قلوب لا تعرف الانعتاق - علي الحموي

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب-دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثالث

عند الفجر في فسحة الدار..‏

تعيد شذى وشاحها وهو آخر قطعة ترتديها من ثيابها، ترنو بعينيها المنكسرتين الباكيتين إلى البعيد..‏

أبو داوود : ((بصوت مهني محترف)) أم غيث.. بإمكانك الخروج الآن..‏

أم غيث : ((تخرج يملؤها الألم والاضطراب لا تتجرأ على النظر نحو شذى التي تلقي عليها نظرة باهتة وساخرة)) هل انتهى كل شيء؟‏

أبو داوود : أجل سيدتي، أهنئك إنها كاملة تقريباً.. لقد وهبها الله الشيء الكثير؛ لم أستطع أن أكتشف أمراً مخزياً أو قبيحاً، كل ما عثرت به هو ندبة صغيرة في الركبة اليمنى..‏

((تتجمع شذى على نفسها على حافة حجرية، وتغمر وجهها بيديها غارقة في بكاء صامت))..‏

أم غيث : ((عيناها مضطربتان جداً وأنفاسها تلهث)) أجل، لقد سقطت ذات مرة، كانت في الثامنة من عمرها عندما كانت تلاحق.. غيث.. وأدمت ساقها ((وكأنها تشعر بشيء عنيف داخلها)) لقد بكى الاثنان يومها..‏

أبو داوود : على أية حال لن يكون للندبة أثر هام على الثمن..‏

أم غيث : ((بالكاد تنطق)) أرجوك، أريد أن أنهي هذه الحكاية بأسرع وقت..‏

أبو داوود : اطمئني، لن أتأخر حتى أحضر زبوناً دسماً.. ساعات قليلة وأعود بإذن الله ((يخرج ومرافقه))‏

أم غيث : ((تحاول أن تبدو طبيعية)) ستساعدينني في أمور المنزل، أمامنا عمل شاق.. ((تقاوم تأثرها فشذى لا تزال منكبة)).. لم لا تجيبين؟؟‏

شذى : ((تهز برأسها علامة الإيجاب دون أن تكشف عن وجهها))‏

أم غيث : ((تتظاهر بتنسيق بعض الأمور، لكنها تلقي عليها النظرات الخاطفة بين الحين والآخر، أما شذى فتهتز بتواتر مع نشيجها الصامت))‏

((تمر لحظات طويلة والاثنتان على هذه الحال، تقترب الأم منها..))‏

أم غيث : ((تتصنع البأس)) ما بك، لم لا تنفذين ما أمرتك به؟‏

شذى : ((تمسح دموعها وتقف بصعوبة))‏

أم غيث : ما بك‏

شذى : ((بحروف متقطعة)) لا شيء..‏

أم غيث : كفي عن هذا الآن‏

شذى : ((تنهمر دموعها بغزارة)) حسناً.. ((تنسحب إلى مكان آخر))..‏

أم غيث : اسمعي.. ((تتوقف شذى، لكن الأم عاجزة عن الكلام))..‏

كنت أريد أن أقول شيئاً.. ((لحظات صمت أخرى)).. لا أريد لغيث أن يسمع به ((صمت))..‏

إن كنت تحبينه حقاً فعليك أن تضحي من أجله ((تبكي بكاء صامتاً إنما بمرارة فظيعة))..‏

إن كل شيء سيتصدع وينهار إن لم أفعل هذا، كل شيء.. ((بصوت مرتفع)) أتفهمين؟‏

كل شيء.. غيث، وأبوه، وشرف العائلة، وسمعتنا، وأنا وأنت..‏

أنت نفسك لن يكون بمقدورك أن تعيشي حياة الفقر والتعاسة معه بعد كل النعيم الذي أنت فيه..‏

شذى : ((تبكي)) أنا لا أريد شيئاً.. سوى غيث.. إنني أحبه.. أحبه يا أمي.. أحبه..‏

أم غيث : ((تندفع إلى الخلف وكأنها تلقت صفعة)) يا إلهي..‏

((بالكاد يسمع صوتها)) اذهبي الآن، اذهبي إلى غرفتك..‏

شذى : ((وقد شعرت بمرارة أخرى)) أنا آسفة.. ((تبكي))‏

أم غيث : ((تلتقط أنفاسها بصعوبة)) اذهبي.. ((تخرج))..‏

((يظهر أبو غيث متأثراً ومنهكاً لدرجة أنه يشبه شبحاً هائماً على وجهه))‏

((تكتشف أم غيث وجوده فتشعر بالاضطراب)) أبا غيث!!‏

أبو غيث : لماذا فعلت كل هذا؟؟‏

هل صحيح من أجل أن تنقذي ابنك أم من أجل أمور أخرى؟‏

هل ستدمرين كل شيء من أجل ما سيقوله الناس؟‏

هل ستحطميننا جميعاً من أجل أن نعيش في بحبوحة.. أيتها المجنونة؟؟‏

أم غيث : ((تصرخ)) ما الذي تقوله؟؟‏

أبو غيث : وشذى.. ابنة هذي الدار كيف تبيعينها؟‏

هنا في فسحة الدار قامت مثل حورية الفردوس، جدلت ضفائرها هذه الدالية..‏

أم غيث : ((تصرخ)) هذه الرومية العبدة..‏

أبو غيث : هذه الزهرة التي نبتت ههنا، بين شقوق جدران بيتنا.. زهرة أطلت على عمرنا القصير، صارت واحداً منا، صارت روضة فينا.. كيف ينسى المرء ما فيه؟!!‏

كيف لا يغوص الواحد منا إلى داخله؟.. إلى السمت القابع فيه؟‏

كيف ينسى بنيان سنيه التي مرت وعيون عمره التي ترقبه عبر الأيام؟‏

أم غيث : ((تصرخ)) يجب أن ننسى، يجب أن ننسى..‏

أبو غيث : على رسلك.. ((يتجلى الصباح الآن بشكل كامل))..‏

إن وجودنا ليس قبيحاً لهذه الدرجة..‏

إن وضوءنا ليس طاهراً دون أن نحب، دون أن تتدفق قلوبنا بالمحبة لكل ما يحيط بنا..‏

ليس من الشمس شعاع كهذا..‏

لماذا تطلبين الصعب؟!!‏

أن ننسى أنفسنا، ألا نحب، ألا نبكي على من نحب..‏

إننا لا شيء حين لا نبكي على من نحب.. لماذا تطلبين المستحيل؟؟‏

أن نرتحل عن أحلى سني عمرنا التي قضيناها هنا..‏

لا تبدئي بقتل الذكرى، فعذاباتنا وأفراحنا كانت نحن جميعاً..‏

لا تجعلي من حياتنا الجرح الذي لا يندمل، لا تطلبي أن ننسى أسماءنا التي صاغ الشجن حروفها، لا تطلبي منا أن نفارق شذى..‏

شذى‏

عيناها الربيع، ووجهها دائم الابتسام هو فضاء هذه الدار وغيمتها الخصبة..‏

لماذا تنسين عينيها حين كانت تراقبك قرب شجرة النخيل حين كانت لا تدرك معنى كونها لقيطة، تجهل أنها من الرقيق، حين كانت تناديك يا أمي، وكنت تبتسمين لهذه الكلمة..‏

لقد حرمنا الله من أن ننجب فتاة، ولكنه عوضنا بشذى..‏

ابنتنا شذى‏

لماذا تريدين النسيان؟‏

لماذا تريدين أن تنسي صراخها في وجهك حينما كانت لا تعلم شيئاً عن وشم العبودية الذي وضعوه على ساعدها..؟‏

لماذا تنسين إيابها إليك، حنوها نحوك، دعاءك لها؟‏

إنها شيء منك، كيف تبترين شيئاً منك؟‏

كيف جعلتها تتعرى أمام ذئاب النخاسة؟‏

كيف تركت ابنتك تتعرى عند أبوابهم..‏

أم غيث : ((تبكي وتصرخ بجنون)) كفى.. كفى.. لم أعد أحتمل المزيد.. كفى..‏

أبو غيث : لأنها الحقيقة..‏

أم غيث : سأبيعها، صكها بيميني، صكها بيميني..‏

أبو غيث : والآن.. تملكين الصك، تصوبين سهمك إلى عيني شذى، لكن سهمك هذا سيخترق في جنح ظلامك فؤاد ابنك الذي أنجبته حقاً، فؤاد غيث الذي مزق جرحه العميق من أجلنا..‏

لمن تصوبين السهم؟‏

لمن تصوبين.. لمن؟‏

أم غيث : كفى.. كفى.. كفى.. ((تخرج))‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244