|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
المقطع التاسع
عادَتْ
نورة محملة بهدايا رفيعة، من الكتب والمجلات إلى العطر الباريسي والثياب
الشانزيلزية، جعلت تأخذ معها عزيزاً للوزن في العودة، ودفعاً للعيون العاشقة
وتيئيساً لأصحاب النفوس الجامحة،… يبدو أنها أضحت تجد متعة لا تعد لها متعة،
كلما سافرت إلى عاصمة أجنبية وصاحبت معها ولدها،… عادة ما تدفع تذكرتها من المستشفى
الجامعي الأصلي أو الهيئة المنظمة، هي لا تدفع إلا تذكرة واحدة،… هي مدعوة بقوة لحضور مؤتمر عالمي في كندا، هذه المرة سيستحيل
عليها أن تكون مرفوقة…. حين
تكون نورة غائبة يستأسد سمير، ويحس في نفسه قوة أدبية تمكنه من قول أي شيء،… هو الآن أمام ثلاث معضلات، تردده في تنفيذ وعد سارة أو بالأحرى
وعيدها، جبنه في إقناع نورة بالعدول عن إصرارها للعمل في الجنوب، اعترافه لنورة
بخيانته فيما مضى من الزمن مع… كلما كانت نورة غائبة إلا وسال لعابه
بهذيان لا يكاد ينتهي، وحين تحضر ينعقد لسانه، وتنفد كلماته، ويحتار في أمره،
وأحياناً يضيع في أحضان نورة، ويتيه في رشاقة حديثها الماذي، ليعتريه في النهاية
بلاهة صبيانية، فيَشْخُص بصرهُ، ويقف حيث هو مبهوتاً سادهاً،… لولا ذانك المشهدان اللذان تراءيا له، وهو بين اليقظة والنوم بين
حافتي عالمين متناقضين، لما قُيِّضَ له أن يَنَبِّسَ ببنت شفة،… لكي يقول كلمة أو كلمتين الآن، عليه أن ينتظر مشهداً ثالثاً،
يتراءى له من العالم الآخر، كأنه كلما ضاق ذرعاً بمعضلاته الواقعية حاول أن يفر بروحه إلى عالم اللاشعور، حتى تصبح
معضلاته وآلامه زيفاً سرعان ما يزول بزوال مشهده،… لكن إلى متى يظل سمير يتنكر لعالمه؟..
حين
كانت نورة غائبة في المرة الفائتة، واتصلت به تلك المرأة التي سماها حية رقشاء،
قال في نفسه: "لا يفلّ الحديد إلاَّ الحديد".. نورة الوحيدة التي تستطيع
أن تخلصني منها، وهاهو الآن يتصابى، وربما يفكر في لقاء سارة بعد عشرية كاملة من
الفراق بينهما خوفاً من مكرها، لن تتردد سارة إذا ركبت هواها للقيام بأي شيء
للانتقام من سمير بوساطة نورة، أو من نورة بتسخير سمير نفسه دون أن يشعر بذلك أو يقدر العواقب إلا بعد فوات الأوان.. يظهر
أن سميراً حكم على نفسه بكل الصفات المشينة التي وصف بها في مشهده العظيم، لو كنتُ
في مكانه لاعترفت لنورة، وأنهيت هذه المعضلة، ربما لا يريد أن ينغص عليها متعتها
التي عادت بها، هي منذ الآن عضوة إقليمية في منظمة صحية عالمية مهمة، ستكثر
سفرياتها، وستتعدد لقاءاتها،…. بينما سمير يطمح ببصره نحو أدنى منصب لن يمنح له ما حيي، حتى في
ميدان مهنته في المرة الأخيرة، كاد يعين خطأ على رأس جامعة ذات أهمية في آخر لحظة
تبين لأصحاب القرار أن التعس أعرابي.. يبدو
أنه ليس فقط شقياً بل غبياً أيضاً، هو متعلق بأهداب "قسماً" لا يزال وفياً
لدماء ضحايا الواجب الوطني، يتمنى أن يموت وينشر في وطنه،… ما أصغر عقله! ما الأرض إلا أرض الله، وهي واسعة، فيا عجباً
لدكتور مفكر عقله وفلسفته في الحياة أكثر قصوراً من فلسفة صعلوك جاهلي:
أم
ليس منظوراً إليه إلا في خانة واحدة؟ إنه لا يختلف عندهم في طبيعة المناصب العليا التي
ترفض من آدميين دونه مستوى عن هذا الصعلوك الجاهلي، ذنبه الوحيد أنه.. نورة تعتز
به اعتزازاً كبيراً على حاله وطبعه، وتشعر أنه لا يكملها، وأما سارة فطوال عشرتها
معه، فإنها كانت تبتز منه الكلمات، ولا تبادله كلمة أجنبية واحدة،… بدأ التعريب يكتسح الإدارات، والمؤسسات والجامعات،… وبعد عشريتين تحول التعريب إلى طابوه مدنس يجب القضاء عليه للرجوع
القهقهرى إلى خطاب مقدس، أليس الرجوع إلى الأصل فضيلة؟… تا
لله، لو كنت مكانه لما ترددت في قبول عرض سارة منذ بداية الأزمة، ولكنت اليوم رجل
مال وأعمال،… هناك سارة، وهنا نورة أم:
ولكنه
أعرابي مُتخلف، يحلم بصفات مثالية أم لم يوافقه فيها حتى أخوه عمر،
… حسب الناس ملائكة، وهو نفسه لماذا استهوته سارة، وهي من حق
غيره؟.. هو يحفظ أكثر مما يحفظ العالَمُون:
ولكن حين يتعلق الأمر بسارة لا يتردد في وعيده
بإشعال حرب كونية من أجلها، ما يقوله المرء في عالم اللا شعور أصدق وأصح مما
يتلعثم به تلميحاً أو تصريحاً في عالم الشعور،… إنه فعلاً يحبها، لا يزال متعلقاً بذكرياتها
السيئة والحسنة،…. يدعي أنه تاب توبة نصوحاً، وعفا الله
عما سلف، ليت الأمر كما يقول، لكن هل سيثبت في كلامه؟.. |