|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-3- عاد الدفانون في ضحى اليوم التالي. بحث جحيل عن أولاده الستة، ووجدهم متناثرين في مقاهي سوقي الخضروات والخردة. رووا لأبيهم الحزين عن الهلع الذي عصف بهم يوم أمس، وجعلهم يفرون من مجلس الفاتحة، يفرون من بيتهم، ليتفرقوا في المقاهي. كان جحيل صامتاً يستمع إليهم ليحصل على المزيد. رووا لـه كيف نصب المفوضون الثلاثة أكبر سرادق شهدته المدينة، وما كان جحيل بحاجة إلى وصف هذا السرادق، فقد رآه في الضحى عندما عاد إلى بيته مع أولاده الثلاثة الذين رافقوه إلى المقبرة. كما رووا لأبيهم أن المفوضين الثلاثة استطاعوا أن يقنعوا أو يغشوا مسؤول المواد الغذائية في المحافظة ليصرف لملوكي تعيينات شهيد حرب، فجلبوا كميات كبيرة من السجائر والشاي والقهوة والسكر. في البداية، لم يستخدموا مسجلات الصوت، بل جاؤوا بقارئ قرآن، قارئ من الصعوبة أن يخطر في ذهن أحد من الجوار: الشيخ فالح إمام جامع حي الحسين.. مَنْ يصدق أن هذا الشيخ ذا الصوت الذي لا يضارعه صوت أعظم المطربين سيتلو آيات القرآن الكريم في مجلس فاتحة ملوكي؟.. ثم بدؤوا.. وهذا هو الذي لا يصدق، وظننا أنهم قرروا السخرية من ملوكي يا أبانا.. بدأوا مجلس الفاتحة في الساعة الواحدة ظهراً... -الواحدة ظهراً؟.. هل شربتم العرق أمس؟ نفوا ذلك، وكانوا صادقين، وهذا ما أدهش أباهم وأصابه بالحيرة، فموت ابن عمهم سبب لا يقاوم ومناسبة لا يمكن إضاعتها لكرع العرق . بعد عشر دقائق من الإصغاء إلى أحاديث أولاده الستة، بدأ الهلع ينتقل تدريجياً إلى جحيل.. أيقن أنه سيضطر إلى بيع بيته ليسدد التكاليف الباهظة التي أسرف في تبذيرها المفوضون الثلاثة. خلال الدقائق العشر الماضية، روى الأولاد لأبيهم كيف أن الرجال والنساء والأطفال هرعوا من كل أزقة وشوارع الماجدية، وغص مجلس عزاء النساء الذي أقيم وراء مخزن الأسماك الكبير، وكاد يكتسح ورشة نجرس ويلقي بكل أدواته وزوارقه المقلوبة في النهر لولا وقوف المندائي في وجوه اللاطمات النادبات وعصا غليظة في يده. أما مجلس فاتحة الرجال، ذلك السرادق الكبير، فلا أحد يعلم كيف امتلأ بالمعزين، وكيف وقف الفائضون أمامه وحولـه والأطفال يتقافزون بينهم. كل هذا الذي رواه الأبناء لأبيهم صحيح، فقد تناقل الناس في الماجدية أن المفوضين الثلاثة ذبحوا خروفاً وطبخوا ثلاثة صناديق من الدجاج البرازيلي. ورأى القادمون الأوائل قزانين كبيرين تضطرم النيران تحتها في الأرض العراء إلى جانب السرادق في تلك الساعة، نعني الساعة الواحدة ظهراً يا أبانا. أخذ الرجال والنساء والأطفال يأكلون اللحم والرز ومرق الباذنجان من الساعة الثانية والنصف ظهراً حتى منتصف الليل. ومنذ العصر عبر الكثير من الجنود من محطة السيارات في الجانب المقابل، أولئك الجنود الذين لم يجدوا السيارات التي تأخذهم إلى مدنهم البعيدة، عبروا ليأكلوا ويشربوا الشاي والقهوة. غير أن الذي لم يره أولاد عم ملوكي الستة -لأنهم فروا من باب السرادق خوفاً من مطالبتهم بالتكاليف- الدفاتر الثلاثة التي فتحها المفوضون الثلاثة لتسجيل أسماء المعزين المتبرعين بالمال لمجلس العزاء. قرر جحيل في ذلك الضحى أن يدافع عن بيته، عن أساساته وسقفه وغرفه وأبوابه وشبابيكه.. قرر أن يقاتل دون فقدان هذا البيت جراء تبذير المفوضين الثلاثة. زاغ بصر جحيل أمام السرادق، لا لأنه مكتظ بالمعزين، ولا الكثيرين المنتظرين خارجه، بل لأنه رأى ثلاثة خراف مربوطة إلى قوس السرادق الأول، لأنه رأى ركاماً غير منظم من صفائح السمن علامة الراعي وإلى جانبها ركاماً آخر من شوالات الرز زنة مائة كيلو غرام. لكن مرآه جعل المفوضين الثلاثة الجالسين في باب السرادق ينتحبون بصوت عالٍ تجاوبت معه النساء من وراء مخزن الأسماك بصراخ وعويل ولطم على الصدور والزنود بحماسة. ضاع جحيل وأولاده الستة في أحضان المفوضين الثلاثة، ثم في أحضان عشرات الرجال المنتحبين الذين لا يعرف جحيل ثلاثة أرباعهم. غرق جحيل في بحر من الحزن يجهل أعماقه، أو هو يجهل كيف غاص فيه. وما كان قادراً أن يصدق وهو الرجل الوقور أنه سينتحب ويبكي كالأطفال، لكنه بكى وانتحب، ليس مجاراة لتيار الحزن الذي لا يقاوم والذي هدر من داخل السرادق جارفاً إياه، إنما انتحب وبكى من أعماق قلبه المثخن بالجراح لما عاناه ابن أخيه المسكين. هكذا وضع كوفيته على عينيه وبكى كما لم يبكِ أبداً. حين هدأ، يعني حين لم تبقَ دموع في عينيه ليسكبها، أجلسه المفوضون الثلاثة في مدخل السرادق على الأريكة الأولى ليتقبل التعازي. دار صبيان الخدمة عليه، سقوه قهوة مرة، ووضعوا تحت أنفه طبقاً مليئاً بالسجائر، قدموا له استكان الشاي. أجال نظره في الجالسين أمامه وحوله، وزاغ بصره ثانية، فهو لم يتوقع أن يلتقي بنصفهم في الطريق، أو حتى بأقل من نصفهم بكثير.. إنهم علية القوم في الماجدية: تجار حبوب وصفاطو أسماك وتجار ماشية وما شابه ذلك. فكر بقنوط: أكل هؤلاء جاءوا ليشاركوا في عزاء ملوكي؟.. ملوكي بالذات؟.. لكنه في اللحظة التالية، تذكر المفوضين الثلاثة، فشعر بقلبه يغوص، ومع ذلك تفهم الحال وقبله على مضض. حاول أن يمحو تصوره الخاص بفقدانه البيت، حاول أن لا يفكر بهذه الطريقة، أو هو حاول أن يتوقف عن التفكير تماماً، فهو لم يناصب هؤلاء المفوضين الثلاثة العداء، ولم يتذكر أنه وقف في منتصف طريقهم لأي سبب من الأسباب، ثم إنهم بمثابة أولاده إضافة إلى إنهم ليسوا غرباء بالنسبة إليه أو إلى عائلته. وهذا صحيح جداً، فهؤلاء الثلاثة لم يقدموا من أمكنة أخرى، فقد ولدوا ورضعوا حليب أمهاتهم وتعلموا المشي في الماجدية. كان يعرف آباءهم ويرتبط معهم بوشائج الصداقة والجيرة، فوليد هو ابن الحلاق كريم في سوق النجارين، وعدنان هو ابن الصياد الأعرج صادق، وجعفر هو ابن شاكر فراش المحكمة ومناديها. فكر جحيل: هل يمكن أن يتخلى عني هؤلاء الآباء؟.. هؤلاء أصدقاء سني عمري، هل يخذلونني؟.. ما كان هلع جحيل من المفوضين الثلاثة مبالغة ولدت من رحم وهَمْ.. فهم -كما يعرف الجميع- يتكئون على سلسلة طويلة وغامضة من الإجراءات القانونية المثيرة لحيرة الآخرين، الآخرين الذين يواجهون في منتصف الطريق أو في نهايته رأس القانون من أكثر الزوايا ظلاماً. بدا للجميع، لجميع أولئك الذين أجبرتهم الظروف، أو حظهم العاثر على الاحتكاك بهم أن المفوضين الثلاثة هؤلاء ولدوا بموهبة اللعب بالقانون بمهارة لا يمكن التغلب عليها. وهذا ليس الأمر كله، وإنما هناك الدهشة التي ترميهم في دوامة حيرة أكبر، تلك الدهشة النابعة من تنكر المفوضين الثلاثة لهم، هم الذين يعرفونهم منذ ولادتهم، وكانوا يستطيعون تذكر طفولتهم وصباهم. فقد ولد وليد وعدنان وجعفر في وقت كانت الماجدية قد انتهت من مخاض وجودها كمحلة نامية. حين فتحوا عيونهم على ما حولهم ومدركين الأمور إدراكاً سليماً لا لبس فيه كانت الماجدية عامرة ببيوتها وشوارعها التي لم تثلمها وتهدها جرافات البلدية. ولد عدنان في بيت كان من ضمن صف البيوت الطويل الذي يبدأ من بيت رئيس البلدية المتقاعد وينتهي عند مخزن الأسماك الكبير. كان ذلك الصف يشكل جانباً من جانبي شارع الصيادين القديم. وولد وليد في شارع الملعب، أما جعفر فقد ولد في الأزقة البعيدة في عمق شارع الجامع. ثلاثة شوارع متباعدة تشكل قياسات جغرافية بالغة الاتساع بالنسبة لتصورات الأطفال. لكن النهر.. نهر الكحلاء الذي ما يزال يحتفظ حينذاك برهبة نهر حقيقي، جمعهم على شاطئه القريب من جسر الكحلاء. لم يعرفوا خلال صيفين أو ثلاثة من السباحة والعبث في الماء، ما يمكن أن تفعله الصداقة. مع ذلك فصداقتهم لم تنبثق أو تتوحد في مياه النهر على الرغم من لقاءاتهم المتكررة طوال أيام عديدة جداً. لكنها ولدت وراء سياج مدرسة السلام الابتدائية في الجانب الآخر من النهر، ولدت من النوايا السيئة والطباع المشاكسة، ففي اليوم الأول لهم في المدرسة، وجدوا أنفسهم بعيدين عن الماجدية بمسافة خمسين متراً هي طول جسر الكحلاء إضافة إلى ثلاثين متراً هي المسافة بين الجسر والمدرسة، وجدوا أنفسهم في عالم بعيد جداً عن موطنهم، فالماجدية، في كل الأحوال، كانت توفر لهم الطمأنينة والأمان. وواجهوا في ذلك اليوم أيضاً، أطفالاً قدموا من محلتي السرية والمحمودية، ولم يكونوا أقل شراسة وعدوانية من أطفال الماجدية. اكتشفوا في الأيام التي تلت اليوم الأول ذاك وداعة ومسكنة الأطفال المندائيين الساكنين في محلة السرية، كما اكتشفوا أن تلك الوداعة كانت سبباً قوياً في تفجير عدوانية الأطفال الآخرين على الرغم من قساوة المدير والمعلمين. وهكذا بدت العلائم الأولى لعصبة خشنة وشرسة مؤلفة من وليد وعدنان وجعفر. شقت هذه العصبة طريقها متسلقة الصفوف بين خوف الطلاب منها وبين انهيال عصي المدير والمعلمين عليها. ثم أصبح لهذه العصبة سمعة وشأن، إذ إن مَنْ كان يلوذ وراء صفير عصي المدير والمعلمين معتقداً إنه أفلح في الانتقام منها، كان يُطرح أرضاً خارج سياج المدرسة. ثم تكشفت هذه العصبة حين وصلت الخامس الابتدائي عن قدرات رياضية فذة في كرة القدم والسلة وألعاب الساحة والميدان، ووجدت مَنْ يدافع عنها في حضرة المدير الذي أدارت رأسه الكؤوس الفضية اللامعة من مختلف الأحجام التي ملأت السطح الأعلى لخزانته، دأب معلم الرياضة، المدافع المستميت عن هذه العصبة الوارثة لكل الصفات الخشنة للقاطنين الأوائل في الماجدية، على القول في حضرة كل إنسان وليس المدير والمعلمين فقط: -سيكون هؤلاء الثلاثة من ألمع نجوم الرياضة في المستقبل، إنهم سيجلبون المجد الكبير ليس لمدرسة السلام فقط، بل لمدينة العمارة برمتها. لكن أرخميدس وقف لهذا المجد الذي ما يزال في بطن الغيب بالمرصاد. ما كان أحد بمقدوره، سواء من معلمي المدرسة أم من طلاب المدارس المتوسطة والإعدادية الذين تطوعوا لتدريسهم أن يحشر قانون أرخميدس الخاص بالأجسام الطافية في أدمغة هؤلاء الثلاثة. كذلك عجزت عن ذلك كل الأواني والقدور التي أغطسوها أو أغطسها الآخرون أمامهم في طسوت مليئة بالماء. وهكذا أمسكهم أرخميدس من سيقانهم وأجبرهم على البقاء سنة ثانية في السادس الابتدائي. أضمروا كراهية سوداء لأرخميدس، فمزقوا صورته في كتاب العلوم، وتمنوا طوال السنة الثانية وقوع أرخميدس بين أيديهم ليقلعوا لحيته شعرة شعرة. غير أن الحظ حقق لهم أمنيتهم بطريقة أخرى، عندئذ وجدوا النجاح يقودهم إلى المدرسة المتوسطة. إلا أن ذلك الحظ لم يواصل السير معهم في طريق دراستهم، فقد تخلى عنهم حالما أطلت لحية أرخميدس عليهم مرة ثانية من كتاب العلوم للسنة الدراسة الأولى للمتوسطة، وطوال سنتين لم يفلحوا في الخلاص من التخبط بين الأجساد الغاطسة والماء المزاح. وحين فلتوا من ذلك التخبط، وجدوا أنفسهم على الرصيف خارج المدرسة. كان ذلك آخر عهد لهم مع المدرسة، فقد أكدوا لآبائهم أنهم لن يذهبوا إلى المدرسة المسائية لمواصلة الدراسة للسنة الثالثة، لأن أرخميدس ينتظرهم وراء باب الصف. تقبل الآباء المصير الذي آل إليه الأبناء الثلاثة، تقبلوا ذلك لأنهم متيقنون من جلافة أرخميدس، بل لقناعتهم ورضاهم بما وصل إليه أبناؤهم من مراحل في الدراسة، فلا هم ولا آباءهم ولا أي فرد من عوائلهم وصل إلى نصف أو حتى إلى ربع ما وصل إليه هؤلاء الثلاثة. كان هذا اليقين الأبوي ضرباً من مفخرة جاهدوا في سبيل عدم إخفائها. ولأن أعمارهم كانت ما تزال تسمح لهم بالسباحة في النهر واللعب مع الصبيان، فقد أمضوا أوقاتاً سعيدة من اللعب الصاخب، ذلك اللعب الذي دفع بأترابهم إلى تحاشيهم وعدم الاحتكاك بهم. كانوا ينزلقون نحو الخشونة والعنف تدريجاً. وهكذا توقع الكثيرون أن الثلاثة أشقياء ستشهد الماجدية ولادتهم في القريب العاجل. لم يكن هذا أمراً غير طبيعي، فهذه المحلة أنجبت في الماضي العديد من صنف هؤلاء الرجال لكن الأحداث التي جرت فيما بعد، يعني ماجرى في السنوات الأخيرة من العقد الستيني، خالفت كل ما هو متوقع، أو ما هو مؤكد أنه سيقع ومثلما فقدت الماجدية صفين من بيوتها القائمة بين جسر الكحلاء ومخزن الأسماك الكبير فبدت هذه المحلة وكأنها كشفت عن عريها الداخلي أمام النهر، فَقَدَ وليد وعدنان وجعفر ذلك المصير المؤلم والغامض الذي اتفق الكثيرون على أنهم سيصلون إليه لا محالة. ما كان أولئك المتوقعون على خطأ في نظرتهم وقياسهم للأمور، وكان معظمهم من المشهود لهم بالنظر السديد، غير إنهم أهملوا المعجزات في توقعهم لمستقبل وليد وعدنان وجعفر، وما كان أحد ليجرؤ على لومهم على هذا الإهمال، إذ ليس من المتعارف عليه، أو ليس من المعقول أن يتوقعوا قيام انقلاب لكي يغير مصير ثلاثة فتيان. لكن انقلاب تموز 1968 قام، لا ليغير مسار حياة ثلاثة فتيان، بل ليغير مسار شعب بأكمله. بعد مرور خمسة أشهر على حدوث الانقلاب، أعلنت مدارس الشرطة عن دورة للشرطة الممتازة. لم يتأخر نعيم الجويسم العائد من الإبعاد مؤخراً والذي شغل مركزاً قيادياً في تنظيم الحزب في العمارة، في إرسال كل العاطلين من حملة الشهادة الابتدائية، الذين تؤهلهم أعمالهم للانخراط بهذه الدورة، وكان وليد وعدنان وجعفر من ضمن هؤلاء المتسكعين، لم يصدق أي أب من الآباء الثلاثة، أو إنه لم يثق بما قام به الرفيق نعيم الجويسم، وحين سمع الآباء الثلاثة في مساء أحد الأيام أسماء أبنائهم يذكرها المذيع من الراديو ضمن قائمة طويلة جداً من الأسماء، أيقنوا للمرة الثانية، أن أبناءهم حققوا مفخرة أخرى أُذيعت على الملأ.. مفخرة ظلوا يتحدثون بها طويلاً، إذ أن لا أحد منهم ولا من آبائهم أو أجدادهم، ولا حتى من معارفهم، ليس في الماجدية فقط، بل في طول المدينة وعرضها أُذيع اسمه من الراديو. ولأول مرة، منذ عرفوا بعضهم، بدأ الآباء الثلاثة يجتمعون في مقهى الصيادين كل ليلة أو في دكان حلاقة كريم عصراً. كانوا سعداء في البداية، سعداء لأن الأمور أو المصائر انقلبت رأساً على عقب، فبدلاً من مطاردة الشرطة لأبنائهم المقدر عليهم أن يكونوا من الأشقياء الخارجين على القانون، أصبح أبناؤهم من رجال الشرطة الذين سيضعون الحديد في أيدي وأرجل الأشقياء خلال جلساتهم التي بدأت تطول تذكروا ما فعله رجال الشرطة السابقون، وبدأوا يروون لبعضهم قصصاً لأحداث حقيقية وقعت في الماضي، وقعت لهم ولذويهم ومعارفهم في الجوار، وكيف أن تلك الأحداث ما كانت تقع، أو تحدث بالشكل الذي جرت فيه لولا رجال الشرطة وبالتدريج بدأو يسحبون الثقة من أولادهم. -سيصبحون من رجال الشرطة؟.. كيف وافقنا على ذلك؟ لكن الاحتجاج على هذا المصير قد فات أوانه، فالأولاد الثلاثة التحقوا بمدرسة الشرطة في بغداد منذ أكثر من إسبوع. ثم تحولت اللقاءات إلى مجالس هم ونكد، وبالأخص حين دأبوا على تبادل أسئلة تنتهي دائماً عند مثالب رجال الشرطة في العهود الماضية. كان شاكر فراش وحاجب المحكمة بحكم ما يمتلك من معرفة وخبرة في هذا المجال أكثرهم يأساً وتشاؤماً من المصير الذي سيصل إليه الأولاد الثلاثة. في أحد لقاءاتهم الليلية في مقهى الصيادين تساءل كريم الحلاق: -ممتازة؟... ماذا يعنون بالشرطة الممتازة؟ أجاب الصياد الأعرج: -أعتقد أنهم يعنون أن هذا الصنف من الشرطة سيأخذ رشوة من الدول المجاورة بعد هذا الحديث كف الآباء الثلاثة عن اللقاء، وكفوا أيضاً عن مناقشة أمور وأحداث لم تقع بعد، ولكن جملة: "يأخذون رشوة من الدول" ظلت تتردد في آذانهم برنين ذي إيقاع خاص فترة طويلة من الزمن. وحتى بعد أن تخرجوا في مدرسة الشرطة الممتازة، ظل العبث الصبياني ملازماً لهم على الرغم من ملامح الرجولة الأولى التي ظهرت عليهم وكأن مدرسة الشرطة لم تكتف بإعدادهم كرجال يجهدون من أجل المحافظة على سلامة القانون، بل قامت بمط أجسامهم ولصق شوارب تحت أنوفهم وإنماء لحى من الواجب حلاقتها يومياً كنمط أساسي من الواجبات العسكرية التي لا يمكن بأي حال إغفال العين عنه. وفيما حافظ عدنان وجعفر على طوليهما استطال جسم وليد ليصبح أطول الثلاثة. اختارتهم مديرية الأمن العامة ليكونوا من رجالها بعد أن درس المسؤولون ملفاتهم، يعني درسوا سلوكهم داخل المدرسة، ووجدوا، أنه على الرغم من النظام العسكري الصارم للمدرسة والتربية الحزبية المتواصلة لتهذيب الأفكار والسلوك، أن هؤلاء الثلاثة دأبوا على العنف والتعامل الخشن بين الخمسمائة طالب في المدرسة، فاعتبروهم من الفتيان الذين يمتلكون أرواحاً باسلة وفظة لا تقبل التدجين. غير أن هذا الأمر لم يكن يجري وفق هذا الفهم بالنسبة لوليد وعدنان وجعفر، فهم واجهوا مثل هذه التجربة المريرة في السنة الأولى من مدرسة السلام، وكانوا قد ابتعدوا عن محلتهم مسافة خمسين متراً.. خمسون متراً جعلهم يتكتلون في عصبة عنيفة ضد الغرباء، وهم اليوم يواجهون نفس التجربة وموطنهم يبعد عنهم بمسافة ثلاثمائة وثمانون كيلو متراً، فتماسكوا وازدادوا شراسة وعنفاً أكثر من السابق، وعندئذ حسب لهم الطلاب الخمسمائة القادمون من جميع مدن العراق حساباً خاصا، وهكذا حصل هؤلاء الثلاثة على الأمان. عادوا إلى مدينتهم من دون ملابس خضر، وبذلوا جهداً هائلاً في إقناع آبائهم إنهم انخرطوا في سلك الأمن، وحتى مسدساتهم المخيفة تحت ملابسهم المدنية لم تسند حججهم تمام الاسناد. لكن القناعة هبطت على الآباء من دون حاجة إلى تبريرات تستند إلى وثائق أو حجج حكومية، قناعة ما كانت تلك المسدسات الثلاثة قادرة على سوقها باتجاه عقول أولئك الآباء الثلاثة قدرة الرواتب الثلاثة التي وضعت في أيديهم. خلال عام لم يكن أي منهم مضطراً للحديث عن عمله وراء جدران مديرية أمن المحافظة، لأن أحداً من قاطني الماجدية لم يكن متلهفاً لمعرفة ما الذي يقومون به هناك. خلال ذلك العام غاص عدنان وجعفر في المكاتب الداخلية للمديرية، فيما امتطى وليد سرج دراجة نارية، منطلقاً بها عبر شوارع المدينة موزعاً البريد الرسمي. فيما بعد، خلال الشهرين أو الثلاثة التي مرت طالت يد الأمن المتلاعبين بأسعار المواد الغذائية ومهربي الأسماك من الصفاطين من المحافظة إلى بغداد، وكانت تلك اليد ذات قبضة قوية وشديدة حيث ذهب كل أولئك إلى الحبس مع دفع غرامات مالية كبيرة.. تذكر الآخرون الذين يخرجون على القانون بين فترة وأخرى والذين ما يزالون بعيدين عن تلك القبضة، تذكروا وليد وعدنان وجعفر، فبدأوا ينعتونهم حين يتكلمون معهم بـ "أولادنا الطيبين". عام الأولاد الطيبون في بحر من الدعوات والولائم التي لم تغب عنها المشروبات المسكرة. في أول الأمر، جرت تلك الولائم في البساتين المتاخمة للماجدية كضرب من التكتم، جند لها الصفاطون عدداً من الوسطاء الذين يمكن وصفهم بالدهاء. وانسحبت تلك الولائم من تحت أشجار النخيل إلى البيوت، إلى الغرف الداخلية العصية على استراق السمع، ثم خرجت من البيوت إلى النوادي الليلية، إلى أنظار وأسماع الجميع، طوال شهرين أو ثلاثة أشهر من العوم في بحر جميع أنواع المشروبات المسكرة صمد الشرطة الممتازون الثلاثة أمام فيض الأسئلة الملتوية المتدفقة من الوسطاء أولاً، ومن الصفاطين أنفسهم فيما بعد. كانوا يشربون حتى الثمالة، على الرغم من أنهم بدأوا شرب الخمرة حديثاً، إلا أنهم لم يسمحوا لأبخرة المشروبات أن تتوهج في أدمغتهم فتضيء المسالك والدروب الغامضة لأفخاخ الأمن التي لم تفلت منها سيارة هاربة. وهكذا بدا الشرطة الممتازون الثلاثة في عيون الصفاطين ووسطائهم ضرباً من رجال غامضين، وندموا إذ إنهم كشفوا لهم بعض أسرارهم الصغيرة خلال محاولاتهم اصطياد المعلومات. أخيراً، تحرروا من كونهم رجال أمن، يعني أنهم تحرروا من الصمت والغموض وإنكار هوياتهم الحقيقية وعملهم، على الرغم من أن أحداً ليس في الماجدية فقط، بل في طول مدينة العمارة وعرضها لا يجهل أنهم من رجال الأمن. لكنهم أخيراً تحرروا، والحقيقة أنهم طُردوا بعد أن ضُربوا وسُجنوا ثم رُميوا إلى الشرطة المحلية. لم يعرف أحد أسباب طردهم وسجنهم ونقلهم طوال السنوات التي تلت.. قيل إن أحد المسؤولين الكبار في أمن المحافظة قال في مجلس خاص جداً: -كانوا يسرقون بنزين سيارات الأمن لكن هذا الكلام جاء متأخراً جداً، متأخراً إلى حد أن الناس في الماجدية، وحتى الناس في عموم المدينة، نسوا أن هؤلاء الثلاثة كانوا من رجال الأمن. ولأول مرة، أصبح في مستطاعهم ارتداء الملابس الخضر، وعندئذ كفوا عن تسليم رواتبهم لآبائهم، قامت الشرطة المحلية بتوزيعهم على المراكز، وجمعتهم بعد ذلك في المديرية، ثم فرقتهم مرة ثانية، وكانوا هم يتقبلون ذلك من دون احتجاج أو اعتراض ما دام المساء يجر سيقانهم إلى النوادي الليلية، إلى ذلك الصنف من المعلمين والموظفين والممرضين الذين لا يجدون غضاضة، أو حتى ظلال إهانة في تقديم أرباع العرق وملحقاتها لهؤلاء الشرطة المرحين الدمثين الذين يضفون على الموائد لمسات ساحرة من الفكاهة والهزل الجميل. وهكذا وجدوا لهم في الليالي أصدقاء ومعارف ومعجبين لديهم الاستعداد على دفع ثمن ما يشربونه. كانت دماثتهم وحسهم الفكه في الصحو لا يختلفان قدر شعرة عنهما في السكر، وكانوا يسحبون وراءهم أذيالاً طاهرة خلال تأدية واجباتهم في مراكز الشرطة. صحيح أنهم كانوا يتقبلون السجائر ووجبات الطعام، لا إنهم لم يتورطوا في رشوة من أي نوع. بدا أن تورطهم جاء من مكان آخر، مكان تآلفوا معه واعتبروه جنتهم الصغيرة التي لا ينبغي التفريط بها، فسهراتهم أخذت تطول وكميات العرق تصاعدت كثيراً، وعندئذ كثرت الغيابات والتخلف عن الواجبات، وعندئذ كثرت العقوبات أيضاً والحجز في المراكز. لم تنفع الإجراءات الصارمة ولا العقوبات في ردعهم، أو ردهم عن أبواب النوادي المفتوحة ليلاً، لأنهم هم أنفسهم لا يملكون أية قدرة، مهما كانت ضئيلة، لمقاومة الانجذاب الهائل الذي تقوم تلك الأبواب المشرعة ببث موجاته المغناطيسية. لجأت الشرطة إلى آخر الأساليب: النقل .. نقلتهم إلى مديرية المرور التي اكتشفت بعد مرور شهر ونصف، إنهم لا يمتلكون أية حساسية تجاه المرور وقوانينه، وفهم مدير الشرطة كلمة "حساسية" بأنها عدم احترام لقوانين المرور. طوّح بهم ثانية باتجاه شرطة النجدة، فأعادتهم شرطة النجدة قبل مضي أسبوع، لا لأنهم أخفقوا في إنجاد أحد ما، بل لأنهم قادوا طواقم السيارات إلى حيث الموائد العامرة بعد أن ركنوا السيارات في الأزقة المظلمة المجاورة للنوادي. وحين ضرب الحظ ضربته الثانية لم يخطئ في تسديدها. اعتبر الآباء الثلاثة الذين يئسوا من استقامة أولادهم بعد أن كسروا عشرات العصي عليهم، هذه الضربة نوعاً من القدر الملغز العصي على الفهم، أو هي ربما نوع مغاير من المعجزات الخاصة بالكفرة والمارقين. مع ذلك أيقنوا بها يقيناً تاماً لا يرقى إليه الشك، ما داموا قد رأوا بأعينهم خلال لحظة، لحظة من زمن اعتقدوا إن لا قيمة له بالنسبة لأولادهم، كيف قفز هؤلاء الأولاد من خانة أفراد الشرطة الاعتياديين إلى خانة المفوضين. وما كان بوسع مدير الشرطة الذي تدلى فكه ولا حتى بوسع المسؤولين الآخرين الأقل رتبة منه فعل شيء.. فعل أي شيء على الإطلاق، لأن قرار مجلس قيادة الثورة الذي صدر في السنوات الأخير لعقد السبعينيات والخاص بترفيع الشرطة الممتازة إلى مفوضين، كان من الوضوح إلى حد عدم الحاجة إلى الشرح والتفسير. في ليلة الولوج إلى عالم المفوضين تلك، احتفل وليد وعدنان وجعفر احتفالهم الأسطوري الذي لم تشهد مثله الماجدية في كل عهودها الماضية. صحيح أنها رأت العديد من حفلات الزواج الصاخبة التي ينتهي معظمها بمشاجرات دامية، إلا أنها ظلت حفلات زواج محدودة ومحصورة في بيت أو ساحة صغيرة أمام بيت. لكن حفلة المفوضين الثلاثة في تلك الليلة كانت من نوع آخر، نوع آخر مختلف تماماً. حتى الآباء الثلاثة لم يعتبروها تحدياً لهم ولتدينهم، بل اعتبروها تدفقاً لا يقاوم للفرح الطاغي. عند العصر، قبل أن يسقط ظلام تلك الليلة، خرج المفوضون الثلاثة من بيوتهم، والحقيقة أنهم فروا من هزيم الطبول والزغاريد وتصفيق الأكف والغناء الحاد لمجموعات كبيرة من الفتيات الصغيرات، التقوا في ساحة الماجدية الوحيدة التي ينفتح عليها فم جسر الكحلاء. كانوا بملابسهم الخضر، غير أنها بدلات جديدة لايذكرون من أهداها لهم، إذ تلقوا عشرات البدلات هدايا الأقارب والأصدقاء والمعارف. كما تلقوا مئات من الوسائد السود الصغيرة المثبتة على كل واحدة منهن بإحكام نجمة بيضاء صغيرة. هرع الناس في الساحة إليهم وأخذوهم في الأحضان، وأوسعوهم قبلاً وضربات خفيفة بالأكف على أكتافهم وظهورهم، ثم هزوا أيديهم هزاً عنيفاً ليرفعوا من حرارة المصافحة. بدا لهم أن جميع قاطني الماجدية سيأتي لتقديم التهاني، عندئذ فروا من الساحة سالكين الجسر باتجاه السرية توقفوا عند جورج منصور، أطلوا عليه من باب دكانه الصغير ببدلاتهم الخضر الجديدة والنجوم البيض الصغيرة اللامعة جداً فوق وسائدها السود الملصقة في ياقات قمصانهم. ابتسم لهم جورج ابتسامة عريضة تطورت بسرعة إلى ضحكة مجلجلة: -ليكن الله في عوننا عليكم تلك كانت نبؤة عجيبة قالها الرجل في وقت مبكر جداً. ناولهم زجاجة كاملة من العرق، لكنهم أرسلوا إليه نظرات محملة بالعتاب.. احتج: -هل تشربون أكثر من زجاجة؟ أجاب وليد: -ربما يأتينا أكثر من صديق. ناولهم زجاجة ثانية ورفض أن يأخذ منهم نقوداً. في الغسق تسللوا إلى لسان الأرض الممتد في النهر. وتحت النخلة الوسطى جلسوا متربعين على الأرض، وسرعان ما أرسل لهم أحد البيوت المقابلة بساطاً ثميناً من الصوف ودورق ماء مثلج وطبق فواكه وخمسة أقداح ظلت تلتمع حتى في الظلام لنظافتها. قال جعفر: -خمسة أقداح؟ أجاب عدنان: -يعني سيقدم إلينا ضيفان. تأخر الضيفان كثيراً، فقد اضطرا إلى عبور النهر حيث دكان جورج وعادا لاهثين بزجاجة وكيسين من اللبن الرائب واللبلبي. جاء آخرون لتقديم التهنئة، لكنهم أجلوها ريثما يعودون من دكان جورج. ثم إنضم إليهم أولاد جحيل التسعة فاكتظ لسان الأرض من بدايته حتى النهاية كان خبر هذه الحفلة قد انتشر في شوارع الماجدية الأربعة، ثم توغل في الأزقة، وخرج من الماجدية عابراً الجسر نحو السرية والسراي والمحمودية. بدأ المهنئون يصلون بطوابير محملة بالزجاجات والأكياس، ثم توزعوا في حلقات متقاربة، محتلين كتف النهر من جسر الكحلاء وحتى لسان الأرض، ثم تجاوزوه إلى أن أوقفتهم ورشة نجرس وعصاه المشرعة في وجوههم. وخلافاً لما هو معروف عن قاطني الماجدية في شدتهم وعدم تغاضيهم عن مثل هذه الحفلات، أغمضوا عيونهم في تلك الليلة عن أبنائهم الذين كرعوا العرق في الشارع على رؤوس الأشهاد، معتبرين ما يحدث في هذه الحفلة لا يمت بصلة إلى ما يسيء إلى الدين والأخلاق، تماماً مثلما أغمض الآباء الثلاثة عيونهم عما فعله وسيفعله أبناؤهم المفوضون الثلاثة. وهكذا سارت الحفلة في طريق محايد بين الطريق السوي والطريق الردئ. بعد ساعتين أو ثلاثة من ازدهار الحفلة جاء فتى من شارع الملعب، بدا بسبب خجله للمفوضين الثلاثة الذين لم يروه سابقاً أشبه بفتاة بيت لم تخرج إلى سوق المحلة أبداً، بعد الكأسين الأولين اللذين كرعهما بسرعة، شجعته أصوات المحيطين بالمفوضين الثلاثة: -علوكي.. هيا.. -هيا.. يا علوكي. وارتفع صوت علوكي فوق الزجاجات وأطباق الفاكهة واللبن واللبلبي والباقلاء، ارتفع فوق صف المهنئين الذي أخذ تعرجه من تعرج كتف النهر ما بين جسر الكحلا وورشة نجرس المندائي، ارتفع فوق النهر مصطدماً بالجسر وعابراً إلى الضفة الأخرى، كما ارتفع فوق صف البيوت في الجانب الآخر من الشارع المواجه لصف المهنئين المتعرج. ارتفع صوته صافياً مصلصلاً، وحين يتكسر تسيل من زوايا تكسراته أحزاناً صغيرة، أحزاناً رقيقة تجعل القلوب تخفق بالأسى. خرجت النسوة من البيوت ليجلسن على امتداد الرصيف، يسمعن ويسكبن العبرات. مضت الحفلة من دون مشاكل، من دون تلك المشاجرات التي تنتهي إليها عادة الحفلات في الماجدية في منتصف الليل وجه شرطي السيطرة في مديرية شرطة النجدة نداء إلى طواقم السيارات: -أكثر من ألف شخص يحتلون ساحل نهر الكحلاء من الجسر إلى مخزن الأسماك الكبير.. يحتلون الساحل ويحدثون ضجيجاً. اتجهت سيارات شرطة النجدة من مرابضها في مختلف أنحاء مدينة العمارة، اتجهت بسرعة مطلقة صافراتها، لتعبر الجسر وتتوزع في مواجهة كتف النهر، نزلوا من سياراتهم والأسلحة في أيديهم، وتقدموا بحذر طالبين من الجالسين حول الزجاجات والكؤوس عدم الأتيان بأية حركة أياً كان اتجاهها. واحتج صوت: -إذن، كيف نشرب؟ حين تقدموا أكثر وأسلحتهم مشرعة رأوا المفوضين الثلاثة في الوسط، رأوا النجمات البيض الصغيرة تلتمع في الظلام فوق الزجاجات والكؤوس، وعرف مفوضو سيارات النجدة مفوضي الحفلة، وحل دور الأحضان والقبل، ثم أجابوا شرطي السيطرة الذي أكله القلق: -ليس هناك خطر.. إنها حفلة تخص الشرطة. لم ترجع سيارات النجدة لا إلى مرابضها ولا إلى مديرية النجدة إلا في صباح اليوم الثاني. مضت الحفلة هادئة مرحة طوال الليل إلا من صوت علوكي الذي يرتفع بين فترة وأخرى ليزيل النعاس من عيون المحتفلين التي بدأت تأخذ بالانغلاق. ظل نجرس منذ ما بعد الثالثة من بعد منتصف الليل، ينتشل بقاربه السكارى الساقطين من فوق اللسان ومن فوق الجرف العالي إلى النهر.. يلتقطهم خلال ما كان يواصل شتمهم وشتم الآخرين الذين ما زالوا جالسين أمام كؤوسهم. لم يتحدث أحد عن الحفلة في اليوم التالي، وكأن لا أحد قد جلس مساء أمس على كتف النهر المتعرج، كأن أحداً لم يشتر أية زجاجة مهما كانت عبوتها من جورج منصور، كأن علوكي لم يطلق صوته العذب الذي أخطأ الطريق فترك الآذان ودخل القلوب، وحتى نجرس كأنه لم يستمر حتى غبش الفجر في التقاط السكارى الذين سقطوا في النهر. في الصباح ذهب المفوضون الثلاثة إلى مديرية الشرطة، وعند الظهر صدرت أوامر تعيين جديدة لهم للالتحاق بمراكز شرطة جديدة، ومر اليوم بسلام مثلما مرت بعده أيام عديدة، عديدة جداً إلى حد أنهم، وحتى الناس أيضاً، نسوا إنهم كانوا من الشرطة الأفراد. ومثلما تصرفوا عندما كانوا شرطة من دون نجمات بيض صغيرة في ياقاتهم، تصرفوا نفس التصرف وهم يحملون تلك النجمات، ظلوا عصبة مرحة طيبة وذات سلوك خالٍ من الغطرسة مالوا في تنفيذ واجباتهم إلى الجانب اللين من القانون، وشهدت المراكز التي عملوا فيها خروج المتخاصمين والمتشاجرين الذين تسيل دماؤهم متصالحين وأصدقاء. لكنهم اكتشفوا أمراً لم يعيروه أهمية في بادئ الأمر، وهو أن النجمات البيض الصغيرة المثبتة في ياقاتهم قد دفعتهم إلى الأعلى، إلى فئات من الناس ما كان في استطاعتهم الاقتراب منهم سابقاً: القضاة ورؤساء الدوائر والمدراء العامون ومجموعة كبيرة من التجار الذين كانوا ينظرون إليهم من بعيد فقط. كان طبعهم المرح وميلهم إلى الفكاهة وإنجذابهم السريع نحو اللذة الحسية القادرة على جعلهم يحلقون على عجل في فضاءات سرعان ما تختفي في اليوم الثاني، تاركة بدلها صداعاً يستمر حتى الظهيرة، هذا الطبع والميل والانجذاب والنجمات البيض الصغيرة في الياقات. جعلتهم يمرقون بلا إبطاء من خلال أبواب النوادي الليلية الأكثر رقياً من تلك التي ارتادوها حين كانوا شرطة أنفاراً، فأمضوا أماسيهم الجديدة متنقلين بين نوادي الأطباء والمهندسين والعاملين في حقول النفط. لم يتوقفوا عن اندفاعهم اليومي نحو الأخيلة الشاحبة المنبثقة من أبخرة العرق في رؤوسهم. في الوقت نفسه لم يتوقف المسؤولون في مديرية شرطة المحافظة عن توجيه العقوبات التأديبية إليهم والتي بدت لهم بعد فترة من الزمن غير ذات نفع، فلجأوا إلى التطويح بهم خارج مركز المحافظة. نقلوا وليد إلى مركز شرطة قضاء علي الغربي، وعدنان إلى مركز ناحية العزيز، وجعفر إلى مركز ناحية السلام. لم ينظروا إلى هذه الأوامر بكآبة وضيق كما توقع المسؤولون، وإنما جمعوا بسرعة ما يحتاجون إليه من ملابس وأحذية حشروها في حقائبهم الصغيرة، وسافروا إلى الأماكن التي اعتبرها الآخرون المنافي البائسة التي كان على المفوضين الجدد أن لا يصلوا إليها بهذه السرعة. تسلموا وظائفهم في تلك المدن الصغيرة النائية الغارقة في أعماق ريف ذي تقاليد قاسية وغامضة ومعقدة، من مفوضين أكبر سناً منهم بكثير، مفوضين ذوي رؤوس لم يبق فيها شعر أسود. شعروا بالأسى لهؤلاء المفوضين الشبان، لكنهم لم يحذروهم من شيء أو شخص على الإطلاق، لأنهم اقتنعوا أو أيقنوا أن لا فائدة من تحذير ثلاثة فتيان يبدو التهور واضحاً في عيونهم. غير أن هؤلاء المتهورين اكتشفوا أوكار فساد في مدينتين ومجموعة من سراق أراضي الدولة في المدينة الثالثة. المفوضان وليد وعدنان، على الرغم من وجودهما على جناحي العمارة البعيدن، عثرا في اليومين الأولين على مخيمين للغجر، أحدهما في الأرض العراء المشابهة للصحراء والواقعة بين علي الغربي وسلسلة جبال حمرين.. هكذا وقف المفوض وليد بساقين متباعدين ووراءه سيارة الشرطة أمام مخيم الغجر الذين سقطوا أمام ساقية مرتجفين ومرتعبين من القانون. والمفوض عدنان توغل في نهران عمر، ليصطدم بمخيم غجر مخرساً آلاتهم الموسيقية. لم يكن في السلام أو أريافها مخيم غجر يمكن للمفوض جعفر أن يغزوه، غير أنه غاص فيما وراء أنهار الضلع والخمس والثرثار، ليضع يد القانون الصارمة على الفلاحين الذين استغلوا أراضي الدولة الخارجة عن أعماق الأهوار خلال الشهور الثلاثة التي أمضوها في تلك المدن الريفية جعلوا جدارتهم ونزاهتهم تسير في الشوارع والأسواق، فوضعوا كل الريفيين المشهورين بإثارة المشاكل في الحبس. في تلك الشهور الثلاثة تجمعت غيوم المشاكل أكثر مما تجمعت خلال السنوات العشر الماضية. اضطرت مديرية الشرطة أن تُعيد المفوضين الثلاثة إلى مركز المحافظة، وأن تقوم بتهجير مخيمي الغجر إلى خارج حدود المحافظة لم يرجعوا إلى المدينة بعافية أفضل من العافية التي ذهبوا فيها على الرغم من هواء الريف النقي وطعامه الدسم الطازج.. عادوا إلى مراكزهم القديمة وواجباتهم التي لم يجدوا فيها ما يثير الحماسة، وعادوا أيضاً إلى نواديهم الليلية، وكانت أيديهم الحاملة للكؤوس كثيراً ما تتوقف في منتصف المسافة إلى أفواههم، مطلقين الحسرات على ضياع جناتهم الصغيرة في تلك المدن الريفية النائية، غير أن جلساءهم، غير أن أصدقاءهم، غير أن الناس في طول المدينة وعرضها، ما زالوا يكنون لهم الود والحب والاحترام، فهم على الرغم من خسارتهم لتلك الجنان ظلوا محتفظين بطيبتهم وبساطتهم ومرحهم وحبهم لفعل الخير، ولقد وصفهم أحد الرجال في نادي المهندسين بعد خروجهم في آخر الليل: -هؤلاء الفتيان لا يعرفون قيمة النجمات البيض على الرغم من إنهم ولدوا وعاشوا في الماجدية. ثم جاء مَنْ جعلهم يعرفون تلك القيمة، ولم يكونوا راغبين في تلك المعرفة، لكنهم وقعوا تحت طائلة رغبة أخرى، رغبة لا تخصهم بل تخص ذلك الرجل المحتال الذي سخّر طيبتهم وزهدهم بالمنافع الكبيرة، ليملئ كيس نقوده. جرهم إلى ساحته بعد سلسلة من الدعوات في النوادي المدفوعة سلفاً، وطرح مشروعه التجاري جزءاً جزءاً، ونجح في إثارة فضولهم بطريقة غريبة في بطئها وكأنه يسكب أفكاره من خلال قطارة. بعد أسبوع تحرك المفوضون الثلاثة معولين على نجماتهم البيض الصغيرة في فتح أبواب المسؤولين الكبار الذين نظروا إلى ظلهم بدهشة، وواجهوا السؤال نفسه من كل مسؤول: -أنتم؟.. كيف يمكن لكم فتح وكالة مشروبات غازية؟؟.. أنسيتم أنكم موظفون في الدولة؟ وفي حضرة كل مسؤول، وحسب الخطة التي وضعها ذلك الرجل، يردون: -نحن؟.. إنها لرجل مسكين اسمه ناصر علاوي. وحصل ذلك المسكين الذي يحمل اسم ناصر علاوي على حق فتح الوكالة، وبدأت الشاحنات تأتي من بغداد والبصرة لتملئ مخازن الوكالة، وأخذت شاحنات أصغر تخرج من الوكالة لتوزع صناديق المشروبات الغازية على الأقضية والنواحي، ودارت سيارات أخرى على مقاهي وسينمات العمارة، وامتلأت جيوب المسكين بالمال. في نهاية الشهر الأول عرج المفوضون الثلاثة لأخذ حصتهم. قال الرجل بهدوء: .. حصة؟ أية حصة تقصدون؟ أجاب وليد: -حصتنا.. ألسنا شركاؤك في الوكالة؟ فجأة، بدأ الرجل يتحدث بما يشبه الصراخ: -شركائي؟.. في ماذا؟ بدا المفوضون الثلاثة في ذهولهم وسط الناس الذين تجمهروا حولهم مثل أرانب سقطت في الماء. فرت الكلمات منهم فظلوا واجمين، وكان هذا ما يحتاجه الرجل الذي لم يخفض نبرة صوته: -إذن، أنتم شركائي؟.. اخرجوا ليس لي، بل للناس ما يثبت كلامكم.. أليس بين الشركاء عقود قانونية؟.. أين عقودكم؟ ثم واصل حديثه بعد فترة من النظر إلى الناس: -سأقبل حتى بأوراق ليست مصدقة من جهة رسمية.. ليس لديكم حتى هذه؟ التفت إلى المتجمهرين وقال: -أرأيتم كيف تكون السرقة؟.. وكالة رسمية باسمي صادرة من الدولة، ثم يأتيني هؤلاء مدعين أنهم شركائي.. ألأنهم مفوضو شرطة.. وترك كلماته من دون أن يكملها، لكن المتجمهرين فهموا بلاغتها. في ذلك المساء تجمعوا تحت النخلة الوسطى فوق لسان الأرض. لم تفلح الكؤوس المترعة في طرد الحزن من قلوبهم.. قال وليد: -كيف حدث هذا؟؟.. ناصر علاوي يخدعنا؟ أجاب جعفر: -لأنه لعب معنا ضمن قواعد القانون. تساءل عدنان: -قواعد القانون؟.. نحن رجال القانون ويبطش بنا رجل سوق؟ قال وليد والكأس ما زالت في يده من دون أن يقربها من فمه: -جعفر على حق.. انظر كيف أتقن لعبه معنا.. إجازة الوكالة باسمه لأنه لا يحق لنا درج أسمائنا معه فنحن موظفو دولة، ولم نسجل عقداً معه عند كاتب العدل لأن مثل هذا العقد مبني على باطل، والباطل يأتي من كوننا موظفي دولة.. أليست هذه حججه التي أقنعنا بها، فعلقنا ثلاثتنا نحن المفوضين بخيط الثقة به؟ قال عدنان معلقاً: -وقطع هذا الخيط في أول شهر. قال جعفر: -لو كنا أخذنا عليه كمبيالة بمبلغ كبير. قال وليد: -وماذا كنا سنفعل بالكمبيالة؟.. نذهب بها إلى المحكمة؟.. ستقوم المحكمة بتقسيطها إلى مبالغ هزيلة شهرياً. رد عدنان: -في الأقل كنا قد أخذنا منه شيئاً. قال جعفر: -درس ناصر علاوي أكثر نفعاً من كل دروس مدرسة الشرطة. تساءل وليد: -ماذا تقول؟ أجابه جعفر: أرأيت كيف نال رجل سوق نصف متعلم من ثلاثة مفوضين؟.. لعب في ساحة القانون بمهارة فتطوحنا نحن الثلاثة خارج هذه الساحة. عمّروا كؤوسهم ثانية ودقوها ببعضها، وقبل أن يشربوها كانت أمور كثيرة قد غيرت دوافعها في دواخلهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |