|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقطع السابع أي صباح هذا الصباح؟ لو لم يغلبني الكسل، ونهضت باكراً بعد ما سمعت حيعلة المنادي لما طاف بي طائف،... ماذا كانت نورة تصنع لو كانت بجانبي؟ فات ذلك الشقيَّ سمكة سمينة من نورة في هذه المرة، وإلا ادّعى... مع أنه وعدها بأن الجان لن "يسكنني" مرة أخرى، هناك ألف حيلة عند المحتالين، أليس هناك جنة مسلمون وجنة كفرة؟ أليس هناك ذكور وإناث من الجن؟... أيكون هذا البائس قد حمّس نورة وزيّن لها للمضي فيما هي ماضية إليه أم لم يكن ما طاف بي أكثر من حلم مروع؟. هذه المرة ما هو مصدر إفزاعي؟ لم أكن أفكر في أي شيء قبل منامي الذي كان متأخراً جداً، لم أتناول وجبة ثقيلة، هل كل من أعرف ومن لا أعرف من الناس تلاحقهم هذه الإزعاجات وهم غائبون؟. لا أظن أن الوقت وقت تساؤلات، نورة دعيت إلى ملتقى دولي تنظمه منظمة الصحة العالمية حول صحة الأمومة والطفولة، فرصتها لتوطيد علاقاتها الدولية لعلها تحقق، يوماً ما ظلت ترنو إليه دائماً،... كلما عادت من ملتقى علمي دولي من الخارج إلا وتهاطلت عليها رسائل جمة من عدة باحثين وعلماء بعدة لغات، وطرود من الكتب والمجلات،... كلما كان يحين موعدها لإلقاء مداخلتها التي كثيراً ما كانت تخرج بها عن المألوف في عالم الطب التقليدي، إلا وشدت الأنظار إليها ودفعت الفضوليين الذين يسمعونها لأول وهلة أن يَرْنُوا إليها رُنُواً طويلاً، وكانوا يزيدون عجباً وإعجاباً حين يعلمون أن هذه المحاضرة أمامهم باحثة جزائرية، ثم يتناظرون ويتساءلون ليتأكدوا... فمن جهة شكلها أنها لا تكاد تختلف اختلافاً كثيراً عن أي رومية جميلة،... تتقن الفرنسية، والإنجليزية، وتناقش المداخلات التي قد تلقى بالإيطالية والإسبانية،... والذي لم يكن يصدقه بسهولة هؤلاء الفضوليون الرَّناؤون، إنه لا يعقل أن توجد طبيبة باحثة سافرة في جزائر العشرية الحمراء بهذا الشكل جمالاً وعلماً وإصراراً على العمل خارج البيت، وهي لا تزال حية ترزق، وتمشي الخيلاء في الشوارع والأسواق. لم تكن نورة من الصنف الذي يهتم بالسياسة، ولكن حين يتعلق الأمر ببلدها، وهي في إحدى العواصم الغربية كانت تتحول إلى دبلوماسية فائقة في الذكاء والتحفظ والترميز تارة والتوضيح تارة أخرى، هي خبيثة في تخلصها وتملصها من بعض الأسئلة الغامضة أو المطبوخة سلفاً للإيقاع بصاحبها، مثلما هي أخبث في خرجاتها العلمية المتجددة،... بدأت في المدة الأخيرة، كلما حلت ببلد أجنبي، تتلقى دعوات رسمية من ساسة كبار، كلهم قَدَّروها وأعجبوا بشجاعتها وصمودها طوال هذه العشرية الدموية، غير أن نورة لا تلبي أية دعوة توّاً إلا بعد استشارة ممثل بلدها دون أن يحس دعاتها بذلك أدنى إحساس. إن هؤلاء ليسوا صحافيين، إنهم من ممتهني السياسة لعقود خلت، ومتخرجون من أشهر معاهد العلوم السياسية في بلدانهم، اعترفت لي بأنها كانت تمر بفترات حرجة ومسدودة أحياناً حول ما يجري في بلدها من أحداث الإبادات الجماعية، وأفضت لي بأن ما كانت تزوّد به من نصائح هذا السفير أو ذاك دردشات تقليدية لم تكن تجديها نفعاً لاستغلالها أمام ما كان يدور بينها وبين داعيها من محادثات شكلية ومجاملات لا تخلو كلها من مكر وإشراك، وأفضت لي بأن ممثلي بلدها لم يتفاعلوا مع الأحداث والتحولات الجذرية التي طرأت عليها، هم ينعمون ويسبحون في واد، وشعبهم غارق في واد آخر، ولم تخف لي استغرابها من جهلها إياهم جميعاً، لأن أحداً منهم لا ينتمي إلى الأسلاك الجامعية على غير ما هو متعارف عليه في الدنيا كلها، وأصبح شائعاً أنه لكي تكون لديك فرصة لوضع قدمك الثانية في هذا السلك الذي يسمونه "دبلوماسي" يجب أن تضع قدمك الأولى في عتبة الخارجية. هذه الشهرة العالمية لنورة لا تتجاوز في بلدها فضاءها المهني، وإلا فكيف تطلب وزارة الصحة بياناً مفصلاً من ألف إلى ياء عن سيرتها الذاتية لما أبدت رغبتها في... مما جعل نورة تعلق بشيء من التهكم "أخشى أن يلتمسوا مني في المراسلة القادمة شهادة من سي البشير". وتظل نورة وأمثالها مهنةً ولغةً، مع ذلك، أفضل بكثير من أمثال هؤلاء الأشقياء الذين غدوا يشعرون بغربة قاتلة، لا هم شرقيون ولا هم غربيون، فها هي ذي تصبح مرغوبة في أي مكان من هذه المعمورة، وهؤلاء التعساء غداً رهنهم غير مضمون حتى في بلدهم، أصبح يشار إليهم بالبنان على أنهم أعراب، والأعراب أشد... سيان، إذا شرّقوا أو غرَّبوا، فهم غربيون في الشرق، وشرقيون في الغرب... دخلت دار الثقافة، فلم أجد غير فراش ينتظرني، وأفراد يعدون على الأصابع من طلبتي المحليين وبعض من أصدقائي المجاملين،... المدير والسلطات في... والجمهور لا يزال مرهقاً من سهرته التي تأخرت حتى ساعة متأخرة بعد موهن الليل رقصاً وسماعاً لحفلات موسيقية في "الراي" وشعبية في الغايطة والزامر والبندير،... حتى القاعة لم تنظف بعد، ستنظف لاحقاً لسهرة ليلية ساخنة أخرى،... خجل الفراش خجلاً شديداً يبدو أنه ابن عائلة فقلت له باسماً "لا تثريب عليك" عرفت بعد حين أنه من قدماء المجاهدين، رفض أن يبيع جهاده بإغراءات مادية سهلة، ذكر لي أنه سعيد بعمله في دار لا يتردد عليها إلا العلماء، ولكنه حزين لإدبار الناس عن الحضور،.... أما النهاية فأنتم تعرفونها، خرجنا لارتشاف فنجان قهوة في مقهى "لاغا".... ثم انصرف كل واحد لشأنه الأكثر أهمية. استويت إلى طاولة مستطيلة أتعشى وحيداً حتى يوسف دعي إلى خطوبة أحد أصدقائه، نورة وعزيز... إن الوحدة صورة وحشية لنهاية الطريق لكل إنسان،... سأكون مجبراً على السهر،... رن الهاتف على العاشرة تماماً، كنت قد هدأت نفساً، وسكنت غضباً وأسفت في قرارة نفسي على ما.... هذه الطالبة على الأقل جادة، وشابة في مقتبل العمر، وأي منهن إلا وتحلم بغد جديد، فلماذا أقف في درب حلمهن الطويل أو القصير؟.... ومع ذلك دفعاً لأية أسئلة ثقيلة علمياً ودسمة منهجياً تفاديت الرد عليها، لكن الهاتف بدأ يرن للمرة الثانية،.... هي طالبة ملحاح... -ألو، وي،... -هذا أنت! -هذي أنت! -لك غيري؟.. الزمن ينسي! -كفاك مزاحاً! -المهم أنك ما برحت تعرف على الأقل صوتي، ربما بفضل ما فيه من بُحَّة. -أنت، أنت، لا تدعين طبيعتك. -يبدو أنك وحدك، أليس كذلك؟ -ربما. -هل تابعت أمس إحدى حصص "ARTE" في ساعة متأخرة من الليل؟ -لا كنت أتابع خطاب الرئيس! -كانت صاحبتك نجمة الحصة! -أنت؟ وبأية مناسبة؟ رفضت يوماً على هامش أحد الملتقيات الدولية هنا بـ... حتى المشاركة مع أساتذة في حصة على الأثير، كيف تظهرين اليوم،... -سامحني أقاطع كلامك، قلت لك: صاحبتك، لا... -آه! فهمت، تقصدين... -نعم، مالك سكت؟ لو تعرف مع من كانت! -هي حرة سيدة في نشاطها العلمي. -يعجبني كلامك. -وما العجب في ذلك؟ قلت لك... ينقطع الهاتف فجأة. -معذرة، كنت أبدل البطاقة. -كنت أحسبك تتكلمين من المنزل. -جننت لا أكون مرتاحة،.... لا تحمل أي هم بشأن،... منذ سنوات خلت، لم يكلم الواحد منا الآخر، كأنك دفنتنا،... -أرجوك، أنت تعلمين الظروف. -أف لظروفك!. ما هو إلا جبن فوق التصور... -قاطعها مكفهراً: لم يبق إلا أنت، هل أنا في عالم اللاشعور مع أشباح مرة أخرى؟ -سميرما بك؟ كنت أمزح معك، مجرد مُزْحة، ليس إلا،... يبدو أنك صرت عصبياً قليلاً ما، لا تحفل بها كثيراً،... من الآن فصاعداً لن أتركك وحيداً. -أما أنا، فقد تبت توبة نصوحاً، ولن أعود إلى تلك المحارم ما حييت، عفا الله عما سلف، إني، كما تعلمين، سلخت الخمسين، وأنت تجاوزت الأربعين... -يبدو أن اليأس بلغ منك مبلغه،... اسمع أعطني رقم جوازك ومدة صلاحيته،... بعد أقل من سبعة أيام ستصلك شهادة الإيواء،... بعدها نتلاقى ونتحدث عن كل شيء، أنا لي أيضاً... وينقطع الهاتف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |