|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقطع الرابع هل كانت الختنة منصفة سميراً؟ ربما كان من حسن حظه وجود رحلة من الطيران على خط تلمسان، وإلا فماذا كان يسمع لو استقبلها من وهران؟ كان الرجل الذي لا يبرح منفزعاً إلى حد ما منتظراً من منيرة أن تسأله عن الحدث العظيم، عن الجان الذي "سكنه" وعن معجزة سي علي الذي طرده، وعن أحوال العائلة إلا صهرتها طبعاً، كل شيء لم يرد في ثرثرتها التي استثقلها، تمنى لو أن المسافة القصيرة اختصرت في أمتار والدقائق القليلة آلت إلى ثوانٍ. لم يتوان سمير قط في حماية زوجته يوم تعرضت لشيء ما من نزوات أخيه الذي كانت لهجته هادئة صادقة، هو شاب مهندس فلاحي لا يفقه في أمور الدين إلا ما قرع سمعه من بعض الخطب والأحاديث التي كانت تلهب عقول الشباب، كأنها أوامر ونواه تنزل وحياً على أولئك الخطباء المتحمسين لأول وهلة، أو بعث بها جبريل، بعد أربعة عشر قرناً، من جديد. حاول سمير الذي لا يريد أن يخوض في مسائل الفقه والشريعة كثيراً أن يجادل أخاه عمر بالتي هي أحسن، أراد هذا أن يخاطبه بنصوص عميقة المفاهيم، بينما كان ذاك يحاجه بتوجيهات أخرى رسخت في عقله وطبعت على قلبه،.. أما نورة التي أقدمت إلى تدلية وإرخاء تنورتها في عز العشرية الحمراء، فلم يكن ذلك منها جبناً ولا اقتناعاً بما كان يتلفظ به عمر من أفكار طارئة، قدمت على ذلك حتى لا تحدث فتنة ولا شدخاً بين الشقيقين.. أما عمر فلم يكن بوسعه أن يكره نورة على أمر لا تقتنع هي به، كان أبوها فقيهاً محافظاً، تقياً ورعاً، ولم يجبرها يوماً على ذلك، فكيف بهذا الشاب الذي صار يجترئ بترديد ما قرع سمعه من خطب المساجد وأحاديث المقاهي، وكلام الساحات، وشجون البيوتات،..؟ والواقع أن عمر كان يحبها حباً كثيراً، ويحترمها احتراماً شديداً، وربما لاطفها: "في أول يوم بنى عليك سمير، تمنيت لو كنت فتاة.." كان الشاب عمر الذي لا يعدم مع ذلك حصافة وذكاء يعلم أن زوج أخيه سيدة محافظة متجددة، تنهل من كل الورود المتفتحة دون أن تقع طريدة أو فريسة لوردة بعينها، تحب الورد المزهرة كلها دون أن تغري أسيرة بواحدة منها،.. أين هي من الشاب عمر الذي أعجب بوردة واحدة، وهو لا يزال ابن الثالثة والعشرين ربيعاً؟.. بهذا تكاملت نورة مع سمير، تحاك العلم بالخيال تماست الدكتورة الحقيقة بـ "الدكتور" المزيف، تعانقت المرأة الوقور الجسور بالرجل المغضوب عليه المقبل نادراً والمدبر غالباً في كل خطوة مصيرية وقت حسمها قصير،.. تكاد نورة تنتهي إجراءاتها، وهو لا ينفك غير مصدق، وكأن لديه خاتم سليمان أو حتى بركة سي علي لتؤثر على توجهها الذي ظل حلماً غريباً يراودها، ربما فيما مضى كان هزلاً يدعو إلى الضحك.. كانت التلميذات يخلون بأنفسهن، يبادرن إلى المزاح وطرد الملل بقراءة المستقبل،.. شريك العمر وشكله، .. العمل المفضل،.. الأمل المعلق الطويل،.. يدق الجرس فتتبخر الأحلام، .. لكن بعد سنوات، ها هو الجرس يدق، وهاذي نورة يراودها الحلم من جديد. لسمير رؤية أخرى تختلف اختلافاً كثيراً عن رؤية الشاب أخيه، وحلم آخر يتباين تبايناً عظيماً عن حلم زوجته، قد يتشابه الناس في كل شيء إلا في الأحلام،.. سمير هذا الرجل الكهل عاش أحداثاً مخضرمة شتى، وهو غلام يافع،.. لم يخلق الله نشاطاً تحت السماء ولا فوق الأرض إلا جربه ومارسه، فهو فلاح صغير، اليوم، وتاجر مغامر غداً وصياد، وراع، ومربي حيوانات، وناطور حقول وغلات أرض من الأرانب والقنافذ، والذئاب، و"الزواش" .. في أيامات أخرى. ألم يكن حظر التجول في أعوام الثورة كلما دنت الشمس من الغروب إلا نعمة وراحة له.؟ ما أكثر ما كانت بعض العائلات التي لم ترزق غير البنات تستأجره لسقي المياه من آبار نائية زلالية مقابل أجر زهيد! العسكر، ولا سيما اللفيف الأجنبي الذي يسميه الناس "لا ليجو"، لا يرحم أرامل ولا أيامي ولا أبكارا، .. كالجراد المنتشر، إذا خرج من ثكنته لتمشيط قرية أو منطقة اغتصبت كل ذات أنثى في طريقه، .. لم يكن هؤلاء ولا أولئك في ديارهن المتناثرة في أودية وسهول والمترامية الأطراف فوق ربوات وقمم جبلية أقل خطورة ممن يغادرن دورهن لم يكن يردن أن يكن صيداً مستساغاً ذلولاً لهؤلاء المتوحشين المفسدين في الأرض.. غير أن سميراً الغلام الذي لم يكن يحفل باستنطاق "لاليجو" ولا حتى بركلاته وصفعاته أحياناً، وبطلقات نارية تدويّ مزغردة فوق رأسه أحياناً أخرى، كان يرتزق من وراء وحشية "لاليجو"،.. فهو لا يجد تفسيراً لظواهر ظلت بمرور الوقت تخالجه، ألا يمكن للناس أن يشتركوا في السعادة والسلم والشبع،.. إلا إذا شقي فريق آخر منهم وحورب وجُوع؟.. إلى أن يأتي اليوم الذي ينبري له من يجيب على تساؤله، فإن عائلة فلاحية ثرية تملك مطامير قمحاً وشعيراً وقطعاناً وبساتين،.. كانت تمنحه قطعة من النقود يلاعبها ويراقصها بإبهامه وسبابته ليل نهار قبل أن يضطر إلى إنفاقها، وعائلة أخرى متوسطة الحال تهبه قميصاً مرقعاً أو سروالاً خلقاً أو نعلاً مسموراً، وعائلة لا تملك قوت إسبوع ربما قاسمته زاد عشائها،.. هل كان سمير قنوعاً بما كان يتفضل به عليه أم هو الزهد الذي كان يغمر النفوس ويسدها إبان ثورة التحرير ولم يكن هذا الغلام إلا مظهراً بريئاً منها؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |