|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقطع الخامس حسبوا أن التعددية نعمة،.. خدعوا مرتين، مرة بالحرية التي خالوها جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها متكئين على الأرائك، ومرة بما آل إليه حالهم من تفكير ممزق، وما وصلوا إليه من فقر مدقع،.. رضعوا زهاء ربع قرن من فكر واحد، وتصور واحد وظلوا راضين بسياسة العصا الغليظة الواحدة، .. أيديهم أوكت، وأفواههم نفخت.. وها هم اليوم يغرقون لم يقبلوا شيئاً لم يرضوا بأحد،.. لا يريدون أن يسودهم آدمي واحد، لم يقبلوا فينيقياً، ولا رومانياً ولا وندالياً ولا بيزنطياً، ولا عربياً، ولا أمازيغياً،.. لم يقبلوا حتى أنفسهم، فأني لهم اليوم أو غداً أن يرضوا بسيادة منبثقة من التعددية سواء كانت نعمة أم نقمة؟.. إنهم سياسة وديمقراطية، والشعب المسكين سياسة وديمقراطية أخرى، ساسة يغازلونه بنظريات اقتصادية وثقافية واجتماعية مستوردة أثبتت إخفاقها في مسقط رأسها، وساسة يراهنون بآهات مثالية من أعمال السلف الصالح الخالدة، وغيرهم ينفذون من أقطار السموات والأرض لاكتشاف قارات فلكية وآخرون يلهونه بصندوق النقد الدولي، فيمنونه الأماني الحلوة في الرفاهية والحياة الفضلى، وهم يغلقون المعامل ويطردون عمالها، ويجدّون في تصفية ديون مؤسسات موروثة عن عشريات تفننوا في استعارة أوصاف رهيبة لها، بصرف ملايير الدولارات عليها هباء منثوراً، وبخصخصة مؤسسات أخرى مفلسة قبل بداية إنتاجها،.. التعددية، الديمقراطية، حرية التعبير حقوق الإنسان، اقتصاد السوق، الخصخصة، الإرهاب.. كلمات كلها غدت منذ الميلاد الأحمر للعشرية الرابعة أسماء مجانية. نهبوا الأخضر واليابس، البقرة المدرار هجرت في الغابة فريسة محتملة لذئاب ضارية طاوية، لم يبق أي شيء، الله غالب، الدولة "ما تعطيش"، الدولة "ما تبنيش" الخزينة العمومية فارغة، على الناس من الآن أن يتهيئوا لخبز من الحجر،.. كأنهم يبشرونهم بعشرية خامسة لم يتفق أولياؤها الشرعيون بعد على فبركة اسم لها يليق بمقامها، لن تكون على أي حال أقل تعاسة وغرابة من حميماتها السابقة. ألم يكن الشاب عمر الذي ذكرته منيرة ذكراً غير رحيم إلا "خذ وهات" من بضاعة العشريات الثلاث؟ جادلهُ سمير بعقلية هي بالنسبة إليه عقلية موازية ليس للشاب إلا تكوين واحد بقدر ما هو منبثق من التعددية مطبوع بطابع أحادي كأنه وحي إلهي لا يقبل المساومة والجدل. شتان ما بين الأخوين، سمير وإن تربى في أحضان الحرمان والإهمال فإن اجتهاده العصامي الذي لفت إليه كل الأنظار، ومعرفته لنورة الجامعية المحافظة المتعصرنة كان لهما أثر جلي في مسيرة شبابه المتأخر، وتفتحه على الثقافات الأخرى، عيبه الوحيد أنه إذا جادل أحداً يُعترى بهوس التفكير العميق، والتحليق البعيد، وشاب لا يحمل تداخل الثقافات والذهنيات، مثل عمر لا يكاد يعترف إلا بما هو ملموس ومنصوص عليه في قراءة موجهة توجيهاً مقاسياً مغلقاً من هنا اختلف الثاني مع الأول، من حيث أراد الأول أن يأتلف مع الثاني. لسمير رؤية فلسفية تجاه ثقافة الآخر، كانت نورة أول من أُعجب بها، .. البحث عن ثقافة ديناميكية يصبح معها المتقبل لثقافة متناقضة آلياً.. لا يكتفي بزجر الناس عن الموبقات بلغة العقاب التقليدية،.. أن يُكشف للمتقبل كشفاً شفافاً ما عند الغازي القديم بأسلوب جديد لم يعد ممكناً مقاومته وحسب بالوسائل المبتذلة.. أن يُعرّى له عن كل شيء قبيحاً دنيئاً كان أم حسناً صالحا. "ألم يكن الواحد من الفتيان إذا رأى علجة فاتنة لا ترتدي غير صدرية حلمتا ثدييها بارزتان، وسروالاً قصيراً لا يكاد يخفي عورتها قيل له: هي "قاورية" ولا تهيح فيه أية غريزة، حتى كأنما يرى لوحة زيتية لا آدمية تتحرك، وكانت الواحدة من فتياتنا إذا ما قضي لها أن ترى علجاً لا يرتدي غير سروال قصير، كان يقال لها: هذا "قاوري" ولا يُظن أنها كانت تثار في حساسيتها الجنسية. ألا ترى في كل مكان نساء جميلات سواء كن مستورات من أخماص أقدامهن إلى أشعارهن أم دون ذلك ستراً فإنك بشر ضعيف طماع، قد تعجب بواحدة أو أكثر منهن، وتحب أن تكون زوجتك وبنتك واختك مثلهن جمالاً؟ لكن هل يحق لك أن تسرح نظرك فيما لا حق لك فيه؟ ألا تشاهد آلاف السيارات والفيلات وآلاف الأشياء البراقة المغرية، وقد يكون ذلك كله أفضل وأجمل مما تملك يداك، فهل يحق لك أن تعتدي أو تطمع في شيء من ذلك؟. لو كان لكل راع من رعاة ما في رقبتهم من أمانات خطوط حمراء بين ما يحق لهم وما لا يحق، لكانت الخزائن عامرة بكنوز "علي بابا" وآلاف الهكتارات العقارية موفورة، وعشرات الآلاف من الشقق غير مستولى عليها بطرق... وهي غير مأهولة...". هذه الرؤى التي ظل سمير يرددها ويحلم بها من أجل تطبيقها في كون لم يخلق بعد، لم تكن لتقرع سمع الشاب عمر إلا قرعاً سطحياً، لأنه كان مغزواً في ذهنه باقتناعات أخرى، أصلتها فيه خطب المنابر والصحف التي صارت كالنمل كثرة، والاجتماعات السياسية،... حانت الليلة المشؤومة،... كل جهة تتبرأ منها وتندد بها،... منيرة لم ترحمه ولا رحمت أمه، أليس لها كسائر البشر "كبدة"؟ هي لا تتمنى عودته،... كلما تذكرته العجوز أذرفت دموعاً فوارة غلاظاً وزالت شهيتها لعدة ساعات وربما أيام... الوحيدة التي لم تأل جهداً ولا ادخرت وسعاً في استقصاء خبره نورة، لم تحفل بتحذير أمها، طرقت أبواب كل الجهات الممكنة والمشبوهة،... بقيت العجوز التي أصبحت في حالة يرثى لها تتخيل لمدة ستة أشهر وزيادة أن ولدها سيطرق في إحدى الليالي الشتوية باب دارها.... لم تيأس بعد، لا تزال تنتظر، مادامت باب الوئام المدني... ربما ستموت منيرة، وغيظها كامن في صدرها، لماذا تحقد على هذه العجوز؟ ألا يكفيها هذيانها بولدها؟ ليست منيرة وحدها التي عارضت زواج ابنتها عملاً بالعادات القبائلية، في تلمسان أيضاً لا يتم قران مرضي عنه ومبارك إلا بين تلمساني وتلمسانية، سمير ونورة كلاهما تمرد على أهله، والآن كل شيء هدأ وسلّم بالأمر الواقع إلا منيرة التي لم يعد سمير يحفل بتصرفاتها كثيراً، ونورة غدت لا تحسب لهذا الموضوع بشأن حماتها أي حساب، ولكن الكنة والحماة كلما تماستا تماساً فوق إرادتهما تظلان واجمتين لا تتجاذبان طرف أي حديث إذا لم يَثْلِثْهُما جليس ثالث. قبل أن تفكر نورة فيما فكرت فيه لم يغب عن بالها إطلاقاً ما سيسبب قرارها النهائي من كآبة وعذاب لحماتها، لكن ليس من عادة نورة الحصيفة الرشيدة أن تقف أمام إرادة سمير متى شاء أن يزورها، لكن هل الأمر يتعلق بإحدى ضواحي تلمسان أم...؟. وهي سيكون في استطاعة العجوز أن تغامر بجسمها الضاوي لتصحبهم إلى الصحراء؟. يعلم سمير المسالم أو المسلِّم أمره لِلّه أنه لا يملك أدنى قدر من الشجاعة الأدبية أو الرجولة للوقوف في وجه قرار نورة، ما عرف من صفات قاسية من الصحراء التي سماها بحاراً رملية أو قارة قائمة بذاتها، وما قرأ عنها من قصص خيالية مرعبة وما كسبه من معلومات جمالية وهو يحفظ المعلقات والمذهبات ودواوين الشعر الجاهلي، يجعله من الآن يرتجف لشدة هول ما يتدوَّمه من رسكلة جديدة كل الجدة. الأيام تمر سريعة، ونورة لا تبالي بما يساور زوجها من أوهام ربما تكون نتيجة لضغوطاته النفسية الخارجية والداخلية، ولعلها من بنات نسج خياله المفرط في غد مجهول، نورة طبيبة في الشمال مثلما هي طبيبة في الجنوب،... لكن سميراً المولع بفلسفة الأشياء والأفكار له نظرات أخرى، البوح بها يعد تنغيصاً لرغبة نورة، وهذا مالا يريده سمير أو ليست له إرادة في ذلك، فالصحراء بالنسبة لشمالي عقاب صوبت الطبيعة سهمه اتجاه من رابطوا وصمدوا فيها وكأنهم تحدوا قساوتها وفظاظتها، وإلا فلم كلما أذنب شمالي أوسطا على الحقوق العامة أو الخاصة أو وجد في نفسه حظاً من الجرأة للتعبير عن مكنون نفسه أو معارضة الآخر،... إلا ونقل أو نفي إلى الصحراء؟ سبحان الله! كأن الاستعمار لم يُقَلَّد إلا فيما ترك وراءه من سيئات! كأن الصحراء ليست إلا مَوْألة لمغضوب عليه أو محكوم عليه بعقاب؟ ألم تغر السلطة المركزية بمضاعفة الصك لكل شمالي بائس إذا مارس عملاً في الجنوب؟ أما إذا اشرأب جنوبي بعنقه نحو الشمالي فهل يمنح فرصة لصك واحد؟ طبيعة الشمال طبيعة مسالمة، ليست موئلاً للعقوبات، وهي وناسها في وئام تحول إلى عهد أبدي،... ليس مهماً أن تتبدل السماء والأرض في لحظة واحدة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |