|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقطع الحادي عشر أيظن أحدٌ أن ما يردده الشارع التلمساني إزاء نورة، ستهضمه سارة في الضفة الشمالية، على الرغم من أنه لا يعدوحتى الآن أكثر من مجرد إشاعة؟.. سارة منضوية في أكثر من هيئة وجمعية محلية وإقليمية على مستوى دول المتوسط، هي الأخرى تتقن اللغات وتهتم بتعليمها أكثر من نورة، وهي الآن تدرّس العبرية والفارسة في إحدى الجامعات الفرنسية... لكن ألف مستحيل أن تكون سارة من الشخصيات المرموقة التي قد تكون زكت نورة من خارج البلد، ... وستكون سارة أكثر شقاء لو يقدّر لغريمتها أن تعين وتنصب في موقع قريب منها، إنها لا تتحمل رؤيتها،... ستعيدها إلى ماقبل العشرية الحمراء، ستذكرها بكل شيء،... ربما يعد التساؤل عن موقف سارة تساؤلاً سابقاً لأوانه، الأهم من كل هذا: ماهو موقف نورة، إن تحولت هذه الشائعة إلى حقيقة؟ في محيطنا لا يعين أحد في منصب حساس وخطير دون أن تباركه دعايات هنا وهناك مسبقاً، لا وجود لعنصر المفاجأة، الممسكون بملفات المحظوظين لا يعرفون كيف يسعون ويتصرفون،... مطالبة وزارة الصحة، وهي هيئة مدنية، نورة بتقديم ملف حول ملتمس شكلي،.. خلق شكوكاً وتساؤلات كثيرة لدى العاملين معها في المستشفى الجامعي، ولاسيما لدى صديقها العزيز سي البشير الذي تجاهل شكواها بكثير من اللا مبالاة.. كان أمل نورة منعقداً على تحدي الأطباء الرجال للانتقال إلى أي نقطة جنوبية أكثر حرماناً في قطاعي الأمومة والطفولة،... على أي حال ستصل غداً في ساعة متأخرة من الليل،... هاتفت يوسف أنها ستعود مضطرة عبر العاصمة وستقضي ليلة الغد مع جدته منيرة... انتاب سمير قلق شديد مما أبلغه به ابنه يوسف، لم يجد له هو شخصياً تفسيراً، كيف لا يقلق على نورة عندما تؤم آخر نقطة من الكرة الأرضية، ويسوده هذا الشعور الغريب وهي في العاصمة عند أمها، ولليلة واحدة؟... أضرب حتى عن الذهاب لمعاينة بريده حتى لا يرى شيئاً مما وعدته به مؤخراً سارة، السبعة أيام غدت شهراً ونيفاً هي لن تكلمه بسهولة، اللياقة الأدبية تقتضي منه هو أن يشكرها، لكنها لن تنزعج بسبب الوقت، هي تعلم أن التأشيرة تنتظر الرد من،... وتسحب من،... وسنو الفراق والهجر الطويلة عوّدتها التجلد والتريث وفلسفة خاصة في مغامراتها الغرامية، ومن أدرى سميراً بأنها لا تكون قد علقت بهوى شخص آخر يضارعه شكلاً؟.. أيعقل من امرأة منحلة أخلاقياً تعودت العيش مع أكثر من رجل، أن تألف العيش مع رجل واحد كالتمثال طوال عشرية كاملة؟... لم يطق سمير السهر وحده ليلاً، قفا أثر ولديه اللذين تركاه وحيداً، لكنه لم يطل السهر مع أمه خوفاً على داره من السراق الهواة الذين أفرزتهم البطالة والطرد من مناصب عملهم، إنها مجاعة غير معلنة، الأسعار تَصَّاعَدُ صاروخياً، ومستوى المعايش ينخفض بسرعة أكثر من سرعة الصوت،... حَضَّرَ سمير ألذ وأشهى ما تفضله من مآكل ومشارب، أعفى أمس الخادمة، نوى أن يطبخ هو بنفسه وجبة العشاء تكريماً لنورة التي كثيراً ما تنفتح شهيتها انفتاحاً فيه ارتياح وانشراح، إذا ما أكلت من أيدي الآخرين، هل ذلك الانطباع منها تملق ومجاملة أم إعجاب واستلذاذ؟.. فذلك مالا يستطيع أحد أن يصل إليه بمن فيهم سمير نفسه، لكن الذي لا مرية فيه أنها مفتونة ببعض الأكلات الشعبية القبائلية التي تحضرها لها أمها، وبعض الوجبات المغربية التي غزت مطابخنا الغربية.. لم يجرؤ سمير على محاورة نورة التي سهرت إلى ساعة متأخرة من الليل مع منيرة التي أخبرتها بنتها، وهما في الطائرة بكل تفاصيل ما يروج حولها. لما اختلت إلى زوجها فكرت في ألا تنغص عليه ليلته بمجرد مقابلة أولية استشارية، لكن الأرق خيم عليها، وشعرت بشيء ما داخل نفسها يؤنبها،... دارت على جنبها الأيمن متناومة، وإذا بهاتفها يرن،... لم يحفل به أحد،... عاود رناته للمرة الثانية، والثالثة،... نهض سمير، والكرى يمايله، فصرخت نورة في وجهه: "لا ترد" وانزع "لافيش"... وماكادا يستسلمان إلى النوم من جديد حتى سمعا جرس الباب الخارجي يرن هو الآخر،... صاحت نورة "لنتصل بالشرطة عن طريق الخط الأخضر،... اتصل أي شيء تنتظر؟..."، أدار سمير الرقم الأول، ثم حط سماعة الهاتف، وثار في وجهها "اصمتي" ربما لأول مرة في حياته، مهرعاً نحو الصندوق الفولاذي،... اخرج منه مسدساً واتجه صوب الباب: ـ من خارج الباب؟.. ـ سمير؟ ـ نعم، أنت من؟.. ـ سي البشير! ـ سي البشير؟.. ـ أجل، الدكتورة موجودة.؟؟ ـ بلى.. كانت نورة، وهي بمنامتها، تسمع كل شيء، فهي تعرف صوت سي البشير، مثلما تعرف نفسها، لكنها تساءلت "سي البشير" شخصية مؤدبة، يستحيل على رجل مثله وقاراً وخجلاً أن يقدم على إزعاج أحد في هذه الساعة المتأخرة،... لاشك أنه في أمر خطير، في أزمة، وما دوري أنا كامرأة فيها؟". ـ معذرة، دكتورة، ليس من الأدب... ـ أرجوك لا تقل شيئاً، وقل: لماذا جئت؟.. ـ زوجي تجاوزت وقت الولادة المحددة، أنت كنت غائبة، ولا طبيب مختص في المستشفى،... ـ لا تضيع الوقت، نتكلم فيما بعد،.... دقيقة لارتداء... قضت نورة ما بقي من تلك الليلة في جو مشحون بالهلع، لا تدري لماذا تخاف لأول وهلة من هذه الولادة، وهي التي سبق لها أن واجهت وضعيات أخطر وأدق من هذه؟ ألأنها زوجة صديقها المهني الذي ما رد لها طلباً منذ معرفتها به أم لأن الوضعية فعلاً أشد خطورة من كل ما سبق؟ تحتاج بعض العمليات الحساسة أحياناً إلى قرار طبي مشترك،... لكن الوضعية التي عليها زوجة "سي البشير"، لا تحتمل التأجيل حتى الصباح، عليها أن تتخذ قراراً طبياً تقديرياً بمفردها، و... وقبل أن تتخذ نورة أي قرار حاسم، أرادت أن تجعل سي البشير في الصورة المحتملة الأقل خطراً وضرراً بزوجته التي تكاد الآلام تفتك بها، فهو طبيب، وأي طبيب!، يمكن أن يتفهم زميلته، ويقدر ظروفها أمام الوضعية التي توجد عليها زوجته، لو كان التدخل سريعاً قبل ساعات لما آلت إلى هذه الحالة المزرية،... دعته إلى مكتبها المجاور لغرفة العمليات، بينما كلفت مساعداتها الداخليات بإجراء وتحضير روتينيات عملية الجراحة، ثم قالت له، والأسى يمزق أوصالها: ـ لو لم تكن من جنس المهنة لما دعوتك. ـ مافي الأمر يا دكتورة؟... ـ بكل صراحة، نحن أمام احتمالين اثنين لا ثالث لهما. ـ أرجوك، لا تكملي،... الاحتمالان أحلاهما مر، ولكن إذا كان ممالا بد، فالأسبقية لـ.. قبل الجنين،... لكن سي البشير فقد هنا توازنه تماماً، وطفق يجهش بالبكاء: "تعلمين حلمي الكبير يا دكتورة، منذ عشرين سنة ونحن نعالج في الداخل وفي الخارج، أنفقنا كل ثروتنا على العلاج، وبعد أن... نعود إلى الصفر، وأنا ابن الخمسين، زوجتي سلخت الأربعين،... أليس هناك أمل ضئيل يمكن اعتماده طبياً في مثل هذه الوضعية؟"... ـ الأمل ضئيل موجود، لكنه يعرض الأم والجنين معاً إما إلى.. وإما إلى.... لأن ولادة زوجتك ليست عادية، كما أخطرت من قبل، ... فحجم حوضها لا يسمح، ... أستميحك، آن وقت العملية، كل تأخر لن يكون في صالح المريضة ولا جنينها.... كانت ملامح القلق والهلع بادية على سي البشير الذي يضرب به المثل في الصبر والتأني وبرودة الأعصاب في هذا المستشفى، لم يبارح مكانه، بقي يمشي ويجيء، ويتوسل إلى الله عز وجل لينقذ الاثنين معاً،.. ساعة، ساعات.،.... سبع ساعات،... دخل الموظفون، والعمال، وأفواج العمل المياومون، ونورة لا تزال تصارع الزمن، وهي كطبيبة مؤمنة تعلم أنها لن تتحدى القدر، لم تبارح مكانها ثانية واحدة، ... كل الفضوليين تعجبوا من وجود سي البشير في هذا الجناح الذي لا يمت بصلة إلى عيادته التي يرتهب منها الجميع ويتذرعون بشتى السبل والتعلات الواهية لئلا يعملوا فيها... غير أن سي البشير لم يبال بواحد من هؤلاء الفضوليين باله منشغل منذ سبع ساعات بشيء آخر،.. وفجأة قرع سمعه الحاد صراخ مرة واحدة ثم سكت،... لم يكن سعيداً بهذا الصراخ لأنه فكر في الثمن الباهظ الذي دفعته أمه،... وما هي إلا لحظات قصار حتى خرجت نورة ووراءها خمس طالبات داخليات يتمايسن كالحمامات والعرق يتصبب وهاجاً من أوجههن فبادرته نورة: ـ سي البشير، من هذه اللحظة أنت أب، مبارك، يجب أن تكون أباً مثالياً، وتعمل على أن يكون ابنك مواطناً صالحاً... يدخل المدرسة، يكبر، ينجح، ليس مهماً أن يكون مثلنا طبيباً، الأهم أن يشبهك في حلمك، وخلقك، وجلدك، وتسامحك،... كلها صفات لا تكاد توجد، يا بنات، إلا في مثل هذا الطبيب العظيم.... سئم سي البشير حديث نورة الذي عده غريباً، وتضايق من عيون ونظرات أولئك الطبيبات المساعدات الفاتنات،... ثم قاطعهن وجعل يترحم على زوجته، ويعدد مناقبها، ويتضرع إلى السماء لتسكنها فسيح جنانها، ويعد روحها الطاهرة بأنه سيتكفل بتربية مولودها بالطرق النبيلة التي كانت تحلم بها،... نظرت المساعدات الخمس إلى نورة التي اكتفت بالحملقة والإنصات، لم يفهمن شيئاً... شككن في أنفسهن وهن ممن ساعدن أستاذتهن في توليد فاطمة،... وما لبثن أن أجهشن بكاء تأثراً بتأبين سي البشير زوجته، وهنا وجد الزوج ضالته في المزيد من الرثاء والندم وطلب السماح من فاطمة إن كان في يوم ما ظلمها أو قسا عليها،... ثم التفت إلى نورة: "في جميع الأحوال، أشكرك يا دكتورة، عملت ما عليك وزيادة هذا قضاء الله وقدره، ليس الطبيب إلا سبباً، وإلا لما مات طبيب على وجه الأرض،..."، ثم عاد إلى حالته السابقة، لن أتزوج بنت حواء بعدك يا فاطمة، تا الله لن أتزوج بغيرك ما حييت!... وبينما هو كذلك في حالة غريبة عن شخصية سي البشير المألوفة، ونورة ثابتة لا تضحك، ولا تبكي، أتته ممرضة هاشة باشة: "تفضل سيدي، إذا شئت، تزور عائلتك"... لم يصدق سي البشير عينيه، وهما تريان فاطمة، وقد استيقظت من غيبوبة التخدير، وهي ترضع صبيها،... كاد يفقد صوابه فرحاً وسعادة، والتفت إلى نورة الطبيبة القديرة، ودون أن يتفوه بكلمة أمسك يدها ليقبلها، فسحبتها نورة من شفتيه بسرعة متناهية: " أستغفر الله، أستغفر الله، الشكر لله عزَّ وجلَّ، يا رجل، مانحن الأطباء إلا بشر،...."، أما المساعدات فزالت الشكوك من أنفسهن وفاضت عيونهن بالدموع دون أن تتقاطر وباين الغرفة وهن يطرن بنصر ذي حدين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |