|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-8- بحلول الشتاء تسلم ملوكي، بعد تلك الرسالة الملصقة على مغلفها صورة حبيبين متعانقين مقتطعة من مجلة أجنبية، كمية من الرسائل يمكن أن تملئ شوالاً يتسع لاحتواء مائة كيلو غرام من الرز. رسائل محيّرة ومدوّخة وعصية على الفهم، ولولا قلبه الملتاع بالعشق لأعتقد وآمن أنها هزلية ومضحكة وسخيفة وخربشات أطفال مازالوا عاجزين عن الوقوف على سيقانهم. تماماً مثل الرسالة الأولى التي صدّعت رأسه حين فتح مغلفها وتطلع إليها ووجد أن لا كتابة في الورقة التي أخرجها من المغلف، فقط رسوماً موزعة في أمكنة مختلفة من سطحها. ظن في الوهلة الأولى أنها نوع من الأدعية والتمائم، لكن القلب المخزوق بسهم والدم ما يزال يقطر منه مكوناً بركة تحته، لكن العينين اللتين ما تزالان تسحان الدموع مكونتين بحيرة دموع تحتهما والأسماك تعوم داخلها وعلى سطحها، جعله يتيقن أنها رسالة حب من الحبيبة. غير أن دماغهُ أغلق تماماً وهو ينظر إلى رسوم أخرى.. لجأ إلى نجرس عله يفك هذه الطلاسم التي بلّدت مخه. -ماذا تعني يا نجرس العينين المفتوحتين وفوق إحداهما شمس وفوق الأخرى قمر؟ حتى نجرس الوارث حكمة الشيوخ المندائيين القدامى والمنيع على الانجراف وراء الحماقات الجميلة التي تمتلك إغراءاتها الخاصة التي لا تقاوم، حتى نجرس هجس وراء تلك الرسوم الغريبة والغامضة أسراراً قد تنفتح على حقائق كبيرة، لو تسنى له فكها والولوج وراء غموضها، من دون أن يخطر في باله أبداً، إنها قد تكون وليدة العبث. انفجر ملوكي وهو يرى نجرس يمعن النظر في الرسوم مدة طويلة كما لو أنه غرق فيها من دون أن يملك القدرة على الخروج منها. -ماذا يا نجرس؟ نظر نجرس إليه بعينين ماتزالان حالمتين وغارقتين في الرسوم الغامضة.. قال: -ماذا؟ -لماذا هذه الرسوم التي لا أفهمها؟.. لماذا لم تكتب رسالتها مثلما يفعل العشاق الآخرون؟ -حبيبتك فتاة ذكية.. إنها تعرف إنك لا تقرأ ولا تكتب، ولو كتبت لك رسالة عادية فسوف تلهث لتعثر على من يقرأها لك، وعندئذ يخرج سركما إلى شخص ثالث، فهل تعتقد أيها الجرو الأسود أن لسان هذا الشخص سيبقى ساكناً من دون أن يتحرك أمام الآخرين؟.. هل تعتقد ذلك؟.. أما هذه الرسوم فماذا سيجد فيها الآخرون لو وقعت في أيديهم؟.. ألا ترى إنك أنت نفسك عاجز عن فهمها؟.. إن حبيبتك يا ملوكي امرأة ذكية، وهي تعرف كيف تحمي نفسها. حلقت ساهرة فوق النخيل المطل على الورشة ولو كان هناك سحاب في السماء لحلقت فوقه أيضاً. ومع أن الماجدية بشوارعها وأزقتها المتشابكة لا تصلح لكي يهيم الإنسان فيها على وجهه، فقد ترك نجرس ليهيم. في حوالي ساعة الظهيرة، دار ملوكي خلال هيامه في نفس الشوارع وفي نفس الأزقة ثلاث مرات. كان الكثير من قاطني تلك الأماكن، قد نظروا إليه بدهشة وريبة، وكاد يسأله بعضهم إن كان يبحث عن شيء قد فقده. في الساعة الواحدة بعد منتصف النهار تسلم ملوكي رسالة الحبيبة الثانية، وهذا يعني أنه وجدها في نفس المكان عند طرف لسان الأرض الذي وجد فيه الرسالة الأولى. كان شاحب الوجه حين وضعها على سطح القارب المقلوب حيث كان نجرس فارشاً الرسالة الأولى ودارساً العينين اللتين يعلوهما القمر والشمس. -العينان المفتوحتان اللتان تعلوهما الشمس والقمر موجودتان في هذه الرسالة أيضاً.. ماذا يعني ذلك يا نجرس؟ في لحظة صفاء عجيبة لم تمر على المندائي فيما مضى رأى بوضوح ما يمكن أن يكون هو المعنى دون غيره، رآه كما لو أن حجباً سميكة وقاتمة قد تهاوت فجأة ومرة واحدة كاشفة عند المغزى المستور.. قال: -العين المفتوحة يا ملوكي هي العين التي لا تنام، والشمس تعني النهار والقمر هو الليل.. تلك الفتاة تخبرك أن النوم جفاها ليلاً ونهاراً. حتى ملوكي تكشف له المعنى بوضوح تام وهو ينظر إلى الرسمين في الرسالتين. كاد ينهار تحت وطأة الشعور بالذنب، فهو ينام منذ منتصف الليل إلى حوالي منتصف النهار، لولا الرسم الآخر في الرسالة الثانية.. الرسم الذي كان نجرس يمعن النظر فيه بصمت، ممراً يده في لحيته النامية. حاول ملوكي أن يساعد نجرس حين قال: -شجرة بعيدة عن النهر ورجل وامرأة يحفران ساقية تبدأ من النهر نحو تلك الشجرة.. ألا يعني أنهما يريدان سقي الشجرة؟ من دون سابق إنذار أزاح نجرس الرسالتين عن سطح القارب المقلوب بيده، أزاحهما بغضب فطارتا في الهواء مرفرفتين قليلاً قبل أن تحطا على الأرض في مكانين متباعدين. تفاجأ ملوكي بهذه الحركة التي اعتبرها دنست جزءاً من قدسية عشقه. رفع رأسه إلى نجرس بعينين غاضبتين، قال: -ماذا؟ -هاتان الرسالتان لم ترسلهما فتاة يا ملوكي.. إنهما.. قاطعه ملوكي والغضب مازال في دمه: -أنت تكذب.. وكيف عرفت؟ امسك ملوكي من ذراعه وأجلسه على سطح القارب المقلوب، وخاطبه قليلاً: -لا أعرف مَنْ تكون حبيبتك، ولا أريد أن أعرفها.. لكن الرسالتان ليستا منها.. هناك شخص آخر بعثهما.. هل فهمت؟ -كيف عرفت؟ -لا وجود لامرأة عاشقة في كل الأرض تفكر بمسحاة تشق بها ساقية، هذا عمل عابث لا يقوم به إلا شخص غايته أن يضحك منك. حاول ملوكي أن ينهض من جلسته، لكن نجرس أمسكه على كتفيه وثبته في مكانه بقوة: -أنا أعلم تمام العلم أن رأسك هذا خالٍ من أي مخ، ومع ذلك فأنا أحذرك يا ملوكي.. ابتعد عن هذه الفتاة.. انسَ هذا السخف. -أي سخف؟ -هذا الذي تسميه حباً. ولم ينسَ ملوكي هذا السخف، بل غطس فيه حتى طرف أنفه، وعام فيه من دون وجل ولا حذر. خلال ذلك الشتاء، أصبح ملوكي خادماً لعائلة الصياد الأعرج من دون أجر، خادماً لا نهاية للواجبات التي يقوم بها في ضوء الشمس وتحت أنظار الناس وأسماعهم. وفي الليل تحوّل إلى التابع الذي ليس بوسعه أن يرفض أمراً للمفوضين الثلاثة، وبخاصة عدنان. حاول ملوكي، في تلك الأيام التي جلب فيها مشتريات السوق اليومية لمطبخ بيت الصياد الأعرج، ان ينال أكثر من الابتسامة من ساهرة، حاول ذلك من دون طائل، بل مع تكرار تلك الأيام، بدأت ابتسامة ساهرة بالذبول ثم بالاختفاء، وحتى تحياتها الرقيقة تحولت إلى كلمات مقتضبة، جافة ومن دون حلاوة. مع ذلك، كان ملوكي يرى شفافية في كل ما يراه أو يسمعه. كان لا يحس بالجفاف في نبرة صوتها ولا التجهم في تعابير وجهها. على العكس، كان يغطس في سعادة لا قاع لعمقها حالما يسمعها تتكلم، أو حينما يتطلع إلى وجهها الجميل حتى حينما يعقده التجهم والعبوس. خلال ذلك الشتاء أيضاً، لم ينقطع غذاؤه الروحي في أي يوم من الأيام. في عصر كل يوم يتلقى رسالة جديدة، وما عاد نجرس يساعده في جلاء غموضها، هو ملوكي واعتماداً على نفسه من دون مساعدة الآخرين، استطاع أن يكوّن له قاموساً لمعاني الرسوم، استخرجه من كثرة الرسائل التي وصلت إليه في المكان المحدد تحت النخلة في طرف لسان الأرض، مع ذلك، كانت ظلال الحزن تنوش سعادته في بعض الأيام وتلونها بألوان ما كان بوده أن يراها على الإطلاق. فنجرس أنجز كل أعماله في بداية الشتاء، وما عاد يظهر في الورشة طوال أيام كثيرة جداً، أمضاها مع أفراد ملته المندائيين الذين يسكن معظمهم في محلة السرية في الجانب الآخر من النهر. كما هجر المفوضون الثلاثة وأصدقاؤهم لسان الأرض بسبب برودة الجو والمطر ولجأوا إلى النوادي الليلية، ما عدا بعض الأمسيات الدافئة التي استطاع أن يقنعهم بقضائها تحت سقيفة ورشة نجرس، وهي أمسيات قليلة جداً. وعلى الرغم من إحساسه الدافئ بالرفقة في تلك الأمسيات، إلا أنه كان يمضغ فيها بعض المرارات الصغيرة التي يجهل كيف تتجمع مثل غيوم صغيرة مرهقة للنفس، تمتلك مقاومة ضارية مضادة لبعثرتها. وفي صباح اليوم التالي، يعني حين يسترد صحوه، يقرر قراراً قاطعاً بعدم دعوة المفوضين الثلاثة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى، لقضاء أمسية أخرى تحت سقيفة الورشة. لكنه حالما يتسلم الرسالة عصراً في طرف لسان الأرض فإنه يبحث عنهم بلا هوادة مدفوعاً بوهم السعادة. ثم اكتشف في إحدى تلك الأمسيات، إن المفوض عدنان هو مَنْ يقوم بتكثيف غيوم المرارات الصغيرة تلك، والتي لا مفر له من مضغها في نهاية المطاف. وحالما ورد إلى باله أن هذا المفوض هو شقيق الإنسانة التي انصهر في حبها، سقط في دوامات من الهلع، لا لأنه كان يخاف من انتقامه وبطشه، بل خاف من وقوفه في طريق هذا الحب، من إقدامه على تمزيق سعادته التي لم يتصور، في أي لحظة، أنه قادر على الاستمرار في الحياة من دونها. لم ينتظر طويلاً، يعني أنه لم يترك قدره وقدر حبه للأيام لتفعل بهما ما تشاء، فقد لجأ إلى المفوض وليد في ظهيرة يوم عاصف وممطر. لم يكن عدنان وجعفر في مركز الشرطة. وجده وحيداً وحاضناً المدفأة النفطية في غرفة المفوضين: -ملوكي؟.. هل ضربك أحدهم؟ جلس ملوكي المبلل هو وبدلته بماء المطر على الأريكة الطويلة إلى جانب المفوض وليد.. أجاب وهو يرتجف: -مَنْ يضربني سأرد له الضربة. -أنت لم تأتِ إلي في مثل هذا الجو من دون سبب. قال ملوكي بتردد: -أنت ترى ماذا يفعل بي عدنان. نظر المفوض وليد إليه بعينين تسكنهما الدهشة: -المفوض عدنان؟.. ماذا فعل بك؟ عاد ملوكي يقول بنفس صوته المتردد: -في جلساتنا.. ألم ترَ كيف يخاطبني؟.. إنه يجرحني بكلامه... قاطعه المفوض وليد ضاحكاً: -إنه يمزح معك.. كلنا نمزح معك؟.. لماذا تعتقد أنه يجرحك؟ تململ ملوكي في مكانه.. قال ونبرة ألم في صوته: -الكل يمزح معي، أنا أعرف ذلك.. لكن عدنان لا. وضع المفوض وليد ذراعه على كتف ملوكي وضمه إليه.. قدم لـه سيجارة، وقال: -أنت لست صديقنا فقط يا ملوكي.. لقد ولدنا ونشأنا جميعاً في مكان واحد، أيها الصياد الصغير أنت أخونا. وخرج الصياد الصغير من مركز الشرطة مشحوناً بإخوة يعرف ماذا تعني في محلة مثل الماجدية. مرت على تلك الزيارة ليال عديدة شديدة البرد أو كثيرة المطر، قضاها ملوكي وحيداً مع ربع زجاجته وكأسه تحت سقيفة ورشة نجرس. غير أن العزاء الذي خفف من وطأة وحدته لم يختفِ أبداً، العزاء الذي يجده عصر كل يوم تحت النخلة السامقة في طرف لسان الأرض. كان يرى، على الرغم من الظلمة التي تلف السقيفة، رسوم تلك الرسائل. يتبينها بوضوح في وهج جمرة سيجارته مثلما يتبين طائر ليلي جارح فريسته في الظلمة. لم يتعود ملوكي أن يتحدث مع نفسه، يناجيها ويشكو لها أو يبثها الهموم التي ركبت ظهره والتي تحركت بعنف حالما اخترق العشق قلبه. كان يكرع كؤوسه صامتاً، ويدخن صامتاً، وينظر مخترقاً الظلمة المحيطة به وبالسقيفة وبالورشة وملتقطاً التماعات الضوء فوق سطح النهر بصمت أيضاً، من دون أن يشعر بثقل لهذا الصمت الذي أطبق عليه. وحتى حين يتسلل إليه علوكي في وقت متأخر من بعض الليالي، فإنه يظل مبتلعاً لسانه. ومع أن علوكي متحدث لبق يعرف كيف يجعل الكلمات تصطف بمهارة واحدة وراء الأخرى، فإن ملوكي لم يكن يستمع إليه في غالب الأحيان. كان علوكي يعرف ذلك تمام المعرفة، غير أنه عجز عن معرفة العالم الذي يلجأ إليه ملوكي في مثل هذه الأوقات، وما كان ذلك ليزعج علوكي الذي يستمر متدفقاً بالكلام. في الشهر الأخير للشتاء، حل الوقت العصيب الذي له طعم مرارة الحنظل في فم ملوكي. فهو لم يفهم أبداً كيف تمزق بين قلبه ومعدته، لأنه هو نفسه لم يقم للنقود وزناً أو أهمية في أيما يوم من أيام عمره الماضية. الآن، بدأ يقف في مواجهة محنة نفاد نقوده التي كانت تملأ جيبيَ بدلته العلويين، والتي أنفقها طوال شهور الشتاء الماضية حين توقف العمل في ورشة نجرس. حاول أن يستدين من نجرس، لكن نجرس أخبره بلهجة حاسمة، أنه يصعب عليه العثور على دينار واحد يمكن أن يسلفه، لا له هو ملوكي ولا لأي شخص عزيز على قلبه في هذه المدينة. فكر بقلبه كعاشق يحدوه الأمل بسعادة كبيرة جداً تفوق أي وصف على الرغم من أن هناءاته الصغيرة التي يمتصها ببطء في كل مساء، ويشعر بها مثل وسادات اسفنجية يغوص فيها رأسه المتعب براحة لا مثيل لها. فكر أيضاً بمعدته، ليس بذلك الأكل الذي تعارف عليه الناس، إنما بذلك الشراب الكفيل بجلب السعادة من أكثر الأماكن إظلاماً وإقفاراً، وعجب كيف أن لا فكاك بين قلبه ومعدته. عاد إلى ورش أولاد عمه موازناً بدقة عاشق متمرس بين متطلبات المعدة وأهواء القلب. لم يكن أبناء عمه قد افتقدوه طوال هجره لورشهم، بل هم نسوة وتذكروه الآن فقط حينما وقف أمامهم. لم يعترضوا على عودته مثلما لم يقرعوه على ابتعاده عنهم، وتقبلوا وجوده ثانية مثلما يتقبلون إضافة آلة جديدة إلى صناديق آلاتهم القديمة، ولم يعترضوا أيضاً على حضوره ساعة يشاء واختفائه في أية ساعة يشاء. حرص ملوكي خلال ذلك الشهر الأخير من الشتاء، على المحافظة على قيود عبوديته العذبة المشدودة بحبال غير مرئية ببيت الصياد الأعرج. فهو في الضحى، يقف بباب البيت ليتلقى الابتسامة وتحية الصباح، ثم يبدأ هرولته المعتادة بين البيت والسوق. تلك الهرولة التي هي زوادة عشقه طوال النهار حتى الساعة الرابعة عصراً عندما ينضو عنه ملابس العمل المشبعة بزيوت وشحوم السيارات. يعود إلى الماجدية لاهثاً، وبعينين تكاد تغمضهما نشوة سعادة مبكرة جداً على تسلم رسالة الحبيب. مع ذلك، كان يجدها عاجلاً أم آجلاً في طرف لسان الأرض وتحت النخلة السامقة. وهكذا تبدأ أمسية جديدة من سعادة تتدفق بكميات متساوية ومن دون انقطاع، وكانت تلك السعادة تخرج من قلبه هو لا لتمس الموجودات من حوله، بل لتطوقها أولاً ومن ثم تغرقها في لجة شفافة ونقية وخالية من أية رغبة أنانية. كان نجرس يفاجئه في بعض الليالي وهو تحت السقيفة مع كأسه وحيدين في الظلام. لم يكن نجرس ليفكر في إفساد أية من أماسيه، لذلك يظل واقفاً أمام السقيفة أو يجلس على أحد قواربه المقلوبة، متلقياً الهواء المشبع بالندى القادم من النهر القريب. كان يجلس صامتاً ووجهه باتجاه النهر وكأنه ينتظر قدوم نبيه منه. حين تطول جلسة المندائي في الظلمة المنداة بهواء النهر، يبدو لملوكي وكأنه شبح شرير ينتظر الفرصة للانقضاض عليه، وعندئذ تتآكل يديه رغبة عارمة في تناول حادلة القار الغليظة والهجوم عليه. ونجرس نفسه في جلسته على قاربه المقلوب، والذي تحول إلى شبح شرير في عيني ملوكي اللتين أزاغهما شرابه المسكر، كان يفكر بعقل منذهل لما يراه ويسمعه طوال هذا الشتاء من تصرفات وأقوال ملوكي، بدءاً من اصطياده للهدهد وانتهاءً بالرسائل العابثة. فكر، أنه ما من عبث أو سخف يفوق وقوع فتاة في غرام هذا الأسود، الأحدب، القميئ الذي يشبه القرود أكثر مما يشبه بني آدم. غير أنه عاد وعدّل من قناعته، فهو قد رأى فيما مضى من حياته الكثير من الأحداث العصية على التصديق التي صنعها الحب، والتي لا يمكن أن تحدث لولا القوة غير المرئية لهذا الحب. أيقن نجرس، وهو الرجل الذي تصالح مع الحياة وصروفها منذ وعي أنه لا مفر له من العيش مع كائنات تشبهه في كل شيء، إن الحب هو القوة السحرية الوحيدة في هذا العالم التي تمتلك طاقة تدميرية لا حدود لها، وإن الحمقى فقط، هم الذين يتعاملون معها من دون حذر. كانت خشية نجرس تدور حول المصير الذي سيصل إليه ملوكي لو ظل مستمراً في السير وراء قلبه. تنبه المندائي إلى أن الهواء المندى قد بلل ثيابه، فنهض من فوق سطح القارب المقلوب. نظر إلى ملوكي القابع في ظلمة السقيفة وعينيه تلتمعان فقط. وتساءل في سره: هل يمكن أن ينتهي مصير هذا الجرو الأسود إلى مصيبة؟.. أدار ظهره للسقيفة ومضى باتجاه بيته من دون كلمة وداع. ظلت المصيبة التي توقعها المندائي تدور بعيداً عن مصير ملوكي حتى انتهى الشتاء بحلول الصيف جاءت الزوارق المعطوبة عائمة بتثاقل إلى ورشة المندائي، وهذا يعني أن ملوكي سيبقى على مقربة من بيت الصياد الأعرج. كما يعني أنه سيعاود خدمة المفوضين الثلاثة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى خلال جلسات المساء على لسان الأرض. بدا له وهو يربت على عظام الهدهد من وراء قماش بدلته الرمادية المزرقة إن هذا الصيف هو صيف سعادته القصوى التي لا تضارعها أية سعادة لأي مخلوق فوق هذه الأرض. عند العصر، وقبل أن يأتي المفوضون الثلاثة لأحياء حفلتهم الأولى في هذا الصيف الوليد، عثر على رسالتين خلافاً لما هو معتاد. إحداهما مثل سابقاتها تعد بالوفاء والهناء وقرب الوصال، والثانية مليئة بالدموع وبالدماء. لم يتوقف عند الثانية أبداً، ولم يعتبرها نذير سوء أو شر قادم في الطريق سيصل عاجلاً أم آجلاً، لأنه في مقدم هذا الصيف ما يزال يعوم في سعادة العاشقين. أحيا المفوضون الثلاثة وجلساؤهم ومعهم ملوكي جلسة كان ملوكي سيظل يتحدث عنها لو تسنى له أن يعيش أكثر مما عاش من عمره القصير. كل شيء كان أكثر مما يجب: قناني العرق والفواكه والبقوليات وحتى الأقداح. حلق صوت علوكي فوق سطوح البيوت من جانب، وفوق سطح النهر من جانب آخر، حتى أن العابرين على الجسرين توقفوا لسماع صوته العذب. ظل ملوكي حتى ضحى اليوم التالي يسمع صوت علوكي الذي ما يزال يرن في أذنيه. في هذا الضحى أيضاً هرول ملوكي مثلما يفعل كل يوم إلى بيت الصياد الأعرج. سقطت الكآبة عليه في اللحظة الأولى عندما وقف الباب. لم تظهر ساهرة، إنما والدتها التي ناولته السلة والنقود، وحددت له بكلمات قليلة حاسمة، الأنواع والكميات من الخضروات واللحم والفواكه والخبز. بدا في ذلك الضحى والسلة في يده كما لو أنه ما يزال تحت تأثير أبخرة عرق مساء أمس. ملأ السلة من دون تدقيق من نوعية ما اشترى، ودفع نقوداً من دون أن يجعل الباعة يجهدون في إقناعه بالأسعار مثلما يجري كل يوم. انقبضت نفسه وهو يقف مرة ثانية في باب بيت الصياد الأعرج، فالأم بوجهها الصارم أخذت منه السلة وأغلقت الباب. أحس أن تعاسته في هذا اليوم لا يمكن قياسها بأية تعاسة سابقة مرت عليه. لكن صمد أمام هذا الطارئ الجديد الذي يجهل سبب حدوثه. صمد لأنه كان متيقناً تمام اليقين بكل تلك الرسوم المرسلة من الحبيبة، متيقناً من الشوق وعدم النوم لا في الليل ولا في النهار من أجله هو ملوكي، ملوكي المعشوق الذي تسبب في إطارة النوم من عيني أجمل فتاة في الماجدية، بل في العمارة كلها. وهكذا نجح في لي الوقائع المريرة وجعلها ذات مذاق مستساغ. لم يتوصل ملوكي شأن العشاق الآخرين، إلى هذا التوافق السريع بين عالمه الخارجي الذي لا يكف عن زرع كل ما يمكن أن يخلق الأحباطات وبين لوعة قلبه وهيجان مشاعره، إنما بنى قناعته على الرسوم التي امتلأت بها رسائل الحبيبة، وكان هذا أكثر من كافٍ ومرضٍ بالنسبة لملوكي. لكن الشرطي الذي كان ينتظره وراء منعطف الزقاق، لم يمهله ليحلق فوق نخيل البستان المجاور، قاده إلى مركز الشرطة باحترام يستحقه أحد أصدقاء المفوضين الثلاثة. تركه في باب غرفة المفوضين. ثم عاد إليه ودفعه إلى الداخل، ليرى المفوض عدنان وحيداً في الغرفة. كان يجلس وراء منضدته ويقرأ في ملف كبير. حياه بتحية الصباح لكن عدنان لم يردها. فكر أنه مشغول بالأوراق أمامه. خطا نحو الأريكة وجلس عليها، فالتفت إليه المفوض عدنان وقال: -كيف جلست من دون إذن مني؟ حتى حين سمع هذه الجملة الجافة تنطلق من فم المفوض عدنان، لم يرد إلى باله أنه وقع في ورطة، أو أنه سيواجه موقفاً عصيباً في الأقل. ظل ينظر إلى صديقه من دون ذهول، ومن دون استغراب. -انهض من الأريكة وقف حيث كنت. هذه المرة، أوقفت لهجة الأمر الحادة وغير المعقولة بالنسبة إليه جفنيه عن الحركة. حاول أن ينهض غير أن جسمه لم يطاوعه كما لو أنه تحوّل إلى كتلة من السمنت المتصلب. أغلق المفوض عدنان الملف ونهض واقفاً. دار حول منضدته ووقف أمام ملوكي، بدا وكأنه يقف فوقه، فاضطر ملوكي الذي لم يصدق ما يجري حتى هذه اللحظة، أن يرفع رأسه إليه. -إذن، أنت متمرد؟ مرفوعاً رأسه ومبتسماً والشحوب خفف من بشرة وجهه الداكنة فظهرت دوائر بيض صغيرة في خديه ورقبته، عندما ارتفعت ذراع المفوض عدنان اليسرى بامتداد صدره، ثم مثل سوط سريع تحركت باتجاه ملوكي، فرن صوت صفعة قوية جداً. انطرح جسم ملوكي على الأريكة وارتفعت رجلاه في الهواء. انحنى المفوض عدنان عليه ورفعه إلى الأعلى من إبطيه، ودار حول نفسه وهو ما يزال حاملاً ملوكي الضئيل الجسم، ليضعه على قدميه في وسط الغرفة. هزه عدة مرات ليرفع رأسه، ثم ترك إبطيه وأمسك بقبضة يده اليسرى أعلى بدلته، وبكفه اليمنى سدد إلى وجهه صفعاته القوية والسريعة التي لم يستطع ملوكي تفاديها. لم يكف المفوض عدنان عن توجيه صفعاته إلا حين رأى رأس ملوكي يميل مع كل ضربة مثلما يميل رأس طائر ميت. رماه على الأرض وعاد ليجلس وراء منضدته لاهثاً. -سترى عاقبة التدخل في سير القانون. ثم نادى على الشرطي الذي يقف في الباب. خاطبه من دون أن ينظر إليه. -خذه إلى غرفة التوقيف. في غرفة التوقيف الطويلة جداً، رماه الشرطي في إحدى زواياها البعيدة. بدا للموقوفين أن هذا الفتى الذي يرتدي بدلة غريبة، والممدد على الأرض من دون حراك، أنه ربما فارق الحياة، لذلك لم يقتربوا منه. حتى حين وصلت وجبة الغداء تركوه في حالته من دون أن يدعوه إلى الطعام. غير أنهم عرفوا أنه ما يزال حياً حين رأوا خطي دموعه يلتمعان في نور العصر وهما يجريان باتجاه أذنيه. على الرغم من تلك المعرفة، وعلى الرغم من وجوده معهم بين جدران غرفة التوقيف كشريك من الواجب مد يد العون إليه لكي يظل متماسكاً أمام قوة القانون، لم يتجرأ أحد منهم على الاقتراب منه، فهم لم يروا سابقاً موقوفاً محمولاً بين ذراعي شرطي ليودع في التوقيف. ظل ملوكي نازفاً دموعه بصمت وهو في وضعيته من دون أن يبدلها في تلك الزاوية البعيدة من غرفة التوقيف إلى أن حل صباح اليوم التالي، وهذا يعني أن الوقت الذي يقوم فيه الشرطة بإغلاق الباب الخارجي للمركز ثم ينتشرون حول الفناء وأسلحتهم بأيديهم، قبل أن يفتحوا باب غرفة التوقيف، ليتيحوا للموقوفين وقتاً كافياً للذهاب إلى دورة المياه. وقف شرطي الأمس فوق ملوكي الذي ما يزال ممداً في المكان الذي وضعه فيه ضحى أمس. انحنى عليه وهزه من كتفه: -ملوكي.. ملوكي.. استيقظ يا ملوكي. نظر إليه بعينين ما تزالان نديتين- -نمت طويلاً جداً يا ملوكي.. أسرع بالخروج قبل أن يبدأ وقت الدوام.. لن تحظى بدورة مياه أخرى إلا في الساعة الثامنة مساءً. حين لم يحصل الشرطي على جواب من ملوكي، اضطر إلى رفعه من صدره عن الأرض: -في الأقل اغسل وجهك يا ملوكي. أنهضه عن الأرض ودفعه أمامه خارج غرفة التوقيف، وواصل دفعه حتى أدخله غرفة دورة المياه الواسعة التي احتلها الموقوفون. عاد ملوكي إلى نفس المكان في غرفة التوقيف بعد أن وضع رأسه مدة طويلة تحت حنفية الماء. جلس القرفصاء شابكاً ذراعيه فوق ركبتيه، وواضعاً رأسه عليهما. يبدو أنه استنفد كل دموعه خلال الوقت الذي أمضاه ممدداً على أرضية غرفة التوقيف. رفض دعوة الموقوفين لتناول وجبة الفطور التي وصلت، وكذلك وجبة الغداء. حين صفا رأسه من الطنين الذي سببته صفعات المفوض عدنان، حاول أن يفكر، حاول أن يصل أو يفهم الأمر الذي لم يفهمه لحد الآن، والذي لن يفهمه أبداً لو رواه أحدهم له وكأنه وقع لشخص آخر غيره. حاول أن يعود بالزمن إلى الوراء من أجل أن يقرن أو يربط ما جرى من أحداث منذ.. فكر: منذ متى؟.. مساء أول أمس كنا معاً تحت النخلة على لسان الأرض.. أمس جلبت ما طلبته أمه من حاجات البيت، ثم أتى بي الشرطي إلى المركز.. كيف يمكن لعدنان أن يضربني؟.. خدمته وخدمت عائلته.. ويضربني؟.. كان ملوكي يمر بالسبب الحقيقي من دون أن يراه. وهكذا ظل غافلاً عن سبب تعاسته وذله وهوانه. طوال وجوده خلف قضبان التوقيف منذ أمس وحتى ظهر هذا اليوم، لم يفطن أحد لغيابه، فأولاد عمه لا يتذكرونه إلا حين يقف أمامهم. ونجرس لم يهتم أو يقلق لهذا الغياب، فقد تعوّد على نزوات ملوكي التي كثيراً ما تجعله يختفي عن عيني نجرس أياماً عديدة. وهكذا أمضى كل ذلك الوقت منسياً ومرمياً بين الخارجين على القانون. والمفوضان وليد وجعفر الموجودان على بعد أمتار قليلة منه لم يمرا به، ولم يستدعه أحد للتحقيق. عند هذا الخاطر الأخير تغلغل الخوف فيه حتى كعبي قدميه، ورأى من دون أن يتخيل الطريق واضحاً إلى السجن، إذ تذكر أن لا أحد وقع في قبضة المفوضين الثلاثة وفلت من السجن. في الساعة الرابعة عصراً، تلك الساعة التي تخلو فيها شوارع الماجدية من المارة هرباً من الحر، دخل علوكي مركز الشرطة وهو يغني مقطعاً من إحدى الأغاني. تلك كانت مصادفة غريبة، مصادفة أعادت الحرية المفقودة إلى ملوكي، إذ لم يكن علوكي ليدخل مركز الشرطة لأي سبب من الأسباب، فلديه قناعة راسخة بأن المطربين يجب أن لا يدخلوا أي مركز شرطة، لئلا يلحق الأذى بسمعتهم. لكنه في هذه الساعة الساخنة من النهار، لم يدخل مركز شرطة الماجدية فقط، بل دخله مترنماً بمقطع من أغنية. كان الحارس الواقف في الباب والبندقية معلقة إلى كتفه يعرفه جيداً ويعرف بصداقته الحميمة للمفوضين الثلاثة، قد ترك باب المركز وسار وراءه إلى الداخل. وقف علوكي أمام كل نافذة من نوافذ غرفة التوقيف، ثم أدار ظهره لمن في الداخل واتجه نحو الباب الخارجي. لكنه توقف في منتصف المسافة إلى الباب. لقد رأى بدلة رمادية مزرقة على صدرها كتابة إنجليزية ومربعات ودوائر. تساءل بصوت عالٍ: -لمن هذه البدلة إذا لم تكن لموكي؟ فكر أنه يعرف هذه البدلة جيداً، ولن يخطئها حتى لو وضعوها بين ألف بدلة. عاد إلى النافذة ودقق النظر من خلالها، فرأى عيني ملوكي المتورمتين.. صاح: -ملوكي.. ماذا تفعل هنا؟ بكى ملوكي بصوت مرتفع دافناً رأسه بين ذراعيه.. صاح علوكي مرة ثانية: -مَنْ وضعك في التوقيف؟ خرج صوت ملوكي ضعيفاً متقطعاً مع نحيبه: -المفوض عدنان. اختفى علوكي من فناء المركز كما لو أنه طار بجناحين. عاد بعد أقل من نصف ساعة وبرفقته المفوض وليد من دون بيريه على رأسه. كانت آثار النوم واضحة في وجهه. نظر إلى ملوكي وهو ما يزال جالساً القرفصاء في زاويته، فمضغ شفته السفلى. توجه إلى غرفة المفوضين وبحث في الأدراج واطلع على كل الأوراق. أيقظوا له عريف المركز الخافر.. سأله: -مَنْ وضع ملوكي في التوقيف؟ -المفوض عدنان سيدي. -أين أوراقه؟ -لا أوراق لديه سيدي. -تعني أوقفه من دون أمر من حاكم التحقيق؟ -نعم سيدي. ضرب المفوض وليد المنضدة بقبضة يده. نهض وقال للعريف الخافر: -أطلق سراحه فوراً. جاء ملوكي مترنحاً في مشيته وراء العريف. خاطبه المفوض وليد: -لنذهب إلى البيت يا ملوكي، فكل شيء قد انتهى. ولم تنتهِ الأشياء مثلما قرر المفوض وليد، بل هي بدأت الآن. سار الثلاثة في شارع الملعب باتجاه سوق الماجدية. ما كان ملوكي يسمع كلمات المواساة المنطلقة من علوكي والمفوض وليد، ولا وعده الحاسم بعدم حدوث هذا الأمر ثانية، فدماغه اشتعل بفكرة واحدة، فكرة ملحة ومتسلطة: الوصول إلى جورج منصور. تساءل جورج منصور بدهشة: -نصف زجاجة يا ملوكي؟.. وفي هذا الوقت المبكر من النهار؟ وضع ملوكي النقود على المنضدة أمام جورج من دون كلام، ووضع نصف القنينة في جيب بدلته الجانبي ضاغطاً بها على عظام الهدهد. عاد إلى الماجدية ودخل بيت نجرس الخالي من ساكنيه، وأخذ من المطبخ رغيفي خبز وعدداً من حبات البطاطا المسلوقة والخيار والطماطة. خرج ماراً بالورشة فلم يجد نجرس، وواصل سيره ليغوص في البستان المجاور. بعد ساعة من خروج ملوكي من التوقيف، تحركت الألسن في طول الماجدية وعرضها، لتلوك بهمس ذلك الذي جرى له. تنقلت تلك الحقيقة بأسرع مما تنقل أسلاك البرق: أُلقي القبض على ملوكي ووضع في التوقيف.. تنقلت هذه الجملة بين البيوت، من الأبواب والشبابيك والسطوح، دارت في الشوارع والساحة الوحيدة في الماجدية، وعبرت الجسرين إلى الجانب الآخر من النهر، وحملها الصيادون البربرة فوق ظهور قواربهم في أنهار دجلة والكحلاء والمشرح، ورموها إلى الأسماك مع شباكهم في أعماق تلك الأنهار. ثم وقعوا فيما بعد في القنوط حزانى وحائرين ومنذهلين، لا لأنهم لا يجيدون نشر الشائعات، ولا لأنهم لا يحبذون القيل والقال، بل لأنهم اصطدموا بفراغات عديدة بين كلمات تلك الجملة أشاعت البلبلة في عقولهم التي لا تقبل بأنصاف أو أرباع الحقائق. تساءل الكثير منهم بنبرة أعلى قليلاً من الهمس: ماذا يعني أن مفوضاً يضع ملوكي في التوقيف، ثم يقوم مفوض آخر بإطلاق سراحه؟.. بدأ الماجديون، أو أولئك الذين يمتلكون عقولاً تتوهج بمصائب الآخرين، بوضع الافتراضات لملئ تلك الفراغات المحيّرة. غير أن القنوط أصابهم ثانية، فملوكي لا يمتلك أسراراً أو حياة أخرى يمارسها بعيداً عنهم، فهو واضح كوضوح المياه الجارية في نهر الكحلاء، وحتى لو ارتكب فعل السرقة، فليس هناك من يجرؤ على ملامته، فقاطنو الماجدية يكنون احتراماً خاصاً للصوص، إذ ينظرون إليهم كضرب من الشجعان الذين يتحدون النور والظلام والموت المتربص في كل لحظة، لينهبوا حاجات الغافلين والنائمين. إذن، ما الذي جعل مفوضاً يرميه وراء قضبان القانون، ثم يأتي مفوض آخر ليطوحه خارجها؟..كانوا يريدون الوصول إلى الحقيقة لكي تستقيم إشاعاتهم، فملوكي ليس وهابي الصفاط، ولا أحمد القصاب. هم يعرفون جيداً أن ملوكي ليس جليس لياليهم المترعة بالخمرة فقط، بل ولد في نفس الزقاق الذي ولد فيه المفوضان وليد وعدنان. صحيح أنه لم يكن من أترابهم، لكنه استطاع اللحاق بهم في أواخر صباهم. ولكي يتخلصوا من البلبلة التي عصفت بإشاعاتهم، اصطادوا علوكي أكثر من سبعين مرة، وأكثر من سبعين مرة أخبرهم علوكي أنه لا يعرف أكثر من أن ملوكي خرق القانون. فيما بعد، عرف نجرس الذي تلقى الأخبار في وقت متأخر جداً، أي قانون ذاك الذي قام ملوكي بخرقه، لكنه لم يخبر أحداً به مفضلاً الاحتفاظ به لنفسه من دون أن تنبئه تجاربه الحياتية الطويلة بالخطر الجاثم قريباً من ملوكي، لأنه في تلك اللحظة، اعتقد أن كل ما قام به هذا الأسود الأحدب يمكن اعتباره من عبث الصبيان الذي يغفره الآخرون عادة. غير أنه لم يرد إلى خاطره أن ملوكي هو الذي لن يغفر أبداً. ظهر ملوكي في الورشة في منتصف اليوم التالي، مترنحاً وبسحنة منقلبة وببدلة ملطخة بالطين. اتجه إلى السقيفة ماراً بنجرس المذهول بهيئة ملوكي الغريبة، فقد كان كل شيء في وجهه متورماً. تبعه نجرس ووقف إلى جانب عمود السقيفة، وتفحصه بنظره وهو متمدد على ظهره. خاطب نجرس بصوت لا حياة فيه: -أعطني سيجارة. أشعل سيجارة وناولها له، وحين عرف أن ملوكي عازف عن الكلام، أعطاه ظهره وعاد إلى عمله. استيقظ ملوكي قبل وقت تسلم الرسائل. غطس ببدلته الملطخة بالطين في النهر، وخلافاً لأحاسيسه القديمة لم يشعر بالنشوة تتغلغل وراء جلده جراء مرور تيارات الماء بجسمه الغاطس في النهر. بدا له أن جسمه وبدلته أخذ ينفثان أبخرة ساخنة يمكنه رؤيتها. تحت ضغط هذا الشعور نضا بدلته عنه وهو ما يزال غاطساً في الماء. غسلها من دون عناية، وخرج من النهر لينشرها على أحد الزوارق. عاد إلى النهر وجلس على قاع الجرف الرملي المتماسك، تاركاً رأسه فقط فوق الماء. لا يعرف ملوكي كم مضى عليه من الوقت وهو جالس على قاع النهر، لكنه يعرف جيداً أن وقت تسلم الرسائل لم يحن بعد. مع ذلك قرر أن يسبق الوقت، وخلال ماكان يرتدي بدلته التي ما تزال تقطر ماءً، هزه شوق غريب لتسلم واحدة من تلك الرسائل التي تشيع الدفء في قلبه الملتاع. في تلك اللحظات التي تلت ارتداء بدلته المبللة، نسى نسياناً تاماً كل ما ذاقه من أذى، وكأن شخصاً آخر غيره تلقى تلك الصفعات المؤلمة وأمضى ليلة ونصفي يومين من دون أكل أو نوم في غرفة التوقيف. ذهب مسرعاً إلى لسان الأرض وعاد مسرعاً أيضاً من دون أن يجد رسالته الموعودة. رمى نفسه على حصير القصب تحت السقيفة، وواصل النوم من دون أكل أو شرب طوال يومين، حاول نجرس خلالهما أن يسحبه من نوم الموتى هذا، لكنه فشل. في فجر اليوم الثالث فتح عينيه المتورمتين من النوم الطويل. كان فمه جافاً وشفتاه مشققتين تعلوهما طبقة من القشور. قلب نظره في الورشة، في النهر وفي لسان الأرض على مبعدة منه. يبدو أن ملوكي من ضرب العشاق الذي يجدد النوم طاقة عشقه، فهو منذ استيقظ حتى هذا الوقت الذي أمضاه غاطساً في جرف النهر، سيطر عشقه على كل حواسه. فكر: كم من الوقت مضى من دون أن يرى الحبيبة... حين توصل إلى عدد الأيام عجب كيف أن قلبه لم ينفجر لحد الآن. في الضحى توجه إلى حيث بيت الصياد الأعرج. وقف أمام الباب المغلق متجاهلاً أو متناسياً المصائب التي هجمت عليه من وراء هذا الباب.. طرقه بيد ثابتة وبقلب عاشق يوشك أن يتمزق. انفتح الباب عن ساهرة التي شحب وجهها لمرآه، والتقط في تلك اللحظة المتوترة ذلك الشحوب، ولاحظ طبقة خفيفة من السواد تعلو جبهتها.. -ما الذي جاء بك؟ كانت تلهث، وكان صدرها يعلو وينخفض بسرعة: -لا تأت مرة ثانية أيها القرد الأسود. وأغلقت الباب بعنف في وجهه. لم تهوِ مطرقة على رأسه، أو شرارة كهربائية مرت به وصعقته، إنما تقوض شيء في صدره، تقوض حتى كان يسمع صوت تقوضه. وهكذا لم يعد للبساتين وللطيور وللنهر معنى. عاد إلى الورشة مثل رجل عاد من المقبرة بعد أن دفن جميع أفراد عائلته، ولأول مرة في حياته شعر ملوكي أنه وحيد. فكر: إذا لم تكن تحبني فهي تحب مَنْ؟.. وتلك الرسائل، أهي مجموعة أكاذيب؟.. لم يكن يعرف ماذا يفعل بمشاعره المشبوبة التي تكاد تقلع قلبه وترميه بعيداً عنه. جلس على أحد الزوارق المقلوبة قريباً من الساحل، واضعاً رأسه بين ركبتيه، وناظراً إلى الأمام من دون أن يرى أي شيء. حاول نجرس أن يجره إلى العمل معه في تبديل ألواح زورق مرفوع عن الأرض بدعامات خشبية، لكن ملوكي لم يستجب له. استمر في جلسته في نفس المكان وعلى نفس الوضعية حتى غروب الشمس. ثم اختفى من دون أن يراه نجرس أو يحس به، كما لو أنه تبخر في الهواء. اكتشف نجرس في صباح اليوم التالي اختفاء أحد زوارقه الثلاثة الصغيرة التي يؤجرها للصيادين البربرة أو لطالبي متعة التجذيف من شباب المدينة، وعرف أن ملوكي هو مَنْ أخذ الزورق. بعد غروب شمس ذلك اليوم بساعات قليلة، سمع قاطنو صف البيوت المطل على الشارع بين الجسرين، وسمع نجرس وهو في بيته، وسمع المفوضون الثلاثة وجلساؤهم فوق لسان الأرض، والعابرون على الجسرين أغنية ملوكي الغريبة، أغنية الصياد الصغير مثلما أطلق عليها قاطنو الماجدية. وعلى الرغم من أن أحداً لم يكن قادراً على فهم لكماتها الغريبة الغامضة، غير أن الجميع كان يشعر بها مثل سكاكين تقطع نياط القلب. كان علوكي يصيخ السمع لها، ليس لكلمات الأغنية غير المفهومة، وإنما للصوت ونبراته وتردداته التي ترتفع لتصبح أقرب إلى العويل، ثم تنخفض لتتحول إلى ما يشبه النحيب. في إحدى جلسات الليالي قال بصوت حزين: -هذه ليست أغنية، أنها نزيف قلب سيموت آجلاً أو عاجلاً، أو ربما هي صرخة أخيرة لرجل ذبيح. انقضى أكثر من أسبوع على اختفاء ملوكي والزورق، وفشل الجميع في العثور عليه، حتى المفوضين الثلاثة وجلساءهم الذين يهبون من جلستهم حين تقترب الأغنية منهم، لم يعثروا عليه برغم أنهم يتوزعون على الجدار الخرساني والساحل بامتداده بين الجسرين. كانوا يسمعون أغنية الصياد الصغير قريبة جداً منهم، إلا أنهم لا يرون المغني وكأنه كائن غير مرئي، وشاع في الماجدية أن ملوكي أصيب بالجنون بسبب معاشرته للجن طوال الليل. وصلت تلك الشائعة لجحيل وأولاده الذين رفضوا تصديقها. لكن جاسم الابن الأكبر ذهب إلى ورشة المندائي وسأله من دون مقدمات: -ماذا حل بملوكي؟ -لقد أحب. فكر جاسم قليلاً وعاد يسأل المندائي: -أحب؟.. لماذا؟ عجز المندائي عن الجواب، ليس في وقت طرح السؤال، بل حتى بعد سنوات. لكنه بذل جهداً هائلاً ليمنع يده من أن تهوى بالمطرقة على رأس جاسم. قال بحنق: -امض.. امض من هنا بسرعة يا جاسم. نسى الناس وجود ملوكي على الرغم من سماعهم طوال الليل أغنيته الناحبة. حتى المفوضين الثلاثة وجلسائهم بدأوا ينسونه تدريجياً على الرغم من أنهم كانوا يتألمون لسماع أغنية الصياد الصغير، الصياد الهائم في الفضاء من دون أن يروه. الوحيد الذي يراه هو المندائي، ففي كل ليلة، وفي ساعة بعد منتصف الليل، كان المندائي يقف على الساحل في ورشته منتظراً قدوم زورق الصياد الصغير الذي لن يتأخر طويلاً. يتقدم نجرس نحو الزورق ويناول الأسود الأحدب سلة مليئة بالخبز والطعام والسجائر. يظل الاثنان ينظران إلى بعضهما، نجرس الواقف على الساحل، وملوكي الجالس في مؤخرة الزورق، مريحاً المجذاف على فخذيه: -إلى متى يا مولكي؟ -لقد خدعوني يا نجرس. وتتوقف الكلمات بينهما، وعندئذ ينحني المندائي ويمسك مقدمة الزورق ويدفعه بقوة محرراً إياه من رمل الساحل. بعد مرور شهر كامل على اختفائه، ظهر هو وزورقه في النهر بعد الساعة الثالثة من بعد الظهر. حين زحف الزورق قليلاً على رمل الشاطئ، نزل ملوكي منه وسار مترنحاً باتجاه مجموعة من النخيل القصير القامة خلف الورشة. تابعه نجرس وهو يردد: -ثمل في الظهيرة؟ ركع ملوكي على ركبتيه أمام تلك النخلات، وحفر الأرض بيديه العاريتين، ثم اخرج الزجاجة والكأس اللتين ينسى مكانهما في الصحو. انقلب إلى النهر وغسلهما من التراب والطين العالق بهما. حين نهض واجه نجرس الذي كان يقف خلفه.. سأله: -أنت ثمل فما حاجتك لهذه القنينة؟ مر من جانب نجرس من دون أن يرد عليه. غاب وراء مخزن الأسماك، وواصل مشيته المترنحة، منعطفاً إلى أول زقاق صادفه، ثم وقف أمام بقالة منشد، وسأله: -هل لديك صفيحة نفط أبيض؟ -لدى نصف صفيحة فقط. -هاتها. ناوله منشد صفيحة القصدير المملوءة حتى نصفها نفطاً أبيض من دون أن يسأله ماذا يفعل بها، بخاصة أن ملوكي أخبره أن يأخذ النقود من نجرس. ظن أن نجرس أرسله في طلب هذا النفط، لكنه فيما بعد، حين اشتعلت الدنيا من حوله، تذكر أن نجرس لا يستخدم النفط الأبيض في عمله بل النفط الأسود. كانت الشمس ما تزال قرصاً أبيض يجلد الناس والجسرين والشوارع والبيوت والنهر بسياط ملتهبة، عندما بدأ ملوكي يترع كأسه على لسان الأرض، تحت النخلة السامقة، في نفس المكان الذي كان يتسلم فيه رسائله التي جعلت منه إنساناً يستحق العطف لحماقته وبلاهته. لم تختلف عن جلساته السابقة إلا بأمرين: صفيحة النفط التي بجانبه، والوقت المبكر جداً لحفلته. خلال ما كان يكرع كأسه بنفس الطريقة السابقة كان يبكي، يبكي بصمت ليس على حياته، بل على حبه الذي كان ضرباً من الغش والخداع. تذكر الأيام التي صار فيها خادماً من دون أجر لفتاة جاحدة حطمت عظام ظهره وهي صغيرة، تذكر الصفعات القوية التي نالها من أخيها، تذكر الليلة ونصفي اليومين التي أمضاها باكياً وذليلاً ومرمياً في زاوية قذرة من غرفة التوقيف. فكر: إن حبي المزعوم، حبي الذي لا وجود له برغم عظام الهدهد القابعة في جيبي، قد حولني إلى خرقة مسحوا بها كل القاذورات التي شاؤوا أن يزيلوها. ثم انخرط في بكاء صامت طويل. ثقل رأسه وثقلت أجفانه. حاول أن يقاوم الثقل الذي أخذ يضغط عليه من كل جانب. حين استيقظ كانت ظلمة الغسق الخفيفة قد حطت على البيوت والشارع والنهر والجسرين. التفت إلى الوراء ليرى إن كان المفوضون الثلاثة قد بدأوا جلستهم المسائية أم لا. بدا عليه الارتياح عندما لم يجدهم. أزال كومة الطين الصغيرة المستعملة كسدادة لصفيحة النفط. نهض على قدميه وكاد يهوي من فوق لسان الأرض إلى الساحل، وبذل كل ما يمتلك من طاقة ليوازن نفسه. رفع الصفيحة إلى ما فوق رأسه وقلبها رأساً على عقب، وعندئذ شعر بالنفط على رأسه ثم تغلغل إلى الأسفل، إلى جسده، إلى كل جزء من جسده، وتشربت بدلته الرمادية المزرقة بالسائل بكاملها، ثم أخذ النفط يسيح منها إلى الأرض. رمى الصفيحة من فوق لسان الأرض إلى الساحل، وبحث عن علبة الكبريت فوجدها مبللة بالنفط، وباءت بالفشل كل محاولاته في إشعال عود منها. وهكذا اتجه إلى الشارع مترنحاً وشاعراً بالحرارة والحكة في كل أجزاء جسمه التي أحدثهما النفط. على رصيف الشارع انتظر شخصاً يمر ليستعير منه علبة كبريت. بعد خمس دقائق أو أكثر قليلاً مر رجل بيده سيجارة. أوقفه ملوكي وأخذ منه علبة كبريت. كان الرجل ينظر إليه مبتسماً وهو يراه يفشل في إشعال عود وراء آخر. طلب ملوكي منه أن يشعل له عوداً، فقام الرجل بذلك بسرعة والابتسامة ما زالت معلقة في وجهه. أخذ ملوكي العود المشتعل منه وقربه من البدلة. رأى الرجل، في اللحظة التي تحولت فيه ابتسامته إلى صرخة، عموداً هائلاً من النار انطلق في اتجاهين، نحو الأعلى وإلى الأسفل، وكادت النار لضخامتها أن تمسكه هو أيضاً لولا فراره السريع. لم يعرف ملوكي أن للنار مثل هذا السعير الهائل. شعر بمعدته تغلي فتقيأ كل ما فيها، كما شعر بقلبه يكبر بسرعة حتى يكاد ينفجر، ومع ذلك ازداد عدد دقاته. لم يكن يريد سوى المزيد من الهواء، وحين أخذ جسده ينفث رائحة الشواء، بحث عن الماء، عن النهر. انطلقت من جوفه الملتهب صرخات لا تشبه أية صرخات يطلقها كائن بشري، وهو يدور حول نفسه، وبدلاً من الاتجاه إلى النهر، توجه راكضاً ومدفوعاً بسعير لا مثيل له نحو صف البيوت. دخل أول بيت رأى من خلال اللهب بابه مفتوحاً. ذعر الساكنون وهم يرون ناراً عظيمة تدخل إلى بيتهم راكضة، ظنوا أنها عجلة سيارة مشتعلة دفعها أحد السفلة إلى داخل دارهم. لكن حين قفزت تلك النار وانطرحت على الأرض، ثم هبت واقفة ودخلت غرفة أفرشتهم، ثم عادت إلى الخروج وصعدت إلى السطح، لتقفز إلى الدار المجاورة.. حين رأوا كل ذلك، ثم رأوا النيران تُخرج ألسنتها الكبيرة من غرفة الأفرشة لتنتشر في كل غرف الدار، تركوا دارهم وفروا مذعورين. كانت تلك النار القافزة، الصارخة، والمتوهجة باستمرار، المنطرحة على الأرض والناهضة ثانية بنشاط أكبر، قد طاردها الرجال والنساء والأطفال بالحجارة وبقضبان الحديد وبالمجاذيف والمرادي من بيت إلى بيت، تاركة وراءها نيراناً متفجرة أكبر منها. خمسة بيوت من الطابوق خرجت ألسنة اللهب الهائلة راقصة بوحشية من شبابيكها الخارجية. لم تعد سوى النيران والصراخ، صراخ النساء والأطفال والرجال، موجودة في هذا الجزء من الماجدية. شارك المتجمهرون الذين قدموا من الأزقة وساحة الماجدية الوحيدة، في رجم وضرب النار القافزة والصارخة، ونجحوا في إبعادها عن البيوت الأخرى، غير أنها اتجهت بسرعة، وعلى نحو أعمى، إلى أكواخ الصيادين القائمة إلى جانب مخزن الأسماك الكبير. وهكذا اشتعلت نار عظيمة في سبعة عشر كوخاً من القصب والبردي، بعد أن فر الصيادون ونساؤهم وأطفالهم من وجه هذه النار الغاضبة. تضاعف عدد الجمهور في الشارع الذي أضاءته ألسنة اللهب التي ما تزال تطلق أزيزاً من البيوت الخمسة، وأخذت الأكواخ ترمي في الفضاء كتلاً من النيران المتوهجة بشدة. بدا وكأن صراعاً يجري بين النار الراكضة الصارخة وبين الجمهور الذي فقد السيطرة على هدوئه، فأخذ يرمي هذه النار بكل ما تقع يده عليه، وحين تتجه النار نحوه كان يهرب تاركاً الشارع فارغاً أمامها. ثم وجدت تلك النار الغاضبة الطريق إلى النهر.. انحدرت بسرعة هائلة نحوه، وسُمع صوت ارتطامها بسطح الماء، ثم غطست تحته. راقب الناس المجتمعون على كتف النهر، النار التي انبثقت من تحت سطح الماء وقد ازدادت توهجاً، كما راقبوا بقعاً من النار انفصلت عنها، وظلت مشتعلة وطافية ومتهادية مع تيار الماء. ازداد هياج النار الزاعقة وازدادت حركتها العنيفة نحو اليسار تارة ونحو اليمين تارة أخرى، من دون أن تتوقف أو تنطفئ.. فجأة، اندفعت خارجة من النهر واتجهت نحو المنحدر مصحوبة بذلك الصراخ اللاإنساني، وهذا يعني أنها اتجهت نحوهم، فتهيؤوا للفرار. في هذه اللحظة، شق المندائي طريقه بينهم برأس مكشوف، من دون عقال أو كوفية.. شق طريقه مطوّحاً بالرجال والنساء على جانبيه. رآه الجميع ينحدر بسرعة نحو النهر، نحو النار التي بدأت تصعد المنحدر ببطء وهي تدور حول نفسها، ثم رأوه ينشر بطانية ويلف بها تلك النار التي ظلت تطلق ألسنة صغيرة من تحت حواف البطانية.. لف المندائي البطانية بإحكام حول النار التي همدت حركتها وسقطت ملفوفة بالبطانية على الساحل. حين حمل المندائي البطانية بين ذراعيه وصعد بها راكضاً فوق المنحدر، رأى المتجمهرون سحباً كثيفة من الدخان تخرج من طرفي البطانية، وشموا رائحة شواء لحم مقرفة بقيت معلقة في الجو فترة طويلة. أوقف المندائي سيارة حين انطلقت بسرعة نحو المستشفى. شعر المندائي الذي يضم البطانية إلى صدره برأس ملوكي يميل مع استدارة السيارة يميناً ويساراً. شعر به من وراء البطانية يميل بليونة إلى الجانبين كما لو أن رقبته أصبحت من المطاط المطاوع. عندئذ أطلق المندائي صرخة طويلة مرت بكل المحلات على الطريق وسمرت المارة في أماكنهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |