|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقطع الرابع عشر خلعت نورة مناماتها الليلية البيضاء، وبذَلَتْ جُبَّةً متداخلة الألوان، ولوت على جيدها ذي البشرة الحمراء منديلاً حريرياً تتزين به لأول وهلة، امتطت سيارتها المتقادمة وذهبت في اتجاه المستشفى الجامعي، بعد ما ضبطت أمور الوجبة الغذائية مع الخادمة التي لا تعمل في بيتها إلا ساعات نهارية محدودة. اتجهت أول ما اتجهت صوب فاطمة لفحصها ومتابعة نتائج عمليتها، انحنت على الصبيّ فقبلته قبلات حنونة، ثم رفعته وضمته إلى صدرها: "لو كان في صدري حليب لآخيته مع يوسف وعزيز"،... تأثرت فاطمة التي فاضت عيناها بعبرات لسماع كلامها: "والله، ما رأيت ولا عرفت طبيبةً ولا سيدةً أكثر منك حناناً، وأنت السيدة التي تملك كل ملامح المرأة الجميلة،... حكى لي كثيراً عنك بشير لكن ما رأيت في لحظات قصار تحتاج حكاياته إلى ساعات وأيامات طوال،... صانك الرب، صانك الرب". استقبلتها طالباتها في مكتبها هشوشات بشوشات، وهن يكدن يطرن فرحاً وفخراً بنجاح عملية أمس العسيرة التي لم يسبق لواحدة منهن أن عاينت مثلها، بعض منهن اعتبرتها ثواباً من الله في الدنيا قبل الآخرة للسي البشير الذي يعالج شرائح اجتماعية ممقوتة ومنبوذة من مجتمع مدني متحضر، والبعض الآخر منهن رأين أن نجاح تلك العملية التي لم يسبق لها نظير، ربما في العالم كله، تحدٍ من نورة لكل النظريات الطبية التقليدية التي قد تسترخص الحياة الإنسانية وتصدر أحكاماً جاهزةً في الموسوعات الطبية. لم ترد نورة أن تصرف طالباتها المرموقات عما هن فيه من نشوة النصر،... وأكثر من ذلك جاءتها فكرة على حين غِرَّة: -تعالين يا بنات أمتعكن بلغز، من حلته منكن أعفيتها من مداومة ليلية،... ما هو اسم بلد أوله فاء وآخره ألف؟ وما هو اسم امرأة بدايته سين ونهايته تاء مربوطة؟ -فأجبنها بلهجة ساخرة لا تخلو من دلال: مسكينة هي التاء! لماذا ربطوها؟ فإلى متى تظل العرائس يبتن بليالي حُرَّةٍ؟ نريدها ليالي شيْباء،... حرام عليهم حتى سي علي الذي حكيت لنا عنه... -ليس هذا هو الجواب يا بنات، أجِّلن كل شيء إلى موعده، لكن حذار أن تتزوجن كلكن في ليلة واحدة، ضَعْن خطابكن من الآن في الصورة، وإلا فإني لن... -ليتنا بعد أن نلج ما يسمونه قفص الزوجية أن نبقى نتمتع بمسحات مما تتمتعين به من آيات الرونق والجمال،... -أنتن أيضاً رائعات، أنصحكن ألا تَبُحْنَ بهذا التمني لواحد من خطابكن،... قالت هذا وهي تبتسم،... هل أوجدتن الجواب أم لا تحب الواحدة منكن أن تعفى،....؟ كل واحدة انزوت عن صاحبتها، وبينما هن منغمسات في التفكير لفك لغز نورة المحير، وهي على كرسيها وراء مكتبها ترقبهن شبه غير مبالية، دخل المصحة شغال حامل ستة قرون تفيض قِشْدة،... تناظرن إلى بعضهن بعضاً، ثم التفتن إلى أستاذتهن عيناً واحدةً، وبصوت أغن، تصحبه ضحكات من العمق: كاخ، كاخ، كاخ،... وقد طفقن يلحَسْن ويمتصصن رغوة القشدة بمقدم شفاههن وألسنهن،... "هذا، والله يا أستاذة، لأفضل لنا تكريماً من التجفيف وغسل أواني المطبخ..."، لم تتمالك نورة نفسها وبدأت تشاركهن في ضحكهن الحاد إلى أن سحت عيناها المقوستان اللتان تتوسطهما زرقة خافتة جذابة بكرويات صغيرة من الدموع وقد ارتطمت بحُرّ وجهها الوضاء الجميل. انتهى |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |