|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- 6 - ومثلما حدث في الليلة السابقة، نام ملوكي بين قاربين مقلوبين على الساحل، ولكنهما ليسا نفس قاربي الليلة الماضية. رآه نجرس في الضحى حين قدم إلى الورشة عارياً إلا من ملابسه الداخلية، متكوراً في ذلك الوضع الذي يتخذه الجنين في بطن أمه، وظهرت حدبته كما لو أنها كبرت كثيراً عما كانت عليه فيما مضى، غير أن المندائي لم ينشغل بالحدبة، إنما تساءل: -هل سلبوه بدلته وهو نائم؟ اطمأن المندائي عندما رأى تلك البدلة الرمادية المزرقة المليئة بالحروف الأجنبية، رآها مرمية على ظهر أحد القاربين المقلوبين بإهمال. كان ملوكي قد استيقظ في الفجر سابقاً قرص الشمس الذهبي في تسلقه الأفق، وشاعراً بنفس شعور العاشقين المولهين الذين يجعلهم يقدمون على ارتكاب الحماقات بنفس راضية. نزع بدلته وحذاءه وغطس في النهر بعينين ما زالتا مطبقتي الجفنين. لسعته برودة الماء فأغطس رأسه وظل مغطساً إياه ولم يخرجه إلا حين انقطع نفسه، ثم تلاءم مع برودة الماء. كان يحس بتيار الماء يدور بين ساقيه، ثم انفتحت عيناه عندما انبثقت ساهرة في رأسه الذي ما زال ينوء بثقل السكر. لكن ساهرة اختفت بسرعة، حاول أن يسترجعها، أن يعيدها إلى ذلك الرأس المملوء بطنين غامض، حاول وهو يفتح عينيه على وسعهما، ثم حاول وهو يغمضهما بقوة، إلا أن الحبيبة حلقت بجناحين إلى أعالٍ مجهولة. وبدلاً من أن ينعشه ماء النهر البارد، ينعشه ويفيقه ويوقظ مكامن قوته التي خدّرها السكر، دهمته موجة رقيقة ولذيذة من النوم. قاومها برقة أيضاً، يعني أنه لم ينتفض ويقفز من النهر إلى الجرف، بل سار في الماء متمايلاً، ناقلاً قدميه فوق قاع النهر ببطء شخص حالم، وخرج من الماء الضحضاح الذي كاد يغدر به ويجرفه إلى أعماق النهر، وماراً ببدلته المرمية على ظهر القارب، حتى دون أن يراها، وملقياً نفسه بين القاربين في نفس مكانه السابق. لم تبقَ تلك الموجة محافظة على رقتها اللذيذة، فقد تحولت الآن إلى طبقات من الدخان والألوان المتغيرة بسرعة لم يسبق لملوكي أن رأى مثيلاً لها. اضطر نجرس أن يوقظ ملوكي في الضحى، لأن كلباً سائباً جاء وأخذ يلعق وجه ملوكي أزال اللعاب اللزج عن وجهه، وسأل: -من فعل ذلك؟ -ذلك الكلب. قال ملوكي بغضب: -وتركته يفعل ذلك؟ لم يرد عليه. اتجه إلى كورة القار وبدأ في تهيئتها. غطس ملوكي في ماء النهر مرة ثانية، لا ليسترد حلماً ضاع منه في الفجر، بل ليزيل لعاب كلب سائب. اعتبر ما قام به الكلب في وجهه نذير فأل سيء، ربما لن يستطيع الفكاك منه حتى آخر العمر. فكر، خلال ما كان يدخل جسمه الضئيل في بدلته الفضفاضة، بزجاجة عرق أول أمس وبالقدح أيضاً، وأصيب بالذهول لأنه لم يتذكر أين خبئهما، هو متأكد أنه تذكر أين دفنهما عندما كان يشرب ليلة أمس، مثلما هو متأكد من أنه برأ ذمة نجرس من سرقتهما. إلا أنه الآن عاجز تماماً عن تذكر المكان كما لو أن شخصاً قام بمسحهما من دماغه أو قشطهما بسكين، فآمن بالنذير السيئ الذي جاءه على ظهر لسان كلب. أوقفه نجرس قبل أن يمر به قائلاً: -لا تتأخر.. لدينا زورق جاهز لتقييره -في أية ساعة؟ -بعد الغداء -كيف أعرف متى تتناول غداءك؟ -إذن، بعد الساعة الثانية ظهراً. بذلك اعتبر ملوكي نفسه عاملاً بإجرة يومية في ورشة نجرس. كانت الماجدية أو سوق الماجدية الواقع في منتصف شارع الملعب، يزود المشترين بآخر المعلومات عما حدث لوهابي، وعما فعله آل وهابي خلال يوم أمس وصباح هذا اليوم. توقع الناس في الماجدية أن آل وهابي سيجندلون أحد المفوضين الثلاثة، هذا إذا لم يجندلوهم ثلاثتهم، لأن عشيرة وهابي، ويعنون بتلك العشيرة أولاده وأخوته وأولادهم، قوية الشكيمة ومن ذوات المال المتنفذ. حتى آباء المفوضين الثلاثة توقعوا أن مصائب كبيرة ستصطدم بأبواب بيوتهم. لكن ليلة أمس مرت بسلام، وهذا الصباح يقترب من الظهيرة من دون أن يلد منه شيء. ثم جاءت الأخبار إلى السوق في الظهيرة من مصادر موثوق بها: تخلى المسؤولون المتنفذون في الدولة عن وهابي، وحتى نائب المحافظ الذي كان يفخر وهابي أمام الأصدقاء وغير الأصدقاء بصداقته الحميمة له، حتى هذا المسؤول الكبير أربد وجهه حين سمع بالأمر، ولم يربد وجهه استنكاراً لما جرى لصديقه، بل غضباً على هذا الصديق الجاحد لكل ما قدمته له الدولة، بل وصنعت منه رجلاً بعد أن انتشلته من فوق زوارق الصيادين البائسة، إن شرارة الغضب هذه أشعلتها مصادفة لا تحدث إلا مرة في كل مائة عام، إلا أنها حدثت لتجعل من وهابي رجلاً يستحق الرمي بالرصاص في ساحة عامة. كان نائب المحافظ يستمع بذهول إلى وفد من آل وهابي المنكوبين بعميدهم. لم يكن يعرف شيئاً عن الأمر، وقد راهن أعضاء الوفد على الاعتبارات والحقوق المترتبة والمستندة على دعامات الصداقة الحميمة، فذكروا له الحقائق مثلما هي من دون تحوير أو تزوير، من أجل أن يجد المنفذ أو السبيل الذي يمكن أن يسلكه صديقه للإفلات من هذا المأزق البسيط الذي تحوّل على أيدي ثلاثة مفوضين مستجدين ومغمورين إلى كارثة كبيرة. لم يتورع نائب المحافظ عن التصريح عن دهشته واستغرابه واعتباره الأمر كله ليس أكثر من نكتة سخيفة.. ماذا تعني سيارة اسماك مهربة؟.. وإلى أين؟.. إلى بغداد.. يعني إلى داخل الوطن، هذا ليس تهريباً بالمعنى الذي يعرفه الناس.. هذا سخف.. ثم وسّع نائب المحافظ تصريحه.. ماذا تعني سيارة أسماك بالنسبة لوهابي؟.. وهابي ملك الصفاطين في العمارة والذي بمقدوره أن يسيّر أسطولاً من سيارات الأسماك، أسطولاً له بداية وليس له نهاية.. لكن ذلك الأسطول توقف فجأة حين رن جرس الهاتف وكان المتحدث في الطرف الآخر هو المحافظ الذي طلب حضوره إلى مكتبه فوراً. صافحه ثلاثة ضباط برتب عالية، وخاطبه المحافظ معرفاً بهم: -إنهم ممثلون من الفيلق جاءوا يشكون أمراً إلينا وشرح أحد الضباط بكلمات قليلة: -نحن مسؤولون عن التموين. جنابكم يعرف أن وحدتنا تقاتل في الجبهة وإدامة التموين لهذه الوحدات أحد عناصر النصر، وربما أهمها، فالجندي الجائع من العسير عليه أن يقاتل وإن يواصل هذا القتال. والفيلق، أعني وحدات التموين فيه تعاني من نقص في الأسماك منذ أكثر من إسبوع. انقلبت حال وهابي رأساً على عقب في ذهن نائب المحافظ الذي فلتت الكلمات غصباً عنه: -هذا ما فعله وهابي إذن؟ أغلق على المحافظ، وطلب من نائبه توضيحاً واقعياً شرح نائب المحافظ راوياً الأمر من البداية إلى النهاية.. وتساءل: -ألا يعتبر عمل وهابي مساعدة للعدو ضد جيشنا؟ هكذا بدأ وهابي يهرول مسرعاً نحو تهمة الخيانة العظمى، لكن أحد الضباط أوقفه في منتصف الطريق إليها حين قال: -لا.. ولكن هذا رجلاً جشع.. تاجر حرب اقتنع الضباط الثلاثة أن تهريب الأسماك لن يحدث مرة ثانية. بعد خروجهم قال المحافظ لنائبه: -وجه كتاباً إلى مديرية الشرطة.. أعني كتاب شكر لأولئك المفوضين الثلاثة المتفانين في عملهم والمدافعين عن القانون. لم يكترث لآل وهابي حين عاد إلى مكتبه. صرفهم بلهجة باردة، وطلب منهم عدم العودة إليه. لأن القانون لا يجهل السبل التي يسير فيها. كان ملوكي يستطيع أن يرمي نفسه شأن الآخرين في دوامات الحديث الدائرة بسرعة مدوخة حول مصير وهابي الذي غاص إلى أسفل السلم الاجتماعي، إلا أنه أعطى ظهره المحدودب لكل ما قيل ويقال في أبواب دكاكين السوق وفي مقاهي الماجدية. كان يغوص في عشقه، أو هو يغرق في ما يشبه نهراً من دون قاع. وجد أنه لا يستطيع الصمود طويلاً أمام عدم رؤية ساهرة. ورؤيتها لم تكن بذلك الأمر العسير الذي لا يمكن أن يحققه. لكن قلبه أو أي عضو في داخل جسده يريد أكثر من تلك الرؤية. بيد أنه سمع نداءً يتفجر في رأسه، نداء ما كان لملوكي القدرة على سماعه، أو حتى على فهمه فيما مضى من الأيام، نداءً واضحاً وصريحاً ومفهوماً يأمره بالكف عن التهور. وهكذا طأطأ رأسه وعاد باتجاه النهر ليطلق على ساحله أغنيته التي شغلت ذهن نجرس وصدعته. غير أن ملوكي انشغل بأغنيته كما لم ينشغل عاشق عاجز عن معرفة مشاعر الطرف الآخر، فملأ ساحل النهر والشوارع بها. حين أخفق المفوضون الثلاثة وأصدقاؤهم في الليالي الثلاث التالية، في ضم ملوكي الوحيد مع كأسه على طرف لسان الأرض إلى مجلسهم، حاولوا مد خيوط غير مرئية نحوه. كان علوكي أكثرهم تحرقاً إلى تحقيق هذا الأمر، فهو طوال تلك الليالي كان يتابع أغنية الصياد الصغير، لكنه عجز عن فهم أو حفظ كلماتها التي بدت له، في آخر الأمر، ضرباً من الألغاز أو الطلاسم التي يحتاج فكها وفهم معانيها إلى شخص له دراية وثيقة بلغة العفاريت والجن. صمد ملوكي لكل مناورات علوكي بهدوء ورباطة جأش أثارتا استغراب المفوضين الثلاثة وجلسائهم. الحقيقة أن ملوكي لم يحس أو ينتبه لتلك المناورات، فهو غاطس في انذهاله العاشق. مع ذلك، كانت طاقته تزداد حيوية وإتقاد وهو جالس في طرف لسان الأرض وربع القنينة أمامه. كان يعب خمرته سريعاً ويسكر سريعاً، وينهض ليمر بمجلس المفوضين العتيد من دون أن يحييهم، تماماً مثلما فعل في أول المساء حينما مر بهم ورأسه لم تثقله بعد أبخرة العرق. ثم طرأ أول تغيير في عشقه، فساهرة بدأت تأتي إليه حين يتمدد في الورشة بين القاربين المقلوبين.. تأتيه وتجلس قربه، على الرغم من عدم وجود شبر واحد من الأرض بين القاربين بعد أن يتمدد ملوكي بينهما.. تهدهده وتداعب شعره حتى ينام. اعتقد وآمن أن ما يجري ليس إلا حقيقة ولا علاقة له بأي وهم، لأنه حين يتمدد بين القاربين في بعض الليالي ومزاجه متعكر أو أبخرة العرق قد أطبقت على دماغه، فإن ساهرة لا تأتي. كانت تلك هي أقسى وأمض الليالي، وكان يمضي صباح اليوم التالي في مشاجرات ومناكدات لا تنتهي مع نجرس الذي يضطر في معظم الأحيان إلى ضربه، أو مطاردته إلى مسافة بعيدة عن الورشة. ترتب على مجيء الحبيبة إلى الورشة ليلاً لهدهدته قبل أن ينام واجب العرفان بالجميل، أو مثلما يقولون في لغة المحبين: وفاء العاشقين. وهكذا دأب على النهوض من النوم في الفجر، يغطس في النهر عشرات المرات لكي يزيل دوار ليلة أمس من رأسه، ثم يرتدي بدلته التي أخذ لونها يبهت في بعض الأماكن، ويهرع ليقف في مقابل باب بيت الصياد الأعرج. لم يكن ملوكي يشغل مخه المنهوك من الكؤوس السريعة لليلة أمس في حساب كم من الوقت يمضي لتطل ساهرة على العتبة. هو، فقط، ينظر إلى ابتسامتها، ويسمع تحية الصباح التي توجهها إليه، بصوت يخاله قادم من وراء الأقمار والكواكب. ثم ترسله إلى السوق ليجلب لبيت الصياد الأعرج طعام الفطور، جبناً أو كباباً أو قيمراً. لا يهمه ماذا يحبون أن يأكلوا أو ماذا يكرهون، إنما يمضي بخطواته التي ما تزال غير متوازنة بسبب كؤوس الأمس، ويعود لاهثاً ليجد ساهرة شاخصة في الباب والابتسامة معلقة في مكانها، ويكر قافلاً إلى الورشة حاملاً تلك الابتسامة وتلك التحية ليس في قلبه، بل في كل جزء من جسمه، كزوادة كفيلة بتأمين غذائه الروحي حتى منتصف النهار، حيث يعود ثانية ليتلقى بروح عطشى ومتلهفة للوداد ابتسامة وتحية منتصف النهار، وكان يشعر عندئذ أن روحه الملهوفة قد أتخمت بهذا الغذاء غير الملموس وغير المرئي، وفي هذا الوقت بالذات تنطلق أغنيته الغامضة الكلمات بصوته الخشن الأبح الذي يشبه طقطقة سقف خشبي قبل الإنهيار. فيما بعد، في الأيام والأسابيع التالية، حيث تكررت ابتسامات وتحيات الفجر والظهر، بدا أن روح ملوكي المصابة بالطمع، قد تسلل إليها الملل من هذا الغذاء المتكرر كل يوم وبنفس الوتيرة. إضافة إلى أن شيئاً ما استيقظ في داخل ملوكي، لكنه أخفق في معرفته بالضبط، وأخذ ينازع روح ملوكي في مطالبها، عندئذ اندفع ملوكي جالداً حياته أمامه، ومجبراً إياها على اجتياز ممرات ومسالك لم يعرف مطلقاً أين تنتهي وأي المخاطر تحف بها. فهو لا يذكر لا الشخص ولا المكان ولا حتى الزمان الذي استمع فيه إليه، إلى ذلك الحديث الذي حبس الأنفاس وخلب الألباب، حول عظم الهدهد وما يحدثه من فوضى واضطراب في قلوب النساء، وكيف يجعل سحر ذلك العظم أصلب النساء قلباً وأشدهن جفاءً تقع في أحضان من يهواها بغمضة عين. ظل ملوكي ثلاثة أيام يبحث عمن يريه صورة للهدهد، فهذا الطائر نادر الوجود في مدينة العمارة، وكان كل يوم يمر أكثر من مرة بالهدهد المنتصب بعرفه على محمل أفرشة بيت عمه، والذي رسمه نجار منذ زمن طويل على ذلك المحمل الذي كان من ضمن أثاث زوجة عمه. حفر أوصاف صاحب العظام السحرية في دماغه، واستغرق وقتاً ليعد مصيدة صنعها بيديه من أغصان شجرة دفلى وسيور مطاطية وقطعة جلد لقذف الحصى. غاب عن الورشة من الصباح حتى العصر، وحين ظهر أمام نجرس كان منهوك القوى وشاحب اللون، فظن نجرس أن قطيعاً من الكلاب كان يطارده. كان ملوكي يتضور جوعاً فهو لم يأكل منذ الصباح، كما أنه لم يرَ الحبيبة ولم يسمع صوتها جلس على زورق مقلوب وطلب سيجارة من نجرس. -أين كنت طوال هذا اليوم؟ لم يجب.. بعد نفسين أو ثلاثة سأل نجرس: -هل صحيح يا نجرس أن عظم الهدهد يجلب محبة النساء؟ نظر نجرس إليه باستغراب.. أجاب؟ -هكذا يقولون. -إذن، أنت لم تجرب ذلك؟ -ما حاجتي لعظم الهدهد؟ ثم.. أنت أيها الجرو الأسود، أين ستجد هذا العظم؟ قال ملوكي بعد أن امتص نفساً عميقاً من سيجارته: -في جيبي. سأله نجرس بدهشة: -ما هو الذي في جيبك؟ -الهدهد. أخرج هدهداً ممزق البطن من جيبه. كان رأسه المتوج بعرفه يميل إلى كل جانب يديره إليه ملوكي تعرّف عليه نجرس وهو مايزال في يد ملوكي. قال نجرس بوجل: -إخفه يا سليل الكلاب السائبة.. لا تدع أحداً يراه.. سيقتلوننا ليستولوا عليه.. أين عثرت عليه أيها الأحدب الأسود؟ -في البساتين.. هناك الكثير منه.. ينبغي أن تساعدني يا نجرس وتحدد لي العظم السحري من بين عظامه؟ احتج نجرس -هل قالوا لك أنني كنت أمارس السحر؟ انفجر ملوكي غاضباً: -أيها الصبيّ النجس.. ألا يمكنك أن تساعدني ولو مرة واحدة؟ حدق المندائي فيه بدهشة.. سأله: -هل وقعت في حب فتاة يا ملوكي؟ وناح ملوكي: -نعم.. ولا تسلني مَنْ هي.. ساعدني في إيجاد ذلك العظم يانجرس . فكر نجرس قليلاً ثم قال: -ليس كل يوم تحصل فيه على هدهد، سأذهب الليلة إلى الشيوخ المندائيين فربما لديهم معرفة بذلك العظم. -سأرافقك. -سأذهب وحدي، إنهم لن يتحدثوا بحضورك. قر رأي الشيوخ المندائيين على أن أحداً من القدامى لم يحدد عظماً معيناً من عظام الهدهد، وإن كل عظم من هذا الطائر له نفس القدرة السحرية لبقية العظام، وإن الرأي الحكيم هو أن تجمع كل عظام الهدهد،وبذلك يُحفظ السحر من دون نقصان. أزال نجرس اللحم الذي تيبس فأصبح قاسياً، عن العظام بشفرة حلاقة غير مستعملة. ثم لف العظام بعناية بقطعة قماش بيضاء نظيفة، وخاطها وأعطاها لملوكي قائلاً: -لا تجعل أحداً يعرف بأمرها.. إنها كنز ومراد جميع الرجال.. لن يتورعوا عن قتلك لكي يحصلوا عليها.. هل فهمت كلامي؟ أخرجت له عظام الهدهد في صباح اليوم التالي المفوض عدنان بدلاً من شقيقته ساهرة. خرج له بملابسه الرسمية، إذ كان قد دخل للتو إلى البيت بعد أن أنهى واجبات المفوض الخافر لليلة أمس. دخل في اللحظة التي استدار ملوكي ليدخل الزقاق. طرق ملوكي الباب خلافاً لعادته وخلافاً لما يجري صباح كل يوم، فقد أمدته عظام الهدهد النائمة في جيبه بشجاعة لم يتذكر إنه كان يمتلكها فيما مضى. كان المفوض عدنان ما يزال في المجاز حين سمع الباب يُطرق.. عاد ليفتحه فوجد أمامه ملوكي الذي قال من دون أن يحييه: -أين ساهرة؟ حاول المفوض أن يعرف ماذا يريد من أخته في الصباح الباكر هذا، لكن ملوكي أعاد السؤال بلهجة جافة. وضعت ساهرة بظهورها إلى جانب أخيها حداً لكل ما يمكن أن يحدث لاحقاً بين الاثنين رنا إليها بنظرة حالمة، وابتسمت له ابتسامة ناعسة، ثم ناولته صحناً ونقوداً، وحددت له نوع الفطور الذي ينبغي عليه أن يجلبه بسرعة لئلا يبرد: كباباً وطماطة مشوية. مضى ملوكي بخطوات مسرعة باتجاه السوق. نظر المفوض عدنان إلى أخته بعجب، وسألها: -إذن، جعلتي من الأحدب الأسود خادماً لك.؟ قهقهت ساهرة وهي تسير وراء أخيها نحو داخل البيت. غير أن المفوض عدنان، رجل القانون الذي يتمتع بحساسية مفرطة تجاه ما يجري حوله، لم تفته الابتسامات الحالمة والناعسة التي تبادلها وأخته، فكتمها في نفسه، لأن فكره مشغول مثلما هما مشغولان فكرا المفوضين وليد وجعفر. استرجع ما جرى في سوق الماجدية عصر أمس، وكيف عامل القصاب أحمد نوري المفوضين وليد وجعفر بذلك الأزدراء والرعونة، بذلك التبجح وعدم الكياسة، ليثير إعجاب امرأة جميلة كانت واقفة في باب دكانه.. حين استرجع كل ذلك اعتراه نفس الإحساس الذي اعتراه عندما أمسك وهابي بأعلى قميص وليد في باب المركز وضربه عدة مرات بالحائط. مضغ المفوض عدنان شفته السفلى وهو يتمدد في السرير. لم تتحقق توقعات الناس في السوق حتى بعد ثلاثة أيام من ذلك الحادث، ولم تتحقق في الأيام الخمسة التي تلت تلك الثلاثة.. توقعوا أن المفوضين الاثنين اللذين هزأهما أحمد نوري لاعتراضهم على ربع كيلو غرام اللحم الذي باعهما إياه عامله، سيسعيان للانتقام سريعاً. ثم اقتنع الناس في السوق أن هذين المفوضين مضغا الإهانة وابتلعاها بسرعة، ثم اختفت الحادثة من أذهان رجال السوق أنفسهم، إذ أن الكثير من الحماقات يمكن رميها خلف الظهور، إلا وهابي وآل وهابي الذين كانوا يرون بعيون سليمة البصر المصير المظلم المقدر لذلك القصاب التعس، القصاب الذي كان لسنتين خلتا رجلاً لا يملك الكثير الذي يجعله يضع ساقاً فوق الأخرى حين يبدأ الكلام. انفتحت أبواب الرزق على مصراعيها أمامه، فوسع دكانه وبطنّه بالبلاط الأبيض، ورأى الناس المجمدات الكهربائية ومكائن فرم اللحم. بعد ستة أشهر أصبح يمتلك معظم دكاكين القصابين في سوق الماجدية. ثم أصبح مورد لحوم للمستشفيات. وحين اندلعت الحرب أصبح أحد الموردين للفيلق، وبات رجلاً ذا نفوذ وذا مال، وبدأت السيارات الخاصة من جميع الأصناف والألوان تقف في باب محله لم ينس أنه كان إلى وقت وجيز قصاباً يتحلق المشترين ليقفوا أمام دكانه، لذلك لم يترك ملابس العمل ليزهو ببدلات أنيقة، إنما ظل يرتدي ملابسه القديمة الملطخة. ببقع الدم، ويذهب بنفسه مع أبقاره وعجوله وخرافه وماعزه إلى المجزرة، مشرفاً على ذبحها وحريصاً على وجود الختم البنفسجي للطبيب البيطري مطبوعاً على ذبائحه مؤكداً سلامتها من الأمراض، وهذا يعني أن ذبائحه قد مرت من تحت بصر ودراية السلطات الصحية البيطرية. لكن المفوضين الثلاثة قادوه إلى التوقيف، إلى نفس المكان الذي شغله وهابي قبل شهور. وإذا كان وهابي قد هاج وعربد وهدد بأعلى صوته، فإن أحمد نوري ظل مطأطأ الرأس والدموع تسيل من عينيه، لأن المفوضين الثلاثة داهموه ومعهم الطبيب البيطري ومساعدوه وهو يذبح الخراف والأبقار والعجول خلف سياج الملعب. كان هو وعماله قد أوجدوا مجزرة خاصة بهم بعيدة عن الرقابة الصحية للقانون. إضافة إلى أنهم وجدوا معهم ختماً وحبراً بنفسجياً مشابهين لختم وحبر الحكومة. كان كل هذا يمكن طويه وغفرانه باعتبار أن الرجل قد أغرته نفسه باللعب قليلاً وراء ظهر القانون، وكان مثل هذا الغفران شائع بين قاطني الماجدية، لكن السلطات الصحية أثبتت أن معظم الذبائح كانت حيوانات مريضة، وأبدت تلك السلطات شكوكاً قوية حول البعض منها وبإنها كانت ميتة قبل الذبح بوقت قصير، وهكذا ضجت الماجدية وهي ترى تلك السلطات تحرق الذبائح، جميع الذبائح التي ضبطتها وراء الملعب، في وسط السوق. وثارت ثائرة الناس: -إذن، كان يبيعنا الفطائس لنأكلها. ارتفع قدر المفوضين الثلاثة في عيون قاطني الماجدية واعتبروهم المنقذين الغيورين على صحة العباد. ثم مر شهر وضع فيه المفوضون الثلاثة قفازاتهم الحريرية في قبضات أيديهم، وكانت لكماتهم من نوع الضربات القاضية. كان مأمور المركز يزداد دهشة كل يوم لهذا الخليط العجيب من باعة الفواكه والأسماك والخضروات والصيادين الذين أخذوا يدخلون التوقيف في الصباح، ويُطلق سراحهم بكفالات مضمونة في المساء أو في اليوم التالي. خلال ذلك الشهر، رصّن المفوضون الثلاثة مراكزهم الاجتماعية والقانونية، وبدا الجميع يقف لهم عندما يمرون راجلين أو في سيارة الشرطة. وعلى الرغم من الضربات القاضية لقفازاتهم الحريرية، ظلت الابتسامات في وجوههم، والكلمات الناعمة السلسة فوق السنتهم. ومثلما أدار ملوكي حدبته أو ظهره المحدودب لوهابي وما دار حوله من لغط شغل قاطني الماجدية فترة من الوقت، أدار ظهره أيضاً للقصاب المنكود الحظ، لم تكن تهمة تلك السمعة الحسنة التي هي ضرب من الفضيلة والتي أضيفت إلى سمعة المفوضين الثلاثة كرجال قانون عملوا ويعملون من أجل الصالح العام. بل لم يكن ليهتم أو يفكر حتى في التعبير عن امتنانه لهؤلاء المفوضين الثلاثة، مثلما قام به الآخرون من إزجاء كلمات الشكر أو مصافحتهم بحرارة، لا لأن ملوكي لم يشتر لحماً من أي قصاب طوال حياته، ولا لأنه لا يؤمن بالصالح العام، بل لأنه غارق هو وعظام هدهده حتى منتصف أنفه في وجده، في عشقه الذي يجهل لحد الآن، كيف يجعله يسير متوازناً مع خلجات قلبه في طريق واحد سوي وخالٍ من كل ما يمكن أن يرهق روحه. لكنه، هو ملوكي نفسه، لم يكن ليعرف أنه خلال بحثه عن سعادة العشق بمساعدة عظام الهدهد، قد وقع في طريق المفوضين الثلاثة الذين أكملوا منذ زمن قصير بناء قلعتهم القانونية المتألقة البهية والقاسية دونما رحمة. وملوكي ليس بذلك الفتى الأبله، الفتى الذي يمكن سحب قدميه إلى أفخاخ في الطريق بيسر وسهولة، غير أن ولهه، غير أن عشقه أسقط ستاراً سميكاً من الغفلة على توقد ذهنه. تلك حقيقة لم يرد أن يعترف بها، أو هو لم يلتفت إليها أبداً، لأنها كانت تجري في أشد الظلال كثافة لعشقه. حل المساء، يعني حل أوان الشراب الذي يجعله يحلق بين السحاب وحيداً مع طيف الحبيبة حيث لا أشجار يحط عليها، وحين ينفث الشراب أبخرته الثقيلة المدوخة، يعود وحيداً من دون طيف، ليتمدد بين قاربين في ورشة نجرس مهدود القوى ومبهور الأنفاس، منتظراً الطيف مرة ثانية ليهدهده حتى ينام. مر حاملاً مؤونة حفلته مثلما مر في أمسيات الليالي الماضيات بمجلس المفوضين الثلاثة وجلسائهم. توقف كما لو أن أحدهم أمسك به بقوة ليس بوسعه مقاومتها، أو أن قوة غامضة غير مرئية سمرته في مكانه. كان مكان المفوضين الثلاثة فارغاً خالياً منهم ومن جلسائهم توقع أن أمراً قد وقع، خاصة أن قضية القصاب قد بلغت أوج تطوراتها. غير أن اهتمام ملوكي كان يحوم حول مكان آخر، مكان ما كان ليهم أحد غيره، وما كان لأحد أن يعرف به أو يحيط بأسراره. واصل تقدمه باتجاه طرف لسان الأرض. مع ذلك، شعر أن شيئاً ما مفقوداً من حفلته، من عالمه الليلي الذي تعوّد على تكراره منذ التفت أنشوطة العشق حول قلبه. بدا لـه، وهو يجلس متكئاً إلى جذع النخلة، أن لسان الأرض موحشاً مهجوراً من دون أولئك المفوضين الثلاثة وأصدقائهم فجأة، شعر أنه بحاجة إلى قهقهاتهم التي كانت تنفجر بين فترة وأخرى، إلى أصواتهم التي ترتفع في بعض الأحيان، على الرغم من أنه لم يهتم لها أو يستمع إليها أبداً. لكنه افتقدها هذا المساء. تمنى لو أنه يأتون حالاً. ثم بعد لحظات قليلة نسى ذلك كله، كما نسى أيضاً كل ما حوله، فقد ابتلغ ما في كأسه الأولى كعادته، حتى القاع. حالما وضع الكأس في مكانها رآها، في الوهلة الأولى ظن أن تأثير الكأس الذي تصاعد سريعاً جعله يتخيل ذلك، لكنه حركها بسباته فتحركت إلى الأمام قليلاً، كانت صورة شاب وشابة، عاشق وعاشقة يحتضنان بعضهما. رفعها من الأرض بسبابته وإبهامه، واكتشف أنها ليست صورة فقط، بل هي رسالة. في الضوء الخافت فوق لسان الأرض تفحصها مقرباً إياها من عينيه، قلبها على ظهرها، فرأى مظروف الرسالة واضحاً. فكر: صورة حبيبين ملصقة على مظروف رسالة.. أهي لي؟.. قلبها فطالعه الحبيبان اللذان أقتطعا من مجلة. ثم قلبها على وجهها الآخر، وفكر ثانية وهو يسمع دقات قلبه في صدغيه، ليس على مظروفها كتابة، وهي مغلقة وثقيلة، إذا لم تكن لي، إذن، هي لمن؟.. وعلى الرغم من عدم تأكده فإنه دس الرسالة في جيب بدلته الجانبي، دسها عميقاً حتى لامست عظام الهدهد، أحس بالبلبلة تجتاح رأسه، فهو ليس من أولئك الذين يميلون إلى التفكير الطويل، بل هو يبحث دائماً عمن يفكر مثل هذا التفكير بدلاً عنه. تمنى في تلك اللحظة بكل جوارحه أن يعثر على مثل هذا الشخص. انتشله من تمنيه الذي آمن أنه لن يتحقق أبداً، مجيء المفوضين الثلاثة وأصدقائهم جاءوا تتقدمهم ضحكاتهم وكلماتهم الساخرة الفكهة، واتخذوا مجلسهم في مكانهم المعتاد، كما لو أنهم لم يروا ملوكي الجالس في طرف اللسان. وخلافاً لما اعتاد عليه فتح أذنيه لأحاديثهم، لكنه لم يسمع شيئاً مهماً، فهم لا يتحدثون بصوتٍ عالٍ إلا في فترات متباعدة، ترتفع أصواتهم فجأة، ثم تنخفض بعد ذلك بسرعة، لتصبح همساً مرة ثانية. شعر ملوكي أن شيئاً غريباً طرأ عليه، فهو لم يعد يطيق العوم في وحدته منفرداً، إنه يتمنى أن يتحدث، أن يثرثر مع شخص ما، حتى لو كان قادماً من كوكب آخر. تمنى لو جاء أحد منهم إليه، علوكي مثلاً، فربما سيمهد أمامه الطريق لكي يخرج من معمعة الرسالة المستقرة في جيب بدلته الجانبي. تمنى لو أنه كان يعرف القراءة والكتابة، وكم أسف لأنه لم يذهب إلى المدرسة مثلما ذهب إليها الآخرون من أقرانه. اكتشف ملوكي أن أمسيته هذه قد امتلأت بالتمنيات، وعجب من ذلك، فهو لم يكن معتاداً أن يتمنى شيئاً خلال حياته الماضية. قبل أن يبتلع كأسه الثانية رأى علوكي يقف فوق رأسه. لم يرجع الكأس إلى مكانها، بل ظل ممسكاً بها قرب شفتيه، وناظراً إليه بعينين لا تطرفان. -أين كنت يا ملوكي طوال العصر؟ لم يجبه، كان ينظر إليه بأعصاب هادئة جداً، فقلبه استعاد بسالته التي فقدها منذ اثنتي عشرة سنة. أضاف علوكي وهو يجلس على كعبيه قريباً منه.. أضاف هامساً: -فتاة كانت تبحث عنك. شعر أن العرق أخذ يغلي في كأسه، ومع ذلك كرع نصفه معيداً الكأس إلى مكانها بيد اعتراها الارتعاش. سأل وحرارة العرق ما تزال في فمه: -ماذا أرادت؟ أجاب علوكي وهو يبحث بعينيه في الأرض أمام ملوكي: -لا أدري. ثم أضاف غامزاً ملوكي بإحدى عينيه: -مَنْ يعرف ماذا يدور بينكما؟.. بحثت عنك ولم تجدك حتى إنها جاءت إلى هذا المكان. كادت تفلت صرخة من ملوكي، ومن دون إرادة منه امتدت يده وتحسست الرسالة في جيب بدلته الجانبي، وطفت ابتسامة سريعة في وجه علوكي، واختفت من دون أن يلاحظها ملوكي، ثم تناول كأسه من الأرض وكرعها دفعة واحدة. احتقن وجهه ذو السمرة الداكنة بحمرة خفيفة لم تفت على علوكي.. قال وهو يمضغ قبضة من الباقلاء المسلوقة: -هل أذهب إليها الآن؟ -إذا كنت مجنوناً فاذهب إليها.. ماذا تعتقد أنها ستفعل وهي تشم رائحة العرق تفوح منك؟ نهض تاركاً إياه مع يده التي لم تتوقف عن تحسس الرسالة في جيبه. تقاربت الرؤوس حول علوكي الذي عاد ليجلس في مكانه.. همس مبتسماً: -الرسالة في جيبه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |