|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- 9 - حين بزغ فجر اليوم السادس لمجلس الفاتحة، سلك جحيل الأزقة المتشابكة بين شارعي الجسر والملعب. دار مع انعطافاتها العديدة وقطع مسافة كبيرة ليعبر النهر من فوق جسر الكحلاء، لكي يتفادى المرور بالسرادق. كانت نفسه المسالمة المتصالحة مع جميع صروف الحياة قد نفرت من هذا المكان، على الرغم من معرفته أن الناس تأتي إليه لتقرأ سورة الفاتحة على روح ابن أخيه. لم يكن جحيل قد كذب أو ظن الظنون السيئة بالأحاسيس التي كانت تعتمل في أعماق نفسه في أيما يوم من الأيام الماضية. وهكذا نما الخوف في قلبه منذ الأيام الأولى لظهور هذا السرادق. كان ظنه بوجود شيء شرير داخل السرادق منذ اليوم الثاني لمجلس الفاتحة، قد انقلب إلى يقين لا يمكن إثباته، لكن أحاسيسه كانت تثبت له ذلك وتؤكده، وما كان جحيل، الرجل الجاهل، البسيط، الطيب والمسالم، يشغل فكرة ليبحث عن الوقائع بشكل مضنٍ ليثبت أن تلك الأحاسيس ترتكز على دعامات حقيقية. غير أن هذا لا يعني أن ظنونه من ذلك الضرب القادم من وراء الغيب، بل أن مخاوفه من تلك الظنون قد جاءت من أكثر المخلوقات واقعية: المفوضون الثلاثة. أمس مساءً، حين عاد إلى البيت في ساعة متأخرة، يعني بعد أن أطفأ السرادق أضواءه إعلاناً عن عدم استقبال المعزين، وجد المفوضين الثلاثة ينتظرونه في باب البيت، صافحوه واحداً بعد الآخر والدموع في عيونهم، ثم وضع المفوض وليد كمية من الأوراق المالية في يده. قاوم يد المفوض محاولاً عدم أخذها، لكن اللهجة اللينة للمفوض أوقفت حركة يده: -ما الأمر يا جحيل؟.. هذه النقود من حقك، فالمرحوم كان بمثابة ابنك. قال جحيل: -إنها كثيرة.. كيف أردها؟ قال المفوض عدنان: -مَنْ طالبك بردها؟ أكد جحيل: -إنها ديون موتى. قال المفوض جعفر: -إنها ديون ملوكي التي يجب أن يدفعها الأحياء. ارتعش جحيل لسماعه هذه الكلمات. طمأنه المفوض وليد: -ستذهب دفاتر الأسماء مع مياه النهر، فلا تقلق. وتركوه قلقاً في باب بيته، وظل قلقاً حتى داخل بيته. اضطر برغم نفسه غير المستقرة أن يخرج العلبة المعدنية من باطن الأرض، ويضيف هذه النقود إلى النقود السابقة التي أعطاها له المفوضون الثلاثة، ويعيد دفن العلبة. تيقن في تلك الليلة، وربما للمرة الألف، أنه باع ابن أخيه للمفوضين الثلاثة بهذه النقود. عندما عبر الساحة باتجاه جسر الكحلاء لم يلحظ أو ينتبه إلى الجسر إلى يساره، فهو لم يرَ الأرض الخلاء بين الجسرين قد امتلأت بالجنود والحافلات الكبيرة والسيارات الصغيرة، كما لم يرَ بائعات الحليب والقيمر والشاي اللواتي توزعن مع أطباقهن وأوانيهن في منتصف الرصيف عُير المعبد بين الشارع والنهر. لكن الذي رأى كل ذلك بوضوح هو الجندي الغريب الذي خرج في الفجر أيضاً من تحت غطاء السرادق الخلفي، ليرمي الزجاجات الفارغة في النهر. اعتقد للوهلة الأولى أن هذا النشاط يحدث كل يوم، وحين سمع نداءات مساعدي السائقين على اتجاهات سياراتهم لم يسرع ليخطف حقيبته من داخل السرادق ويركض ليحصل على مقعد في السيارة التي ستأخذه إلى مدينته، لم يفعل مثلما فعل الجنود قبله أمس وأول أمس. دخل السرادق من نفس المكان الذي خرج منه، أعاد الأريكتين المستعرضتين إلى مكانيهما ونظف الفسحة من كل ما تركته جلسة ليلة أمس. أدار المراوح المنضدية وفتح آلة تسجيل الصوت فسبح صوت المقرئ فوق البيوت والنهر والجنود الذين أداروا رؤوسهم نحو السرادق. حاول بعضهم أن يتوجه إليه، لكن بائعات الفطور أوقفنهم حين أكدن بأصوات واثقة: -لن يُفتح إلا بعد العاشرة. أعادوا حقائبهم إلى أماكنها في الأرض وجلسوا عليها. بعد أقل من عشر دقائق انفتح باب بيت مقابل للسرادق، خرج منه صبيان، ولد وبنت، يحملان صينيتين كبيرتين فوق رأسيهما، واتجها نحو باب السرادق. أخذهما الجندي الغريب منهما ثم أعاد سد الباب بعقد الحبال. كانت أسرار السرادق تتكشف بسرعة للغريب. مرت حافلة كبيرة من أمام السرادق وأطلقت صوت منبهها الضاج المزعج، فسقط ثلاثة أو أربعة من أولاد جحيل من الأرائك إلى الأرض لاعنين شاتمين، كما هب المفوض وليد جالساً في الأريكة النائم عليها: -ألا يكف هؤلاء السائقون عن إطلاق منبهاتهم في باب السرادق؟ أجاب المفوض جعفر وهو مازال متمدداً على أريكته: -أنهم يفعلون ذلك كما لو أن السرادق ضريح أحد الأولياء الصالحين. انتبهوا جميعاً إلى صوت المقرئ المرتل لآي الذكر الحكيم. قفز وليد وأطفأ آلة التسجيل، التفت بوجه يحمل بوضوح آثار جلسة ليلة أمس.. قال بغضب: -مَنْ فعل ذلك؟ أجاب الجندي الغريب: -أنا. -لا تفعل ذلك مرة أخرى. -لماذا؟ -ستجعل الناس يدخلون علينا ويعرفون ما نقوم به. عادوا إلى النوم من دون أن ينتبهوا، أو من دون أن يهتموا إلى ما يجري في الأرض الخلاء بين السرادق وجسر الكحلاء. أيقظهم صانع القهوة بعد العاشرة بقليل. كانوا يبحثون عن أحذيتهم تحت الأرائك عندما ولجت صواني طعام أبناء السبيل، ثم تبعتها صواني الشاي. اكتشفوا أن السرادق يكاد يكون ممتلئاً بالجنود الذين قفزوا من الأرائك وتحلقوا حول طعام أبناء السبيل. في الخارج، أمام السرادق تساءل المفوض جعفر: -متى جاء كل هؤلاء الجنود؟ رد عليه المفوض عدنان: -إنها بعد العاشرة الآن.. دع روح ملوكي تسبح بالرحمة فقد تعذبت كثيراً. لكنهم عندما التفتوا ناحية جسر الكحلاء، هالهم ما فعلته روح ملوكي بالماجدية. قال المفوض وليد بدهشة: -هذه محطة سيارات كاملة.. إنها أكبر من محطة السيارات الرسمية. مع ذلك، لم يعتبروا ما رأوه خروجاً على المألوف أو القانون، فحافلات المسافرين وسيارات نقل الركاب الصغيرة والمسافرين أنفسهم، لم يمارسوا عملاً يمكن أن يهزأ أو يعبث بهيبة القانون، فالحافلات والسيارات ظلت تنقل المسافرين إلى مقاصدهم، وظل المسافرون يركبون وسائل النقل تلك بنفس طرقهم السابقة. غير أن نقابة النقل بسطت لهم الأمر فيما بعد بطريقة مغايرة تماماً لنظرتهم، فدكاكين الباعة ومحلاتهم والمطاعم والمقاهي الموجودة داخل بناية المحطة أقفرت من الزبائن، وبعبارة لا تتحمل اللبس أو الإبهام: أن المسافرين تركوا المحطة وعبروا إلى هذا الجانب، لأنهم يحصلون على الطعام والشاي مجاناً، إضافة إلى الجلوس في ظل مبرد بهواء المراوح ومكيفات الهواء، ومجاناً أيضاً. وهكذا حين تقدم الحافلات والسيارات إلى المحطة لا تجد أحداً، فاضطر السائقون إلى العبور وراءهم، وهذا يعني أن الخسارة لحقت بالنقابة، فأولئك السائقون لا يدفعون رسوم المحطة، فسياراتهم تأخذ المسافرين من خارجها.. هل رأيتم ماذا يحدث؟.. كان المفوضون الثلاثة يرون ما يجري من مكان آخر، مكان يبعد كثيراً عن المكان الذي نظرت منه النقابة، لذلك قال لهم المفوض وليد: -ما شأننا بكل هذا؟.. هل تمنعوننا من تقديم الطعام والشاي ثواباً لروح المتوفى؟ لم يواصل مسؤولو النقابة حديثهم السابق المشحون بالاحتجاج، إذ وجدوا أنفسهم في منطقة ينبغي عليهم الانسحاب منها على عجل، وإلا فإنهم سيجدون أنفسهم مطوقين وعاجزين عن الخروج منها، فهم على دراية تامة أنهم في مواجهة ثلاثة من المفوضين المعروفين بقوة الشكيمة المستمدة من صلابة القانون من جانب، والمسندين ظهورهم إلى مجلس فاتحة من جانب آخر. بعد أقل من ساعة ظهر رهط من رجال الشرطة المسلحين بالهراوات والبنادق بصحبة مسؤولي النقابة. أعادوا الحافلات والسيارات الصغيرة إلى محطة نقل المسافرين من دون مشاكل، لكنهم لم يتحرشوا بالجنود الذين لم يتبعوا الحافلات والسيارات، بل ظلوا متجمهرين ومتوزعين مجموعات صغيرة في الأرض الخلاء. كان باعة الصباح قد انسحبوا تاركين الساحة لباعة الظهيرة، فظهرت عربات تبيع الكباب والتكة والكبة الكروية السابحة في مرقها، ودار بين جمهرات الجنود والمسافرين الآخرين صبيان يبيعون السجائر بالمفرد، وباعة آخرون يعرضون حاجات لا تخطر على الذهن إلا عند الحاجة إليها كالبطاريات الجافة وملاقط إزالة الشعر ومسامير تنفذ في الجدران المبنية بالسمنت المسلح بالحديد وحبوب منع الحمل وقنابل أعماق المياه لصيد الأسماك وغيرها. حتى قبل أن يقدم طعام الغداء في السرادق لم يأتِ أحد لا من قاطني الماجدية ولا من محلات المدينة الأخرى في الجانب الآخر من النهر، ليقدم التعازي ويتبرع بالمال كمشاركة في تكاليف العزاء. كان المفوضون الثلاثة لا يجهلون السبب، فكل المعارف وغير المعارف جاؤوا ودفعوا، ولا أحد خلال هذا اليوم جاء سوى الجنود والفقراء وكبار السن من قاطني الماجدية. وهكذا بقيت صفحات الدفاتر التي فتحها المفوضون الثلاثة بيضاً دونما أسماء ودونما أرقام. وهذا يعني أن مجلس الفاتحة ستلحقه خسارة في الموارد المادية. مع ذلك، لم يتسلل القلق إلى المفوضين الثلاثة فيما يخص الطعام، والشاي والقهوة والسجائر، لأنهم لم يدفعوا مالاً مقابلها منذ اليوم الأول لمجلس الفاتحة. لكنهم قلقوا حين فكروا في الأمر من جانبه الاعتباري المتعلق بملوكي ومكانته بين الأموات، أموات الماجدية من ذوي الحيثيات بشكل خاص. لكن الجندي الغريب أدهش المفوضين الثلاثة وأولاد جحيل التسعة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى بقدرته على التنظيم والابتكار، يعني تقديم وتنظيم وجبات الطعام وصواني الشاي والسجائر خلال ساعات التعزية، وفتح باباً جديداً لموارد مالية لم تكن لترد في خاطر أي منهم على الإطلاق. فهذا الغريب الذي لم يخطف حقيبته المخروطية ويتوجه بعد الفطور نحو إحدى الحافلات التي تأخذه إلى مدينته، نظم أوقات تقديم الشاي وفق جدول زمني صارم، وعندئذ أخذت هذه الصواني تظهر مرة في كل ساعة، أما دلة القهوة فكادت تختفي وأصبح ظهورها مرتبط بشخصيات ذات حيثيات، وما عاد الطعام يُقدم لكل مَنْ يدخل السرادق، إنما اقتصر تقديمه على وجبتي الغداء والعشاء، وحتى طعام أبناء السبيل تقرر تقديمه مرتين، الأولى قبل ساعة من وجبة الغداء، والثانية قبل ساعة من وجبة العشاء، وفي كلا المرتين كان أولاد جحيل التسعة يبتلعون ثلاثة أرباع ما في الصحون. كما قام بصرف الصبيان الذين يقومون بحمل صواني السجائر ويدورون بها من دون توقف على الجالسين، فظلت تلك الصواني فوق المنضدة في منتصف السرادق، ومَنْ يريد سيجارة ينبغي عليه التوجه إلى تلك الصواني لأخذها، وهكذا دفع الخجل بالمعزين إلى إخراج علب سجائرهم من جيوبهم. استوعب المفوضون الثلاثة إجراءات الغريب بصعوبة، إذ لم يكن من ضمن اهتمامهم الاقتصاد في صرف ما يمكن أن يجلب الرحمة إلى روح ملوكي، إنما هم بالغوا في عرض كل ذلك للمعزين في السرادق، وللفقراء، خارجة من أجل أن تتدفق الرحمة على روح صديقهم. غير أنهم بدأوا منذ اليوم الرابع بالشك في نوايا المعزين الذين بدوا وكأنهم لا يرغبون في الابتعاد عن السرادق. كانت وجوه كبار السن والفقراء من قاطني الماجدية تتكرر، وكانت الملابس الخاكية لا تقل، بل تكثر ساعة بعد أخرى. لكنهم اتفقوا معه بسرعة وساعدوه بوضع طاولة فوقها صينية حين خاطب الجنود: -نحن نشكر لكم تعازيكم لنا بفقيدنا.. أنتم رجال شجعان وتعرفون ماذا يعني الموت، لأنكم واجهتموه أكثر من مرة... كما تعرفون ماذا يعني مجلس الفاتحة.. ماذا يعني مثل هذا المجلس بالذات.. أنتم رأيتم ماذا يُقدم فيه ومن المعيب أن نذكر كل شيء.. ألا تعتقدون أن مبلغاً مهما كان قيمته تضعونه في تلك الصينية بعد أن تقرؤوا سورة الفاتحة على روح المرحوم يساعد ذويه على تحمل بعض التكاليف؟.. ثم أن هذه المبالغ ستجعل مجلس الفاتحة يواصل تقديم ما يرضي روح المرحوم.. نشكركم على تعازيكم.. ليرحمه الله مَنْ قرأ سورة الفاتحة. ورفع يديه أمام وجهه وبدأ بقراءة سورة الفاتحة بصوت مسموع. أغلق المفوضون الثلاثة دفاترهم، وتقبلوا تعازي الجنود المضطرين لترك السرادق بعد أن قرؤوا سورة الفاتحة. كانت الصينية قد امتلأت بالأوراق المالية، وكان هواء المراوح المنضدية قد أخذ في بعثرتها. بعد أقل من نصف ساعة استبدل المفوضون الثلاثة الصينية الصغيرة بصندوق من الورق المقوى. كانت مجاميع كبيرة من الجنود قد قدمت من محطة السيارات لتحتل أماكن الجنود الذين غادروا. لكن حين قُدمت صواني الطعام لوجبة الغداء، عاد الجنود الذين خرجوا إلى السرادق مرة ثانية، فاضطر المفوضون الثلاثة أن يوجهوا حملة الصواني بوضع أخريات في الأرض الخلاء بجوار السرادق. انتهت وجبة الغداء على غير ما كانت تنتهي في الأيام الماضية. عرف المفوضون الثلاثة أن الطباخين حول القزانين وقعوا تحت سطوة الغريب. ما كان الأمر تخميناً أو مجرد توقع، إنما ذكر الطباخون وهم يتصببون عرقاً أمام ألسنة النيران المتوهجة تحت القزانين، إن ذلك الغريب وجه بعدم ملأ الصواني مرة ثانية. وهكذا لم ينل الجنود الذين قدموا فيما بعد على وجبة كان من المؤمل أو المحتمل تقديمها لهم من أجل الرحمة على روح المرحوم، واكتفوا بالشاي الذي كان يُقدم عندما دخلوا السرادق. لكن روح ملوكي سلكت سبلاً غريبة بعد أن أهمل المفوضون الثلاثة الوسائل التي مارسوها في الأيام الماضية لإغراقها في بحار من الرحمة. فهذه الروح دفعت الفتيان والصبيان والأطفال الحاملين قدور القصدير إلى محاصرة الطباخين، ثم مهاجمتهم بضراوة حتى كاد يُقلب القزانان. وعلى الرغم من تدخل المفوضين الثلاثة وتكشيرات الطباخين وتهديداتهم، فقد وصل حملة القدور القصديرية إلى ما في داخل القزانين، وبدؤوا بعملية بائسة لنهب الطعام. استسلم المفوضون الثلاثة والطباخون عندما ساهم الجنود الذين حُرموا من وجبة الغداء في غرف الطعام من القزانين، وخلال دقائق اختفى كل ما في القزانين. جلس المفوضون الثلاثة في مقدمة السرادق بوجوه منقلبة، فجأة، تقافز الجنود منطلقين إلى الخارج وحقائبهم تتأرجح على ظهورهم، إذ ارتفع نداء من الطرف الثاني للأرض الخلاء: -بغداد.. بغداد.. بعد أقل من ساعة عادت محطة السيارات الجديدة إلى الظهور مرة ثانية، وعبرت وراء الحافلات وسيارات نقل الركاب الصغيرة عربات الباعة من كل صنف، والباعة المتجولون ومجموعة من الرجال والنساء الدائبين على استجداء الصدقات. أغلق مسجل الصوت، لكن الجنود الذين يقصدون مدناً غير بغداد لم يغادروا السرادق، بل نهضوا من الأرائك وتمددوا على الأرض جاعلين من حقائبهم وسائد تحت رؤوسهم. لم يعرف المفوضون الثلاثة ماذا يفعلون أو ماذا يقولون للجنود المتمددين في طول السرادق وعرضه. حتى الجندي الغريب بدا وكأنه فقد حيلته أمام هؤلاء المتعبين الذي قرروا النوم في مجلس فاتحة. لكن المفوضين الثلاثة تسامحوا لا لأنهم عثروا على وسيلة جديدة تجلب الرحمة لروح ملوكي، بل لأنهم يعرفون أن الشمس خارج السرادق أحرقت الأرض وجعلتها تنفث الأبخرة الساخنة. وهكذا تمددوا هم أيضاً على الأرائك تاركين باب السرادق مفتوحاً لمن ينوي الولوج إلى الداخل أو الانقذاف خارجاً. منذ العصر وحتى اختفاء الغسق، اكتظت الأرض الخلاء بين الجسر والسرادق بالحافلات والسيارات الصغيرة والمسافرين والعربات والباعة. كان الجنود قد اتخذوا، كما لو أنهم عقدوا اتفاقاً مسبقاً، السرادق مكاناً لتجمعهم وتفرقهم. في منتصف الليل باعت البيوت المقابلة لمحطة السيارات الجديدة التيار الكهربائي، فخرجت أسلاك عديدة من تلك البيوت لتنتهي بمصابيح متوهجة بالنور فوق عربات بيع التكة والكباب والرز والمرق. كان المفوضون الثلاثة يخشون أن تقف الحافلات في باب السرادق، فقد زحفت السيارات حتى لم تترك إلا مترين أو ثلاثة بينها وبين السرادق. في ليلة اليوم السابع نام العديد من الجنود القادمين من الجبهة في السرادق. كما شارك ثلاثة جنود إضافة إلى الجندي الغريب في الجلسة الحزينة للمفوضين الثلاثة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى وأولاد جحيل التسعة، وكانوا جنوداً كرماء جداً إذ دفعوا كل ما جُلب من جورج منصور من جيوبهم. طوال اليوم السابع لمجلس الفاتحة أصبحت محطة المسافرين الجديدة واقعاً من غير المعقول قبول اختفائه أو تدميره بقوة القانون، فالبيوت التي باعت التيار الكهربائي للباعة شاركت هؤلاء في بيع الشاي والخبز، وبعد الظهر تطور الأمر إلى تحويل غرف الاستقبال إلى مطاعم تقدم الطعام والشاي. ثم أخذت بيوت أخرى تبيع أقداح اللبن البارد، وظهرت نساء بحذاء جدران البيوت يصنعن خبز السياح الذي يبعنه مع البيض المقلي بالسمن. ووجد الأطفال وكبار السن ربحاً وفيراً في بيع أقداح الماء البارد من جرادل تطفو فيها قطع الثلج الكبيرة. في الساعة التاسعة من مساء اليوم السابع تغلغل الشك والخوف في صدور باعة سوق الماجدية وأصحاب المقاهي، فهم يعرفون مثلما يعرف أي شخص في المدينة، أن مجلس الفاتحة يجب أن يُختم في مثل هذه الساعة أو قبلها بساعة في الأقل، غير أن المفوضين الثلاثة لم يختموه، إنما استمر كشأنه في الليالي الماضية إلى ما قبل منتصف الليل. كان تجار المواشي والقصابون وباعة الخضراوات بالجملة متلهفين لمعرفة ماذا يعني عدم ختم مجلس الفاتحة. فكروا: هل نظل نرسل اللحوم والعجول والخراف والخضروات؟.. إلى متى؟.. ثم لعنوا ملوكي وساعة موته. في تلك الساعة كان المفوضون الثلاثة وجلساؤهم وستة جنود إضافة إلى الجندي الغريب يكرعون كؤوس الحزن على صديقهم الراحل. ثم غرق المفوضون الثلاثة في نوبة بكاء طويلة.. لم يمنعهم ذلك من عب الكؤوس خلالها، وبخاصة أولاد جحيل التسعة. بدأت أبخرة العرق تصعد بسرعة إلى رؤوسهم، فسأل جاسم بن جحيل الأكبر: -هل صحيح أن ملوكي أحب يا وليد؟ أجابه المفوض وليد وهو ينتحب: -ليته لم يفعل ذلك.. وليتنا عرفنا مَنْ تكون.. راقبناه وتبعناه لكننا لم نره يلتقي بأية فتاة. قال المفوض عدنان: -يبدو أننا مَنْ اختلق له هذا الحب وجعلناه يقتنع به. قال علوكي وهو يبكي: -الرسائل.. تلك الرسائل قتلته. توقف المفوض جعفر عن البكاء وخاطب علي بن موسى. -لولا رسائلك تلك.. قال علي بن موسى: -أنتم مَنْ طلب مني ذلك. قال المفوض عدنان والدموع في خديه: -أردنا أن نضحك، وها نحن نبكي. لم يفهم جاسم الابن الأكبر لجحيل ولا أخوته الثمانية شيئاً مما سمعوه، فمدوا أيديهم إلى كؤوسهم وشاركهم في ذلك المفوضون الثلاثة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى والغريب والجنود الستة. اجتاحت المفوضين الثلاثة نوبة بكاء جديدة، وكانوا يبكون بحرقة. في هذه اللحظات، وفي الظلام تعثر جحيل بخطواته البطيئة حتى وصل باب بيت المندائي.. ناداه بصوت خفيض عدة مرات، وحين لم يأته جواب صاح بأعلى صوته. خرج إليه نجرس من دون غطاء على رأسه. -نجرس... ماذا أفعل يا نجرس؟ -ماذا؟ -هؤلاء الأنجاس.. -مَنْ؟ -المفوضون الثلاثة وأولادي وعلوكي وعلي بن حسين وعلي بن موسى وعلي بن وحيد. -ما بهم؟ -قرروا أن يستمر مجلس الفاتحة عشرة أيام. -عشرة أيام؟.. أهم مجانين؟ -إنهم أنجاس.. إنهم يشربون العرق بعد أن يغادر الناس. -ماذا قلت؟ -لقد سمعت ما قلته يا نجرس. رأى جحيل عيني نجرس تلتمعان فجأة في الظلام، ثم سمع صوته: -إذن، هذا هو السبب في عدم نومهم في بيوتهم.. هل يعرف الناس بذلك؟ -نعم. -انتظرني. دخل نجرس إلى بيته ثم خرج بسرعة وعصا غليظة بيده، وخطا إلى الأمام بسرعة وتدحرج جحيل وراءه. وقفا في باب السرادق، ثم دار نجرس حوله وجحيل يتبعه.. صاح المندائي بأعلى صوته: -اخرجوا يا أولاد الحرام.. عشرة أيام؟.. تشربون العرق في مأتم ملوكي؟.. هيا اخرجوا.. وليد.. جعفر.. عدنان.. أنتم الذين في الداخل.. أنتم يا أولاد الحرام.. لماذا لا تخرجون؟ قال جحيل: -لا يرد أحد يا نجرس. -أعطني علبة كبريتك. ناوله جحيل علبة الكبريت.. عاد يصيح بأعلى صوته: -سأخرجكم من جحوركم كالجرذان يا أولاد الحرام. أشعل المندائي عود كبريت وقربه من قماش السرادق. كانت لهبة صغيرة تتراقص بهدوء، فجأة، انطلقت إلى الأعلى مثل صاروخ ألعاب البارود، ثم نزلت إلى الجوانب مدمدمة ولها أزيز، ثم أصبحت كرة هائلة نفثت دخاناً أسود كثيفاً إلى كل الجوانب، وعكست نوراً هائلاً ساخناً على صف البيوت من جانب، وعلى صفحة النهر من جانب آخر، فتراجع المندائي وجحيل والمسافرون الذين هرعوا راكضين ليقفوا إلى جانبهما. رأى المندائي وجحيل المفوضين الثلاثة وأولاد جحيل التسعة وعلوكي وعلي بن وحيد وعلي بن حسين وعلي بن موسى وستة جنود وشاباً بدشداشة بيضاء يفرون خارجاً من تحت النيران ويختفون في الأزقة المظلمة. ظلت النيران تتأجج مستعرة بخشب الأرائك وحصران القصب، وحين وصلت سيارات المطافئ لم تجد سوى الجمر الذي خبا توهجه. لم يبق من السرادق الكبير سوى أضلاعه الحديدية المقوسة وعوارضه العليا والجانبية التي سودتها النيران فالتحمت بظلمة الليل. بغداد تمو/1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |