أغنية الصيّاد الصغير - محمد شاكر السبع

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ 5 ـ

في ضحى اليوم الثالث لمأتم ملوكي، وهو اليوم الأخير لمجلس الفاتحة كما هو مفترض، وضع المفوضون الثلاثة سبعين ديناراً في يد جحيل، أربد وجه الرجل وهو يرى دفاتر المفوضين الثلاثة تكاد تمتلئ بأسماء المتبرعين بالمال وبأسماء المتبرعين بأكياس الرز والطحين وصفائح الزيت النباتي والخراف الحية والمذبوحة. فكر: كيف أفي كل هؤلاء في مصائبهم؟... تحرك ألم من أسفل بطنه وصعد إلى منتصف صدره حين لمح ثلاث صوانٍ كبيرة تخرج من بيت المفوض وليد، وتتجه نحو السرادق، قام حاملوها الفتيان بوضعها في أماكن متباعدة في وسط السرادق. حوت تلك الصواني صحوناً كبيرة مليئة بأفخاذ الدجاج وصدورها المقلية بالزيت، وتوزعت على حواف الصواني أرغفة كثيرة من الخبز. قدّر جحيل أنهم قلوا أكثر من عشرين دجاجة. أوقف تفكيره عند هذا الحدّ. لأنّه لا يعرف أين ستنتهي هذه الأمور، وكان واثقاً من ذلك تماماً، مثلما كان واثقاً أن هذا يحدث أول مرة في مجلس فاتحة ملوكي، فهو يعرف مثلما يعرف كل القاطنين في الماجدية، أن الطعام لا يقدم إلا في مساء اليوم الثالث، وهذا يعني أن مجلس الفاتحة يُختم بوجبة عشاء..‏

نهض المفوض جعفر واتجه إلى صواني الأكل، وعاد بصحن مليء بالدجاج ورغيفي خبز وضعهما أما جحيل. خاطبه وليد حين رأى تردده:‏

ـ أكل هذا الطعام ثواب... ثواب لملوكي...‏

قال جحيل:‏

ـ أشبعتم ملوكي ثواباً أمس وأول أمس..‏

قال المفوض عدنان:‏

ـ سنغرق روح ملوكي بالثواب.. سنخنقها بالثواب يا جحيل..‏

نظر وليد وجعفر إليه بذهول ساخط. فَهَمَ أنه ليس من الكياسة التهكم أو السخرية من ملوكي وروحه ما تزال تجلس الآن منزوية في مكان ما من السرادق. غطى وليد على تهور عدنان حين خاطب الجالسين في السرادق:‏

ـ تفضلوا إلى الأكل... مَنْ كان جائعاً ليتفضل، فتناوله واجب لأن فيه ثواباً.‏

وأضاف عدنان محاولاً التكفير عن خطئه:‏

ـ هذا طعام أبناء السبيل ، فتفضلوا يرحمكم الله.‏

لم يكن الجالسون في السرادق بحاجة إلى كل هذا الكلام، فهم تابعوا صواني الدجاج منذ دخلت وتوزعت على أرض السرادق. تابعوها وانغرزت أبصارهم في لحم الصدور والأفخاذ المحمر والملتمع بالزيت الذي ما يزال يسيل منه، وعلى الرغم من أن الوقت ما زال مبكراً من الصباح، فإن السرادق مكتظ بالناس، وكان معظمهم من الجنود القادمين من الجبهة، ومن الجنود الذين سيذهبون إلى الجبهة. شارك أولاد جحيل التسعة في تناول طعام أبناء السبيل مزاحمين المعزين بضراوة برغم أنهم لم يفارقوا السرادق منذ أمس، لم يبتعدوا عنه ولا خطوة واحدة، حتى أنهم لم يناموا في بيتهم ليلة أمس، وأمضوا كل هذا الوقت لا في تلقي العزاء بمصابهم من القادمين إلى مجلس الفاتحة فقط، بل أكلوا وشربوا ودخنوا وملوا من قراءة سورة الفاتحة على روح فقيدهم المرحوم، فلجأوا إلى قراءة نصف السورة، إذ ما حاجة روح ملوكي للسورة كاملة، هكذا فكروا. استيقظوا صباح هذا اليوم بعيون محمرة. لم يكن جحيل قد رآهم بهذه الهيئة صباح أمس، وماكان أحد من المعزين ، ولا حتى حجيل نفسه، يسمح لأفكار سيئة تراوده، فهم في كل الأحوال، أبناء عم المرحوم، إضافة إلى أن ثلثهم أو أكثر قد أمضى طفولته وصباه وشبابه في رفقة ابن العم الفقيد.‏

عند منتصف النهار، وحالما أزت النيران تحت القزانين مطلقة دخان الحطب الكثيف، عبرت مجموعة كبيرة من الجنود الجسر الملتوي قادمة من محطة المسافرين. انضمت إلى جنود الضحى الذين لم يغادروا السرادق. راقب جحل بذهول مَنْ لا يصدق ما يجري أمامه من جموع المعزين الذين كانت طلائعهم من الجنود، ثم تقاطر رجال من الماجدية كانوا قد قدموا أمس أيضاً.‏

كما راقب وبنفس الذهول ذبح الخروف الأخير وسلخه وتقطيعه ورمي قطعه الكبيرة والصغيرة في أحد القزانين. راقب أيضاً كيف أزاح المعزون الذين وصلوا متأخرين جموع الأطفال والصبيان شبه العرايا الحاملين قدوراً قصديرية من مختلف الأحجام، ليعودوا بها مليئة بالرز واللحم والمرق إلى عوائلهم، راقب الطباخين الدائرين حول القزانين والمحركين مغارفهم من دون توقف... طباخون لم يرهم سابقاً تحزموا بكوفياتهم ورفعوا الأطراف الأمامية لدشاديشهم مثبتين إياهم بكوفياتهم المعقودة بإحكام حول بطونهم. أيقن جحل وهو يرى جموع الجنود، والرجال من كل صنف، والأطفال والصبيان الفقراء، أن مجلس الفاتحة هذا يمكن أن يكون كل شيء أو هو يشبه أي شيء ما عدا أن يكون أو يشبه مجلس فاتحة، وتساءل بصمت: هل يمكن أن يجري كل هذا الذي يجري أمامي من أجل روح ملوكي؟... لم يكلف نفسه مشقة البحث عن إجابة، لأن كل هذا كان يجري أمامه، ولن يحتاج أحد إلى حجة أو وقت ليثبت ذلك. تفجر سخط عارم في صدره، سخط ليس بمقدوره التعبير عنه أو التخلص منه ولو بصرخة واحدة. ومع ذلك، لم يستطع التحكم به، يعني أن ذلك السخط تمرد عليه وأحاله إلى كائن إنساني ضعيف يصيح فجأة بصوت عالٍ:‏

ـ روح ملوكي؟‏

لكنه أوقف الكلمات الأخرى، الكلمات التي تجمعت على ظهر لسانه من دون أن يفكر بها مسبقاً، أو من دون أن يقوم بتهيئتها في رأسه. كان قد تُرك وحيداً على أريكته الطويلة في باب السرادق، وكان قد جزع من كثرة تقديم التعازي إليه. نبش في ذهنه المذهول ما إذا كان قد رأى فيما مضى مثل هذه الولائم في مأتم شخص ما، لكنه لم يصل إلى شيء يجعله قادراً على عقد مقارنة مع ولائم مأتم ملوكي.‏

نضج الطبيخ في القزانين حوالي الساعة الواحدة ظهراً. تلقى الطباخون أوامر المفوضين الثلاثة بتقديم الطعام للمعزين في السرادق. وخلافاً لليوميين الماضيين لم يقدم الطعام في صحون صغيرة، بل نُقل الرز من القزان إلى صوانٍ كبيرة بمغارف خشبية ضخمة تشبه مجارف البناء، وفوق تلال الرز وضعوا قطع اللحم الكبيرة. تعاون أربعة رجال لنقل كل صينية من أمام القزانين إلى داخل السرادق.‏

ثم جاء المرق من البيوت في الجوار في معاجن الخبز الكبيرة، ولحقت بالمعاجن أعمدة عالية من أرغفة الخبز، يحملها صبيان من منتصف بطونهم حتى مستوى أنوفهم. حين انتهى الطباخون من ملء الصواني، أحاط بهم الأطفال والصبيان والقدور القصديرية في أيديهم. انسحب الأطفال راكضين نحو بيوتهم بقدورهم المملوءة رزاً ولحماً، ثم عادوا مرة ثانية بقدور أخرى لأخذ المرق والخبز من بيوت الجوار.‏

في داخل السرادق بدأ المعزون أكلهم مثلما يفعل قطيع من الذئاب الجائعة. هجموا على قطع اللحم الكبيرة، وكادت تحدث مشاجرات لولا تدخل المفوضين الثلاثة بين الحين والآخر. غير أن الطعام كان كثيراً، كثيراً بحيث أن الطباخين أعادوا ملأ الصواني التي فرغت. بدا لجحل أن الناس أخذت تمشي على الطعام. كان جحل نفسه قد امتلأ رزاً ولحماً ومرقاً وخبزاً، فقد وضع المفوضون الثلاثة أمامه صينية أصغر حجماً من صواني المعزين، شاركه فيها مقرئ القرآن...رفعت الصواني الفارغة بعد أن تجشأ معظم الآكلين. جاء الآن الشاي الذي صُب في أقداح كبيرة، ودارت صواني الشاي أكثر من مرة في السرادق. ظل الطعام يقدم للقادمين المتأخرين حتى ساعة الغروب.‏

قبل ساعة الغروب بوقت قصير توقفت سيارتان الأولى شاحنة صغيرة بحوض خلفي، أنزل منه السائق والرجل ذو الكوفية والعقال الذي كان جالساً معه في القمرة الأمامية، عجلين ليسا بالكبيرين ولا بالصغيرين. ظل الرجل ذو الكوفية يؤكد للجالسين حواليه في السرادق فيما بعد، أن عمريهما بالكاد يبلغ السنة. والسيارة الثانية وقفت في الطرف الثاني من العراء الممتد بين جسر الكحلاء والجسر الملتوي، الطرف القريب من جسر الكحلاء، سيارة طويلة من صنف حافلات نقل الركاب. وقف مساعد السائق أمام مقدمتها وصاح بصوت طغى على صوت مقرئ القرآن:‏

ـ بغداد... بغداد...‏

ذلك كل ما وصل إلى السرادق. لم يتوقع أحد، ولا حتى المفوضين الثلاثة أنفسهم، أن هذا النداء المنطلق باستمرار في محطات سيارات نقل المسافرين يمكن أن يحدث فوضى وضجيجاً مثل فوضى وضجيج التلاميذ الصغار حال خروجهم من مدارسهم. رأى المفوضون الثلاثة كيف أحدث ذلك النداء ما يشبه زوبعة عصفت بالسرادق. كانوا قد رأوا أولئك الجنود وحقائب السفر الصغيرة بين أقدامهم على أرض السرادق منذ الصباح، أكلوا من طعام أبناء السبيل، ثم تجمعوا في ساعة مابعد منتصف النهار حول صواني الرز واللحم ومعاجن الخبز المليئة بالمرق، وواصلوا منذ الضحى شرب الشاي والقهوة وتدخين السجائر، إلا أنهم الآن، بعد ذلك النداء، يتقافزون مثل الفئران الهائجة وحقائبهم الصغيرة معلقة على أكتافهم... خرجوا من السرادق راكضين يصطدم بعضهم ببعض، ويزاحم بعضهم بعضاً، ناسين أن يقرؤوا سورة الفاتحة على روح ملوكي. هم، الآن، يركضون في الشارع باتجاه السيارة الواقفة في الطرف البعيد من الأرض الخلاء، وحقائبهم الصغيرة المعلقة إلى أكتافهم تتأرجح على ظهورهم مثل بندولات ضخمة. بدا للمفوضين الثلاثة أنهم يرون روح ملوكي تبكي في زاوية من السرادق.‏

قال المفوض عدنان بسخط:‏

ـ حتى أنهم لم يقرؤوا سورة الفاتحة.. هل نطرد الجنود إذا ما جاؤوا مرة ثانية؟‏

أجابه المفوض وليد:‏

ـ لا...‏

ـ هل رأيت ماذا فعلوا بعد ذلك الأكل والشاي والسجائر؟..‏

ـ اضطروا على القيام بذلك... ليست هناك سيارات في المحطة، ثم تقف سيارة على مقربة منهم، فماذا تعتقد أنهم فاعلون؟‏

قوطع حديثهما، بل أُنهي، لأنهما لم يعودا إلى فتحه فيما بعد، كما لو كانا قد نسياه تماماً ونسيا معه روح ملوكي الباكية. كان عامل القصاب الذي كلفه رب عمله أن يرابط في مجلس الفاتحة.‏

لكي يقوم بذبح الحيوانات هو مَنْ قطع حديثهما بسؤال اعتبره ملحاً:‏

ـ ماذا أذبح؟‏

قال المفوض وليد باستغراب:‏

ـ ماذا تعني؟‏

ـ هل أذبح عجلاً واحداً أم الاثنين معاً؟‏

ـ واحداً... واحداً فقط.. والآخر ستذبحه غداً..‏

تساءل عامل القصاب بدهشة:‏

ـ غداً؟.. ماذا تعني بغدٍ؟..‏

أجابه المفوض وليد بلهجة رصينة ولكنها آمرة:‏

ـ أنت تسأل كثيراً... افعل ما أقوله لك..‏

توهجت النيران مرة ثانية تحت القزانين في ضوء الغروب الواهن مطلقة أدخنتها الكثيفة إلى الجانبين والأعلى، ودوت أصوات الطباخات النفطية التي تعمل بضغط الهواء تحت قدور المرق الكبيرة في بيوت عديدة في الجوار، وانهمكت أكثر من اثنتي عشرة امرأة في بيوت متفرقة في الجوار أيضاً بإشعال النيران في التنانير. كانت أصوات النادبات اللاطمات في عزاء النساء تعبر النهر وتصل إلى البيوت في الجانب الآخر.‏

بذل جحيل جهداً هائلاً لكي لا يفر أو يعود إلى بيته مهرولاً حين رجع إلى السرادق في الساعة السابعة مساء. لم يكن ليخطر في بال جحيل، ولا حتى في خياله، أنه سيعيش ليرى مثل هذا الحشد الغفير من الناس الذين أقبلوا على السرادق. لكنه تقدم بخطوات مهزوزة، مرتبكة نحو المكان الذي قُدر له أن يجلس فيه والذي يتقبل فيه تعازي القادمين من دون أن يغادره. جاء المعزون هذا المساء، ليس من الماجدية فقط، بل من كل أنحاء المدينة، فهذا اليوم هو اليوم الثالث لمجلس الفاتحة، وهذا يعني أنه اليوم الأخير، وهكذا قدم كل أولئك المتخلفين الذين يعرفون بهذا المجلس لكنهم تخلفوا عن المجيء خلال اليومين الماضيين لسبب من الأسباب. عاد الفزع القديم، فزع الأمس يطرق جحيل طرقاً أمض من السابق، فقد رأى ثلاثة دفاتر جديدة في أيدي وليد وعدنان وجعفر، وهذا يعني أنه لن يكون قادراً على تسديد ديون الموتى حتى لو عاش حياة ثانية مضافة إلى حياته الحالية.‏

راقب جحيل وفود المعزين التي لم تنقطع عن القدوم. كان السرادق قد اكتظ، وحشر الناس أجسادهم على الأرائكالخشبية الطويلة، من دون أن يتركوا مسافة اصبع بين الواحد والآخر. خرجت أرائك أخرى من صف البيوت المطل على السرادق وصفت جنباً إلى جنب حتى منتصف المسافة بين السرادق وجسر الكحلاء كان المعزون مثلما رآهم جحيل خليطاً ضخماً من الجنود ورجال الشرطة والصفاطين وتجار المواشي والمعلمين والموظفين وأصحاب المهن الحرة. كانوا يصافحونه بمودة مبالغ بها ويسمعونه كلمات عزاء رقيقة أكثر مما يجب، غير إنهم يعطون النقود للمفوضين الثلاثة الذين يفتحون دفاترهم ويسجلون الأسماء، وكان هذا يضاعف تعاسته، فكر، مثلما يفكر الرجال البسطاء من أمثاله الذين ولدوا وعاشوا وعملوا وتزوجوا وأنجبوا أبناءً يشابهونهم تماماً والذين لم يخطر في بالهم ولو للحظة أن يرفعوا أنفسهم درجة واحدة فوق الآخرين.. فكر إن كان ملوكي على معرفة بكل هؤلاء المعزين. لكن فكره المشوش بديون الموتى لم يهتم بالحصول على الإجابة، لأنه هو نفسه كان يجهل كل شيء عن ابن أخيه الذي ولد ونما في بيته ومات على قارعة الطريق، بل هو يجهل أيضاً كل شيء عن أولاده التسعة، فوشائجهم مع البيت ليست أكثر من تمددهم على أسرّة النوم العاجزة عن الحديث عن تفاصيل حياتهم.‏

كان المعزون يأتون ويودعون، ودأب المفوضون الثلاثة على حجز الكثير منهم لتناول العشاء جاء علي بن وحيد وأخبر المفوضين الثلاثة، أن المقرئ يريد أحدهم.‏

أحاط المفوضون الثلاثة بالمقرئ الذي سألهم بصوت عالٍ:‏

-هل أختم مجلس الفاتحة؟.. وفي أي وقت أختمه؟‏

همس المفوض وليد في أذنه:‏

-اخفض صوتك يا رجل الدين الحقير.‏

انتفض رجل الدين:‏

-حقير؟.. مَنْ؟.. أنا؟.. ياأولاد الكلبة الجرباء..‏

أسكته المفوض عدنان:‏

-تحدث بهمس.. أتريد أن نضعك في الحبس؟‏

-لماذا؟‏

أجابه وليد:‏

-منذ متى والقانون يسمح لرجال الدين أن يجروا عقود الزواج والطلاق؟‏

علت ابتسامة في وجهه المرتعش باستمرار.. قال:‏

-يا أولاد الكلبة الجرباء‏

كان رجل الدين ومقرئ القرآن صديق طفولة المفوضين الثلاثة، ذهب معهم إلى المدرسة قبل أن يفقد بصره. كان صوته جميلاً منذ الطفولة، وحين أصبح أعمى أخذ يغني في الأعراس وحفلات ختان الأولاد، لكن رجل دين كبير مر بالمدينة، واستمع إلى صوته فأقنعه أن ينتمي إلى مدرسة دينية في مدينة النجف، وعاد بعد خمس سنوات بعمامة وجلباب، وبدأ يخطب في الناس أيام الجمع في جامع في طرف المدينة، لكنه اعتاش على تلاوة القرآن في مجالس الفاتحة.‏

قال رجل الدين:‏

-متى ستختمونه إذن؟‏

قال المفوض وليد:‏

-لم نقرر بعد.. ربما بعد عشرة أيام‏

احتج رجل الدين:‏

-عشرة أيام؟ في هذه الحال جدوا لكم مقرئاً آخر‏

قال المفوض وليد:‏

-أنت هو المقرئ‏

أصر رجل الدين:‏

-لن أواصل في هذا المجلس.. أذهب إلى الحبس ولن..‏

أسكته المفوض عدنان مرة ثانية:‏

-دع الليلة تمضي بسلام‏

وأمضى الليلة بسلام. حين خرج آخر المعزين مودعاً بعد وليمة العشاء التي استمرت حتى الساعة الأخيرة قبل منتصف الليل، بكى المفوضون الثلاثة على رحيل ملوكي المبكر. أطفأوا المصابيح، وقبل أن يتركهم جحيل ذاهباً إلى بيته سألهم:‏

-سبعة أيام؟.. لماذا؟‏

قال المفوض جعفر وخطا الدموع ما يزالان على خديه:‏

-ليس كل يوم يموت ملوكي.‏

من ناحية كتف النهر خلف السرادق، تسلل أولاد جحيل التسعة إلى الداخل بعد ذهاب أبيهم بعشر دقائق. ثم تبعهم علي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى، وكان آخرهم علوكي الذي يحضن إلى صدره شوالاً. في عمق السرادق نظموا لهم مكاناً بتغيير أماكن الأرائك الطويلة، رتبوها بسرعة ونظام وبصمت كما لو أنهم تعودوا على القيام بهذا العمل، أو كانوا قد قاموا به قبل الآن أكثر من مرة. وهكذا جلسوا في الفسحة الأخيرة المحجوبة بالأرائك، وما كان باستطاعة أحد أن يراهم إذا ما دخل السرادق على حين غرة. أخرجوا صحوناً مليئة بالكبدة المقلية مع البصل والطماطة، وصحوناً وكاسات صغيرة مترعة باللبلبي والخيار واللبن الرائب، وبين الصحون نهضت زجاجات كاملة من العرق كان المفوضون الثلاثة قد فرغوا، منذ الليلة الأولى لمجلس الفاتحة، من إسناد فلسفتهم الخاصة بنسيان حزنهم أو إغراق ذلك الحزن القاتم لفقدان ملوكي على دعائم قوية من قناني العرق. وشاركهم في هذه الفلسفة أولاد عم ملوكي التسعة وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى وعلوكي.‏

كان المفوضون الثلاثة ما يزالون، حتى هذه اللحظة من الليلة الثالثة لرحيل ملوكي، تحت تأثير صدمة الموت المفاجئ لرفيقهم. وهكذا بدأوا بعد كؤوسهم الأولى في ذكر وتعداد مناقب الفقيد، وقالوا فيه كلاماً له القدرة على تمزيق أغلظ القلوب، وهكذا نحبوا بأصوات عالية خلال ما كانوا يكرعون كؤوسهم الثانية. فجأة رن صوت جحيل من وراء قماش السرادق:‏

-وليد.. وليد.‏

تجمد الدم في قلوبهم مثلما تجمدت أيدي البعض منهم وهي تحمل الكؤوس. نظروا بعيون زائغة إلى المفوض وليد الذي عامد سبابته إلى فمه. لم يكن جحيل على معرفة بما يجري داخل السرادق. فهو حين ذهب إلى البيت، تقلب الآف المرات على فراشه فوق السطح، وكانت دفاتر ديون الموتى تهاجمه من كل جانب مثل قطيع من الذئاب. هب من فراشه وجاء مسرعاً إلى السرادق، ولم يستطع أن يمرق من بابه الذي أغلق بحبال عُقدت بإحكام من الداخل. دار حول السرادق وسمع نواح الموجودين في الداخل، وعلى الرغم من شعوره أن قلبه تشظى إلى ملايين القطع الصغيرة، إلا أن دفاتر ديون الموتى أعادت لصقها مرة ثانية.‏

-وليد.. يا وليد.‏

-ماذا تريد يا جحيل؟.. ألا يمكن أن تتركنا نبكي براحة؟‏

شعر جحيل بالذنب، غير أن تلك الديون كانت أثقل على قلبه من هذا الذنب الجديد.. قال:‏

-الدفاتر يا وليد..‏

-عن أية دفاتر تتحدث‏

لانت لهجة جحيل حتى اقتربت من التوسل والمسكنة.. قال:‏

-أنت تعرف جيداً وكذلك عدنان وجعفر أنني رجل فقير.. وأولادي لن يذهبوا إلى أي مجلس فاتحة ليعطوا نقوداً.. أنا يا وليد كيف أسدد ديون الموتى؟.. تلك الدفاتر التي امتلأت ثم فتحتم دفاتر أخرى..‏

قال وليد بغضب:‏

-أجئت لتقطع بكاءنا على ملوكي بحديثك عن الدفاتر؟‏

-إنها ديون يا وليد ويجب أن تسدد.‏

-اذهب يا جحيل ونم ولا تشغل دماغك بأي دفتر، فالدفاتر الأولى التي امتلأت رميناها في النهر، وستلحق بها الأخرى التي فتحناها متى ما امتلأت.‏

قال جحيل بدهشة:‏

-رميتوها في النهر؟‏

-أكنت تريد أن تحتفظ بها؟.. إن أحداً لن يطالبك بتسديد دين ميت، لأن الدفاتر ليست معك.. هل معك الدفاتر؟‏

-لا.‏

-إذن، إذهب يا جحيل ونم ودعنا نكمل بكاءنا.‏

ابتعد جحيل عن السرادق بخطوات لم يثقلها أي ذنب من أي نوع. اتجه إلى بيته بخطوات سريعة كما لو أنه يهرب من وكر للشياطين، كان قلبه في تلك اللحظات مشحوناً بالكدر والسخط بسبب حقوق المعزين التي رماها المفوضون الثلاثة في النهر. غير أن الطمأنينة أخذت بالعودة إلى قلبه المطعون بالجحود وغمط الحقوق، حين تذكر سلوك المفوضين الثلاثة، حين تذكر ما قاموا به من أعمال.. لكنه سرعان ما استغفر ربه فربما ظنونه كانت افتراءً من الآخرين على المفوضين الثلاثة، مع ذلك جافاه النوم حتى ساعة متأخرة من الليل.. جافاه لأنه وجد نفسه، وكان متأكداً من ذلك، إنه سيشترك في ابتلاع حقوق المعزين لو أنه جلس غداً وظل جالساً حتى اليوم السابع لمجلس الفاتحة ليتقبل العزاء منهم، وفي الوقت نفسه يتقبل المفوضون الثلاثة مالهم الذي يدفعونه مساهمة منهم في تخفيف أعباء ذوي الميت. فكر: هذه سرقة في وضح النهار، بل هي سرقة تحت ظل آيات القرآن الكريم. قرر أن يفر من البيت في الفجر ليذهب إلى عمله كما قرر أنه لن يجلس أبداً في باب السرادق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244