدونيس‏

لأن أدونيس‏

في كل ذرة في فراغ الكون سيشرق‏

ارشيكيغال : دهاة خطاة، ابعدوا عن هيكلي خاسرين، أيتها المردة والمسوخ، ويا قوى النار الخفية، اتبعوا رهط الطين، وزجّوا بهم في جحيم التراب زجاً، يأكلونه أكلاً، ويلعقونه لعقاً. "تتراجع الجوقة الأولى والثانية مع رئيس الجوقة مذعورين".‏

والآن أيّها الأموات، كلوا ما تبقّى من الأحياء، ويا أيتها النار، التهمي ما تبقى من حطب، ويا شهوة الدمار زغردي، وارقصي فوق جثة الكون المنهارة، أدونيس في داخلي، وأنا وإياه سننهار معاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244