|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-7- ازدهر مجلس الفاتحة ثانية في اليوم الرابع، وازداد ازدهاراً في اليوم الخامس، إذ عاد المعزون لقراءة سورة الفاتحة على روح ملوكي، ثم عادوا مرة ثالثة، ودفع أكثرهم المال، وسُجلت أسماؤهم في الدفاتر الجديدة التي يحملها المفوضون الثلاثة. كان أكثر القادمين للسرادق من فقراء الماجدية والجنود. وظهرت الخراف والعجول أيضاً منذ ضحى اليوم الرابع. اختفى مقرئ القرآن وحل بدله مسجل صوت ضخم، جعل الناس في الجوار، وخاصة قاطني صف البيوت المطل على السرادق، يصرخون لكي يتفاهموا. حل جاسم بدلاً من أبيه جحيل في الأريكة الأولى في باب السرادق لتقبل تعازي الناس. شعر جاسم بالارتباك أول الأمر، وكاد يفر عندما تقدمت نحوه مجموعة من المعزين. قال جاسم فيما بعد، في جلسة ليلة نفس النهار في مؤخرة السرادق، قال للمفوضين الثلاثة ولأخوته الثمانية ولعلوكي ولعلي بن وحيد ولعلي بن حسين ولعلي بن موسى ولجندي لا يعرفه شاركهم جلستهم وحزنهم وشرب قليلاً من جميع كؤوسهم، قال، لا ليس الارتباك ما شعر به، بل بسقوط الخوف والكرب في قلبه، ليس لابن عمه الفقيد، إنما لنفسه هو جاسم لجهله بأية كلمات يرد على كلمات المعزين التي انطلقت من الأفواه سريعة مثل طلقات مدفع رشاش، وما كان بمقدوره هو الجاهل بكيفية رص مثل هذه الكلمات وبهذه السرعة والإتقان، أن يلحق بها ويجمعها، يعني أن يحيط بها كلها من دون أن تفلت منه واحدة أو أكثر. وجد نفسه في البداية، كما أكد، يحضن المعزين بقوة، ويهمهم بكلمات غير واضحة وغير مفهومة، وهو لم يعرف لحد الآن، أي في هذه اللحظة التي يتحدث فيها لجلسائه في مؤخرة السرادق، لماذا كان وجهه ينضح عرقاً غزيراً. اعتقد المعزون أن دموع جاسم على ابن عمه أخذت تتدفق ليس من عينيه فقط، بل من كل مسامات وجهه، فطلبوا منه والدموع تجول في عيونهم أن يكف عن هذا البكاء الغريب لئلا يقتله. ثم أكد لجلسائه مرة ثانية، إنه هو جاسم أمضى ثلاثة أرباع عمره مستمعاً إلى لغات أجزاء ماكنات السيارات، وكان يفهم ما تقولـه تلك الأجزاء بلغاتها المتعددة، كان يعرفها حين تصوّت بلغة العافية، كما كان يعرفها حين تستغيث أو هي تتحشرج في نزعها الأخير، لكنه أخفق في الإحاطة بلغة البشر المعزين، فقد استمع إلى كلمات متشابهة جافة وخالية من الأنين، تدفقت من جميع الأفواه، وهو الذي كان يعتقد أن كلمات الحزن مخيفة، لأنها مؤلمة وقادرة على ثقب الصدور والقلوب. وهكذا وجد، هو الجاهل بهذه اللغة، في اللحظات الأخيرة التي كان يوشك فيها على الفرار، أن الآهات والأصوات المبهمة أكثر بلاغة من كل تلك الكلمات المرصوصة بإتقان، فتقبل التعازي بهمهمات حيوان. ومثلما ازدهر مجلس فاتحة الرجال، ازدهر عزاء النساء أيضاً. استقبلت النسوة تمديد العزاء إلى سبعة أيام بحماسة تضارع حماسة استقبال خبر مفرح أو عيد مرتقب. ارتفعت أصوات ندبهن وازدادت ضربات صدورهن وزنودهن قوة وعدداً. ثم توجهت إلى هذا العزاء نسوة قدمن من أماكن بعيدة من المدينة، بل وصلت أفواج كثيرة من المدن القريبة والبعيدة، لتتكاثف سحب الحزن حول روح ملوكي. كان نجرس كثيراً ما يتوقف عن عمله في الورشة ليصيخ السمع للأصوات النادبة، المبحوحة، والمثقلة بآلام مئات السنين التي تعرضت لها وتحملتها وأورثتها أجيال لبعضها من نسوة هذه الأرض. ثم يعود نجرس إلى عمله بعد أن يردد نفس جملته عندما توقف في المرة السابقة: -كل واحدة تندب موتاها. مع ذلك، كان نجرس يحس بارتياح غريب يغوص من بلعومه ببطء عجيب حتى يصل كعبي قدميه، عندما ترتفع أصواتهن وتمتزج في إيقاع خالٍ من العويل المباشر والخشن، وهن يدرن في حلقات متداخلة مع بعضها، إيقاع لا يبطئ ولا يتسارع يضبطنه بدق أقدامهن بالأرض، وكان الحزن يمطر من كلماتهن الموقعة من نشيدهن الباكي الذي يودّعن فيه أمواتهن ونادبات حظهن المدحور. كان نجرس حين يصل الندب الموقع ذروته، يرمي أدواته وينخرط في بكاء طويل على ملوكي. بدا للناس في الجوار، وكذلك للقاطنين بعيداً على امتداد وعمق شوارع الماجدية، بعد أن تم تمديد مجلس الفاتحة إلى سبعة أيام، أو ربما أكثر، فهم غير متأكدين من قرارات المفوضين الثلاثة في هذا الشأن، بدا لهم أن روح ملوكي سلكت طريقاً غريباً في تصرفها، فهي أشبعت الفقراء والجنود والغرباء الذين طرقوا المدينة أول مرة حيث لفظتهم الحافلات في محطة السيارات الرئيسة، وساقت-روح ملوكي- الأغنياء والموسرين إلى السرادق، ليسجلوا أسماءهم في دفاتر المفوضين الثلاثة. ثم اكتشفوا، منذ اليوم الخامس لمجلس الفاتحة، أن روح ملوكي تميل إلى الأذى والتخريب. من بين أول من اكتشف ذلك، كان باعة الخضروات والفواكه والقصابون وباعة السمك والخبز وغيرهم من الكسبة الذين يعج بهم سوق الماجدية. إذ ما عادوا يبيعون ما يعرضونه في سلالهم وفي واجهات دكاكينهم وفي عرباتهم، مثلما كانوا يبيعون قبل أن تُقبض روح ملوكي. فالنسوة تركن بيوتهن وذهبن ليندبن ويلطمن ويهيجن أحزاناً قديمة نساها الجميع ما عداهن. وهكذا ظلت معظم بيوت الماجدية بدون طباخات، فاضطر الأطفال والصبيان، ومن دون اعتراض الآباء، بل ربما بتشجيع منهم، أن يملأوا الفراغات التي تركتها أمهاتهم، فهرعوا بقدورهم القصديرية إلى حيث القزانين، جالبين ليس الرز والمرق المملوء لحماً فقط، بل الخبز والفجل والرشاد والكرفس والحلبة، وفي بعض الأحيان يجلبون كميات كبيرة من حلوى الشعرية وحلوى الدقيق والمحلبي واللبن. حتى أصحاب المقاهي، على الرغم من قلة عددها في الماجدية، شكوا من الهجوم الكاسح لروح ملوكي على مقاهيهم، فكبار السن من الرجال وجدوا في مجلس الفاتحة مكاناً لا يضاهيه أي مكان في طول المدينة وعرضها وليس في الماجدية فقط، لشرب الشاي والقهوة وتدخين السجائر وتناول وجبات الأكل المستمرة من الضحى وحتى الساعتين الأخيرتين قبل منتصف الليل. إضافة إلى لقاء الرجال المسنين القادمين من محلات المدينة الأخرى، أولئك الرجال الذين يحفظون أحداث وتواريخ الأزمنة الماضية، البارعين في روايتها واستخلاص المغازي والعبر منها. ولو كان المفوضون الثلاثة يسمحون بلعب الدومينو والطاولي في السرادق، لترك الشبان المقاهي أيضاً وركضوا بأقصى ما يمتلكون من طاقة، ليشغلوا أماكن تحت أقواس السرادق قبل أن يقوم غيرهم باحتلالها. وهكذا بدأت اللعنات تنطلق من السوق، ومن المقاهي لتطارد روح ملوكي. كان اللاعنون حريصين على إطلاق تلك اللعنات بصوت منخفض كما لو أنها ضرب من الخروج على القانون الذي لا يتساهل المفوضون الثلاثة معه. على الرغم من تلك اللعنات المهموسة، ظلت العربات المدفوعة باليد، والعربات العالية التي يجرها حصان منفرد، تقدم إلى مجلس الفاتحة محملة بشوالات مليئة بالباذنجان والبطاطا والقرع الأبيض والباميا، وبسلال عديدة من الطماطة والخضار الطازجة، وعربات خاصة للرقي والبطيخ. كان أصحاب علاوي الخضروات وبائعوا الجملة يرسلون هذه العربات في ساعة الضحى، من أجل أن يساهموا في جلب الرحمة لروح ملوكي. ثم أن تجار المواشي والقصابين واصلوا مساهمتهم في إرسال الخراف والماعز والعجول وقطع اللحم الكبيرة. كما جدد المفوضون الثلاثة طلباتهم إلى المسؤولين في المحافظة للحصول على تعيين الشهيد من الشاي والقهوة والسكر والسجائر والرز والدقيق وزيت الطعام، ولم يوافق المسؤولون على حصة شهيد واحد، بل منحوهم حصص ثلاثة شهداء، لا بسبب سمعتهم الطيبة في ملاحقة المتلاعبين والنصابين، إنما لذلك السرادق الذي قام بإطعام عوائل الفقراء والجمهرة الغفيرة من الجنود. وهكذا امتلأت بيوت الصف الأول المطل على السرادق بشوالات الخضراوات، وبالطباخات النفطية الكبيرة التي نيران رؤوسها تدوي تحت قدور المرق الكبيرة من الضحى وحتى الساعة الأخيرة قبل منتصف الليل، وخلال كل هذا الوقت الطويل، تخرج معاجن الخبز الملأى حتى حافاتها بأنواع المرق وقطع اللحم التي مازالت ممسكة بالعظام. كان القزانان الكبيران كثيراً ما يجددان محتوياتهما من الرز واللحم، وكان الطباخون يضطرون في تلك الساعة الأخيرة، بعد أن ترفض بيوت الجوار صواني الطعام المرسلة إليها لأنه لم يبقَ لديها سوى خزانات الملابس لتضع فيه هذا الطعام، يضطر أولئك الطباخون إلى رمي الطعام الفائض وراء مخزن الأسماك الكبير من جهة البستان. إضافة إلى أن صواني الرقي والبطيخ التي تقدم للمعزين بين فترات الطعام، وبشكل مستمر من دون انقطاع، تركت وراءها في بيوت الصف الثاني تلالاً من القشور سرعان ما قام بنقلها الأطفال والصبيان إلى حيث تلال الرز والمرق والعظام. بعد وقت قصير، قصير جداً فاق توقع الطباخين أمام القزانين والمفوضين الثلاثة والمعزين الأصدقاء الذين كانوا يؤدون واجبات الخدمة في السرادق، رأى كل هؤلاء ومعهم أيضاً المعزون الغرباء الجالسون في السرادق، قطعان الكلاب السائبة المهرولة بهدوء والمتدلية ألسنتها، تدير رؤوسها نحوهم، نحو السرادق من دون أن تطرف عيونها، ومن دون أن تطلق نباحها، ومن دون أن تتعرض للطباخين وهي تمر من منتصفهم، ثم تدير رؤوسها لتتبع أنوفها نحو تلال الطعام وراء مخزن الأسماك. بدا الكثير من المعزين، وخاصة المفوضين الثلاثة، أن قطعان الكلاب السائبة تلك التي تجمعت من كل أنحاء المدينة، قد قامت بأفضل المواكب الجنائزية الحزينة المنظمة بدقة. وراء قطعان الكلاب مرت مجموعات عديدة من الحمير والخيول التي تجر عربات الحمل، مجموعات حكم عليها أصحاب السرادق بالغباء والبلادة، لأنها كانت تسير منفردة ومن دون نظام، غير أن ذلك الحكم الذي أطلقته نفوس غاضبة، لم تمنع تلك الحيوانات المتعبة المنهكة والجائعة من الوصول إلى ركام قشور الرقي والبطيخ. فيما بعد، عندما تكرر مجيء قطعان الكلاب السائبة خلال الليالي التالية، من دون أن تغير من طريقة سلوكها وهي تمر بالسرادق وتجتاز الطباخين ثم تختفي في الظلمة وراء مخزن الأسماك الكبير، قال أحد أبناء جحيل في الفسحة التي صنعتها الأرائك المستعرضة على مؤخرة السرادق: -كانت تنظر إلى السرادق بعيون لا تطرف.. كانت تنظر إلينا وألسنتها متدلية.. ماذا يعني كل هذا؟ أجابه شقيقه الكبير جاسم: -لم تكن تنظر إلينا.. صحيح هي تنظر باتجاهنا، غير أنها لم تكن تنظر إلينا. وضع الشقيق الصغير كأسه على الأرض أمامه وتساءل: -إذن، تنظر إلى مَنْ؟ -كانت تنظر إلى روح ملوكي. بذل المفوضون الثلاثة جهداً هائلاً للمحافظة على أعصابهم في ساعة ما بعد ضحى اليوم الخامس للمأتم عندما أعاد الجنود نفس المشهد السابق الذي قام به زملاؤهم المهرولون نحو سيارة بغداد والحقائب تتحرك بسرعة على ظهورهم. كادوا يجرفونهم معهم، وكادوا يسقطونهم أرضاً خلال اندفاعهم الهائج غير المتزن وغير الحذر من التصادم بالآخرين القادمين من الاتجاه المعاكس، الاتجاه الذي يأتي منه صوت المنادي عالياً وزناناً: -بغداد.. بغداد.. راقب المفوضون الثلاثة حافلة الركاب الواقفة في الطرف الثاني للأرض الخلاء الممتدة بين السرادق وجسر الكحلاء. خلال ما كانوا يراقبون الجنود الذين تجمهروا في الباب الأمامي للحافلة متدافعين، صارخين ولاعنين وشاتمين بعضهم بعضاً، أتت حافلة أخرى، وقفت أمام الحافلة الأولى، وارتفع صوت مساعد السائق الذي نزل منها ووقف على الرصيف: -بصرة.. بصرة.. بصرة.. ابتعد المفوضون الثلاثة بسرعة عن أماكنهم حتى لا تأخذهم موجة الجنود الثانية المنطلقة من السرادق، موجة تحركت بهياج عنيف، بعد أن تمتعت بفترة طويلة من الراحة والطعام والشراب والتدخين. ثم راقب المفوضون الثلاثة عربة ضخمة تحمل زجاجات كبيرة مليئة بعصير البرتقال ونومي البصرة والتمر هندي. راقبوها صاعدة الرصيف ومستقرة في الأرض الخلاء قريباً من حافة الرصيف. لم يقلق المفوضون الثلاثة أو تنشغل أذهانهم بمن سيأكل ما يُطبخ الآن في القزانين وفي القدور الكبيرة على الطباخات النفطية في بيوت الصف الأول المطلة على شارع الجسر والمواجهة للسرادق، فالجنود حتى هذه اللحظة ما يزالون يعبرون الجسر قادمين من محطة السيارات، ليرموا أجسادهم المتعبة على الأرائك داخل السرادق. في منتصف النهار غص السرادق بالجنود والمسافرين المدنيين الذين قدموا إلى المأتم بعد يأسهم من قدوم الحافلات التي تنقلهم إلى مقاصدهم، إضافة إلى المعزين الذين أتوا في اليوم الأول ومازالوا موجودين لحد الآن، والشيوخ والمتعطلين عن العمل. بوصول ستة جنود مع قصاعهم لأخذ الأكل لفصيل حراسة المستشفى العسكري الذي ترك تعيينات الجيش، أزف الوقت أو فهم الطباخون الإشارة الخفية لصب الطعام في الصواني الكبيرة للمعزين في السرادق . كما ظهرت جمهرة الأطفال والصبيان بقدورهم القصديرية كما لو أنهم كانوا مختبئين في الأزقة القريبة بانتظار ظهور جنود فصيل الحراسة. انتقلت صواني الرز المغطى بقطع اللحم الكبيرة إلى داخل السرادق، ثم تبعتها معاجن الخبز المليئة بالمرق حتى حافاتها. تم كل هذا بهدوء ونظام تحت إشراف المفوضين الثلاثة الذين أوقفوا، منذ اليوم الأول للمأتم، تجاوزات المعزين أثناء تناول وجبات الطعام على صواني الآخرين. ثم حدث الذي كان المفوضون الثلاثة يخشون من حدوثه، فالمعزون المنهمكون بلقماتهم الأولى توقفوا عن المضغ فجأة. أصاخوا السمع للنداء القادم من الطرف البعيد للأرض الخلاء، والتقطت أسماعهم نداءين واضحين: -كوت.. كوت.. -ناصرية.. ناصرية.. فكر المفوضون الثلاثة بما سيترتب على ترك الجنود لكل هذا الطعام. لا لأنهم سيخسرونه أو لا يجدوا مَنْ يستطيع أن يأكله، لكنهم فكروا بسمعتهم وبسمعة المأتم.. آمنوا في لحظة سخط مكتوم، سخط عاجز عن الانفجار في وجوه هؤلاء المعزين الجاحدين الذين سيطعنون المأتم بجحودهم في اللحظة الأخيرة، بعد تلك الكميات الكبيرة من الشاي والقهوة والسجائر، على امتداد وقت لا يمكن اعتباره قصيراً أبداً. آمنوا أن هذه إهانة صريحة وجارحة ومؤلمة حتى العظم، ليس لهم، فهم ليسوا سوى منظمين ومشرفين لهذا المأتم، إنما لروح ملوكي. خلال ما بدأ الجنود بالنهوض أوقفهم صوت عسكري يحمل رتبة نائب ضابط.. صوت حازم انطلق من رجل ما يزال شاباً، على الرغم من الشيب الكثير المتخلل لشعر رأسه.. أوقفهم وأجلسهم ثانية أمام صواني الطعام: -ألا يمكن أن تضعوا في وجوهكم نظراً؟.. مَنْ يترك طعام المأتم المقدم من أجل روح إنسان؟.. أتريدون الوصول سريعاً إلى بيوتكم؟.. سنصل إلى تلك البيوت فهي ثابتة في مكانها ولن ترحل مثلنا من مدينة إلى أخرى.. واصلوا الأكل أيها الشبان الشجعان، ثم اقرأوا سورة الفاتحة على روح الفقيد، فغداً سنرحل مثله عن هذه الدنيا. شعر المفوضون الثلاثة وهم يرون الجنود يعودون إلى أماكنهم ويواصلون الأكل الذي انقطعوا عنه، أنهم يرون روح ملوكي جالسة في صدر السرادق، جالسة ومبتسمة، خلافاً للأمس حين احتلت مكاناً منزوياً، عابسة وباكية. ثم جاء ذلك الجندي الغريب الحامل كيساً من القماش مخروطي الشكل والمعقودة فتحته العليا بحبال بيض تربط قاعدته بقمته، لتصنع حمالة معلقة إلى كتفه. جاء بعد منتصف الليلة الرابعة، فوجد باب السرادق المصنوع من القماش مغلقاً بإحكام من الداخل. دار حول السرادق مرتين باحثاً عن منفذ آخر غير الباب الرئيس. وقف أمام باب السرادق وصاح: -ألا يوجد أحد في الداخل؟.. أنا جندي متعب جاء من مكان في آخر الدنيا.. أنا أعلم أن شخصاً ما في الداخل.. رحمة لفقيدكم الميت، افتحوا الباب.. لا أريد سوى النوم على حصير، أو حتى على الأرض.. منذ يومين لم أنم. نهض أولاد حجيل التسعة من نومهم الذي تظاهروا به، ظناً منهم أن جحيل هو الذي يحوم حول السرادق. كما نهض المفوضون الثلاثة من فوق الأرائك وكذلك جلساؤهم. سأل المفوض وليد هامساً: -هل نفتح له؟ أجاب المفوض عدنان بنفس درجة صوت صديقه: -إذا فتحنا له فإن العشرات من أمثاله سيأتون ليلة غد. تساءل المفوض جعفر: -هل نحوّل سرادق المأتم إلى مكان لمبيت العابرين؟ قال المفوض وليد حاسماً الموضوع: -لندع هذا الجندي ينام هذه الليلة، ولن نسمح في الغد لأي شخص حتى لو كان ضابطاً بالنوم في هذا المكان. دخل الجندي الغريب. رمى كيسه على الأرض في مقدمة السرادق جاعلاً منه وسادة، ثم انهار بكامل بجسمه. وضع رأسه على كيسه وغط في النوم. ظن المفوض وليد أن هذا الجندي قد فارق الحياة، فهو لم يرَ طيلة حياته شخصاً ينام بهذه السرعة. لكن غطيط الجندي بدد ظنه. أعاد المفوضون الثلاثة وأبناء حجيل التسعة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى الزجاجات والكؤوس والصحون إلى أماكنها، مجتمعين مرة ثانية في الفسحة في نهاية السرادق. أطفأوا المصابيح الكهربائية في الداخل، لكي لا يراهم أحد من وراء قماش السرادق، واستعاضوا عن النور الكهربائي بنور خافت وشاحب لفانوس نفطي. بدوا في جلستهم الدائرية وقد حجب البعض منهم نور الفانوس الضئيل عما أمامهم من زجاجات وكؤوس وصحون، وحركاتهم البطيئة وأصواتهم الهامسة مثل لصوص أثناء وضعهم خطة للسرقة. خلال جلسة الحزن في هذه الليلة، كف المفوضون الثلاثة عن البكاء لفقدانهم صديقهم ملوكي إلى الأبد مثلما كانوا يفعلون في جلسات الحزن لليالي الماضية. اكتفوا بذكر مناقب الفقيد، المناقب التي آمن المفوضون الثلاثة، أثناء جلسة حزن هذه الليلة، أن أحداً غير جدير بالاتصاف بها سوى ملوكي، ذكروا كلاماً عاماً جيداً، إلا إنه يصلح لوصف أي شخص، أي شخص على الإطلاق، سواء كان معروفاً لدى السامعين أم مجهولاً لديهم. ثم توقفوا عن الكلام وعن الشرب إذ حدثت حركة فجائية في السرادق خلفهم. نظروا من خلال الفراغات في متكئات الأريكتين، فرأوا الجندي الغريب جالساً ورافعاً وجهه ومتشمماً الهواء بأنفه.. قال المفوض عدنان هامساً: -هذا الجندي يتشمم مثلما تفعل الكلاب. نهض الغريب من مكانه وتقدم نحوهم، نحو جلستهم وهو ما يزال يستروح الهواء بمنخريه، ثم أطل عليهم من فوق متكأ الأريكة. نظر إليهم، ونقل نظره إلى الزجاجات ثم عاد ينظر إليهم. لم تربد وجوههم أو في الأقل يسود الارتباك حركاتهم كنوع من الشعور بالذنب، إنما بادلوه نظرات باردة خالية من أي احتجاج أو غضب أو إحراج. قال وهو ما يزال يطل عليهم من فوق متكأ الأريكة من دون أن تطرف عينه أو يختلج صوته: -سمعنا الكثير عن مأتمكم هذا ونحن في مواجهة العدو، والجنود في وحدات الجيش اعتقدوا أن هذا المأتم يخص رجلاً يشبه الأولياء، لكن لم يخطر في بالهم إنكم تقدمون العرق فيه أيضاً. قال المفوض جعفر بهدوء: -لم يقدم أحد العرق في هذا المأتم، ومَنْ يفكر أن يفعل ذلك سنطلق عليه الرصاص. تساءل الجندي الغريب: -إذن، ماذا يعني هذا الذي أمامكم؟ أجابه المفوض جعفر: -نحن أهله وأصدقاؤه.. لم نجد ما ينسينا الحزن عليه سوى هذا السم. قال الجندي الغريب: -ليكن الله في عونكم.. هل يمكن أن أحصل على كأس أو كأسين؟ قال المفوض عدنان: -لن تحصل على قطرة، فقد جلبنا ما يكفينا فقط. قال الجندي الغريب: -أيقظتني الرائحة.. كنت متعباً غاطاً في نوم متعب أيضاً.. لكن تلك الرائحة أيقظتني.. تلك الرائحة؟.. أتفهمون؟.. يجب أن يتنازل بعضكم عن كأس أو كأسين.. لن أستطيع النوم ثانية.. تلك الرائحة، أتفهمون؟. لم تكن نبرة صوته غاضبة ولا جافة، بل هادئة ومتزنة وخالية من الطلب المبتذل الذي يدفع الآخرين نحو الاشمئزاز والسخط. دخلت كلماته قلوب أولاد جحيل التسعة، دخلت قلوب المفوضين الثلاثة، ودخلت قلوب علوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى، وكانت قادرة على دخول دزينة أخرى من قلوب رجال لو كانوا حاضرين أيضاً. قال علوكي موجهاً كلامه للجندي الغريب: -أيكفيك ربع قنينة؟ نظر الجميع إليه باستغراب، وسأله المفوض وليد: -من أين ستأتي بهذا الربع؟ -اشتريت هذه الليلة ربعاً زائداً، فربما أراد أحدنا المزيد.. وهذا الفتى قدم إلينا، فهل أحرمه منه؟ سأله المفوض وليد: -هل تعطيه له مجاناً؟ -لا.. سيدفع لي. ابتسم الجندي الغريب وقال: -سأدفع. كشف الجندي الغريب منذ اللحظات الأولى عن شخصية منظمة ومفعمة بالحماسة لكل ما يمت إلى النظام غير المبالغ به، بالإضافة إلى النظافة التي تبدو في معظم الأحيان ثقيلة الوطء في عيون وعقول أبناء جحيل التسعة. تركهم بهدوء مثلما جاء إليهم بهدوء، أخرج من كيس قماشه الخاكي المخروطي دشداشة وفردتي نعال ومنشفة. خرج من السرادق وهبط الجدار الخرساني المائل، وعلى الساحل وضع جميع ملابسه بنظام، ربما تعلمه في الجيش، ثم غطس في النهر. عاد إليهم جافاً لا يقطر شعر رأسه ماءً، ومرتدياً دشداشته النظيفة. نشر المنشفة وجواربه على متكأ إحدى الأرائك في مقدمة السرادق، رتب بنطلونه وقميصه الخاكيين ووضع حذاءه العسكري في كيس من النايلون بألوان عديدة، ثم أدخل ملابسه وحذاءه في كيس القماش الخاكي المخروطي وشد عقدة حباله. بنفس الهدوء انضم إلى الجلسة التي توسعت قليلاً. شرب كأسه الأولى وبسرعة، واستمع إلى المفوض وليد الذي كان يسرد بعض مناقب ملوكي: -كان، ليرحمه الله، كريماً يمنح كل ما لديه للآخرين. اعترض ابن جحيل الكبير: -مَنْ قال ذلك؟.. تحتاج إلى مطرقة لتحطيم ثلاثة أصابع من كل يد من يديه لتحصل منه على نصف ما تريده. قال المفوض وليد من دون أن يأبه لاعتراض ابن جحيل الكبير: -وكان أميناً ونزيهاً و... فقاطعه ابن آخر من أبناء جحيل: -مَنْ؟.. ملوكي؟.. هذا اللص؟.. حتى البدلة التي اشتعلت معه سرقها من العمال اليوغسلاف الذين شيدوا جسر مغربة. قال المفوض عدنان: -لكنه لم يسرق شيئاً منا. -لأنكم محظوظون و... قاطعه المفوض جعفر: -ولم يسرق شيئاً من نجرس.. لا من ورشته ولا من بيته. عاد ذلك الابن ليقول: -لقد تربى في بيت وورشة نجرس.. كان ينظر إلى نجرس مثلما ينظر ابن إلى أبيه. قال المفوض وليد بنبرة يشوبها الضيق: -ألم يكن متسامحاً؟.. هيا أنكروا ذلك أيضاً. قال ابن جحيل الذي يشغل الترتيب الثاني بين أخوته: -أنت تتحدث يا وليد عن شخص آخر لا نعرفه.. ملوكي متسامح؟.. أنت نفسك يا وليد تعرف أنه لا يغفر لأحد خطأه.. إنه منتقم خسيس، وسبل انتقامه غريبة ولا يمكن لأحد أن ينجو منها.. مرة، صفعه جاسم صفعة قوية، لا أعرف ماذا كان السبب، لكن جاسم صفعه. عند العصر وعندما كان جاسم يتحدث معي في باحة البيت الداخلية، تحركت طابوقة من سياج السطح، تحركت من دون أن ينبته لها أحد، ثم سقطت من السياج، وتمدد جاسم بكل طولـه على الأرض والدم يتدفق من رأسه، وتسلقنا السلم بعد ثانيتين أو ثلاث تحركت ثلاث طابوقات من سياج السطح أيضاً، وحملنا جاسم الذي كان يصرخ مثل الأطفال إلى صابر مجبر العظام، ليعيد كتفه المخلوع إلى مكانه. ولم نجد أحداً على السطح أيضاً. كنا على يقين أن ملوكي سيرسل جاسم إلى القبر، وهكذا أجبر جاسم على هجر البيت والمبيت في بيوت أصدقائه، ولم يرجع إلا بعد أن تصالح مع ملوكي. أكد الأخ الأكبر: -كاد يقتلني في يوم من الأيام. استعر الغضب في صدره عندما استعاد تلك الذكرى، فهدر: -إنه ولد حقير، وكلب ابن سلالة كلاب. بعدئذ تكلم الجندي الغريب، لم يتحمس لكل ما سمعه، وفي نفس الوقت لم يستنكره، إنما سأل بلهجة باردة، محايدة ومهذبة: -مَنْ يكون هذا؟ أجابه المفوض وليد بوجه مقطب: -ملوكي. عاد الجندي الغريب يسأل بنفس اللهجة السابقة: -ولكن، مَنْ يكون ملوكي؟ مرة ثانية أجابه المفوض وليد وبنفس اللهجة: -صاحب هذا السرادق.. المرحوم.. الميت الذي نغرق أنفسنا في العرق لكي ننسى حزننا عليه. عندئذ تبدلت لهجة الجندي الغريب.. تحولت إلى لهجة ذات نبرة ثقيلة، لائمة ومقرعة بتهذيب، ومنذرة بأمور غامضة.. قال: -لا يجب أن نتحدث عن الموتى في مأتمهم بهذه الطريقة. فجأة، انطلق صوت غاضب من الجهة التي تجمّع فيها أبناء جحيل: -اغلق فمك أيها الغريب. قال المفوض عدنان" -يجب أن نغلق أفواهنا جميعاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |