البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

1

-: نَزَّتْ نظرته امتناناً لأصدقائه غير المعلنين، فقد صدقوا بما وعدوه، وها هو ذا قد عاد لتوّه، يستر نصفه الأسفل بـ"بنطال جينز"، وأخذ يتحدّث عن مليكه الجديد، معجباً أيّما إعجاب بـ"مامون*"، يتراءى له خارقاً معجزاً، ذكياً ألمعياً، ماهراً باهراً، يفعل الأعاجيب ولا يجارى، مثل الأكاذيب الكبيرة. وما الهنود والزنوج إلا حثالة رثّة، أشباه ما في شرقنا التّعيس.!.‏

كان يلمح استنكارنا ما يدعيه، وهذه اللّهجة الغريبة، ولكأنه أخفاها طويلاً تحت لسانه.!!.‏

وما فتئ يحدّثنا مشدوهاً بما رأى، يحدّجنا بعينيه القنفذيتين، يلتمع فيهما خبثٌ عتيقٌ، يمازج مكراً حقنوه به من الوريد إلى الوريد، فأتلفوا في رأسه التلافيف، وأجادوا غسل الدّماغ، فبات آلياً بلا روح، ينفّذُ لاهجاً بقدرة وحيد القرن وقوته، ونظرته زائغة مبهورة بما أرَوْهُ، حالماً بالوعود، تتورّم أناه باضطرادٍ، تتخافت في سريرته بقايا نزعته الشرقية، مشكلةً رونق مسخٍ وليدٍ، يتهافت في قمع بوقٍ لمّاعٍ، جعله يعلن أنه لن يكتب إلا في الخرافات وبلغةٍ مبهمةٍ، وقد فرغ للتوِّ من تشويه طيف الألوان، وتركها حديث العشيات في المواخير، وما كانوا يريدون منه أكثر من هذا، وإنها نقطة الماء المستمرة السقوط على نقرةٍ في جمجمة محكوم.!!.‏

وإنه حالة جليّة لأنموذج انتحار أديبٍ، يذكّرك كيف أنه خرج من ثوبه مراتٍ، مثل أفعوانٍ يخرج من جلده كلّ حين. ألا ما أشبهه بـ"عصمان" أحد شخوص هذي الرواية، ينتظم في طابور تخريب.!. وكي لا تذهبَنَّ بعيداً، مخمناً بالرؤى وهاجساً، وكي لا يجنح بك الظن والخيال، بما قد تكون عليه خاتمة الحكاية، فتضيف إليها ما ليس فيها، هي ذي أسطرها الأخيرة إليكها..‏

فمثلما عاثوا فساداً، هنالك.. وهنا.. وهناك، في أرض الناس، وما زالوا إلى يوم الناس هذا، فقد خرّبوا الضمائر المستنبتة، فالظنُّ قائمٌ بقوةٍ أنهم سرقوا الرواية، في مكرٍ ودهاءٍ وحيلةٍ، تماماً مثلما ألمّ بآداب وثقافات شعوبٍ في الأصقاع المستهدفة كافةً.. وإلا، ما معنى إخفاء نسخة "مخطوطة" منها، على يد دهقان امتلك "دارنشـ..ـل" يزعم أنها لخدمة الازدهار.!.‏

لحساب من سرقها.؟.‏

أيتركها كما هي، قانعاً بوضع اسمه عليها.؟؟.‏

فيوزعها في عواصم لا تصلنا كتبها.!!. أم يظهرها في التلفاز مشوهة.؟. أم يشتغل على بعض ما جاء فيها.؟. الاحتمال قائمٌ ألا تظهر البتة، مختفيةً في أروقة سفارةٍ؛ ذاهبةً إلى منظّمةٍ سرّيةٍ.!. ويبقى سرّ اختفائها كسرِّ فنجان قهوةٍ ذهب بـ"الكواكبي" عن هذه الدنيا.!.‏

أم يفعلون مثل فعلتهم بالكتّاب والأدباء، في حيّ "فردان" ببيروت، أو مثلما فعلوا بكتّاب وكتب مكتبات شارع "المتنبي" ببغداد.!.‏

وهأنذا آتيك هلوعاً- ليس جبناً- إنما ريبة، إنهم يتهامسون، وإنهم يتوازعون الأدوار، وإنهم يبيّتون ويترقبون ويستعدون، وإنهم يتآلفون، وينفثون سمومهم، وإني آتيك ليس لأسمع منك حكاية، بل لأبثّك حدسي ولواعجي، وأخبرك بما آلت إليه الأمور، وإني أبصرهم ببصيرتي.. إنهم كالخلد.. أراهم بأكوام ترابٍ رطبٍ، يرفعها خلفه من سردابه، وإنْ هي إلاّ علامات على وجه الأرض، تدلّ على مساره، وتدلّ على ما يحدثه في الخفاء من خراب، ولقد ادلهمّت..!. وها هو ذا التل رابضاً ههنا منذ عهد الإغريق، والرابية الكلسية أسفل ظهره العريض، حيث مثواك ومئات الأموات.‏

إذاً فقد وصلت إليك.!.‏

بضعة عشر حجراً كالحاً فوق مرقدك، ولا شيء البتة غير ذلك يدلّ عليك.!.‏

صرت نسياً منسياً، وكنت ممن دبّوا في هذي البطاح، دفعكم إليها الترك ليسدّوا بكم ثغرة الفيافي، فتفنوا فيها دون أن يدري بكم أحد.!. وها قد صرتم رمماً، ولم يبق منكم نفّاخ نار، ضعتم وكلّ ما كتمتموه في الصدور.!.‏

لا أنسى عينيك الجائلتين في وقبيهما، تينك العينين المغضّنتي الجفون، ترفعهما إلى وجهي حين أهرع إليك، تبرقان وتسألاني:‏

-: علام جئت.؟.‏

-: جئت أسمع حكاية.‏

فتأخذني إلى حضنك الدافئ الفسيح، فتحكي لي كأنك تقرأ في كتاب، وكنت أعجب لصوتك الخفوت، يكاد لا يسمعه مَنْ لا يدنو منك كثيراً، وأنت ترسم به زوابع التقتيل والإماتة، والذبح وحرق الرجال والنساء والأطفال، في حكاية لا تنتهي، وأنا أرتعد فأشهق خوفاً وعبرةً، فأسألك:‏

-: هي حكاية ليس إلا، أليس كذلك.؟.‏

وفي أعماقي رجاءٌ أن تكون خرافةً، فذلك يخفّفُ عنّي الأرق، وكنتَ تصمتُ، فأختلس النّظر إليك، فأرى دمعاً مغرورقاً في عينيك، وبعد حينٍ صرت تلحظ- كأنّك درّبتني- كبتَ شهقتي وارتعادي، فعكفتَ على أن تختمَ الحكاياتِ بقولكَ:‏

-: ذلك جرى سنة كذا...‏

إذاً لم تكنْ تتخيّل، ولا تمزح لتسلّيني. أدركتُ ذلك بعد لأيٍ، حين صرتُ أسمعُ غيركَ يحكي للصغار عن "حرامي" يأتي من ثغرة في جدار، وعن الجنِّ، ومآثر السلطان، فلماذا لم تحك لي واحدة منهن.؟. وما الذي كنت تقصده بحكاياتك الهائلة تلك.؟. أما كنتُ بنظرك ولداً لطيفاً رقيق الأعطاف؛ ليناً هيّن المراس.؟. أم تراك استشرفت قادمات الليالي، فخاشنتني لأخشوشن في وجه مدلهمّاتها السود.؟.‏

وما كان أبي ليخالفك، أو يردَّ لك طلباً، فعمل بمشورتك وأعفاني من الحرث والرعي، لأتعلّم بالقلم، وكنت تمنحني مكافأة كلما مضيت بتهجئة الحروف.!.‏

أربعون عاماً انقضت مذ رقدتَ ههنا، وكأني بعينيك تسألاني:‏

-: علام أتيت بعد تلك السنين كلها.؟.‏

حائرٌ تماماً فيما كتبت، ولا أدري ما الذي يرضيك أن أذيعه من حكايتك الطويلة، وما الذي أتركه طيَّ الكتمان.؟. لن تجيبني، وهذا مؤسفٌ، لكنّني لم أتوان عن جمع مزيد من مثيلات ما سمعته منك، وهي بجملتها أتت مصدّقة لما رويت، وماثلتها بعجيبها، وعجائب لم يألفها من فاته أن يسمعها من أحدكم، أنتم طيور السمندل؛ وقود تلك الأهوال، وأجنحة أبابيلها في آن معاً.‏

كأني بك أردتني أن أعي أُسّ ما أودى بكم إلى مصيرٍ كالجحيم، وكنت لك بديل الولد والحفيد، ترمّلتَ وما خلّفتَ، فتبنيتَ خديج أرمينية، شبَّت بكنفك، وكنا أثيريْك، فهل كنت تتوخى أن أكون امتدادك في سيرتك.؟.‏

وأنت لم تترك شروى نقير، لكنك أورثتني ذاكرتك، فامتزجت بنفسي وروحي، فضاق بها صدري النزق، وبرغم ذلك كتمتها لأكثر من ثلاثين عاماً، فكانت هويساً يؤرقني في صفو الليالي، ثم كتبتها لأنفِث عن قلبي، ثم لعلها تكون عبرة ومحرّضاً، ويظل ما حاق بكم ماثلاً، فلا يمرُّ والظالمون يرفلون بأثواب البراءة؛ ونظافة الأيدي من دماءٍ جعلوها خضابَ زينةٍ، وآية مرحمةٍ، حفظوكم بها من العقب الحديدية والأقوياء، كأنهم أنقذوكم من الإفناء العرقيِّ والمعتقد، فأودعوكم جوف الفناء البطيء، على تخومٍ "الجفتلك" والأملاك الأميرية السلطانية، وتناسوكم ما دمتم في حاجتهم، فقضيتم أعماركم عطاشاً، لم ترتو عروقكم، وظلَّت قطرة الماء أغلى من دمع مآقي اللائبين؛ الحالمين بارتواء.!.‏

وكنتم لا تمرضون، فإن مرض أحدكم يموت.!. تتغضن وجوهكم وتتجعَّد باكراً، فيظهر الكبر على قسماتكم، وبرغم ذلك كنتم تعمّرون، وتأكدتُ من جبروتكم، حين كنا خمسة فتيانٍ، سكنا داراً في "السفيرة"، إبّان دراستنا في المرحلة الإعدادية، وقت لم تكن في قريتنا غير المدرسة الابتدائية، وتقاسمنا غرفتي الدار، "عبدو وتحسين" في الغرفة الصغيرة "القبة"، و"عدنان وزهير وأنا" في الغرفة الكبيرة، ومعنا تلك العجوز الضئيلة القدِّ، الشاسعة الصدر، الشفيفة الروح، ترعانا بقدر استطاعتها، كرمى لحفيدها زميلنا، وكانت لنا جدّةً حنوناً وأمّاً رؤوماً، تُعِدُّ طعامنا، وتساهرنا ما دمنا ندرس، وهي تتلو القرآن، ولا تأوي إلى فراشها إلا عقب أن ننام، ولم ألحظها تشرب، أو تطلب من أحدنا كوب ماء، ولما أزف موعد العودة إلى أهالينا، اقتربتُ منها شاكراً، فمسحت على رأسي مبتسمةً، ولم أبرح مكاني فسألتني:‏

-: أتريد شيئاً.؟.‏

-: لديَّ سؤال.‏

-: قل.‏

-: طوال تسعة أشهرٍ؛ لم أركِ تشربين ماءً.!!.‏

-: نبيه.!!. إني يا بني أشرب الماء مرة كل عدة أشهرٍ، وأكتفي بكوب شاي مع "قمر الدين" في بعض المساءات الرمضانية. عوّدت نفسي على ذلك، مذ كنا في طريق المسير الطويل؛ لستُ وحدي... كثرٌ نحن الذين فعلنا ذلك مكرهين.‏

وما كنت لأصدّق لو لم أسألها عن هذا وغيره، وأكَّد لي ابنها أنها ما آكلت زوجها، طوال خمسين عاماً، قضتها واقفة على خدمته، ما دام جالساً إلى طعام.!.. صبر عجيب.!!.‏

ومن يصدّق أنكم كنتم تشربون الشاي بالملح، ما دام السكَّر مفقوداً، وقلّما كنتم تحصلون عليه، كأنكم قاومتم العطش بالملح، كما يقاوم السمّ بالترياق. ومرَّت عليكم سبعٌ عجافٌ، ينبتُ الزرعُ، وتخضوضرُ به الأرض، فيأتي الجراد ويذرها قاعاً صفصفاً، ولجأتم إلى والي حلب دون جدوى، وفي العام الثامن غطى الزرع بعض وجه الأرض، ونفوسكم قانطة تنتظرون الجراد، كأنه بات قدراً.!. ولم يخلف الجراد موعده، فذهبتم هائمين على وجوهكم، إلا رجلاً، خرج بولده وابنته الوحيدين، وأطلقهما في حقله، مقسماً أن يقتلهما إن تركا جرادةً في الحقل.!. وأعدَّ الرجل بندقيته، وشحذ سيفه، وجلس ينظر إليهما يهشان الآفة دون طائلٍ، وهو يقرِّع نفسه على رعونته في قراره، وبدا له أن يقتل نفسه؛ فيخلص من عذابه ولا يحنث في يمينه. وكاد يفقد عقله، وهو لأيامٍ خلت، لم يجد لولديه لقمةً، وقد باع ما تحته وفوقه، وأوصله اليأس إلى حالةٍ لا يعرف مرارتها غيره، وإذ الشمس تحتجب، فظنَّها غيمةً، فاستبشر هنيَّةً، ثم استدرك تشاؤمه مردداً:‏

-: وما الفائدة.!؟.‏

تحسس سيفه في غمده، وتقدم منهما وإصبعه على الزناد، لكنه ذُهل لمرأى طيور اللقلق تحطُّ من حوله آلافاً مؤلفةً، تلتقط الجراد، فلا تبقي منه شيئاً ولا تذر، كأنها تفتدي ولديه، فضمَّهما إلى صدره جاحظ العنين، رانياً إلى السماء مردداً:‏

-: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}.‏

وتذكرتكم الدولة العليّة، فأرسلت إليكم الجندرمة ومحصّل أموال الولاية، فلم يبقِ لكم سوى الخُمس وأنقصه قليلاً، وتذكرتكم الأستانة وأوار الحرب الكونية الأولى مشتعلٌ، وأخذ جلاوزتها رهطاً منكم وأنت فيهم، وساقوكم إلى اليمن والترعة، وإسحق صاحب ضيعة "القرباطية" يدلّهم عليكم حيثما اختبأتم، وسحبوا الفتى مراداً، فترك ماشيته في شعب الجبل، وأوعز إلى كلبه الأسود أن يسوقها إلى داره، وقد فعل، وقدّام الدار نبح وهرَّ هريراً متواصلاً، فقالت حبيبة الفتى:‏

-: شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ.!!. سترك يا رب.‏

وفي الموعد ذاته ولثلاثة أعوام، كان يأتي فينبح ويهرُّ، فتبكي المرأة ابنها المغيّب فتطعمه وتسقيه، وزوجها يخلصه من دويبات القِردان ويفليه منها قُرادةً قرادة، والرجل يطمئن زوجته بقوله:‏

-: ما دام الكلب يأتي في الموعد، فابنك حيٌّ يرزق يا امرأة.‏

وظلت المرأة والفتاة تنتظران الفتى أو كلبه، لكنه في العام التالي لم يأت، فنظرت الفتاة جزعة، إلى أمّه المفطورة الفؤاد، ونظرت هذه إلى زوجها وجلة، فأشاح بوجهه، وولج الإسطبل، فبكى حتى صغار رأسه، وهو يمسّد على جيد مهرة الفتى، وخرج واجماً وأتى إلى هنا، فوضع رجم حجارة كالقبر، ثم عكف يزرع التين والزيتون والعنب، تلك الفاكهة التي أحبها ولده، وظل يسقيها بدلاءٍ يحملها من بئرٍ بعيدةٍ عميقةٍ شحيحةٍ، إلى أن أثمرت لسنوات، ثم عطبت ويبست دفعة واحدة.!!. وبعد سنين طويلة رأيتُ بأم العين بعض جذورها باقية. وعدتَ بعد لأيٍ، فاراً برأسك من جحيم حرب العثامنة الخرافية بخسائرها، فاقداً صوتك إلا من بقية لا تتعدى حدَّ الهمس، وذلك بتأثير البارود؛ وحرائق حربٍ مستعرةٍ؛ ثم البرد والعلل، ورؤية الموت عن كثبٍ بأمِّ العين- كذا مرة- ووصلت ديار أهلك، وعليك مزقٌ من خيشٍ وبقايا رقعٍ من سترة، هيئتك تبعث الوجل، ورائحتك تزكم الأنوف، مثل رائحة قطيع تيوسٍ بريّةٍ، قروحك تنزّ، وصديدها جفَّ وتقرفع على جلدك المنكمش، وقدماك متفدِّعتان مثل ثُلمٍ في كعوب خوابٍ سومريّةٍ.‏

وحين كنت أفرك ظهرك في الحمّام قبل الصلاة أيام الجمع، مقابل أن أسمع منك حكاية، كنت أرى ندوباً وآثار جروحٍ، وبقايا أماكن دمامل. مشيت طويلاً، وزحفت، وأيضاً تدحرجت في جبال اليمن وعسير والحجاز ومفازات النقب، وقطعت الفيافي والقفار، أكلت ما لا يُؤكل، وشربت ما لا يُشرب، وعانيت من القمل والجرب، كنت تحكُّ وتهرشُ حتى تقطر أظفارك من دمك، هدَّتك الهيضة وذبحك العطش، وفي صحراء النقب رأيت جماعة تتزاحم على ذبيحة، فغامرت واقتربت حابياً، وفي حَبْوك ذلٌ وانقهار، واختلطت بالجمع مستقوياً ببعض "المجيديات" الفضيّة؛ مما وجدته مع مزق قتلى من كل حدبٍ وصوبٍ، وكدتَ تموت لو لم تتماوت بين الجثث، وتتمرَّغ بالدم وتقطع الأنفاس، وهم يجولون بينكم بحثاً عن أحياء، وتحمّلت غرزة "السنكة" بين كتفيك، ورفسة "البسطار" بين فخذيك، وهالك أنهم توازعوا لحم حصان أطلق عليه صاحبه- بعد يأس- رصاصة الرحمة، حاولت الحصول على مقدار وجبة أو لقيمات، فالموت جوعاً يسحق أحشاءك، ولا أحد يهب قوتاً يدفع عنه الموت ليتحنن عليك، وانصرفوا إلا واحداً، ظلَّ حذراً منك، يقضم قضيب الحصان وخصيتيه، ساومته فأبى، والدم يتقطر من بين شدقيه، وظلَّ مقرفصاً يقضم وينظر إليك كذئبٍ، ثم ملَّ مما لا طائل منه، فأعطاك ما تبقى مقابل "مجيديين"، فكسب مجيدياً، وتلقفت الغنيمة، ومضغت ولكت ما لا تطحنه أضراس ضبع، حتى أنهكت فكيك، فإذا بشبحٍ شيّأه الجوع، يطلب ما تبقى، وأعطاك حفنة مجيديات، وقد التقيتما بعد ذلك بسنوات، وشهدت ذاك اللقاء، ولم أنسه، فقد ذهبتُ إليه مراراً في ضيعة (الأحمديّة)، من أعمال ناحية "دير حافر" فحدّثني "الحاج نعسان" عما عانيتما في الحرب وفي الطريق، فتطابق كلامكما تماماً، وأنك في الناصرة رأيت "نتيفا" وبعض صحبها، وحين بُهِتَّ وأنت تتأكد، عرفوك فلاحقوك، فتخفيت، وسمعتهم من مخبئك يحث بعضهم بعضاً للقبض عليك، فقد تفضح أمرهم، أو يتبادر إلى ذهنك تفسير بعض ما جرى، حين تسايرتم في طريق تهجيركم وتهريبهم عبر الأناضول، وأنت ابن ضيف الله، وقد كاد أن يكشفهم وقتذاك، وتخلّصت منهم بأعجوبة بلجوئك إلى ضيعة "الريحانية" ثم "الجاحولا". ها إني قد أفرغت شحنة صدري، وسأعود للتو إلى خلف الفرات، ويؤلمني أنهم يهددون بخنقه؛ كما لجموا "قويق"، وإنهم يذكّروني بما فعله بكم "عصمان" ذاك الضابط العجيب.‏

وما زلت أذكر أنني سألتك:‏

-: أيموت الحق.؟.‏

أجبت:‏

-: روحه في دوام ذكره، وإلا فإنه والميت سواء.!.‏

ولمّا تزل حكايتك عن حصان طروادة ملء السمع، وأنت تكرر قولك كلما ختمتها:‏

-: مصائب البشر تبدأ على أيدي الجواسيس.!. وإنني إخال عناكبهم تنسج بيوتاً تصل بين ما آلت إليه أرض الزيتون، وبين إقامة دوله الخزر الحلم.!. وإخال الأديب الناحر نفسه بقلمه، يتحين فرصةً سانحةً، ليضع على قحف رأسه قلنسوة "اليرمولك، أو يعمّد هامته بقبعة "الكيبا" فتكتمل قيافته، ويلج عتبات الألفية الثالثة، في ركاب أصحاب النفوذ والقوة، منفقاً ثمن فعلته في حياة ماتعة.!!.‏

وفي أواخر أيامك أظهرت حنيناً عجيباً، خصصت به تلك الضيعة الجميلة من أعمال قضاء صفد، وكنت تتوقف طويلاً.. طويلاً بحديثك عن عائلة آوتك وحمتك، وأوصلتك إلى وادي اليرموك، لتعود إلى أهلك في حلب، وأن إحدى بنات تلك العائلة قد أحبتك. لم تقل لي إن كنت قد بادلتها الحب، لكنني فهمت الكثير مما لم تصرّح به، وقد أكّدتَ غير مرةٍ؛ أنَّ تلك القرية "قدرية"!!، وأن أحداً من دمك إما أن يسكنها أو يموت فيها أو يعشق منها.!!.‏

إن كنت تسمعني فإني أبلغك؛ أن ذلك قد حدث، وقد صدقك حدسك، فهل كنت تستشف جريان دماء أسرتك.؟!؟. حديثي حميمي؛ لم يتهيأ لي أن أبوح به لغيرك، فهلاّ سمعتني وعرفت ما حدث لي مع الأميرة الصفدية.؟. إنه غريب عجيب مهيب، ليس يختلف كثيراً عن حكاية المرأة قمر.!.‏

* مامون: رب الجشع الممكنن. وهو (رب المال).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244