دموع و شموع - عبد الجليل مرتاض

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المقطع السادس

حسب الأبله أن الكلام قد انتهى، وكأننا به شرع يتأمل شخوصاً جدداً ليستعبدهم في جرائم ومحن جديدة، شخوصنا مزيفون بطبعهم، ليس بمقدرتهم أن يؤدوا وظائفَ تجاوزت في عالمهم درجة كل وصف وحقيقة،... هو الآن يبرم شاربيه زهواً وعتواً،... لم ينته الكلام بعد ، ولكنه مغفل لن يجديه اليوم صمت ولا تملص،... ما الذي أرغمه على الذهاب إلى تلك الوعدة الموسمية؟ أخذ درساً لن ينساه إذا فهمه وحفظه جيداً،... لن يحفظه، نراه يتحين الأيام لوعدات أخرى، ليس في حاجة إلى ذكرها، ورثوها أصاغر عن أكابر، يقدمون قرابين من كباش وعجول وتيوس لقبور بداخلها عظام رميمة، لا يعلمون أدنى علم ماذا فعل بأصحابها منكر ونكير، ولكنهم لا يجهلون أن الديدان التهمت ما كان يعتليها،... كلما غضبت عليهم السماء، وأقحطت أراضيهم، وبدأ الطاعون ينتشر بين مواشيهم، جادوا على هذه العظام "الراشية" بما بخلوا به في زكواتهم، هم هكذا وجدوا وسيلة لذيذة لوقاية نفوسهم من الشح، عصفوران بحجرة واحدة.‏

غبي ذلك الفقيهُ المعجبةُ نورة، التي لا تقل رونقاً وفتنة عن سارة، بِرُقاه وسحر تمائمه، ألم يؤدبه من هو أعلم منه: "من علق تميمة فلا أتم الله له"؟ سنرتاح من شروره الموروثة عن كهنة لا تاريخ لهم بعد حين،...‏

إنك لست فقط أبله، أكثر من ذلك، أتدري لماذا؟ جبان، متردد، تقدم خطوة، وتؤخر أخرى، لو كانت لك عين وراء جمجمتك لما خطوت خطوة واحدة إلى الأمام،... أكثر ما تكون حزماً وعزماً وإِقْداماً عندما تخرق عالمنا، كل ما ينسب لك من "إبداع" بفضل شخوصه المساكين، أما أنت،...‏

يحسب ذلك الفقيه المزهو برقاه أن صيته الواسع في شرق بلاده وغربها سيرزقه منصباً يقتات به مع زوجه العاقر، في المرة الثانية لم يعرضوا عليه،... كان كلام أهل الحل والعقد معه واضحاً، اقترحوا عليه في عشريتكم الأولى أن يتقدم إلى مسابقة "الممرنين"،... أخذ صفراً في الهندسة والحساب،... عاد إلى أصله، ترك غُرَماءَه من بني جلدته، وولى شطر وجهه إلى مخلوقات أخرى لم تغصب الناس أرزاقهم، ولا بَخَسَتْهُم أشياءَهُم، يصب عليها جام غضبه مما لحقه من إهانات الشباب المتمدرس.‏

على الرغم من أنك انتهيت من تقليم أظافرك، اعترفت بإخفاقك في جعل هذا الغبي من سلالة عالمك يتكلم كأنك تريد أن تختفي قصداً مثل "الكتاب" الكبار حتى "يوسم إبداعك" بسمات شعرية تحمد لك، كان يجب ألا تفكر في هذا، عليك أن تقول، وعلى النقاد أن،... ولكنك جبان، والجبان الإبداعي لا ينال حظاً شعرياً من عالمنا،... كدت تطرق باب قيم الولي الصالح "سيدي بومدين" الذي كان لوالدك يد بيضاء عليه، لعله يفاتح الفقيه... هو الوحيد في نظرك، الذي يمكنه التأثير على نورة للعدول عن... أزفت الآزفة، أتدري ما قال لها؟.‏

"لست أفهم أولئك العباد من أهل البلد الذي يخشون صحراءنا، وهي مصدر إلهامنا، فيها شيطاننا وعبقرنا، وهي معين نعمتنا، ثمانية وتسعون في المائة من مداخيلنا، وهي منطلق هدايتنا،.... أعبثاً كانت آخر رسالة سماوية من الصحراء؟ لماذا هاجر من قبلها نبيّ رفقة أخ له فاكهة وأبّا، وحدائق غُلْبا، وانزل بواد غير ذي زرع زوجاً له وصبيّاً....؟ لسْتِ قاصرة لا تسألي فيما عزمت ولياً ولا وصياً، اِفعلي ما شئت، ونعم الرأي ما رأيت،...".‏

أترانا بحاجة إلى سرد المزيد من صنعة سجعه المبتذل الثقيل؟ لا يعنيك أكثر مما قاله لصاحبتك،... ولده! ولده! يكاد يكسر باب غرفته:‏

-ألم تقل يا أبتاه في سهرة الأمس بأن عندك موعداً مُهِمّاً في هذا الصباح؟..‏

-بلى، بلى يا يوسف! لم تتصل أمك.‏

-ربما في المساء، الهاتف بعد الثامنة مساء أرخص...‏

-لا تغادر الدار لحظة واحدة إلى أن أعود، زالت الغيرة على الجار، السراق ينهبون أمامهم عرض الجار الغائب وأملاكه، وهم ينظرون من فرج الأبواب دون تنهد.‏

غادرت الدار على عجل، لا أذكر كيف هيأت نفسي، وأحكمت هندامي، ما عدا هذا الجرح الذي لا يزال يَدْمي، كلما كان مَوْسُ الذَّقْنِ سريعاً، كانت هذه النتيجة، على الرغم من التطور الفائق لِمُوسَيَات الحلاقة الرجالية ، كم مرة أمَوُس هذه الشعيرات على مضض من أمري، أيام الشباب للزينة والإغراء، وأيام الكهولة لاجتثاث كل أثر لشعيرات بيضاء وقد تنكرت لِلَيالِيها السوداء،...‏

وبينما كنت أهم بتحريك السيارة وقف يوسف بجانبي وهو يلهث: "بابا، فتاة أو امرأة تطلبك في الهاتف، لم ترد أن تصرح لي باسمها، أنا لا أعرف صوتها، كأنني أسمعها لأول مرة، ولكنها ذكرت لي أنها طالبة من بعيد" إني متأخر، كما ترى، قل لها: تعاود الاتصال بي في العاشرة ليلاً، يوسف: لا أوصيك مرة أخرى على اليقظة، أمك طبيبة، وأنا أستاذ جامعي، يعتقد الطامعون أننا عائلة ثرية،... طالبة! في الليل سأؤدبها، كم قلت لطلبتي إني أعمل في شهري العطلة، لي مكتب في الجامعة،... من تكون هذه الطالبة؟ ومن سلمها رقم هاتفي؟...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244