قلوب لا تعرف الانعتاق - علي الحموي

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب-دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل الثاني: المشهد الأول

بعد ثمانية أشهر، في منزل أبو غيث في إحدى الليالي..‏

يعزف غيث عزفاً حزيناً مؤثراً.. تدخل أمه فتنظر إليه بحنان وتجلس قربه تصغي إلى موسيقاه، حتى ينهي المعزوفة..‏

أم غيث : لم كل هذا الحزن..؟‏

غيث : آه.. ((صمت)) أما زال في غرفته..؟؟‏

أم غيث : أجل.. لقد جاءه أبو عتبة، لكنه رفض لقاءه..‏

غيث : يا إلهي، إن حالته تتدهور..‏

أم غيث : أكاد أجن، كيف جرى ذلك كله بهذه السرعة، لقد نصحته مراراً أن يعزف عن الإبحار، رجوته بكل جوارحي ألا يفعل، لكنه كان مصراً..‏

((يظهر أبو غيث وتبدو عليه ملامح رجل تحطم كلياً))..‏

غيث : أبي ((يقف)) ... أهلاً أبي ((يجلس أبو غيث واجماً))...‏

أبي، كيف حالك ((يشير له بإصبعه))..‏

أم غيث : أبا غيث ((ينظر إليها نظرة منكسرة))... أبا غيث، أتوسل إليك..‏

((تتضرع إلى يديه)) أتوسل إليك أن تنسى ذلك... ((لكن أبو غيث يبقى شارداً حتى الانطفاء))..‏

غيث : ((يقف مقترباً منه)) أبا غيث ((يتصنع المداعبة)) .. ما هذا يا رجل..؟‏

((يقبل أعلى رأسه)) إنك تحمل الأمور على محمل الجد أكثر من اللازم...‏

أبو غيث : ((يحرك رأسه حركة طفيفة))...‏

غيث : ((يهمس بألم)).. أبي، عهدي بك قوياً، جباراً مثل البحر...‏

أبو غيث : ((ينطق للمرة الأولى)).. لقد... لقد تاهت السفينة..‏

غيث : ((يبتسم)) لكنكم اهتديتم أخيراً، اهتديتم يا أبي وعدتم لنا سالمين، وهذا أهم ما نريده..‏

أبو غيث : اهتدينا.. هه.. بعد أن فسد كل شيء.. بعد أن تعفنت البضاعة وأخذ البحارة يلتهمون الجرذان..‏

أم غيث : أبا غيث.. فلتذهب البضاعة إلى الجحيم، المهم أنك لا زلت حياً بيننا، لا زلت تاجاً نضعه على رؤوسنا بجلال وفخار..‏

غيث : نحن بحاجة إليك يا أبي، نحن بحاجة إليك..‏

أبو غيث : لقد ضاع كل شيء يا ولدي، ليس بإمكاني أن أقدم شيئاً بعد الآن..‏

غيث : لا نريد شيئاً، بل نريدك أنت.. أنت الذي تمنحنا القوة والعزيمة، تمدنا بالشجاعة لنواجه الأيام القادمة، تزودنا بالحكمة الثمينة وتسمنا بالشرف والعزة، إذ بقيت طوال حياتك صادقاً... متسامحاً... مقداماً...‏

أفخر بك يا أبي، صدقني أفخر بك وأحتاجك، ساعدني ((ينتفض الأب بعصبية فهو لا يحتمل سماع ذلك))..‏

.. لم يضع شيء يا أبا غيث، إن الحياة أمامك ونحن أوفياء لها.. لن يهزمنا العفن يا أبي..‏

أبو غيث : لم يبق شيء أمامنا، لقد فقدنا كل شيء..‏

أم غيث : لكننا لم نفقد رحمة الله تعالى، أسمعت... لم نفقد رحمته..‏

أبو غيث : ونعم بالله..‏

غيث : لن نعدم الحيلة يا أبي..‏

أبو غيث : لن نستطيع.. لن نستطيع..‏

أم غيث : أيعقل أنك من يتحدث بهذا..؟‏

غيث : أرجوك يا أمي تماسكي قليلاً..‏

أم غيث : ((تبكي بمرارة)) لا أستطيع.. لا أستطيع..‏

غيث : ((منفعلاً)) أبي.. أمي.. ما الذي جرى.. أنا هنا، ما زلت موجوداً... صدقوني، بإمكاني أن أحقق الكثير ... ((يتلعثم بارتباك)) ثم...‏

ماذا يعني أننا فقدنا أملاكنا وثروتنا، ما زلنا نملك الكثير، صدقوني أمامنا فرصة أخرى، بل فرص كثيرة.. ما زال لدينا الصحة والعقل والشباب... السمعة الطيبة... أبي... أمي... ثقا بي... أرجوكما..‏

أم غيث : ((ينتهي بكاؤها فجأة ثم تلتمع عيناها بطريقة مؤذية))... أجل لم نفقد بعد كل شيء...‏

غيث : هذا صحيح يا أمي..‏

أبو غيث : ((واجماً دون أي انفعال)).‏

أم غيث : لا زال لدينا شيءٌ أخير..‏

غيث : هذا ماكنت أحاول أن أقوله من البداية... إرادتنا...‏

أم غيث : ((لا تكترث بكلام غيث)) شيءٌ واحدٌ لم يبق غيره..‏

أبو غيث : ((ينفعل لأول مرة)).. لا يا صالحة..‏

أم غيث : بل أجل..‏

أبو غيث : ((بصوت أكثر انفعالاً)) لا يا صالحة..‏

أم غيث : هذه المرة بلى يا أبا غيث..‏

غيث : ((ينظر إليهما بدهشة)) ماذا هناك..‏

أم غيث : شذى، بقي أمامنا شذى ((يحاول غيث ضبط نفسه)..‏

أبو غيث : لا يا صالحة..‏

أم غيث : ((بثبات عميق)).. سنبيع شذى..‏

أبو غيث : لن نبيع شذى..‏

أم غيث : بل سأبيعها، إنها ملكي...هديتك لي... صكها بيميني، سأبيعها وهذا من حقي..‏

أبو غيث : ((بشكل هادئ)... لا تبيعيها..‏

أم غيث : إنها تساوي الآن ستين ألف دينار، بوسعك وغيث أن تبتاعا دكاناً نقتات منه..‏

أبو غيث : ((يتمتم وكأنه في عالم آخر)) لا يا صالحة... لا يا صالحة..‏

أم غيث : سينتهي تدريبها بعد ثلاثة أسابيع، سأرتب الأمور إلى ذلك الموعد..‏

أبو غيث : ((يكرر بشكل آلي وبصوت منخفض جداً)) لا يا صالحة.. لا يا صالحة..‏

غيث : ((يستفيق من ذهوله الحزين بعد أن لاحظ شيئاً غريباً في نبرة صوت أبيه))... أبي...‏

أبو غيث : ((سارحاً في تمتمته))... لا يا صالحة.. لا يا صالحة..‏

غيث : أمي، أرجوكِ كفي عن هذا الآن..‏

أم غيث : لا يا غيث، لن أسمح بتحطيم آخر لهذي الدار، يجب أن تبقى رايتها مرفوعة حتى النهاية...‏

غيث : أماه، صدقيني سأعمل بجد من أجل إعادة كل ما فقدناه، فقط ثقي بي...‏

أم غيث : إني أثق بك، لكنني لن أسمح بأن تعمل حمالاً في الخانات أو ملحقاً بكوكبة الجواري... أفهمت...؟؟‏

أبو غيث : لا يا صالحة.. لا يا صالحة..‏

غيث : ((يلقي بنظرة مأساوية إلى أبيه المحطم)) أمي... أتوسل إليك أن تنسي هذه القضية، دعيني أحاول ولو مرة، أعطني فرصة واحدة.. أمي أتوسل إليك...‏

أم غيث : لا تتوسل..‏

غيث : أمي..‏

أم غيث : ((بشكل حاسم))... قلت لا تتوسل..‏

أبو غيث : ((يردد عبارته بتوتر آلي)) لا يا صالحة.. لا يا صالحة..‏

غيث : أمي، أستميحك بتأجيل هذه القضية بضعة أشهر أخرى..‏

أم غيث : لن يتوجب علينا أن ننتظر أكثر، ألست على دراية بكل ما نعانيه هذه الأيام.. ألست أكثر من يعاني، أم علينا أن ننتظر حتى يكشف الناس أنه ليس دينار واحد في هذه الدار...‏

غيث : سأعمل... قلت لك سأعمل..‏

أم غيث : قل لي ماذا ستعمل.. قل لي، إنني أصغي إليك جيداً..‏

غيث : سأتدبر الأمر... صدقيني..‏

أم غيث : قلت لن أدعك تعمل بين الجواري... أفهمت..‏

غيث : لن أعمل بين الجواري..‏

أم غيث : ((تصرخ)) ماذا ستعمل إذاً؟ ((تنسحب إلى الداخل، أما الأب فما زال يكرر العبارة))..‏

غيث : أبي..‏

أبو غيث : ((يكرر))‏

غيث : ((وكأنه قد أدرك كل شيء)) أرجوك أن تصغي إلي..‏

أبو غيث : ((يكرر العبارة طوال المقاطع المقبلة...)).‏

غيث : إنها على حق يا أبي، أجل إنها على حق ((يتحدث الآن بطريقة متماسكة جداً)).. لابد من بيع الجارية...‏

أبو غيث : ((ينظر إليه مرة واحدة ثم يتابع تمتمته وكأنه لم يسمع الجملة الأخيرة))..‏

غيث : أجل يا أبي، الجارية ثمينة بالفعل... أمي محقة... علينا أن نبدأ من جديد...‏

لن نتمكن من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه دون رأسمال... أنت أكثر من يعرف هذا... ((صمت))...‏

أبي.. لماذا لا تفكر بتعقل، إن كل ما قالته أمي كان عين الصواب..‏

قل شيئاً أرجوك... ((صمت))...‏

أبي... لا تقلق من أجلي ما تظنه غير صحيح، أقسم لك غير صحيح ((ينحني أمام ركبتيه))..‏

صدقني.. ما أقوله لك حقيقة، ليس ثمة أي شيء... لا تقلق من أجلي، صدقني سأعمل بجد وأبني من جديد كل ما بنيته أنت من قبل، وسأدفع بنفسي إلى الأمام... ((صمت))...‏

أنا راض بهذا وسعيد.. أجل أنا سعيد، سنعمل ونعمل ونكسب الكثير ونذهب معاً لتخطب لي الفتاة التي أعجبتك... أليس كذلك يا أبا غيث؟‏

أبو غيث : ((يقف أثناء تمتمته وينسحب إلى الغرفة الأخرى))...‏

غيث : أبي... أبي... ((يجلس ممزقاً، لحظات وتخرج الأم، ينظر إليها غيث نظرة ذات معنى))...‏

أم غيث : ((تحاول أن تخفي قلقها)) ما الذي أصابه؟ ((غيث واجماً لا يجيب)).. لماذا يرددهذه الكلمات...؟‏

غيث : لم تسألين؟‏

أم غيث : قل لي مابه..؟‏

غيث : اخفضي صوتك، ماذا دهاكِ هذه الليلة؟‏

أم غيث : سأجن، لاأحتمل فكرة النهاية... لم أتوقع هذا يوماً..‏

غيث : كان عليك أن تتحلي بالصبر... على الأقل أن تساعديه... أن تقفي إلى جانبه وتبعديه عن شفا الهاوية التي يقف عليها وبدلاً من هذا دفعته نحوها...‏

أم غيث : أنا..‍‍!!‏

غيث : نعم أنتِ..‏

أم غيث : ما هذا الكلام؟!... أأنت جاد في ما تقول... يا إلهي ما الذي فعلته حتى تتحدث معي بمثل هذا؟؟‏

غيث : تحدثت بأكثر مما يحتمل...‏

أم غيث : إنك أعمى لا تبصر، ما الذي تريدني أن أفعله..؟‏

أن أصغي إلى رأيه ((تخفض صوتها)) آرائه..؟ هل تعي معنى هذه الكلمة..؟‏

آراؤه هذه التي أوصلتنا إلى هنا... إلى شفا الهاوية التي تتحدث عنها، لقد سئمت أن تتصدع هذه الدار مع كل حول... الدار التي ستعيش فيها أنت وأولادك... أحفادي...‏

ليس بوسعي أن أتشبث بكل ما يحيط به، أن أحمي كل ما يدور في خلده، وألهث دائماً خلف أحلامه..‏

أصغي حتى النهاية إلى أهوائه، لا أريد أن أدافع عنه الآن، بل أريدك أنت وأطفالك، أريد أن أراهم يلعبون ويصرخون هنا على هذه الفسحة، أن يذكرونا بالخير...‏

أبوك وأنا سنؤول إلى حتفنا الآن أو غداً أما أنتم فستحملوننا إلى الأيام المقبلة..‏

غيث : وشذى..؟‏

أم غيث : شذى جارية، هكذا خلقت وستبقى..‏

أدرك تماماً أنها أعظم مغنية في البلاد، ولكنها الجارية التي أهدانيها أبوك في يوم من الأيام، وسأغنم منها تماماً كما أردت منذ البداية، سأغنم بها أنت وأحفادي الآتين..‏

ليس بوسعي أن أصمت حتى النهاية، لقد صمت كثيراً طوال تلك السنين الماضية، والآن لا أريد أن أفقدك أيضاً لأنك آخر ما بقي لي في دنياي..‏

ليس بوسعي أن أقول نعم كعادتي، أن ألوذ بسكوتي حينما يقرر وأن أثرثر في الخفاء، إنها المرة الأولى وربما الأخيرة التي سأقود فيها المركب قبل أن يغرق..‏

غيث.. لا أريدك أن تمشي ذليلاً بين الناس، لن أحتمل أن أراك على تلك الحال يا بني..‏

قل لي يا بني هل أنا على خطأ؟؟‏

غيث : ((صامتاً))‏

أم غيث : قل لي أرجوك..‏

غيث : حينما لا نرى إلا بعيوننا فستكون الحقيقة مثل كرة نحاسية لن ننظر منها إلا دائرة صفراء مسطحة، سننسى أنها كرة..‏

وحين نبصرها بعقولنا وقلوبنا فسنراها كرة كاملة..‏

أم غيث : ما الذي ترمي إليه..؟‏

غيث : إن أبي ينظر بقلبه وعقله، أما أنت فتنظرين إلى الشكل ذاته بعينيك فقط.‏

أم غيث : غيث.. إني لا أعي شيئاً مما تقول..‏

غيث : أمي.. لا تبيعي شذى‏

أم غيث : لماذا علي ألا أبيعها..‏

غيث : لأنني أحبها يا أمي‏

أم غيث : غيث!!‏

غيث : هذه الحقيقة، إنني أحب شذى.. أحبها..‏

أم غيث : تحبها؟!‏

غيث : أجل‏

أم غيث : وأخبرت أباك بهذا؟‏

غيث : لم أخبره‏

أم غيث : وشذى؟‏

غيث : لا تعرف شيئاً مما قلته الآن "تنظر إليه بتشكك" أمي.. إنها الحقيقة..‏

أم غيث : أحببتها طوال هذي السنين..‏

غيث : أجل..‏

أم غيث : دون أن تعلم هي؟‏

غيث : لم أخبرها بهذا..‏

أم غيث : هل هناك شيء آخر.. أقصد بوسعك أن تخبرني عنه؟‏

غيث : ليس هناك سوى ما أخبرتك به ((صمت))‏

أم غيث : وماذا الآن؟.. هل تريدني أن أصفق لك على هذا؟‏

غيث : لم أطلب منك أن تفعلي.. فقط أردت إخبارك بالسبب الذي جعل أبي يرفض طوال الوقت فكرة أن تبيعي شذى..‏

أم غيث : السبب الذي سيجعلك تتزوجها في يوم من الأيام..‏

غيث : اخفضي صوتك، لا أريده أن يسمع..‏

أم غيث : تريد أن تتزوج جارية!؟‏

غيث : كنت أنوي إعتاقها ثم الاقتران بها..‏

أم غيث : هراء.. هراء..‏

غيث : كنت أنوي أن أعمل بجد وعزيمة كي أشتريها..‏

أم غيث : تشتريها مني!؟‏

غيث : أشتريها من أي أحد يملك صكها..‏

أم غيث : لماذا لا تفهمني.. لا أريد مالاً، أقسم لك لا أريد مالاً..‏

أريدك أنت ابني الوحيد..‏

غيث : حسناً كما تشائين..‏

أم غيث : قل لي ماذا تريد؟‏

غيث : لا أريد شيئاً، لقد أخبرتك بكل شيء..‏

أم غيث : فلتعلم إذاً بأنني لن أدعك تحطم حياتك بيديك..‏

غيث : حطميها بيديك إذاً..‏

أم غيث : "متلهفة" أتظن أن بإمكاني فعل ذلك. بني، لا يمكن أن تكون جاداً فيما تقول.‏

أنسيت نفسك؟.. أنسيت من أنت؟.. أسماء أجدادك وفخارهم..‏

أتريد حقاً الزواج من جارية أنت الذي تمناك معظم أعمدة بغداد صهراً لهم..‏

غيث : أمي أرجوك..‏

أم غيث : إنها نزوة عابرة يا غيث، إنها غيمة صيف تسري.. لا تصغ إليها..‏

((بتوسل)) أرجوك يا بني أن تدرك كل ما أقوله، أمامك حياة طويلة بأيام كثيرة ومتطلبات أكثر، من غير المعقول أن تعتق الجارية فتخسر كل شيء تملكه ثم تتزوجها فتخسر كل شرف شيدته العائلة..‏

غيث : إنني أحبها يا أمي.. إن حبي لها هو كل حياتي..‏

أم غيث : ((تقاطعه)) لا بني.. لا تلحق بأهوائك كأبيك، إنه هوى عابر يا ولدي، ستنسى مع مرور الزمن هذه القصة الطارئة..‏

غيث : ليست بطارئة..‏

أم غيث : ((تقاطعه بعنف)) ستنسى هذه القصة.. ((تحاول استعادة هدوءها)) ستنسى يا ولدي.. أقسم لك ستنسى..‏

غيث : حسناً..‏

أم غيث : أقسم لك يا صغيري كل الشبان الذين في سنك يتعرضون لمثل هذا لكنهم في النهاية يسيرون في الطريق الصحيحة التي أضعها أمامك((تهمس)) اسمع يا ولدي.. يمكنك أن تعمل بنشاط، إنني أثق بك كثيراً.. ستعمل بالتجارة كما يعمل سائر التجار، ستعمل على طريقتهم وستكسب.. مع مرور الوقت ستكسب وسيسارع أعيان البلد من جديد نحو أبيك ليرووا له قصصاً عن ظُرْفِ بناتهم المدللات..‏

غيث : ((مقاطعاً)).. أمي.. افعلي ما يحلو لك ((يحاول الانسحاب فتتشبث به لتمنعه من المغادرة))‏

أم غيث : لا تقل هذا يا حبيبي، كل ما سأفعله لأجلك..‏

غيث : افعلي ما شئت ((يهم بالانسحاب لكنه يتوقف لدى سماعه طرقات على الباب))‏

أم غيث : افتح الباب.. إنها هي..‏

غيث : شذى؟؟‏

أم غيث : أجل.‏

غيث : ((يفتح الباب فتظهر شذى، يلتقي الاثنان بنظرة عميقة لكنه يلقي بنظرة جانباً محاولاً خلع اللحظة فترتعد شذى)) أهذا أنت؟‏

شذى : ((وقد صعقت بالسؤال)) أجل.. ماذا هناك ((يتحرك باتجاه الفسحة فتلحق به)).. مرحباً..‏

غيث : ((بعدم اكتراث)) أهلاً..‏

شذى : ((تسعى لتقبيل يديها)) كيف حال سيدتي ((تلاحقه بنظراتها)) ماذا هناك؟‏

غيث : ((بصوت مرتفع)) ما الذي أتى بك الآن؟‏

شذى : ما هذا السؤال؟‏

غيث : أجيبي..‏

شذى : غيث..!!‏

غيث : ((يضغط قبضته)) ماذا دهاك؟؟‏

شذى : سيدتي ما الذي جرى؟‏

غيث : أجيبي عن سؤالي.. لماذا أتيت في هذا الوقت المتأخر؟‏

شذى : ((بارتباك شديد)) اعتقدت.. اعتقدت أنه لا ضير في أن آتي في هذا الوقت..‏

غيث : ((يقاوم تمزقه)) ألا تعتقدين أن الوقت متأخر..؟‏

شذى : حقاً لم يخطر لي، أقصد لم أرغب بالمبيت مع طرفان‏

غيث : ولماذا لا تفعلين؟‏

شذى : ((متنبهة.. فتخطو نحوه وتتحدث بطريقة مختلفة)) ماذا تقصد؟‏

غيث : ((يهرب من نظرتها)) لماذا لا تبيتين عنده... ألست..‏

شذى : ماذا؟‏

غيث : ألست عبدة مثله..‏

شذى : ((تكاد تسقط من هول المفاجأة ولكنها تتكئ على جذع شجرة وتخور قواها لدرجة أنها في معظم المقاطع القادمة ستجد تعثراً في النطق)) سيدي.. اعتقدت.. أن.. هذا.. سيغضب سيدتي..‏

غيث : ((يحاول ضبط نفسه)) حسناً لم أتيت إلى بغداد؟.. لم نرسل في طلبك..‏

شذى : سيدي...‏

غيث : قولي لم؟‏

شذى : لا أعرف ما الذي دفعني إلى المجيء، شعرت بشيء رهيب يتملكني، الشعور الذي ينتابني حين يمرض أبي.. ((يغمض عينيه ألماً)).. آسفة سيدي لم.. لم أكن أقصد..‏

الشعور الذي يداهمني حين يمرض سيدي الكبير..‏

البارحة شيء هوى على قلبي مثل صاعقة، جعلني أرتجف من الخوف.. لم أستطع أن أسلخ رعبي هذا وتوسلت للدوحة أن تسمح لي بالقدوم، أرجوك سيدي سامحني..‏

((يسود صمت تشعر من خلاله شذى بضياع كامل ولكنها تتمالك نفسها لتسأل هذا السؤال:)) أين سيدي؟‏

أم غيث : إنه نائم في الداخل..‏

شذى : هل بإمكاني رؤيته؟‏

أم غيث : قلت لك إنه نائم..‏

صوت طرفان من الخارج: هل أدخل الأشياء..‏

أم غيث : من هذا؟‏

شذى : طرفان..‏

أم غيث : أية أشياء؟‏

شذى : أحضرتها من أجلكم‏

غيث : اطلبي منه أن يعيدها إلى مكانها.. لسنا بحاجة إليها..‏

شذى : سيدي إنني..‏

غيث : كما سمعت..‏

أم غيث : ((تتدخل بشكل قاس)) وأخبريه بأنك ستبيتين عنده الليلة ((يظهر الأب فجأة))..‏

أبو غيث : لا يا صالحة.. لا ((يتوقف عن الكلام))‏

شذى : ((تندفع نحوه)) سيدي.. ((تقبل يديه))..‏

أبو غيث : ((يمسح شعرها))‏

شذى : كيف حالك يا سيدي؟؟‏

أبو غيث : ((ينظر إلى وجهها ثم يشير لها برأسه))‏

شذى : ((متأثرة)) سيدي.. هل أنت بخير؟‏

أم غيث : ((تحاول خلع الموقف)) لماذا لم تذهبي، قلت لك اخرجي وأخبريه بذلك..‏

شذى : ((تقف لحظات))..‏

أم غيث : ماذا بك.. تحركي..‏

شذى : سيدتي ((تتوجه نحو غيث فيشيح بوجهه عنها جانباً)) سيدي..‏

ما الذي جرى. هل أنا في حلم؟؟‏

لابد وأنني أحلم بكابوس رهيب..‏

غيث : ((يغمض عينيه تأثراً))‏

أم غيث : ((تضبط أعصابها هي الأخرى)) ما دهاك، هيا اخرجي وأخبريه‏

شذى : سيدي، هل هناك شيء ((لا يزال صامتاً)) أسمعتم خبراً عني..؟‏

((تتوجه إلى الأم)) سيدتي، أتوسل إليك أن تخبريني عن سبب كل هذا، أرجوك أخبريني الحقيقة..‏

غيث : ماذا في الأمر، لم تسألين كل هذه الأسئلة، إذا كان يحق لك أن تعرفي شيئاً فهو أن السيدة ستسلمك إلى النخاس بعد ثلاثة أسابيع..‏

شذى : ((بخوف شديد وصوتها يرتجف)).. إلى النخاس.. غيث..!!‏

غيث : ((يضغط بأسنانه))‏

شذى : سيدي.. ((تقترب من غيث وتمسك بذراعيه ثم تحدق في عينيه وتهمس بعنف)) سيدي ماذا جرى؟؟ ((يهرب من نظراتها)) قل أرجوك ما الذي حدث؟؟‏

انظر إلي.. قل هل وصلك شيء عني، أقسم لك أنني لم أتغير.. ما زلت أحفظ كل ما أودعتني به هذه الدار.. أقسم لك.. أقسم لك..‏

غيث : ((يكاد ينهار)) ابتعدي.. ((يتخلص منها بحركة واحدة)) ماذا تظنين نفسك ابنة هذا الدار، ابنة هذا السيد العريق، ابنة هذه السيدة الفاضلة، أختي أم ماذا..؟؟‏

أنسيت نفسك.؟ أنت جارية لقيطة رومية بائسة..‏

أتعتقدين أنك واحدة منا؟؟ انزعي هذه الأوهام من رأسك، إذا كنت خارقة البديهة كما يتحدثون فلا يتفق أن تفهمي عطفنا نحوك حباً.. إذا كنا قد أدخلناك إلى الدار فلا يعني أنك انتميت إلى العائلة.. هل تفهمين هذا.. هل تفهمينه؟؟؟‏

شذى : ((تتماسك قليلاً)) بلى أفهمه ((صمت)) الآن اكتشفت كل شيء..‏

أهو أنت من ينطق بهذا حقا؟؟ لا أصدق أذني، أجل إنني جارية، لقيطة رومية بلا أب أو أم أو أخوة ((صمت))..‏

جارية عفيفة طاهرة لا تنفع لأسرة عريقة، لن تنفعها عفتها في شيء، لن تقيها بديهيتها من الشنق، لقد عرفت هذا.. عرفته الآن ((تخرج))‏

أبو غيث : ((يهم بالعودة إلى غرفته))‏

غيث : أبي ((يتوقف الأب)) ما كان يجدر بك أن تبقى صامتاً، تصور يا أبي أنها تعتقد أنني أهواها، هل بالإمكان...‏

((يدخل أبو غيث الغرفة قبل أن يدع فرصة لغيث كي يكمل ما يقوله، يجلس غيث محطماً، تنظر إليه الأم بشفقة))‏

أم غيث : غيث، لا تهتم يا ولدي..‏

غيث : لقد انتهى كل شيء.. أمي، هل لي أن أطلب شيئاً واحداً..؟‏

أم غيث : اطلب يا بني..‏

غيث : لا أريد لها أن تقضي ليلتها الأخيرة خارج الدار..‏

أم غيث : حسناً كما تشاء..‏

غيث : وألا تساق إلى سوق النخاسة، لن أحتمل رؤيتها بتلك الصورة، بإمكانك عرضها للبيع هنا، حيث نشأت وعاشت..‏

أم غيث : سأفعل، سأفعل كل هذا.. ((تصمت بشكل مفاجئ))‏

غيث : ما بك؟؟‏

أم غيث : يخيل إلي أنها تبتعد عن الدار‏

غيث : إنها في الخارج..‏

أم غيث : إنها تغادر، أشعر بذلك جيداً..‏

غيث : أمي..‏

أم غيث : الحق بها حالاً..‏

غيث : ماذا تقولين يجب ألا..‏

أم غيث : قلت لك غادرت، أشعر بذلك كرؤيتي لك الآن، الحق بها على الفور.. أسرع.. في الحال..‏

غيث : ((ينطلق نحو الباب وينظر إلى الخارج)) لقد غادرت تاركة كل الهدايا قرب الباب..‏

أم غيث : الحق بها يا بني، الحق بها..‏

((يخرج غيث ثم نسمع صهيل فرس يليها صوت حوافرها وهي تنطلق بسرعة الريح))..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244