|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-2- وعلى العكس من قول صاحب المقهى، فملّوكي لم يكن سكيراً زنيماً، بل هو من ضرب العشاق الصادقين حتى الموت، لذلك تعامل مع الحب بنزاهة سمحت للنيران أن تضطرم في قلبه البالغ الهشاشة. وحين فتح أبواب الجحيم على جسده القميء الأحدب، ليخلّص قلبه الغض من عذاباته التي فاقت الحد، فإنه حاول أيضاً تفجير العذابات في ضمائر الآخرين.. حين فعل ذلك لم يكن في حقيقته مهزوزاً أو ضعيف الإرادة، فهو -كما يعرف كل قاطني الماجدية- ينتمي إلى أرومة اشتهرت بقوة الشكيمة والشجاعة التي تنقلب إلى تهور في معظم الأحيان، وما يزال الكثير من الناس في الماجدية يذكرون عمه جاسم وبسالته.. يذكرون معاركه المجيدة التي خاضها وحده، ويعيدون روايتها في مجالسهم ناعتين إياه بالشجاع الأسطوري الذي لا يخيفه أو يرهبه شيء، كما يذكرون أعماله التي لا يمكن لأحد أن يفكر بالقيام بها، وكانوا معجبين بما قام به من جنون حيث جعل نصف شارع الملعب يطفو سابحاً في نهر الكحلاء. وتلك لم تكن حكاية مختلفة، لأن أحداً مهما كان خياله واسعاً، لم يجد نفعاً أو مصلحة في الإدعاء بقلع قار نصف شارع. على العكس، لقد تضرر القاطنون على جانبي ذلك الشارع، إذ تعيّن عليهم أن يخوضوا في الوحول طوال فصل الشتاء.. في ذلك الوقت، تناقل الناس همساً أقاويل تؤكد أن الأمر برمته خرج من دماغ نجرس المندائي كخدعة أو فخ للإيقاع بجاسم بين فكي الحكومة، فنجرس الذي كان ما يزال شاباً حينذاك، يعرف أنه لن يحصل على فلس واحد من جاسم لقاء تقيير قاربه، وهكذا دله على قار الشارع. وعلى الرغم من أن جاسم، أو أي شخص آخر، يعرف تمام المعرفة أن قار الشارع لن يصلح للعمل إذا ما أُذيب مرة ثانية، فقد قلع قار نصف الشارع ونقله عبر أزقة يصعب مرور العربات فيها لكثرة مجاري المياه القذرة السطحية فيها، وجعل منه تلاً أسود قرب كوخ نجرس. وهكذا وجد نجرس نفسه في وسط الفخ الذي صنعه لجاسم، واضطر أن يمضي ليلة حتى الصباح في نقل قار الحكومة بقاربه وإغراقه في منتصف النهر، كما اضطر أن يعيد تقيير قارب جاسم من قارة الخاص. لم يصدق مسؤولوا بلدية العمارة إن شخصاً قلع قار نصف شارع طوله أكثر من كيلو مترين ليستخدمه في إعادة تقيير قاربه فتركوا الأمر من دون تحقيق خوفاً من انفجار فضيحة. غير أن الناس في الماجدية رأوا بعد مرور عدة أيام قارب جاسم يشق ماء نهر الكحلاء بقاره الأسود الجديد، فتنهدوا متحسرين على نصف شارعهم العاري. في اليوم الذي تزوج فيه أخوه ساجت ذهب إلى الجيش ليؤدي خدمته العسكرية. توقع كل مَنْ يسكن في الماجدية أن جاسم سيكون له شأن في الجيش لما يمتلكه من شجاعة وجرأة وتهور. توقعوا أنه سيقوم بمآثر يفتخر بها الذين يعرفونه إذا ما قامت الحرب ثانية من أجل تحرير فلسطين، وصلى الكثيرون لكي تنفجر هذه الحرب. بعد مرور ثلاثة أشهر طلبت سلطات الجيش في ثكنة العمارة من أخيه الكبير جحيل أن يحضر ليتسلم جثة جاسم، إذ أن أخاه مات في المستشفى العسكري بسبب النكاف. وهكذا ذهب جاسم الشجاع إلى قبره من دون تشييع مهيب على صوت موسيقى الجيش الحزينة. باختفاء جاسم من الحياة، توازنت حياة أخويه الكبيرين، وعلى الأخص جحيل الذي اعتبره قاطنو الماجدية من رجال الله البسطاء الذين ليس بمقدورهم إيذاء نملة. جهد و أجهد نفسه بما يفوق التحمل أن لا يولد جاسم مرة أخرى في إهاب أحد من أولاده. كان من الممكن جداً أن يولد جاسم أكثر من مرة تحت جلود أبناء أخيه، غير أن جحيل كان حاسماً وذا شكيمة لا تلين، إذ قام بإبعاد أولاده منذ صغرهم عن النهر والقوارب وشباك صيد الأسماك، أبعدهم عن عالم عمهم وأصدقاء عمهم الذين دأبوا على قص مآثره على كل مَنْ هب ودب. أبعدهم عن النهر الذي لا يبعد عن كوخه سوى أمتار قليلة، وزرعهم في ورش ومحلات تصليح السيارات الكائنة وراء مقابر المدينة، وطلب من أصحاب تلك الورش، أن لا يضربوهم بالعصي إذا ما حاولوا إثارة الشجارات أو الاشتراك فيها، وإنما يطحنون عظامهم بالمطارق. بذلك نجح جحيل في محاصرة جاسم في دم أبنائه ومنعه من الإطلال على الحياة ثانية. بعد مرور عام على رحيل جاسم ولد مالك سليم الجسم، يعني دونما حدبة في أعلى ظهره.. ولد ببشرة سمراء داكنة لا تختلف عن عميه وأولاد عمه التسعة. وعند اقتراب السنة الثالثة من عمره على الانتهاء فقد والده. في الشهر الأخير من تلك السنة ذبل ساجت ذبولاً سريعاً من دون توقف، وكأن شخصاً غير مرئي قد قام بامتصاص دمه. وحين عاد الدفانون من المقبرة بدأت والدته بالذبول، بنفس الذبول الذي امتص الحياة من جسد زوجها، وهكذا عاد الدفانون إلى المقبرة مرة ثانية. لم يقف مالك ذو السنوات الثلاث وحيداً أمام اليتم، إذا ألحقه جحيل بأولاده فأصبحوا عشرة. غير أن طفولته، التي لا يقطع أحد ما إذا كانت سعيدة أو تعيسة، لم ترهق جحيل بقدر ما أرهقت نجرس المندائي وكادت تهتك أعصابه. لكنها ربطت بينهما كما لم تربط علاقة وثيقة بين أب وابنه. كان كوخ نجرس يطل على النهر، لا لأن ديانته المندائية قد فرضت عليه ذلك، بل عمله، فهو صانع قوارب ومصلحها، وهكذا تناثرت القوارب المعطوبة على ساحل النهر، وقامت كورة إذابة القار بين كوخه والنهر. كانت البداية مريرة بالنسبة للمندائي الذي حاصره ملوكي بين الماء والنار منذ اليوم الأول الذي تدحرج فيه من كوخ عمه من وراء مخزن الأسماك إلى ورشة تصليح القوارب على ساحل النهر. بدا لنجرس في الأيام الأولى لظهور ملوكي بين قواربه أنه بات عاطلاً عن العمل، فهو يركض وراءه حين يتجه إلى النهر خوفاً عليه من الغرق، ويركض وراءه حين يتجه إلى كورته المكشوفة حيث يبقبق القار مطلقاً غازات كريهة الرائحة. لم يساعد نجرس أحد من آل جحيل، فالأولاد جميعهم يهرعون إلى أعمالهم في كراج السيارات قبل طلوع الشمس، وحتى جحيل يسبق الشمس إلى عمله في علوة الحبوب. أما زوجته فقد يئس نجرس منها لإصابتها بداء المفاصل الذي أبطأ حركتها كثيراً. وجد نجرس نفسه وحيداً في مواجهة الحفاظ على ملوكي من الغرق في النهر، أو الموت احتراقاً في القار المبقبق في الكورة. أولى تدابيره التي قام بها، وكان سيقوم بها أي شخص آخر في مكانه، هو ربط ملوكي بحبل إلى قارب غاطس في الجرف حتى منتصفه، ألا إنه اكتشف أن الصغير لديه القابلية على فك أي عقدة مهما كانت مشدودة بإحكام. ما عاد نجرس يشعر بالراحة، أو يسترد طمأنينته وهدوء أعصابه إلا بعد أن يسقط الظلام ويعود ملوكي متدحرجاً إلى كوخ عمه. فكر نجرس بالفرار من ورشة عمله والتسكع في شوارع المدينة ومقاهيها، لكن الصيادين بحاجة إلى قواربهم، وما كانوا ليتسامحوا معه في هذا الشأن. في ضحى أحد الأيام، وحينما كان يزيل القار القديم بمطرقته وإزميله عن قارب مقلوب بطناً إلى ظهر، هبطت عليه الفكرة.. هبطت عليه في وقت لم يكن يفكر في الموضوع أصلاً، هبطت مثلما يهبط الإلهام على الشعراء.. توقف عما كان يقوم به ونظر إلى ملوكي المربوط بحبل إلى القارب المقلوب الذي يعمل فيه. قال يخاطبه: -في الأقل لا أركض بين جهتين.. في الأقل أراقب جهة واحدة أيها الإبليس. رمى أدواته من يديه وفك ملوكي من الحبل. حمله واتجه إلى كوخه.. لم يتأخر كثيراً في داخله. قال لزوجته: -لا تدعيه يخرج أبداً.. سأعود سريعاً. وعاد سريعاً مثلما قال. عاد حاملاً ثلاث سعفات. لم يدخل الكوخ، بل نادى من خارجه: -ملوكي -تعال أيها الجرو الأسود. اتجه الاثنان إلى الشاطئ حيث الورشة. -اجلس أمامي.. إياك أن تغيب عن عيني. كان ملوكي ينظر إلى نجرس، إلى يديه اللتين تعملان بسرعة. قطعتا كعوب السعفات، ثم ثقبتها، ثم مررتا حبلين من القطن المبروم في تلك الثقوب. قال نجرس يخاطبه وخطوط رفيعة من العرق تسيل متخللة لحيته النامية: -أترى؟.. هذه طوافة.. هذه ستبقيك عائماً فوق الماء أيها الجرو الأسود. ردد ملوكي: -طوافة.. طوافة.. -بهذه الطوافة سأعلمك السباحة.. في الأقل أراقبك باتجاه الكورة. -طوافة.. طوافة.. -نعم.. هي طوافة أيها الجرو الأسود. سحب ملوكي إليه ونزع ملابسه. ثبت طوافة الكرب على ظهره شاداً حبالها إلى صدره. لم يقاومه ملوكي، ولم يقاومه أيضاً أو يشرع بالبكاء حين حمله واتجه به إلى النهر: -أنت لا تخاف من النهر؟ خوض نجرس في ماء النهر حتى وصل منتصف بطنه. نظر إلى ملوكي بدهشة، فهذا الطفل لم يتشبث برقبته خوفاً مثلما فعل ولداه حين علمهما السابحة. غير أن دهشته تبخرت عندما تذكر عمه جاسم. أنزله من صدره واضعاً إياه على ساعديه في الماء. -حرك يديك ورجليك أيها الجرو الأسود. انزلق ملوكي من فوق ذراعيه باتجاه منتصف النهر. جمد الدم في عروق نجرس، فملوكي يسبح مثل سمكة هائجة. صاح عليه: -عد إلى هنا يا ملوكي. انفتل ملوكي في الماء بخفة سباح ماهر وعاد بسرعة إلى حيث يقف نجرس في النهر: -مَنْ علمك السباحة؟ أجاب ملوكي: -طوافة.. طوافة.. فكر نجرس: هذا الطفل ليس شجاعاً فقط، إنما.. ترك جملته دون أن يكملها لأنه لم يجد الكلمة المناسبة. أثارت حماسة ملوكي رغبة نجرس في السباحة، فأمضى معظم الصباح مشاركاً إياه. كانا قد تجاوزا منتصف النهر أكثر من مرة. على الجرف، خلال ما كان نجرس يلهث وملوكي يفك عقد حبال الطوافة، آمن نجرس أنه استطاع أن يتخلص من نصف همه. بعد شهر من تدريبه الملوكي على السباحة تحسنت حركات يديه وساقيه. أصبحت أكثر ليونة وهدوءاً. قرر أن يجعل ملوكي يسبح من دون تلك الطوافة. -هيا يا ملوكي. لم يتحرك ملوكي.. قال: -والطوافة؟ -اليوم ستسبح من دونها. حين تقدم نجرس مخوضاً في مياه الجرف تبعه ملوكي ثم ركض في الماء وانزلق مثل سمكة واثقة أنها تجيد العوم. لم يتبعه نجرس وظل يراقبه واقفاً في مكانه. كان ملوكي قد وصل منتصف النهر ثم استدار وكر عائداً إليه: -الآن تستطيع السباحة متى شئت أيها الجرو الأسود الشجاع. على الساحل، إلى جانب الزورق المقلوب بطناً إلى ظهر، ارتدى ملوكي دشداشته وما زال جسمه يقطر ماءً. لم يقدر لنجرس أن يعرف، وما كان مقدراً لأي شخص آخر أن يعرف في تلك اللحظات ماذا دار في الرأس الصغير لملوكي. هو نفسه ملوكي لم ينطق بكلمة. ما قام به فقط، أنه سار إلى حيث الطوافة تستقر على الأرض، تناولها من طرف أحد حبالها الأربعة وجرها وراءه على الأرض ليختفي هو وإياها خلف مخزن الأسماك. من هذه اللحظة وحتى ثلاث سنوات أصبح في مقدور نجرس أن يتنفس ويأكل وينام ويعمل من دون خوف على ملوكي. منذ تلك اللحظة عاد ملوكي إلى حيث الأطفال السابحين في الخليجين الصغيرين الكائنين إلى يمين مخزن الأسماك بعيداً عن ورشة المندائي.. خليجان منخفضان كثيراً عن كتف النهر، يفصل بينهما لسان طويل من الأرض يمتد في عمق النهر. ولأن هذا اللسان في مستوى كتف النهر فهو مرتفع أيضاً عن الخليجين. كانت ثلاث نخلات باسقات ومتباعدات ينبثقن من ظهر هذا اللسان. في الصيف، حين ينخفض مستوى ماء النهر كثيراً عن كتفه، تظهر جذور تلك النخلات في الضوء، جذور تبدو لمن يلمسها صلبة قاسية وكأنها قُدت من حجر. وحتى حين لم يقدم إلى ورشة تصليح القوارب خلال الأصياف الثلاثة لتلك السنوات، كان نجرس وهو في الورشة يراه مثل سمكة هائجة ينساب بمهارة بين أجسام السابحين الصغار والكبار. في نهاية الصيف الثالث ولدت له حدبة في أعلى ظهره، حين سقط من فوق إحدى الصخور الخرسانية التي تشكل مع مثيلاتها الجدار الواقي لكتف النهر. لم يروِ أحد الحكاية الحقيقية لوجوده ممداً عند أقدام الجدار الصخري المائل في ذلك الغروب الكئيب، ولا حتى خلال السنوات العديدة التي تلت ذلك الغروب. حتى هو نفسه ملوكي لم يقل كيف سقط من فوق كتف النهر على الرغم من الأسئلة التي وجهها إليه عمه وأولاده التسعة، وحين خفت حماسة أولاد العم تجاه هذه الحادثة تركوه وحيداً مع آلام عظامه التي تلوت داخل جسده. هكذا عاد إلى حيث قوارب نجرس الغاطسة في الجرف أو المقلوبة ظهراً إلى بطن على الساحل. عاد بعد ثلاث سنوات لا ليتعلم شيئاً، بل ليتمدد على حصير من القصب مكوراً جسده الصغير من الصباح إلى المساء، كان يزحف من مكانه نحو الظلال حين تحرقه الشمس، يزحف مطلقاً تأوهات خافتة يجهد أن لا يسمعها نجرس، وكأنه يخشى افتضاح سر. ما كان المندائي ولا عمه ولا أولاد عمه يصدقون أن حدبة ستظهر في أعلى ظهره بسبب تلك السقطة، فهم، وغيرهم كثيرون في الجوار رأوا العديد من الأطفال يسقطون من فوق كتف النهر. فيما بعد، بدا لهم كما بدا للآخرين من قاطني الماجدية، أن ملوكي هو الوحيد الذي أنبت له حظه البالغ الغرابة حدبة في ظهره جراء سقوطه من فوق كتف النهر. من بين كل الساكنين في الجوار، كانت ثلاث فتيات في سن ملوكي، يعرفن أن حظ ملوكي العاثر لا دخل له بتلك الحدبة.. في ذلك الغروب الذي حاول ملوكي خلال السنوات التالية محوه من ذاكرته ولكن بلا طائل، في ذلك الغروب المقبض للنفس، حاول ملوكي أن يشارك في لعبة كانت تؤديها ساهرة ابنة صادق الصياد الأعرج الذي أصبح فيما بعد من الصفاطين الكبار، ونعيمة ابنة طارش جندي الإطفاء في بلدة العمارة، وسليمة ابنة صادق خياط عباءات الرجال في السوق الكبير. حاول ملوكي أن يحشر نفسه في لعبتهن، غير أنهن رفضن هذه المشاركة فأظهر براثن فحولته، عندئذ صفعته ساهرة فثارت ثائرة الذكر فيه، ألا أن ساهرة التي كانت أضخم جسماً منه دمرت ثورته بضربات متواصلة دافعة إياه باتجاه كتف النهر، ثم جعلها هياجها وانتصارها السهل على هذا الذكر إن تدفعه بقوة نحو الجدار الخرساني المائل ذي الصخور الناتئة.. تلك السقطة أرعبت الفتيات الصغيرات الثلاث، فقد تقاذفت الصخور الجسد الصغير من صخرة إلى أخرى. لم تترك ساهرة الجسد الذي أخذ يتلوى على رمل الساحل عند أقدام الجدار الخرساني، لم تتركه وتهرب، إنما نزلت مسرعة، قافزة فوق نتوءات الصخور مثل ماعز جبلي. أمسكت برقبة ملوكي ودقت رأسه برمل الساحل.. لم تخفها تشنجات الجسد ولا الزبد المتدفق من فم ملوكي.. شددت من قبضتها على الرقبة المتشنجة وخاطبته: -إذا قلت مَنْ دفعك سأجعل أبي يذبحك بالسكين. وطوال سنوات، وحتى بعد اشتعال ملوكي بنيران حبه من داخل جسده ومن خارجه، حافظت تلك الفتيات على سر السقطة، خلافاً لما قيل عن النساء في عدم محافظتهن على الأسرار. غير أن الذي يعرفه نجرس فقط، إن ملوكي كان يقاوم خلال شهور عديدة بعد تلك الحادثة، أو هو يحتمل بمقاومة رهيبة آلام عظامه التي تلوت مثل حيوان ضارٍ. لم يأخذه أحد إلى طبيب أو مستشفى، يعني أنه لم يتلق علاجاً على يد أحدهم، وحين حمله نجرس إلى المستشفى، توقفوا عن الفحص الذي بدأوه، وطلبوا من نجرس ورقة من الشرطة، ونجرس يفهم جيداً ماذا تعني ورقة من الشرطة، وهكذا أعاده إلى حصير القصب ليتمدد عليه أياماً عديدة أخرى. عندما تماثل ملوكي للشفاء كانت حدبة صغيرة قد استقرت في أعلى ظهره طاوية صدره إلى الأمام قليلاً وساحبة كتفيه إلى الأعلى قليلاً. تلك الحدبة جعلته يتحاشى الأطفال، فأمضى السنوات الثلاث أو الأربع التالية عاملاً بجد مع المندائي في ورشته. تعلم الصنعة على الرغم من صغر سنه، كما تعلم كيف يسيّر الزوارق بمختلف أحجامها في النهر بنفس مهارة الصيادين الكبار، وهكذا أطلقوا عليه لقب الصياد الصغير، ولم يكن صياداً أبداً، فهو لم يرمِ شبكة من أي نوع من النهر، بل لم يرمِ خيط السنارة، ومع ذلك واصل قاطنو الماجدية مناداته بالصياد الصغير. حين احتاجه أبناء عمه كيد عاملة إذا افتتح عدد منهم ورشاً خاصة بهم، جروه بالقوة، يعني بالصفعات والركلات، من ورشة المندائي إلى ورشهم، في تلك الورش تلقف أسرار الميكانيك والكهرباء الخاصين بالسيارات بعد سنوات قليلة، وأصبح ملوكي مطلباً عزيزاً لأصحاب السيارات في ورش التصليح، وكان في مضمار العمل قد أرضى الجميع، إذ أنه من ذلك النوع الذي يوصف بثور الحراثة. خلال سنوات عمله في ورش تصليح السيارات، اكتشف أولاد عمه أن ابن عمهم هذا فقد بسالته إذ هو مسالم أكثر من اللازم، ما كان أحد منهم قادراً على التصور أن ابن العم قد فقد بسالته منذ ذلك الغروب الذي بدأت فيه عظام ظهره بالالتواء، وأن روحه الشجاعة انهارت فوق جمر الآلام التي عاناها على حصير القصب، وإنه الآن لا يريد من الحياة التي جرت به أولاً بين الزوارق الغاطسة والأخرى المقلوبة بطناً إلى ظهر، وتجري به الآن بين سيارات همدت محركاتها، لا يريد سوى العيش بأمان لا أكثر. وحتى بين العديد من السيارات والشاحنات الكبيرة ظل محتفظاً بلقب الصياد الصغير، لا لأنه يجب أن يُنادي به، بل دأب أولاد عمه على الصراخ به، وتداوله الآخرون من بعدهم. في السنوات التي تلت والتي ابتعد فيها عن أماكن طفولته، عن ورشة المندائي، لم يتخلص من خوف ظل يتغذى وينمو في قلبه من ساهرة ابنة الصياد الأعرج، لذلك دأب على ألا يلتقي بها أبداً حتى عندما أخذ يتردد مرة أخرى على ورشة المندائي. عندما اشتعلت حرب الثمانين كان قد بلغ سن أداء الخدمة العسكرية. غير أن حدبته وضآلة جسمه جعل الجيش يرفضه، فعاد مسحوق القلب ليتمدد على حصير القصب في ورشة المندائي مرة ثانية، باكياً بطولات ما كان سيحققها غيره. لكن المندائي، هذه المرة، ركله بقوة آمراً إياه أن يقوم بإسقاط قار قديم عن زورق مقلوب على جانبه فوق الساحل. فر من وجه المندائي إلى ما وراء مخزن الأسماك الكبير، إلى الأزقة التي تفضي إلى شارع الملعب. فجأة، وجد نفسه وجهاً لوجه مع ساهرة فتسمر في مكانه.. تسمر في مكانه ليس خوفاً ولا هلعاً من الفتاة التي أنبتت له حدبة وهددته بالذبح، لكن شيئاًً آخر.. شيئاً آخر تماماً تلوى في قلبه مثلما يتلوى خيط من البرق في السماء.. لهث وهو واقف أمامها.. لهث حتى كاد يسقط من اللهاث. أما هي فلم تلهث مثله، بل ابتسمت له. لم يصدق أنه يرى ابتسامة في هذا الوجه، لكنها ابتسمت له وخاطبته: -كيف حالك ملوكي؟ لا يعرف ماذا قال، بل لا يعرف أن كان قد أجابها أم لا. ومرت من جانبه كما يمر طيف بنائم. حين أفاق وجد نفسه جالساً على طرف لسان الأرض.. تماماً مقابل المكان الذي سقط منه قبل سنوات لتنبت له حدبة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |