دموع و شموع - عبد الجليل مرتاض

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المقطع الثامن

أبعد كل هذه السنين الطويلة تطفو هذه الحية الرقشاء من جديد، وتعود هذه العودة من بعيد؟ لن أنصاع لها... هي ونورة متشاكلتان في طموحاتها التي لا حدود لها، لكن نورة أعف وأطهر من سارة، نورة لا تجتهد فيما تحلم به إلا بالبحث العلمي الدائب، والمطالعات المعمقة والمنوعة في آخر ما يشرق في سماء الطب النسوي وطب الأطفال، وخاصة بعدما أصبحت تشتغل على شبكة الأنترنيت، أما سارة فمدرسة أخرى، امرأة مغرية، وخطيرة ومنحلة أخلاقياً، لا يهمها الوسائل التي تستعملها للوصول إلى مبتغاها، إذا رامت شيئاً حصلت عليه،.. يوماً ما سافرنا في رحلتين مختلفتين ومن مطارين متباينين،... رحلتي تأخرت، وصلت الطائرتان في وقت متقارب،... غادرت قاعة المطار سريعاً حتى أفاجئها، لكني ما كدت أدفع الباب الخارجي حتى لاحظت سيارة سوداء لرقمها الولائي ثلاثة عشر، وبداخلها شخصية مرموقة، وبعد ثوان معدودة، خرجت سارة وهي تتمايل بجسدها والهواء يلاعب شعرها الأصفر ذات اليمين وذات الشمال، تواريت وراء عمود مستدير، بدأت أراقب حركاتها وتموجاتها، كانت ترتجف ارتجافاً شديداً من الخوف، علا وجنتيها الناتئتين قليلاً حمرة شديدة، لم تكن مرتاحة، كأنها كانت تحس بأحد ما داخل المطار أو خارجه،... كانت ترتدي بِذْلة مزركشة باريسية ما تزينت بها من ذي قبل، وحول جيدها المستدير منديل حرير أصفر فاقع،... ما كادت تدفع الباب الخارجي حتى بادر إليها السائق محيِّياً إيّاها باحترام شديد، ثم تناول الحقيبة الكبيرة التي كانت تبدو ثقيلة من يدها، وبسرعة فائقة، تحركت السيارة،... كاد يغمى عليّ حيرة وغيرة،... لكن ما المانع من أن يصنع ذلك المسؤول المرموق جميلاً وينقلها معه إلى المدينة، ... هذه إحدى العادات الطيبة التي لا تزال راسخة فينا لتكريم النساء وإيثارهن، يجب ألا أسيء الظن بسارة لمجرد رفقتها رجلين من،... إلى،... في اليوم الموالي جاءني أحد الصحافيين ليشكرني على مداخلتي ويطلب مني ملخصاً ودردشة فكرية حول المطبوعات الدينية التي بدأ طبعها ونشرها يطغى على حساب مجالات أخرى، ومدى مواكبة هذه المطبوعات لحياتنا المعاصرة،... لكن الصحافي الوهراني الذي يعرف سارة معرفة جيدة استغرب غيابها، وبالضبط من مداخلتي، فقلت له بعفوية بريئة:‏

-هي غير مدعوة من هيئة التنظيم.‏

-لكني رأيتها، نزلت معي في نفس المصعد.‏

-ربما شبهتها،... يستحيل أن تكون... وأنا... ولا...‏

-ربما، ربما،... على أي حال، كأني لم أقل شيئاً، الحق معك، ما أكثر الناس الذين يتشاكلون!‏

في تلك الليلة نفسها هز العاصمة كلها زلزال خفيف، لكن سارة شعرت به فأكملت ليلتها وجلة خائفة، وقفلت راجعة في أول رحلة جوية،...‏

أقسمت لي بأنها حاولت الاتصال بي فلم تفلح، مدعية أن مصلحة الاستقبال في فندق الأوراسي رفضت أن تسلمها رقم غرفتي وحتى تثبت لي عفافها سلمتني فاتورة غرفة باسمها، وكاد يغمى عليها حين سألتها: "متى كنت تتناولين المشروبات الروحية؟"، فتذرعت لي أن ذلك خطأ في الحساب، وبدأت تلعن إداريي النزل بكل ما لذ وطاب... لم أقتنع بكلامها الصبياني، فتشاجرنا، وتشاتمنا، وحاولت صفعها، ولكن المكان والمقام لم يكونا مناسبين، صاحت في وجهي كحية رقطاء: "الأعظم جرماً وإثماً أن أخون زوجي الشرعي معك أم أخونك أنت مع رجل آخر"... بعد تلك الليلة وضعت سارة الولاية كلها خاتماً في إصبعها،... عرضت علي الاشتراك معها في مشاريع استثمارية فرفضت وفي نفسي شيء آخر.‏

بقينا لمدة شهور لا يكلم الواحد الآخر، إحالة ذلك المسؤول على التقاعد ورحيله إلى مسقط رأسه بعيداً عن... قمنا بسفريات سياحية إلى بلدان أجنبية، فتصالحنا وكأن شيئاً لم يكن،... ومع ذلك، لم أنس تلك المشاهد التي تركت في نفسي أثراً سيئاً من آثار ذكرياتها، هي كثيراً ما وصفتني بالأنانية وتصور أشياء لا وجود لها في الواقع.‏

مر كل شيء، وآن ميلاد العشرية الحمراء التي أبدت نواجذها، وكشرت عن أنيابها في وجه المثقفين والطلائعيين،... كانت سارة من الفارين المبكرين قبل أن يسقط أول شهيد ربما كانت في اللائحة السوداء لما كان لها من علاقات خارجية واسعة، ولم تكن نورة وقتئذٍ إلا تلميذة لها في هذا المجال،...‏

ألحت علي إلحاحاً شديداً في الهجرة معها إلى الضفة الأخرى،... ذكرت لي أن لعائلتها المقيمة في ليون شقة على مدار السنة فارغة في مرسيليا،... فأجبتها:‏

ـ "والدي لم يهجر قريته والجزائر محتلة، والحرب الإبادية قائمة، فكيف يرحل ولده اليوم، والجزائر مستقلة، بعد ثلاثين سنة، والحرب واضعة أوزارها؟"..‏

"تلك حرب شعب مغصوب ضد عدو غاصب، أما هذه ففتنة، والفتنة،... ستندم، تشجع، سأبحث لك عن منصب جامعي، ما أكثر الشرقيين الذين لا يعرفون فرنسية ولا عربية!... سأكون شقية بدونك، ألا تفهم؟..".‏

ـ "أليس معك زوج وأولاد؟"..‏

ـ "عدت إلى الهزء مني،.. دَبَّر راسَكْ، أنت حر"..‏

لم أنصع لأهواء سارة، لأول وهلة أحسست بشيء من الرجولة، وأن لي نفساً أبية، بقيت في وطني الذي تركه لي أسلافي أمانة في عنقي، وسأبقى فيه إلى آخر رمق وَشَرَقٍ من حياتي، لولا أن كلمة الرب قد سبقت، لتضرّعت إلى الرب ابتهالاً، واشترطت شرطاً واحداً، أن أموتَ في وطني وأُوَارَى في ترابه الزكي، وأن أبعث فيه يوم الحشر من جدثي...‏

لم يكن لي اختيار، الرب من اختار لي هذا الوطن، وأنا راضٍ وسعيدٍ باختيار الرب،... مثل هذا الخطاب يغضب سارة، ويرضي نورة التي عز عليها أن تهجر قريتها إثر معركة شرسة بين الثوار والمحتل، وهي لا تبرح طفلة صغيرة،... لكنها فخورة، لأن أباها تحول بين عشية وضحاها من فقيه "درار"، إلى رجل ثوري، قلد مسؤولية عالية بفضل إتقانه العربية والفرنسية الشفهية، وجد ضالته، نصف درب ضيق واحد من دروب باب الواد يفوق قريته السابقة كثافة..‏

أما سارة فلم يكن اختيارها وطناً ثانياً اختياراً شقياً، المرء إذا رضي بشقاء في نفسه، وأذهب عنها عزتها وكرامتها هان عليه في أول المطاف كل شيء، رحم الله الأولين: من يهن... ما لجرح... سارة مواطنة من الدرجة الأولى هنا، ومن الدرجة الثانية هناك، واختلاف الدرجات لا يمنعها من تلونات شتى، هذا حال كل من هو في صفة سارة، اللهث شديد على جنسية الضفة الشمالية، بالأمس القريب كان الأحرار يجودون بأرواحهم بهدف تمزيقها وإلقائها في المتوسط، واليوم يلهث العبيد... إن العيش بحليب بقرة أو معزة في وطني أشرف وأنظف لي من خمسمائة نوع من الجبن هناك...‏

إنها مجنونة، تطلب مني أن أسافر إلى الضفة الشمالية لنتلاقى من جديد، من غير شك أنها تفكر في ذكريات بالية، تعتقد أنها لا تزال تلك الفتاة الشابة المرغوب فيها، وأنا ما فتئت ذلك الشاب ابن الثلاثين، كم هي مخطئة الزمن تغير، العالم كله تغير، إلا حماقات سارة لم تتغير، صرت منذ عشرية كاملة أشعر بالخجل، من نفسي كلما تأملت نورة الزوج الوفية، تسيح، تجول، تطوف العالم، ولا تستهويها نفسها، لاشك أنها صادفت في رَحلاتها رجالاً فيهم ملامح ومميزات رجولية لا أظفر بها، من غير شك أنها تمالكت نفسها، وصانت شرفها من أجل ألا تخونني، وهي امرأة فيها من الصفات الأنثوية ما يجعل الرجال يتساقطون سجوداً عند قدميها، إني خائن لست جديراً بها... حاولت أن أعترف لها مراراً بعد هجرة تلك الأفعى السامة إلى الضفة الأخرى،... لم أخف من الاعتراف، كنت مستعداً لأتقبل منها ردود فعلها كيفما كانت،... يوم، يومان، شهر، شهران،... لاشك أن ظروفاً ما تطرأ لتجمعنا،...خفت من الانتقام،... الانتقام سلاح المرأة الوحيدة كلما نشزت من زوجها بسبب خيانته إياها لو أغلقت عليها في بروج مشيدة..‏

كثيراً ما وصل من هذا القبيل أصداء إلى مسمعها من نمامات، أحياناً كانت تلمح لي بذكاء وإشارة عابرة، وأحياناً أخرى كانت تصارحني، فأنكر، وأثور في وجهها، وأقاطعها أياماً لا أتكلم معها، لكن منذ عشرية كاملة استراحت من كل الوساوس والشكوك التي كانت تساورها، والتي كانت تتحول عندها إلى يقين مطلق كلما جمعها جمع بسارة التي اعترفت لي أنها حين تتلاقى مع نورة لا تستطيع أن تخفي مشاعرها بالغيرة المفرطة، وأنها تتحول إلى فتاة غير طبيعية، مما كان لا يخفَى كلياً عن نورة التي كانت هي الأخرى تتابع حركاتها وسكناتها بلهف كبير،...‏

إني اليوم أجبن من أي وقت مضى للاعتراف لها بحقيقة خيانتي إياها من سارة،... هل فات الأوان أم الوقت لم يئن بعدُ،... لو فليت الظروف كلها لما وجدت ظرفاً واحداً أنسب لمفاتحتها في هذا الموضوع الذي يختلف اختلافاً جذرياً عن موضوع رغبتها للعمل طبيبة في جنوب البلاد،...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244