أدونيس - وليد فاضل

ملحمة تراجيدية في ثلاثة أجزاء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثامن

(( ساحة جبيل ))‏

((المصطبة، حيث سميرنا، جموع الناس من المدن العشر، ملوك المدن العشر، الجمع حاشد، ويضيق به المكان، الكل يرتقب حدثاً جللاً، أمراً خطيراً، سميرنا واقفة بشموخ، الحدث الخطير لا يتأخر، إذ تبدأ حشود الآلهة بالظهور وبصفوف في غاية الانتظام، والهدوء، والوقار، ظهور الآلهة يحدث خشوعاً في المكان جموع الآلهة انتظمت الآن في ساحة جبيل))..‏

عشيرة : أبنائي وأحبتي، لأجل خلاصكم أتينا، فنحن إنْ لمْ نرمم العطب، ونردم الشقوق في الجدران، تلاشينا قبل أن يشرق ضوء النهار، وما جدوى ضوء النهار يختال فوق الخراب، جئنا لنعلن سلاماً بين الآلهة والبشر، بعد الآن لن نطالب بقربان الدّم، بل بنبضة القلب، سنزوركم وأنتم مرضى، سنكفكّف دموعكم، سنكون ترسكم وسوركم، وعين الحكمة الخبيرة، ترشدكم لمعابر الطرق، جئنا لنعلن سلاماً، لذلك ليرمِ كلٌّ بحجره، فهذه الجلسة حرّة، الآلهة كما البشر يملكون حقوقاً متساوية في النطق والاقتراع.‏

الجوقة 1 : سنبدأ جلسة الحوار.‏

من نينوى إلى أريحا‏

ومن ماري إلى عمّون‏

ومن أوغاريت إلى صور‏

نسوق شعب الأرض سوقاً‏

ونذروه ذراً‏

ولم نجمع سوى هذه الحفنة الرثّة‏

التي استهلك اليأس عظامها‏

ومضغ بريق عينيها‏

وأحالها إلى ظلال رمادية‏

والآلهة تدور على الأسوار‏

تدقّ طبولها‏

وتحمل حرابها‏

مشرئبّةً تعتصر الأنفاس‏

وتقبض الأرواح‏

أنفاسٌ واهية‏

وأرواح ذابلة‏

وأنهار الخراب تسوح في الشوارع‏

وتحت جذوع الأشجار‏

الجوقة 2 : أيتها الآلهة السماوية‏

هذا ما تبقّى من شعبك‏

جميعهم لا يصلحون ذبيحة في محرابك‏

وشحمهم لا يكفي لصنع شمعة تضيء هيكلك‏

ردّوا لنا أدونيس‏

فترجع للخمرة نشوتها‏

وللمزمار شبقه‏

ارشيكيغال : أدونيس لن أرد، بل سأعصره في جسدي عصراً، والأصح، هو يعصرني عصراً فكيف أتخلى عن العصر، وهو غاية الزمان، وفحوى الرد..‏

عشيرة : أهناك أحدٌ من الآلهة يريد الكلام؟ ((صمت)) ننتقل الآن إلى أحبتنا أبناء التراب، ليتفضل ملوكنا الأعزاء بالكلام.‏

ملك صور : أيّتها الآلهة المحترمة، الفناء اتخذناه طريقاً، والزوال سبيلاً، لكن مضغة الحياة لا تزال عالقة في أجسادنا، رضيعاً يهفو لثدي أمّه، كيف نفصل الرضيع عن ثدي أمّه؟ أجيبينا أيّتها الآلهة الموّقرة.‏

ملك صيدا : شعبي عاف الطعام والنساء، النساء أهملت الرجال والأطفال، الثور حنّ لثور مثله، وترك بقرته شاردة في الحقول، الذئب صار صديقاً للغنم، والغنم أخاً للأفاعي، فاختلطت الأوراق، وما عدنا ندري، أملوكاً نحن أم رعية؟ أبشراً نحن أم حيواناتِ أليفة، نرجو أيّتها الآلهة الموّقرة، إزالة الالتباس.‏

ملك بيروت : لم ينغرس محراث في أرضٍ، ولم تجنِ ثمار عن شجر، تركت الأرض بكراً، والأشجار عذراء، والعذراوات صرن أحجاراً، تنفر من ضرب الإزميل والمثقاب، الغيوم هاجعة، والريح ساكنة، والنار باردة، والمطر يتفتت ذرّاتٍ ذرّات، ما الذي حدث أيّتها الآلهة المقدّسة؟‏

ملك أوغاريت : النّساج ترك نوله، والصبّاغ أصباغه، وصائد اللؤلؤ رمى لآلئه إلى البحر وقال: الماء يعود للماء، وأنا أعود للتراب، النار في مواقدنا همدت، ومنذ سنين لم يسمع في أوغاريت صرخة وليد، ما الذي جرى أيّتها الآلهة المعظّمة، أهي لعنّة أم رحمة حاقت بنا؟‏

ملك دمشق : منذ أعوام لم تقرع أبواب دمشق قبضة تاجر، ولم يسمع حرّاس الأبواب حداء قافلة، منذ أعوام لم يدخل مدينة دمشق ثوب واحد، ولم تخرج منه سلعة واحدة التجارة راكدة، والسوق كاسدة، ما الذي حدث أيّتها الآلهة المبجّلة؟‏

ملك عمّون : المحارق همدت، لم تقدّم للآلهة بعل أضحية واحدة منذ أعوام، نار المعابد انطفأت، ومخازن الكهنة خوت، مملكة الآلهة خراب، لم يرفع فأس لجني الحطب، لم يقدح صوّان ليوّلد شرراً، الكل عزف عن القدح والانقداح، وآثر الهدوء والسكون، والموت باطمئنان...‏

ملك أريحا : كفانا ندباً وتوسلاً، الآلهة تخلّت عن شعبها، لنتّخذِ التّراب أباً، والماء أمّاً، والهواء روحاً، والكواكب هادياً، ومرشداً، لتذو الآلهة كما الحلم ينهار.‏

ملك ماري : أخي نطق حقّاً، إلى متى نستجدي الآلهة فتات الخبز، وعندنا الموائد العامرة، لنغلّق هياكل الآلهة، ولنفتحْ بوّابات هيكلنا، جسد الإنسان هيكل، وإرادته الإله الذي يعبد، ورغبته أجمل الآلهة...‏

ملك نينوى : الأسود تطارد الفراش، والجند تنسج الحرير، وتعزف على، القيثارة، لم يعد في نينوى شرعة، لم يعد في نينوى قانون، والملك جوهر الشرعة، والقانون، الملك روح الإله المتجسّد على الأرض، ولأنّ الآلهة فرّت مذعورة من شبح الموت، وبقي الملك صامداً، فالملك هو الإله الحقيقي، وما عداه سراب، خلقه العجز والوهن...‏

ملك جبيل : عبثاً نستجدي الآلهة السؤال،‏

أينطق الطّين، أو يتكلم الهواء، أو يتلو الماء آيات الشعر البيّنات، خارج حدود عقلنا لايوجد سوى الوهم، فلننظرّ للكوّنْ الذي في داخلنا، فهو أجدى.‏

ارشيكيغال : ما أنت أيّتها الريّاح التي عطّرت أنفاسي؟ فالكل سلاني، ونأى بجانبه معرضاً عنّي؟ شعب يلعن آلهته، جدير أن يسقط في لعنة ذاته، وجحيم ذاته، أحيوا أدونيس، فبوّابات جسدي مفتوحة لتعبر منها روح أدونيس، نوراً وناراً لذّةً وعنفاً، ولادةً ودماراً.‏

ملك بيروت : لذّةً وعنفاً، ولادة ودماراً، خيراً من سكون بارد.‏

ملك جبيل : حرباً وقتلاً خيراً من خراب صامت ترفرف فوقه رايات السلام.‏

ملك صور : بريق السيف أجمل من بريق كاسات الخمر اللازوردية.‏

ملك صيدا : وأن تقرع القّنا بالقنا، خير من أن تقرع النظرة بالنظرات.‏

ملك نينوى : أسود مفترسة خير من كلاب مهذّبة.‏

ملك ماري : ألم مع اللذّة، خير من راحة بلا ألم.‏

ملك دمشق : وخسارة مع الربح، خير من تجارة كاسدة.‏

ملك عمّون : ومعابد عامرة بالذبائح والبشر، خير من شعب صالح هجر معابده.‏

ملك أريحا : وحياة فانية بإرادة، خير من حياة أبدية بلا إرادة.‏

ملك أوغاريت : وأن يقدح العود بالعود وينكسر،خير من وتر صامت.‏

أرشيكيغال : ما تريدون؟‏

الملوك العشرة :جسدك.‏

أرشيكيغال : جسدي؟!‏

الملوك العشرة : لابدّ أن نفتت جسدك، ليولد أدونيس من جسدك، لابدّ أن نلتهم جسدك ليستقرّ أدونيس فينا. ويعبر قنطرتنا.‏

أرشيكيغال : ويلٌ للأرض وما حوت، ويلٌ للأرض وما ادّخرت، الموت تدخّرون، وبالجحيم تذخرون، أرض تلتهم آلهتها ستلد مسوخاً بشرية على هيئة الآلهة، أرض تزني بآلهتها ستسلم نفسها للاغتصاب إلهاً، وللعنف قانوناً وسيّداً.‏

ملك بيروت : آلهة عجوز ثرثارة، طعمك مالح، ومذاقك مرّ، لكن لابدّ أن نلتهمك كما أنت، كي يطلّ حبيبنا أدونيس منك، ، أيّها الملوك العظام، ويا أيّها الشعب العظيم، إنّها ليلة اغتصاب الآلهة، وإنّها ليلة تعتّيق الآلهة، لنرم بالآلهة القديمة إلى القاع، لنرم بالآلهة القديمة إلى القاع، كي يتخمر أدونيس في دنّ ذاتنا، ويعربد نشوى في زجاجة جسدنا.‏

((يهجم الملوك والشعب على الآلهة، صراخ، عويل، قهقهات ماجنة، يفلح الجمع بالإمساك بالآلهة، يختلط الحابل بالنابل، الساحة في ظلام الرؤية مبهمة، لكن ما يحدث يبدو مفهوماً)).‏

الجوقة 1 : رغم أنني لا أرى بوضوح ما يحدث بسبب الظلام‏

رغم أنني لا أوافق‏

فأنا معجبة بما يقوم به الإنسان‏

لم يحدث هذا من قبل‏

أن قيّدت الآلهة من يديها‏

وأن تعرّضت لمثل هذا العار‏

أجساد الآلهة العذراء‏

صارت أجساداً مدنّسة‏

برائحة الإنسان‏

الإنسان زنى بآلهته‏

وهو سعيد بليلة حلول الإله‏

أهو الجنون‏

حتّى الجنون يقصر عن ما جرى‏

إنّه أمر خارق‏

لاندري ماهو‏

وعمّا سينبئ يا ترى‏

الجوقة 2 : الآلهة القوّية فرّت مذعورة إلى أعالي الجبال‏

أو آفاق الفراغ‏

أمّا الآلهة الأخرى‏

فقد اغتصبت من الإنسان‏

فانحلّت قواها‏

وذابت كما كانت عناصر‏

عجيب أمر الآلهة‏

ترتدي الجسد لباساً‏

والخريف حجاباً‏

والمطر دمعاً‏

والرّيح أنفاساً‏

لكن حين ترتدّ الحقائق‏

تعود إلى بحر العناصر‏

حيث كل الوجوه وجه واحد‏

وكل اللغات حرف واحد‏

رئيس الجوقة : إنّها ليست ليلة اغتصاب الآلهة‏

بل ليلة اغتصاب الإنسان ذاته‏

مَنْ يفتح باب السرّ عنوّة‏

يدخل في متاهة المتاهات‏

ويصبح هزءاً بين الكائنات‏

لملموا جراح الآلهة‏

قبل أن يصير الدّم طوفاناً‏

والقتل بركاناً‏

جسد أرشيكيغال تشظّى‏

اليد في مكان، والصدر في مكان‏

أجزاؤها تناثرت على السّفود‏

والتفّت حولها الجموع‏

تطلب قطعة من جسد الآلهة‏

عسى إن أكلت جسد الآلهة‏

تصير آلهة‏

عجيب أمر الإنسان‏

حين يملّ‏

يحطّم ما صنع‏

لا الوهم يروي عطش الإنسان‏

ولا الحقيقة تزيل العطش‏

عجيب أمر آنية الفخّار.‏

مواطن 1 : ما أطيب جسد الآلهة.‏

مواطن 2 : مذاقه مذاق التراب.‏

مواطن 3 : بلا لون أو طعم أو رائحة.‏

مواطن 4 : لم نتذّوق مثل هذا اللحم من قبل.‏

مواطن 5 : لعلّه ليس لحماً، إنّه شيءٌ ما.‏

مواطن 6 : يبعث على الراحة السعادة، والشفاء من الأمراض والأورام.‏

مواطن 7 : بل يبعث المتعة، ومحبّة الموت والفناء، والزوال والهمود والعدم.‏

مواطن 1 : كأننا ندخل جسد الآلهة، ونعبر بواباتهم.‏

مواطن 2 : أو كأنّ جسد الآلهة دخل فينا، فأصبح كأنّه إيّانا، أو كأننا إيّاه.‏

مواطن 8 : مزيداً من هذا اللحم لنغدو آلهة حقيقيين.‏

مواطن 9 : لا نموت ولا نفنى..‏

مواطن 10 : "ونحيا في قوّة وسعادة دائمة"..‏

مواطن 1 : مَنْ الإله التالي؟‏

مواطن 6 : إليكم جسد عشتار، أظافر النّار تنهش جسدها الجميل نهشاً، إنّه ألذّ الأجساد ((يقدّمون جسد عشتار))‏

مواطن 1 : إنّها ليلة التهام الآلهة.‏

مواطن 2 : وليلة حلول الآلهة في أجسادنا.‏

مواطن 3 : أجسادنا إلهية.‏

مواطن 4 : فلنحلّ الإزار.‏

مواطن 5 : ففي هذه الليلة كل شيء قابل للانحلال.‏

مواطن 6 : ضوء القمر كما شعاع النجوم.‏

مواطن 7 : مزيداً من الوقود والطّاقة.‏

مواطن 8 : مزيداً من أجساد الآلهة.‏

مواطن 9 : لتنبثق شرارة الآلهة في أجسادنا البشرية.‏

مواطن 10 :النشوى تعربد.‏

مواطن 11 : والغياب يصدح.‏

مواطن 12 : مجدّوا الموت.‏

مواطن 13 : فالموت هو الحياة.‏

مواطن 14 : أكلنا جسد الآلهة.‏

مواطن 15 : فأكلنا من شجرة الحياة.‏

و مواطن 16 : نحن أقوياء كالآلهة.‏

مواطن 1 : خالدون كالآلهة.‏

مواطن 2 : الآلهة سكنت هيكل فخّارنا.‏

مواطن 3 : فصار الفخّار إعصاراً.‏

مواطن 4 : لنشرب نخب الآلهة التي هي نحن.‏

مواطن 5 : شراب الآلهة المفضّل هو الدّم.‏

مواطن 6 : هكذا النشوى تقول.‏

مواطن 7 : وهكذا الغياب يقرر.‏

مواطن 8 : إن لم نجد دماً نشربه.‏

مواطن 9 : فلنشرب دماءنا.‏

مواطن 10 : أجسادنا هي المحارق والقربان.‏

مواطن 11 : نقدّم أجسادنا قرباناً لذاتنا الإلهية.‏

مواطن 12 : المتبخترة كالطاووس المنير.‏

مواطن 13 : هيّا أيّها الناس، حطّموا آنية الفخّار، فجوهركم الإلهي خالد.‏

مواطن 14 : إنّها ليلة إشراق الآلهة.‏

مواطن 15 : وليلة انحباس المطر.‏

مواطن 16 : الإله يهبكم مطره، فارتشفوا ماء المطر.‏

مواطن 17 : أجسادكم قيد فتحرروا من أسر القيد.‏

مواطن 2 : اكسروا أواني أجسادكم.‏

مواطن : ليبرز جوهركم الإلهي الخالد.‏

((يبدأ الناس في عملية قتل جماعية، وهم في حالة نشوة وفرح تام، كل واحد يطعن الآخر أو يطعن نفسه))...‏

الجوقة 1 : حين شرب الإنسان من خمرة الآلهة‏

سكر‏

فتراءت طبيعته البشرية‏

طبيعة إلهية‏

فصار التراب خمراً‏

والريح روحاً‏

والشمس عقلاً‏

والوهم حقيقة‏

والموت خلوداً‏

والفناء أبداً‏

الجوقة 2 : بأية أردية تسربل الإنسان‏

فقاده مكر الآلهة إلى طريق الهلاك‏

ألبستهُ رداءً مسموماً بالكبرياء‏

فاحتسى جسده السمّ بانتشاء‏

فدّمرّ جسده‏

وانطفأت شمسه‏

لا تحطّمْ جرّة جسدك‏

فلو حطّمتها أريق خمرك‏

وصار شراباً لأفواه التراب‏

خلف هذا الباب لا توجد أبواب‏

بل متاهاتٌ وظلمةٌ وفراغ‏

رئيس الجوقة : كما سكر باخص أسكر الناس‏

فعربد الخمر في الأوداج‏

فأريق الدم بنشوى التأله‏

كذلك سكر شعبك أيها الإله سوريا‏

بخمرة الآلهة‏

وانتشى مما سكر‏

فحطّم دنان ذاته‏

فصار جسده قطع فخّار متناثرة‏

مُدّ يدك أيها الإله‏

واجمعْ قطع الفخّار.‏

الجوقة 1 : خمرة الآلهة أثارت النشوة‏

فامتشقْ السيف وخطّ الكلمات‏

أجسادٌ مبتورة‏

وعيون مشطورة‏

النشوة تنفخ موقدها‏

وتعتق في الدنّ خمرتها‏

فتبعث آلهة الجنون‏

تدعو الصبايا للشرب‏

والبغايا للقرب‏

والكل في نهر النشوة المجنون‏

قرابين مذبوحة‏

فاندب القاتل والمقتول‏

والذابح والمذبوح‏

فهذا الطريق لا يلد سوى الآلام‏

الجوقة 2 : عربت النشوة الإلهية‏

في الأجساد البشرية‏

فصار الليل نهاراً‏

والصبايا سنابل قمح‏

والأجساد ثماراً‏

والرؤوس تفاحاً‏

والصدر كرمة عنب‏

والكلّ هارس للقمح‏

قاطف للثمر‏

عصّار للعنب‏

لكن‏

الكل هدأ‏

فلم يعد عنب ولا عاصر‏

ولا قمح ولا هارس‏

ولا ثمر ولا قاطف‏

وحدها ريح الهلاك‏

تلّف الرؤوس كالشجر‏

تنشئ من الرماد ظلالاً‏

كجفن القمر‏

رئيس الجوقة : الإله سوريا حجب نوره‏

فأدمس الليل وخنس البصر‏

يا ذرا الغصون اسكبي دمعك‏

ويا شفاه الموج نوحي‏

فعسى أن يسمع أدونيس نداءك‏

فيهبّ من التراب ضوءاً سارياً‏

ماء حياةٍ‏

فيسقي شفاه التراب العطشى‏

فيورق الطّين لحماً وعظماً‏

أيها القرص المنير تعالْ‏

فيكون بدءٌ جديد‏

لدورة الزمان‏

الجوقة 1 : هدأ الكون، وسكنت العاصفة‏

وسرت ظلال الموت مذهولة‏

أهذا كوكب الأرض‏

أمْ لعنةُ الغضب‏

أيّها الإله هرمس‏

يا سرّ الآلهة‏

ويا حامل الأسرار‏

أيّها العليم، أيها الحكيم‏

تعال‏

فلا فاكّ لهذه الأحجية‏

سواك‏

الجوقة 2 : ظلمةٌ إثرَ ظلمةٍ تترى‏

والكون في هدأة الرماد رقد‏

رماد إثر رماد يهطل‏

والأرض حقل رماد همد‏

دخان إثر دخان يأتي‏

والهواء وشاح أسود‏

يغطّي وجه الأرض‏

غاضت الشمس‏

وانكدر القمر‏

وغامت النجوم‏

لا شمس سوى السواد‏

ولا ضوء سوى الإبهام‏

ولا نور سوى الإدلاس‏

متى تشرق شمسك أيّها الإله المنير‏

أيّها الإله سوريا.‏

فنستحمَّ بعطر شعاعك‏

ما أجمل رائحة أشعة الشمس‏

ما أنقى نظرات إلهنا سوريا‏

وما أعذب ضفائره النّارية‏

من عذوبة النّار‏

تسمو أنشودة الحياة‏

رئيس الجوقة : كونٌ أتى وكونٌ غرب‏

نهارٌ أبّ آب، ونهارٌ غاب‏

النهار ليلٌ، والنور حداد‏

ما الذي جرى أيّها العليم‏

صرنا أسرى للظلمة‏

صرنا عبيداً للبرودة‏

صرنا خدماً للجليد‏

أنفاسنا تتجمّد في الهواء‏

وأقدامنا تطأ حقول ماء جامد‏

والهواء صار ستائر شفّافة من جليد‏

مذ توارى إلهنا سوريا‏

إله الشمس المنير‏

توارى خلف حجاب الظلمة‏

وحجاب الدّخان الكثيف‏

ونحن نهوي في جحيم الجليد‏

الأرض صارت كرة زجاجية‏

في داخلها علقت كائنات خزفيّة‏

ومحيط ماء‏

كرة من جليد‏

ما الذي حدث‏

أيّها الإله الحكيم‏

فنأت الشمس عنّا‏

وساد حجاب الدخان‏

وحاجز الجليد‏

أيّها العليم، أيّها الحكيم‏

إلينا بترياق الجواب‏

((يبرز هرمس))‏

هرمس : أرشيكيغال المطعونة، أرشيكيغال المهانة، ثأرت لعارها، صفعت الأرض صفعة حادّة، فأبعدت الأرض عن مدارها، وتاهت الأرض في فيافي الفراغ، وصحراء الظلمة والبرودة اللا نهائية، القمر كمد، وصار ـ كما ترون ـ قطعة حجر سوداء، رعباً مسلّطاً فوق جبين الأرض...‏

رئيس الجوقة : ما العمل أيّها الإله الحكيم؟‏

هرمس : لنحدد المسار، وبعد ذلك، وبقوّتي الخاصّة، سأعيد الأرض إلى مدارها الصحيح، في مكانها الصحيح، أرى الآن قيمة الانحراف، نحتاج لثلاث درجات وست دقائق باتجاه الحمل، وبعد ذلك ننعطف خمسين درجة وست دقائق وخمس ثوان باتجاه الميزان، ولو سرنا بسرعة مضاعفة عشرين مرّة، سنعيد الأرض في ست وتسعين ساعة وخمس دقائق وثلاث ثوان، إلى مكانها الطبيعي، اخفضوا رؤوسكم، وأغلقوا آذانكم، فشدّة الدوّي، قد تخرق أعتى الجبال، فإلى جحر عميق آمن.‏

الجوقة 1 : أعطيت القوّة أيّها الإله الحكيم‏

أعطيت الحكمة أيها الإله القويّ‏

آه، نحن الآن في المدار الصحيح‏

الجوقة 2 : يا للفرح نحن الآن في المكان الصحيح‏

رئيس الجوقة : شكراً للآلهة، فنحن الآن نتنشق‏

رائحة الأرض‏

لكن، أين الشمس‏

هرمس : قليل من الوقت، وينجلي الدخان، ويشرق القمر، ويتلألأ ضياء الشمس فوق الأرض، أخي الإله سوريا، سيسرّ بعودة ابنه إليه، سيشرق فرحاً، فيرسل مشاعره الحارّة، موجةً إثرَ موجة، فيذيب الجبال "الجليد" ويكنّس وحش الظلام، وأفعوان الدخان، فينتصر الإله سوريا، أسلحته الدفء، والنّار، والنور، سهامه الأشعة الحارقة المرئية والخفية عن الأنظار، فمن يقوى على مقاومة بطش أسلحته؟‏

الجوقة 1 : إله النور سوريا‏

ربّ الأسرة الكريمة‏

أفراد أسرته أحد عشر كوكباً‏

تزّين جيده، عقداً من عقيق‏

يتلألأ بالبهاء والنقاء‏

أحدَ عشرَ كوكباً‏

أحجاراً كريمة‏

في تاجه السماويّ‏

اللا زورديّ‏

الجوقة 2 : إله النور سوريا‏

ربّ الأسرة الكريمة‏

ذات يوم نثر من يده‏

إحدى عشرة حبّة لؤلؤ من نور‏

وقال للآلئ النورانية‏

كوني كواكب نورانية‏

هيكلاً لآلهة نورانيين‏

الهياكل السمّاوية المقدّسة‏

استوت في سمتها‏

رئيس الجوقة : إله النور سوريا‏

ربّ الأسرة الكريمة‏

يرعى أبناءه الأحد عشر‏

كما ترعى الأمّ الحنون ابنها الرضيع‏

يهبهم الدفء والهواء‏

يهبهم الماء والحياة‏

ويغدق عليهم‏

محبّته ورعايته‏

إنّهم مراياه في الكون الفسيح‏

مرايا تعكس بهاءه‏

وسناءه‏

إلهنا هرمس الحكيم‏

أشدّ الآلهة علماً وحكمةً وقوّةً‏

اخْتار عطارد سكناً له‏

وهيكلاً‏

قدّسوا عطارد‏

فهو مسكن إلهنا هرمس‏

الجوقة 1 : أمّا إلهنا أدونيس‏

فقد اختار كوكب الأرض سكناً له‏

ولهذا أحبّ سيد الآلهة إيل مسكن الأرض‏

لأنّه مسكن أدونيس‏

مسكن ابن سيد الآلهة‏

متزّين بتاج إيل‏

ملتحف بردائه السماويّ‏

أشعّة إلهنا سوريا‏

تتزحلق فوق ذرا لبنان وحرمون‏

تبارك خطا أدونيس‏

وتحفّه بمحبتها‏

هرمس : إيه، ماذا فعلت يا سيد الأرباب، أيّة مكيدة كدتها بالأرض، مثل هذا لم أشاهد من قبل، سوى في كوكب المرّيخ، حين أرسلت إليه كوكباً عملاقاً، امتصّ هواءه، وتركه خربة حمراء، قطعة من أرض الجحيم، مقراً للنفوس المعذّبة، والمسوخ الملعونة، إيه، إنّه كوكب الرماد وليس كوكب الأرض، إنّه كوكب الجليد وليس كوكب الماء، النار صارت جليداً، والبشر أعمدةً، وأغصان جليد، آه، لو لم أحتجب، برداء الخفاء، لمزقتني تلك الجموع الهائجة، ولو لم أستوعب ما حدث، لكان كوكب الأرض ضائعاً في فيافي الفراغ، بعيداً عن قبضة أبيه الشمس، والآن سنعيد للحياة دورتها الأولى، سأقصد أخي الإله سوريا، سأعبر بوّابات لهبه، وسأمثل في عمق سدّته، حيث لا كائن ولا كينونة تجرأ على المثول، وهو على عرش في عمق اللهب، سأطلب منه، أن يفيض على الأرض، بدفقة هائلة من محبّته الحارقة، دفقة كافية لتحرير الأرض من الجليد، وتنقية الهواء من الغازات المهلكة والتربة من التفتيت المدمر، كوكب الحياة صار كوكب الموت، أيّها الإله سوريا، أنا قادم، فافتح بوّابات قصرك يا سيدي في عمق الشمس، آه، ها قد فتحت، فلأعبر البوّابة، ((يتوارى))...‏

رئيس الجوقة : الإله الرحيم ،هرمس الحكيم‏

قصد شقيقه الإله سوريا‏

إله قرص الشمس المضيء‏

ليطلب منه النجدة والمدد‏

لمحاربة جيوش الظلام‏

وأفعوان الدخان‏

وجحافل الجليد‏

الإله سوريا‏

سيهزم الظلمة‏

ويقتل الأفعوان:‏

ويدمر الجليد‏

سيبعث الحبّ‏

والربيع‏

والنور النقي‏

إنّه رب النقاء والخير‏

((يظهر هرمس))‏

هرمس : من الإله سوريا عندي خبر، أيّتها الظلال، أيّها الرّماد، أيّتها الأشباح الذاوية، أيّتها الأعمدة المتجِمدّة، الإله سوريا سيرسل أشعته جيوشاً من نور، تحارب جحافل الظلام، ولحظة العبور، هي لحظة ظهور أدونيس فيا سميرنا، أيّتها الأمّ المقدسة، يا من حرارة قلبك كانت أقسى من سيوف الجليد، فبقيت جسداً حيّاً، واندحر الجليد ماءً سائلاً حيثما مسّ جسدك، انطقي بشفاه قلبك اسم ابنك أدونيس، فيشقَّ بسيفه الفجر، فارقاً النور عن الظلمة، عابراً بوّابة الموتى، وبوّابة النسيان، جاراً معه عناصر الحياة، وشعب سوريا، وشعوب الأرض، سميرنا، إنّها الكلمة الفصل، في الزمان الفصل، دعي لسان قلبك يصدح، لسان الصدق لا يحتاج لتحريك اللسان، وهو أجدى من صدى الكلمات.‏

سميرنا : ابني، حبيبي أدونيس، يا من أنت أرقّ من النسيم عذوبةً، وأسنى من النور ألقاً، وأنعم من الخاطر ملمس جلدك، صيّروني يا حبيبي أسيرة الخشب، طوردت باللعنة والغضب، لأنّ شفاهي أزهرت باسمك ، سلّطوا عليّ خنازير الأرض، وهواء المستنقعات ليطفئوا نور عينيك في مصباح قلبي، وقلبي يقول لك تعال، وانظرْ في مرآتك، وأنا مرآتك، وبي فقط ترى صورة وجهك، أنت مرآتي، وبك فقط أرى صورة وجهي، أنت وجهي وتوجّهي واتجاهي، أنت نبض قلبي وعظامي الرثّة، البالية، أنا مرآتك لأنني أنا نسبك، وأنا تعريفك، فتعال يا حبيبي وانتقش في هيولى ذاتي أحرفاً نورانية، لا من زيت تستمد ضياءها، بل من نبضات قلبي، نبض قلبي زيتك، فتعال أيّها القنديل واشتعل في عمق روحي، فأنت غيمة من تلال روحي عبرت، ومهما سرت الغيمة، فمآلها أن تعود قطرات للبحر الذي لفظها، شفتاي ترتل اسمك، شفتاي تعيّن رسمك، ترسم ملامح وجهك، أحرفي أنت، وأنا كلماتك، أوتاري أنت، وأنا ألحانك.‏

فتعال أيّها النورس المهاجر، وعد إلى جزيرتك في عمق الذاكرة أنا ذاكرتك، وذكرياتك، وتذكّرك، لأنني بصمتك وتعيينك بي يا حبيبي تتعيّن، وأنا بك أتحدّد، أنا شهّوة الظل، وأنت شموخ الجسد، أنا ظلّك، وظلالك، أنا أمانك، فادخل أيّها الترياق في خميلتي، واطمئنّ في خوابي عسلي، فأنا أذقّك سرّ الحياة، وسر الموت، أنبتُ لكَ جناحي طائر، وأكسو جناحيك بالرّيش فَطِرْ يا حبيبي في فلوات روحي، وحطَّ حيثما شئت، ففلوات روحي محطّات آمنة لطيرانك، بني، حبيبي، أدونيس، تعالْ.‏

((صوت برق ورعد، من رماد تتفجّر شواظ من نار، من لهب النار تظهر صورة أدونيس غلالة نورانيّة، تنفصل عن شواظ النار، إنّها هيولى نورانية محدّدة الملامح، إنّه جسد أدونيس النوراني، أدونيس يشهر سيفاً من نور، يشقّ به صفحة السماء فينجلي الظلام رويداً رويداً، ألافٌ من الظلال تنشأ من الرماد، إنّهم شعب سوريا، الظلال تتجسّد بشراً يهزجون بفرحٍ طاغٍ، أدونيس لا يزال بسيفه يجوب أرجاء السماء، مبدداً الظلمة والدخان الذي يتلاشى شيئاً فشيئاً،))...‏

الجوقة 1 : حبيبنا أدونيس‏

إله النور أدونيس‏

سيف النور أدونيس‏

بسيفه شقّ رحم العتمة‏

وبدّد جيوش الظلام‏

ودحر أفعوان الدّخان‏

وفتَّت أسوار الجليد‏

إنّه النور‏

إنّه النار‏

وإنّه الماء‏

الجوقة 2 : حبيبنا أدونيس‏

إلهنا أدونيس‏

سيف النور أدونيس‏

بسيفه شقّ الفجر‏

فكان في عتبة الزمان‏

إلهاً نورانياً‏

وُلِدَ ساعة الفجر‏

جارّاً خلفه‏

أشعة الشمس‏

وقرص الشمس‏

واهباً الحياة خضرتها‏

والماء سيولته‏

والهواءَ نقاوته‏

والتربة خصبها‏

قال للبذرة أنتشي فأنتشت‏

قال للأجساد قومي فقامت‏

وقال للظلال تجسّدي فتجسّدت‏

رئيس الجوقة : عابراً مملكة الموت‏

محطّماً أسوار الجحيم‏

باعثاً الأموات من مرقدهم‏

والأشباح من معتقلهم‏

إلهنا إله النور‏

أتى بزورقه النوراني‏

زورق الإله سوريا‏

حاملاً شعبه في زورقه‏

عابراً قبّة السماء‏

من مطلع الشمس لمغربها‏

ناثراً شعبه في محيطات الأرض‏

ومحطّات الفضاء‏

في اليابسة وفوق الماء وتحته‏

رافعاً المعرفة منارةً‏

والحبّ شراعاً‏

والحكمة مجذافاً‏

والخبرة سفينة‏

حيثما سار أرسى الموانئ والمدن‏

وحيثما حلّ نقل اللوح والقلم‏

نازعاً أدران الهمجيّة‏

غاسلاً أوساخ البدائيّة‏

مشعلاً مصباح المدنيّة‏

الجوقة 1 ـ 2 : قُدِّسْتِ يا أرضَ سوريا‏

أنت موطن إله النور‏

وموطن الإله‏

أنت منبت اللوح‏

ومصنع القلم‏

أنت منشأ البيكار‏

ومبدأ الشاقول‏

تَزنِينَ بالقسط‏

وتبنين بالمعرفة‏

أهلك بنّاؤون مهرة‏

أهلك بنّاؤون للأمم‏

تبنين المدن والأسوار‏

والعقول والأرواح‏

محبتك تسع كوكب الأرض‏

لأن أرضك بساط الآلهة‏

وجبالك هيكلهم‏

ومدنك مساكنهم‏

فبالمعرفة العليا‏

تقلّين الإنسانية‏

إلى العتبة العليا‏

حيث الشفق‏

يفصل عالم الروح والآلهة‏

عن عالم الإنسان‏

((يتجسّد أدونيس بشراً، يعانق أمّه، الجموع تحييهما بحرارة))‏

ـ انتهى ـ‏

حمص شتاء عام 1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244