البشر.. وحتى الشجر.!. - سامي حمزة

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3

استفاق عثمان من الوهلة وما زال في دائرة النار، رأى نفسه عقرباً؛ فيه من السمِّ ما يخلّصه من هذا المشوى؛ وذل الاحتراق محاصراً.‏

-: (ألمثل هذا تُعِدُّ العدة يا.. عثمان.؟!. سهلٌ أخذ الأمور على عواهنها، فتتصرف بما تقتضيه الحال، مثلما يتوقع المأفونون من حولك. لكنها ساعة طالما انتظرتَ مثيلاتها؛ لتسقي فولاذ شكيمتك، وما فتئت تخضعها للمحن، وتزجّ بها في امتحانات عسيرة، لتكون ذات يوم حجر قوس القنطرة، بها يظل البنيان قائماً، وبدونها يتزلزل. اخلع قلبك كما تخلع قفازك أو قناعك أو نعلك، وضع مكانه غاية الغايات؛ ودعها تضخ في عروقك ما يجعلك لا ترى سواها؛ ولا يشغل رأسك عنها شاغل، قم فقد آن الأوان، قلِّص ما استطعت أدوار مَنْ هم حولك، فالحكاية لم تزل بلا نهاية، وارم عصاك كما لو كانت عصا موسى، اقلب السحر على الساحر؛ واسحب البساط إليك، واجعل من مصيبتهم فوائد لك، تذكّرِ الوحوش والبهائم وخشاش الأرض؛ وكلّ دابّة عليها، واقبس من خصائصها، ولتكن ليناً وكاسراً، هيناً وهصوراً، ناعماً كفرو الأرنب، ومثل إبرة العقرب، افعل ما بدا لك، ولا تأبه بالوعوعة.).‏

دخل خيمة ألكسندر، وأمام الجثة انتفض جسده مقشعراً، كأنّ نخاعه الشوكي وُخِزَ فاهتزّ في قناته واختلج، لحظتئذٍ تخلّص تماماً من تأثير الحادثة، فاستفاق بكامل حواسه وأحاسيسه، واقترب من السترة على مشجبها، نبش جيوبها. أراحه التماع الذهبيات في كفه، وداس على الجثة قرب انغماد السيف فاقتلعه، وخرج به كمن أخرج ثعباناً من جحره، وألقى به كسهمٍ أمام العسكر، فأتى منغرزاً كالوتد، راقه ذلك، كأنه أنجز ما يحتاج لضابط بمستواه، قال:‏

-: عجلوا بدفنه في موضع خيمته، فلن يمكنكم العودة به إلى مسقط رأسه.‏

ترك المهمة للعريف، وأمر الضابط كمالاً أن يتولى على الفور تدريب العسكر، ليستعيدوا لياقاتهم، وأمر الطهاة أن يزيدوا جعالة العسكر، وأعطى الأومباشي صلاحية إطلاق النار على ما يريب، ثم ضغط على صدغيه ومضى مفكراً، فالأمر قد تفاقم، والحنكة تدعو إلى تطويقه، واستتر بالحادثة وعقابيلها، وجعلها هاجس مَنْ هُم حوله، أما هو فلم يعهد أعصابه باردة وبهذا الهدوء، وطفق يضع ما يدور في رأسه موضع التطبيق، فشجّع الألسن أن تلوك سمعة ألكسندر، غير آبهٍ باستنكار العريف لما يلقاه وجنوده من ازدراء، وتركهم في حرجٍ بين نارين، نار فعلة كبيرهم، ونار عجزهم عن إيقاف عجنهم جميعاً في الإناء ذاته، وأنَّ ثلمة سمعة الرجل في المال أو النسوة، وأهْبَطَ مقتل الضابط، إلى مستوى لا يتعدى موت نفرٍ بالهيضة، ولم يشارك بمراسم الدفن، ولم يسمح لأحدٍ من عسكره أن يكون قريباً من المكان، وانقطع إلى نفسه كقائد؛ وهيئة أركان؛ وبدل قادة الميدان، كأنهم مختزلون في شخصه، يرسم لمرحلة على الأبواب، وحسب أسوأ الاحتمالات، ومرامه إبعاد شكّ الناس به، ورفع عتبهم عنه، وتبرئة نفسه مما حدث، واغتنم الفرصة فقدّم العزاء بالمرأة، مشيداً بموقفها دون شرفها، وأمر بشاهدة حجريّة على قبرها تبجيلاً لطهرها العفيف.!.‏

-: (ما هذا يا عثمان.؟!. ألم تنتظرها وأنت تتقطر شبقاً.؟. أم أنك صيَّرتها جسراً لغاياتك.؟. من أي وحلٍ جُبلت.؟. وما الذي بينك والشيطان.؟.).‏

كانت صورة أمه تملأ فضاء خياله، ولا شيء سوى طيفها، وبالأخص وقت احتضارها، وقد ألحّ عليها أن يعرف له أباً قبل فوات الأوان، قالت:‏

-: {أحد ثلاثة في الآستانة ويلدز، قدّر تضحيتي من أجل تحقيق أسطورتنا، وانسَ يا بني، فأنا أمك وأبوك.}.‏

وحين أُنبئ بهرب ابنها وأخته، اهتصر حنقه وكتم غيظه، متغاضياً عن الخبر، لكنه جعل الإعدام رمياً بالرصاص؛ عقوبة الحرس إن تكرر هرب أحد، فصرامة العقوبة غطت على تهاونه، ومرق قصده سهلاً، وارتأى أنْ يتّبع الردع الإقناعي المبطّن، بدل القمع الشرس، فاستدعى الشيخ الإمام مرافق السفر ومفتي المسير، وزايد عليه إلى حين، وباعه مما في جعبته، كأنه يأتيه باجتهاد مسند، والإمام يهزّ رأسه موافقاً، وإن يكن على مضضٍ في بعض الأحايين، لإدراكه أنه مسخّر للخدمة، وما هو وكل هذه المعمعة إلا وسيلة لغاية قد لا يدركها تماماً، إنما يستشف أهميتها من مرتبٍ خُصص له؛ يفوق ما يتقاضاه الضابط كمال هو والأومباشي معاً، فيقول ما يريدون حين يريدون، ينحت ويقيس ويختلق، فيزيد مكانته ثباتاً، ويحافظ على حاجتهم إليه، ويكرّس ضرورته للناس على أنه علاّمة جهبذٌ، ورأى في إذعانه لطلب الضابط خيراً ومثابة، فأقام صلاة الجمعة في العراء، فخطب لعثمان ومدح الدولة العليّة، ولم يفته ذمّ ألكسندر، فأدّت الواقعة إلى تعجيل عملية التسليم والاستلام، وكوّنتها كما يرغب، فغنم منها ما لم يكن يحلم به لو تمَّ الأمر مع ألكسندر، الذي كان سيقاسمه محّ البيضة وقشرتها.‏

وبأمرة العريف لَمَّ العسكر حاجاتهم وعتادهم، وجهّزوا عرباتهم والدواب، وأضحوا مستعدين للتحرك، برغم تغافل الضابط عثمان عن تأمين دليل وحامية، وكان ردّه أن يسلكوا الطريق ذاتها، وأن يستخدموا سلاحهم في حماية أنفسهم، بدل استخدامه في اصطياد الثعالب والأرانب، إذ جمعوا من جلودها أحمال ثلاثة بغال، سيبيعونها لنساء أغنياء الحروب وأثرياء سدنة الحكم هناك في "المسكوف"، وربما وزّعوا بعضها على عشيقاتهم.‏

أبلغهم ذلك بازدراء، ومضى إلى حيث يتابع الضابط كمال تدريب العسكر.‏

طغى حنق العريف، فامر السدنة بتجهيز المدافع الثلاثة، وأوعز بأن تُلقَّم البنادق، وخاطب عسكره بأنهم سيودعون كبيرهم بتحية لائقة، فاصطفوا نسقين خلف المدافع بوضعية الرمي وقوفاً، وتأكد من الجاهزية، ووجّههم ناحية المنحدر، ثم صاح:‏

-: نا..ر.‏

غبار ونيران وقتلى ورعب وجرحى، أجساد ممزقة ودماء.‏

مفاجأة لم يتوقعها الناس، أخذتهم على حين غِرّة، وزادت محنتهم بؤساً.‏

أمر العريف بإعادة تعمير السلاح، ثم توجّه إلى مرقد الضابط ألكسندر حيّاه قائلاً:‏

-: ذلك مقابل قطرة واحدة من دمك النبيل.. الوداع سيدي.‏

ثم أعطى أمره صائحاً بعسكره:‏

-: أما..م سر.‏

وحين كاد يغيّبهم الأفق، ظهر عثمان على حصانه فوق الرابية، وراح يرقب الأفق والمنخفض وهمس:‏

-: يا لك من عريفٍ فذ..!. لو كنت من عسكري لمنحتك رتبة (ضابط شرف) على الفور، ثم أعدمتك رمياً بالرصاص دون تردد. وأمر الأومباشي أن ينزل بكوكبة إلى أولئك، يبلغهم استنكاره، ويقدم باسمه العزاء بالقتلى، وأن يوزعوا عليهم العدس المجروش ودقيق الذرة، وتوجّه إلى قبر ألكسندر، وخاطبه قائلاً:‏

-: ها قد نمت نومة أبديّة، فاعلم أني سعيد بأنك ما زلت وستظل مديناً لي أبداً أيها الأبرص.‏

حينئذٍ وصل كمال على رأس العسكر منهكين، فمشى عثمان أمامهم قائلاً:‏

-: فعلة نكراء اقترفها ذاك العريف الوغد..!.‏

ومضى إلى خيمته، مشيراً لكبير الطهاة أن يلحق به. وكان كمال يرصد المشهد، ويتابع العريف وعسكره، وقد أمسو "خربشة" سوداء على الأفق البعيد، وتفجّر اشمئزازه عاصفاً بوجدانه، فانحدر مسرعاً، وهو يفكُّ أزرة سترته، فلحق به بضعة متحمسين صائحين:‏

-: الله.. أكبر.‏

خرج عثمان من خيمته على عجل، واستوعب ما يحدث، فاهتزّ غضباً وصاح:‏

-: ارجعوا فوراً.. أمرٌ عسكريٌّ.‏

توقف كمال هنيّة، وجمد العسكر ونظرهم موزعٌ بين الضابطين، وتفكيرهم مشتت بين الحَمِيَّةِ والأمر، فقذف كمال سترته، ومضى نازلاً يكاد يتدحرج، عندئذٍ أطلق عثمان طلقة من غدّارته وصاح:‏

-: الموت لمن لا يعود حالاً.‏

صعد العسكر الواحد إثر الآخر، مثل طيورٍ تكسَّرت أجنحتها، وادّرأ كل منهم بالآخر، يلوذ بعضهم ببعض، تكويهم نظرته الملتهبة، وطفق يفرقع السوط قدّامهم، ويسوطهم حيثما اتفق، وأمرهم أن يحفروا خندقاً أعمق من أطولهم قامة، حول قبر ألكسندر، وعاد إلى خيمته، يضرب الهواء أمام وجهه صارخاً:‏

-: إليَّ بالطعام يا كبير "العكاريت".‏

وحين عاد الأومباشي على رأس الكوكبة، أسرَّ إلى سيده بما سببه العريف من كارثة، وقرأ على وجهه عدم رغبته سماع المزيد، فأدار دفة حديثه إلى ناحية توقع أن تسرّ الضابط، وهو الذي خبر العسكرية ورجالاتها، أوليس أومباشياً.؟!.‏

التهم الضابط جلّ الطعام ووجهه طافح بالسرور، والأومباشي مسلّم بواقع الأمر، وعليه التحدث بما يفتح شهية هذا الشره الأكول، ليتلذذ بأطاييب الطعام، ووشى بما تناهى إليه، من أنَّ زعّارة سيلحقون بالعريف وعسكره، وقد أقسموا على الانتقام. انتفض سائلاً إن كان فتاهُ بينهم.؟. فأكد الأومباشي أنه ليس معهم، فتنفس مرتاحاً وعاود التهام الطعام، وأمر الأومباشي بالإشراف على استكمال عقوبة أولئك الذين غرّر بهم كمال، فمضى يلعق لعابه وقد سال غير مرةٍ، متشهياً تذوق لقيمات، وابتعد متسائلاً عن تعلّق الضابط بذاك الفتى مذ رآه.؟. وطفق يهرش إبطه مردداً:‏

-: ربما.. ربما.!.‏

أخذ عثمان كتابه الأثير من الصندوق، وشرع يقرأ بصمت، ثم أغلقه وشرد يردد بهيام:‏

-: (أيتها الأم الخزريّة، يا ذات السرِّ الكتيم، وقلب يتسع سرّ الأسرار. أنت النار والمنار، أنيري طريقي لأضرم الحريق في صدور أولئك الأوباش، فتكونين راضية يا بنة يشوع.).‏

وأتت الحرائق في المنخفض على خيام وعربات، مات أوادم، ونفقت بهائم، والحكيم يجبّر أيدياً وأرجلاً تكسّرت، وكمال كالنمر، يوجّه لإطفاء حريقٍ، ويساعد الحكيم في بتر يدٍ معلقةٍ بجلد العضد، وهاهما يطهّران جروحاً بالنار وبرماد خشب الزيتون. شعر بدوخةٍ فأغمي عليه مرهقاً، وجثت ابنة العجوز بجانبه، تساعد والدها بتدليك أطرافه حتى اختلج وأنَّ، ثم تقيأ، فأمر العجوز ابنته أن تغلي من أعشابه للفتى، هرعت الحسناء؛ والفضوليون يهمهمون ويرمزون، والعجوز يحدجهم بنظرات تحمل معناها، ثم استشاط غضباً وقد سفه أحدهم قائلاً:‏

-: لا تكن رحيماً بعدوٍّ إلى هذا الحد.‏

قذفه بحجرٍ شجّ رأسه مؤنباً:‏

-: عجيان.. أنستكم الشدائد طباع أهليكم وعاداتهم.‏

أيّده أحدهم قائلاً:‏

-: يستأهل. تباً للشدائد.‏

واستنكر بعضهم فعلة العجوز، ولامه غاضبٌ مدمدماً:‏

-: أتشج رأسه دفاعاً عن ذئب.؟!.‏

سحب العجوز عكّازه، وتحامل عليه حتى استقام، وقال:‏

-: ليس هذا وقت اللوص، فليذهب من يعتزّ بأبيه، إلى فعلٍ يخفف به عنا ما حلَّ بنا... ليس لديّ ما أقوله غير ذلك لمن لم يتحجّر قلبه.‏

انفضّ الرهط، وأتت الحسناء بإناءٍ يتصاعد بخاره، والعجوز يشجع كمالاً قائلاً:‏

-: عبّ منه قدر استطاعتك، ففيه مغبّة طيبة عليك، هيا يا فتى...‏

استعاد وجه كمال بعض تورده، وأحسَّ براحةٍ وخدرٍ يسري في أعضائه كالنمل، وتمتم:‏

-: أشعر أنني سأنام.‏

ابتسم العجوز ومسح على جبين الفتى قائلاً:‏

-: حسنٌ هذا، فقد نفعتك أعشابي، نم الآن فأنت تتعافى.‏

ترقرقت الدموع في عينيها، وربّت العجوز على كتفها وهمس أسيّاً:‏

-: لو لم يقتلوا شقيقك، لكان في عمره الآن.‏

وقف وهو يوصيها أن تبقى إلى جانبه. نظرت إليه وتلفتت، فهم قصدها فهمس:‏

-: لا تهتمي، فصنيعك أنصع من تقوّلات الأرذال.‏

مضى ورمى عكّازه؛ فترنحت إوزة صادفها، وأسرع إليها بخفة صياد، فذبحها وناولها لامرأة تجهّز موقداً قائلاً:‏

-: هلا شاركتِ بما ينفع.؟. اسلقيها وأكثري الثوم على مرقها ريثما أعود.‏

امتقع وجه المرأة، وندَّت عنها شهقة الفجأة، فضربت بكفها على خدها، ولم يكن ابتعد عنها، استدار وفي نظرته تساؤل، فلم يقع على غير صمت المرأة فسألها:‏

-: ما بك أيتها الجميلة.؟.‏

لمح نظرتها معلّقة بالإوزة، فقال:‏

-: حسنٌ.. ما بها.؟.‏

-: إوزتي وكانت شاردة.‏

مرّت لحظات صمتٍ، ثم انفجرا ضاحكين في اللحظة ذاتها، قالت المرأة:‏

-: فداك.. فليست ديك الجدة.‏

وتلقى الأومباشي أمر رئيسه، أن يُنزل الأنفار في الخندق، وأن يردمهم حتى حناجرهم، فأسرع منفّذاً، وكلما زاد طمرهم ردد بشيءٍ من المواساة:‏

-: تجلدوا أيها الفتية، هي ذي العسكرية بأحد وجوهها، سبقتكم إلى مثل هذا مراتٍ، أم أنكم تحسبون "الأومباشية" تُنال بدعاء الجدات وهدهدة الأمهات.!!.‏

وحين لمح الضابط ينظر نحوهم، هبَّ واقفاً وصفع أقربهم رافعاً صوته:‏

-: "إيشك-حمار". تستحقون أكثر، ولكنها رحمة سيدي ورقّة قلبه.‏

ناداه فهرع إليه مؤدياً التحية، مبالغاً بنبرته:‏

-: "تمام أفندم.".‏

عقد ذراعيه خلف ظهره ومشى الهوينى، فتبعه كظلّه، نفث دخان لفافته سائلاً:‏

-: أيهم أشد مكراً، وأكثر مراوغة، وأعظم دهاءً، الثعلب، أم ابن آوى، أم الذئب.؟.‏

-: أحرجتني سيدي، ليس لدي جواب.‏

-: فكر.. وفي الغد تعطيني جواباً.‏

جلس العجوز جانباً، وابنته تلقم كمالاً وتدفع إليه طاس الحساء.‏

التقت عيناهما، ولمست يده يدها فأطرقت، وارتعشت كفها فانسكب بعض الحساء على قميصه، شهقت وسارعت لتمسحه بطرف كم ثوبها، منعها برفق، وتعلّق نظره بتقاسيم وجهها وانفراق شعرها فوق جبينها، تمتم:‏

-: قربان فالق القمر.!.‏

رفعت أهدابها وهمست:‏

-: يكفيك الآن أنني ما عدت أنظر إليك كألكسندر وعثمان.‏

تنحنح العجوز وقال:‏

-: دع الإوزة تستقر في جوفك دون ثرثرة، وأنت يا بنيتي، أكثري له من الحساء، فالإوز يحب السباحة.‏

وحين أزفت عودته إلى المعسكر، وقفت ترنو إليه، وما استطاعت الحسم فيما انتابها، أو الانحياز إلى عداها ارتبكت وهرعت، كأن العيون كشفت ما يهفهف في قلبها.‏

وأُبلغ عثمان بعودة كمال، فخرج إليه وقد تقلّد أوسمته، والسوط تحت إبطه:‏

-: كان يجب ألا تخترق الأوامر، ثم إني لم أقصّر بتأدية ما يمكن، وليسوا يستحقون ما داموا بحكم الأسرى، ثم إنهم في حمايتي.‏

اقترب من المعاقبين، والحلاق يجزّ رؤوسهم، وما زالوا مطمورين.‏

أشار بسوطه نحوهم قائلاً:‏

-: ورّطتهم. ولشدَّ ما أكره (الفلتان) . تصرفك اليوم لا يشجع على منح الثقة. أنسيت الطلقة.!؟. كأنك ما زلت صغيراً على الأسرار!!‏

وتسمّر متأهباً كأنه يتلو فرماناً وقال:‏

-: لأنك ضابط فحسب، لن تُعاقب مثلهم، ابق حارساً عليهم حتى مطلع الفجر.‏

همَّ بالمضيِّ، توقف واستدار نصف استدارة وأردف:‏

-: من حقي أن أضعك معهم.‏

ضرب بسوطه ساق حذائه، واتجه إلى خيمته.‏

وحين وصله خبر عودة الزعّارة، كان لهم بالمرصاد، طوّقهم ووضع يده على ما غنموه، متوعداً بجلدهم حتى تتسلّخ جلودهم، ومن الكبائر خروجهم عن طاعته وهو أميرهم.!. وأشاع أنَّ العقوبة قد تصل إلى تركهم مصلوبين فرائس للطيور اللاحمة، رافضاً بدأة ذي بدءٍ أية شفقة بهم، ولم يقبل وساطة الشيخ الإمام، لكنه أوحى للأومباشي بأن وساطة الشيخ، مقرونة بشفاعة وجيهٍ من وجهائهم؛ مسألة فيها نظر، أتقن الأومباشي إبلاغ الرسالة، كأنه يقترحها من لدنه، فتداولوا الأمر، وانتخبوا ثلاثة ممن لم يستنكفوا، وبعد لأيٍ قابلهم، لكنه دعاهم على الفور إلى مائدته، ثم ماطل بإجابة طلبهم، وتدهّى مظهراً حسن نيّة وفضل كرمٍ، فترك للزعّارة ربع ما غنموه، وزادهم مِنَّة إذ قدّم ربع الغنيمة لذوي قتيلهم الذي عادوا به.!.‏

تحفَّظ بعضهم، وتحدّث نفرٌ عن تسامحه برغم قوّته، وحذّر بعضهم بعضاً مما يبديه، بيد أن كبير الوجهاء، ارتأى دعوته إلى وليمة ضمن استقبال مقتضب، فامتعضت النسوة لكثرة ما عليهن عمله، واستنكرن ذلك وبضعة منهم يدفنون كل يوم، وظل احتجاجهن حبيس لمَّتهن، فالوجيه اصطحب الشيخ الإمام؛ وأخذ فتاه لِيُعظِّمَ الموكب ويزيده أبّهة، وجعلا صعود الهضبة مجالاً يتشاوران خلاله حول صيغة الدعوة، وكيف يخاطبانه بشأنها، وطفق الإمام يرجو ربَّه أن يقبل الضابط الدعوة.‏

وقف كبير الوجهاء قاطعاً لهاثه، هازاً عصاه، وقال معترضاً ينهره:‏

-: وما معنى مجيئك إن لم تقنعه.؟!.‏

-: لن أقصِّر، ولكنه ضابط، وأنت أدرى بأولئك الذين لا ضابط لأمزجتهم.‏

-: هه.. ها، ولذلك أصرّ على دعوته، تذكّر ذلك، ولا تنسَ أني أتوخى الكثير فيما بعد.‏

واستأنفا الصعود، والفتى خلفهما يهمّ أن يحملهما معاً، فيخلص من هذا الإبطاء الممل. انتبه الوجيه إليه فضربه بعكّازه على قفاه ونبر:‏

-: قد تعي كيف ولدتك أمك، ولا يكون ما يراودك، فلن تحملني يا ولد إلا بنعشي.‏

ظل الضابط طوال الوقت منشغلاً بمراقبة الفتى، معجباً بقوته وتناسق جسده، ولاحظ الوجيه ذلك فغمز بقوله:‏

-: إن كان وجود الولد يزعجك، طردته للتو ليلعب في الخارج.‏

ضحك الضابط إذ راقه كلام الوجيه، فما زالت في نفسه همة، تجعله يرى الفتى ولداً، لا يُجيد سوى اللعب. كذلك هم هؤلاء المناكيد، صعبٌ عليهم الرضوخ للشيخوخة؛ وهي تسحب الفتوّة من شعورهم بالكمال، وأصعب من ذلك، خلع صفة الرجولة على من لا يثبت ذلك بفعل شجيع، إلا أنَّ وجهة نظر الضابط مخالفة تماماً، فقدّم للفتى بعض الصابون هامساً:‏

-: النظافة تناسبك.‏

لوى الشيخ رأسه، يكرُّ حبات سبحته، وعيناه تنزرقان في الكلام، وتعابير الوجوه؛ مهمهماً كأنه في عالم آخر، فيجهر بأحد أسماء الله الحسنى، ثم يغيِّب صوته خلف حركة شفتيه المتواترة مع أنفاسه؛ ودوران عينيه المتذبذبتين في محجريهما.‏

غبط الوجيه فتاه، وجيّر حظوته لدى الضابط لصالحه قائلاً:‏

-: أيها المحترم. هو ذا أحد رجالي، وكان لي رجالٌ بعدد نصف عسكرك، عهدت إليه رعي خيولي وأبقاري، وكان يمسك بالثور من ذيله، فيقعيه أو يقطعه، حتى بات نصف القطيع بلا أذناب. هو بكنفي أتحنن عليه برغم المعسرة.‏

تابع الضابط ثرثرة الوجيه، وعيناه تجوبان أنحاء الفتى، وترصدان مسحة الحزن والغموض التي تغلل وجهه.‏

-: فرصة متاحة لك يا فتى، اجتزها ولك معنا شأن جالس.‏

والتفت إلى الآخرَيْن واعداً أن يلبي دعوتهما، ووقف ليمد كلٌّ منهما يده مصافحاً وينصرف، واستدار نحو الفتى ماداً يده، وبريق وهّاجٌ في عينيه. وضع الفتى يده برفق خجول في كفِّ الضابط، فأمكن عليها قبضته، عندئذٍ اهتصر الفتى كفَّ الضابط، فارتجفت أرنبة أنفه، وأمست يده مثل يد أنثى، فأسبل الفتى يده ومضى لا يلوي على أحد. وحين أدبروا، أطلق فوقهم طلقة من غدّارته، جعلت الإمام يقفز صائحاً:‏

-: الله.!!.‏

وقف الوجيه رافعاً نظره إلى أعلى متسائلاً باستهزاء:‏

-: أبومة أم وطواط ذاك الذي أطلقت عليه كي لا يزرق علينا، أيها المحترم.؟.‏

أمّا الفتى فقد تابع سيره كأنه لم يسمع صوتاً، حينئذٍ تمتم عثمان معجباً:‏

-: وإنك متكامل كما تخيلت.!.‏

وخاطب الوجيه مبرراً:‏

-: طلقة تحية ليس إلا يا كبير.‏

اقترب كمال فاتجه عثمان نحو خيمته، فجعله يتبعه آمراً:‏

-: استمر بتدريبهم، وامنع عنهم الجعالة؛ جوّعهم ما استطعت.‏

توقف ممسكاً عن الكلام ثم أردف:‏

-: فليصوموا يوم غدٍ، ذلك بعض التدريب.‏

أسدل ستارة باب خيمته، غير عابئ بكمال، فامتعض كازّاً فكيه بعضهما ببعضٍ، فصرّت نواجذه صريراً ملأ مسمعيه، وحنقه يكاد يخرجه عن طوره. نظر نحو المنحدر، ثم جلس على صخرةٍ، وأسند رأسه في كفيه متأملاً.‏

واتكأ عثمان بمرفقيه على طرف المنضدة، اتسعت عيناه وتمتم:‏

-: (لست من يتلمس سبل السلامة إلى شيخوخةٍ هادئةٍ منسيّة. فلا الموت بأقل ألماً يرضيك، ولا العيش التافه بأقل الخسائر ما تبتغي. خيوط اللعبة في أصابعي، أنسجها كما أريد.).‏

حسر بصره عما حوله، وغاص في دواخل طفولته، فتكشَّفت له، ثم صار فيها، وقد فرَّ إليها:‏

-: (ما زلتُ الذي ساررته- على صغري- بما كنتِ تخشَيْنَ أن تفكري به إن كان أحد قربك، بقيتِ وفيّة لما في أعماقك، بقدر ما كان عابثاً فصبأ. كبيرة بهمّك يوم أنكرك وقد فاجأته بي في بطنك. ما همني إن كنتِ قتلتِهِ، أو قتله سواك برضاك، الأهم أنك كونتني كما ترغبين، وقد أحببتُ ما صيرتني إليه، أُبطِنُ أكثر مما أُظهر، وأُظهر غير ما أُبطن، أُخلص لما أبطنه، ومخلصٌ لترانيمك، وحكايات قبل النوم، وما كنتِ تتلينه في ذاك الركن الغامض المقدّس من بيتنا. افتقدتك ولمّا أزل أحتاج حنانك، تباً للحظة هذى فيها وادعى أنه عنين عاقر عقيم. ولا أنسى مرحمة أولئك الأجلّة حين أسبغوا علينا من عطفهم وآوونا من خوفٍ وأطعمونا من جوع، ليتك ترينني، أمسيتُ أطول من الراعي والعصا، وإخال أنني للمآرب الأخرى، لي غنمي، أهشّها بعصاً تبصق لهباً، تُزهِقُ وتُرعِفُ، فهل أنت راضية.).‏

وما برح كمال ساهماً في حالة صفاء، يجول في النقاء بقدر ما فيه من ذخرٍ للتبتّل، يرى ذاته خرزة في سبحة يكرّها مسبّحاً بملكوت الكون الرحيب، هو ذرّة يُنكرها أمام عظمة لا تُضاهي. وذهب به التفكير إلى أولئك؛ وقد أُجتثوا فانجذروا عن مراتع نبتوا فيها، وإن قبلوا بكينونتهم، مقابل الاحتفاظ بما تبقى لهم، وصون مشاعرهم، لكنه لم يستطع إحلال القناعة في نفسه عن تركهم أرضهم، مهما فدح الثمن، فالموت ليس بكثير على الشعور بالانتماء إلى مكان مهما استعر وتجَهْنَمَ. أوليس الانتماء أكبر من فكرة ومعتقد.؟.‏

ضغط صدغيه بكلتا راحتيه عاجزاً عن المفاضلة أو الترجيح. تنفس عميقاً واختلج، ولمس شعاع حنين تسرّب فيه، فأضاء حلب وقويقها وقلعتها وحواريها وأشجار فستقها وبحسيتا، ودكان أبيه لصنع الطرابيش وكيّها، ومحل الخياطة، تذكّر يوم تحدى أبوه تلك القوّادة، وأنه سيجعل من ابنه رجلاً أهم من زبنها المتتركين رافضاً اشتراطها أن ينضوي في المحفل، الذي كرَّسها نجمة، تخرُّ على ركبتيها رؤوس الكبراء. أبى.. ولجأ إلى أم الوالي، فكَوَتْه على يد الوسيط بغلوِّ طلباتها، وهي إنما تخدمه لأنها أحبَّت حلب وأهلها، فههنا تفعل ما يضمن شطحات نزواتها، وجعلته خيّاط الباشا ونديمه، ثم إنه دخل دارة "الخانم" فصعد الشجرة ولم ينزل عنها.!.‏

-: كل ذلك يا أبا كمال ليس بذي أهمية، إذا ما تطلّعت إلى غدٍ ترى فيه ابنك ضابطاً باشا.).‏

أخذ نفساً عميقاً فسمع غناء حلب، وعبقت في أنفه روائح أطعمة بيته ونكهتها، تصنعها أمه ورقوش تعاونها، وأناملها تقطر نكهة تجعل للقمة طعماً لا ينسى، ويا لعنقها وليس ما يضاهيه إلا عمود سرمدا.!. ولكن.. ذلك يجب أن يكتم كنسمة تُنعش الروح، ليبدأ المسير الليلي فيتعب العسكر، ويقلق الناس في المنحدر، وقد باتوا معلقين، بعدما ابتعدوا عن واقع مرٍّ فرّوا منه، وما من بارقة لدنوّهم من نهاية معاناتهم، سحقهم العسكر هناك، ويجولون ههنا حولهم، لا يدرون أناقة لهم أم جمل، من كل هذا الذي لا يُحتمل.!. فراغ وآت مجهول، وعتمة بينهما معلقة، لا أول لها ولا آخر، ولولا النجوم هنا.. ك، ولهب النيران حولهم، لكان المكان قبراً جماعياً أو كهفاً مغلقاً؛ أُهيل همهم عليهم، فإن هُوِّن حالهم، فهو كحظيرة كبيرة تأوي أنعاماً بلا أكلاء وماء.!. وبرغم الحصار، تمكّن بعض الفتية من فكِّه بحجة جلب الحطب، فعادوا بكثير منه وبما خبؤوه من سلاحٍ غنموه من عسكر ألكسندر، وأخفوه عن العيون، أما الحطب فنصفه للعسكر، ولعل كل الحطب لا يهم، ما دام السلاح قد أُنقذ.‏

ولم يسلم الوجيه من الألسن، فقد استنكر بعضهم دعوة عدوٍّ إلى وليمة وهم يهلكون جوعاً، وامتعض بعضهم الآخر لاستضافة جزّار، وقال بعضهم:‏

-: كذا هم الوجهاء.. ومتى لم يكونوا كذلك.؟.‏

بينما رأى آخرون أن للوجيه أسبابه، والأمل معقودٌ على حكمته، أوليس وجيهاً.؟!. يعرف متى تكون المهادنة نافعة، وإبداء حسن النيّة مطلوباً، ومتى يجب إعلان القطيعة وإجهار الرفض، وهو أدرى بالوقت المناسب للسلم والحرب، وتهامس نفرٌ أنَّ الوجهاء يبنون وجاهاتهم مع الأقوى، على حساب الضعفاء وإن كانوا أقرباء.!.‏

وكان لقدوم الأومباشي وقت الضحى، ونزوله بضيافة الوجيه، ثم مغادرته بأبهى مما استقبل به، أكبر أثراً من القيل والقال، فالضابط قادم مع أذان المغرب، فهو صائم وسيفطر على مائدة الوجيه.!. أوليس في هذا تقدير للجميع؛ وحسن تصرف من رجل يعرف كيف يقدّر الرجال.؟.‏

إذاً فلتخرس الألسن التي نسيت التهذيب؛ وليتأدّب السفهاء. وقال أحد خاصة الوجيه:‏

-: أن تكون خادماً لعاقل، خيرٌ من أن تكون سيد الأحمق.‏

-: وما الداعي للوليمة.؟. إنّ من لم يشاهدك جالساً، لن يراك وإن وقفت.‏

ولم يأبه المحايدون بما يقال ويجري. وأظهر الوجيه ترفّعاً عن هاتيك الصغائر، ومضى إلى تدبير ذبيحة لائقة بمقام الضيف، وهذا هو الأهم، اقترب من ثور عربة الإناث. مسَّد غرَّته وطبطب على فخذه، ووقف مفكراً، فحبست إناثه أنفاسهن، ولم يسخُ بقوته وجلَدِهِ، ثم إنه من الضخامة بما يكفي إطعام قبيلة، فَلِمَ الإسراف.؟. فانصرف إلى كبشٍ معقوف القرنين، فتنفست امرأته الصعداء، متمنية لو أولم لضيفه تلك الديوك الرومية المتبقية، وهي ماهرة بتحضيرها، ولكن.. أنى لها مخالفة ما يرتئيه، فالزوجة لا تعارض زوجها أبداً.‏

جسَّ الكبش في أكثر من موضع، رفع أَليته وقبض صوف ظهره عند خاصرتيه، رفعه ثم تركه، فراوده شك بأنه قد لا يكفي. إذاً فليكن ذاك العجل، فهو نصف ثورٍ وبحجم كبشين. نعم.. أن يقولوا ذبح لضيفه عجلاً، غير تقوّلهم أولمه كبشاً فحسب، لا سيما إنْ فعل بما أشار به الشيخ الإمام، ووضع رأس العجل أمام الضيف، رأيٌ لا تنقصه الأبّهة، وإن درجوا على تقديم النصف الأيسر من رأس الخروف- الخروف فحسب- لأكبر الضيوف سناً، فإن شاء وزّعه على من يشاء، فيقتطع الأذن ويقدمها لشابٍ، كي يسمع جيداً طلبات من هم أكبر منه سناً، والعين لفارسٍ، كي لا يغفل عن الأعداء، واللسان لثرثارٍ، عساه يجد من يصغي إليه، ونصف الدماغ للمضيف، داعياً له أن تبقى كلمته نافذة، فيسود المائدة مرح ودعابة محببة.‏

ولم يعتادوا تقديم رأس عجلٍ، لكن في رأي الشيخ الإمام تمشياً مع مقتضى الحال وضيفه الغريب، فليجامل الناس بما يناسبهم.. ردد هذا في دخيلته، ونقر غرَّة العجل بعصاه وقال:‏

-: اذبحوه.‏

ومضى ينقر الأرض بعصاه المفضضة:‏

-: (كل شيء سيجري على ما يرام.).‏

طمأن نفسه واقترب حيث السماور، وجلس يرشف الشاي بتلذذٍ؛ ونفسٍ ملؤها أمل، وعقب صلاة العصر، تأبط ذراع الشيخ، وراحا يتحدثان عن الوليمة، والوجيه يرفع صوته بثقةٍ وحذر خفي.‏

غمز أحدهم قائلاً:‏

-: قد أطلق عنان عجرفته، ليجعلنا مطايا غايته.‏

-: منذ بدء المسير، وهو لا يألو جهداً بإظهار أنه المنقذ.‏

-: وبمَ تفضله لتهجوه.؟.‏

-: ما قصدك.؟.‏

-: أحقاً لا تعرف ما قصدت.؟. لا أحد يجهل أنك بعت أرضك أيضاً.‏

-: هأنتذا تقول إنها أرضي.. إذاً لم أبع أرض غيري، أليس كذلك.؟.‏

-: أهكذا فهمت الأمر.!؟‏

-: دعك منه.. فهذه مفاهيم الخونة. ينشدون التعالي ولو فوق الخرائب.‏

-: ضب أنت الآخر على لسانك، إلا إذا أردت أن أشطره لك نصفين بهذا السيف.‏

-: لا.. لا؛ ما هكذا الأخوة في دروب الغربة. عيب.!.‏

-: أقسم أنكم مثل البصل، كلكم رؤوس، ولن ترتدعوا حتى تُكسر رؤوسكم.‏

استمر العوام يتجادلون، بينما الوجيه قد مضى بالشيخ الإمام إلى نزله، من غير أن يسمع ما بين الناس من أخذٍ وردٍ، لكنه يعرف بالحدس مشاحناتهم، وأنهم يقطِّعون سيرته، والماء ملء فمه لا يستطيع الإيضاح، فالأمر بحدين ووجهين، أحلاهما مرٌّ، وليس يرضيه تناحرهم واتهامه بما يقلِّب المواجع، فالمقتل في سمٍ قد زاد عن حدِّ الترياق، ولكأنه يهرب من ظلِّه، راح يهمس للشيخ الإمام:‏

-: ستجلس إلى جانبي، فلم أدع أحداً قبلك.‏

-: برغم أني أعتقد أن الباشا سيصرُّ على أن أجلس بجانبه، إلا أنها لفتة كريمة منك.‏

-: لي طلب يا مولانا، إلا إذا كان الشرع لا يسمح به.‏

-: أسمعك ولا أنسى الشرع.‏

-: أريدك أن تؤذّن للمغرب، هنا عند نزلي، فنصلي والضابط معنا، ثم نأخذ أماكننا إلى المائدة.‏

وافق الشيخ مبتسماً، وقد فهم هدف الوجيه، وطلب مزيداً من الشاي، وأمر الوجيه فتاه ليسرج حصانه، ويكون جاهزاً في أبهى حلّة، وليجعل الضابط يحسُّ بمدى لباقة مضيفه، وليريه كيف يُحسن المجاملة، وكيف أنه يسامح ولا يني يحاول فتح صفحة أكثر نظافة، فذلك أول الخيوط في نسج خطة طالما شغلته، مذ فظّع بالمتنورين. وأمر أولئك الزعّارة أن يظهروا كياسةً في خدمة الضيف، وعليهم حسن تدبير المائدة.‏

...‏

وكان يدخن لفافة، وعلى رأسه قلنسوة "اليرمولك" الصغيرة، قارئاً في كتابه الأثير، حين سمع الأومباشي من خلف ستارة باب الخيمة، يعلمه عن الجاهزية للتفتيش. أعاد الكتاب والقلنسوة إلى الصندوق، وعبَّ من فنجان القهوة، ومجَّ لفافته، ثم فرك عقبها في المطفأة، وسوّى هندامه، وتأبط سوطه خارجاً إليهم، والشمس برتقالة كبيرة، رشقت الأفق الغربيّ بعصيرها، وهي على ارتفاع بندقيّة حربتها مشرعة، فقدّم الأومباشي صفّ العسكر للضابط كمال، وقدّم هذا بدوره الصفّ لرئيسه عثمان، فاستعرضهم ومشى بينهم ملاحظاً حالهم؛ متأكداً من قيافاتهم وحسن مظهرهم؛ بما فيهم الطهاة وكبيرهم والحرس والحجبة. أثنى عليهم، وامتدح صبرهم على التدريب وهم صُيّمٌ، وهو أدرى بذلك وقد صام مثلهم.!. لذلك سيكافئهم بطعامٍ يعوّضهم عما عانوه:‏

-: إنكم الكواسر، تسرطون ما يوضع أمامكم، فيصعب على الحازر معرفة إن سبق وكان في الآنية شيء، أم أنها وُضِعت أمامكم ولمّا تزل نظيفة كأن الماء ما جرى فيها.!.‏

وكان الفتى قد اقترب يقود الحصان لامعاً بسنا شمس الأصيل، مغرياً بالفرجةِ، وقد نسّقهُ الفتى، ولاءم بينه وبين سرجه واللجام ومقوده المصنوع من أفخر الجلود، فبدا أجمل من صورة، وأبهى حصان وقعت عليه عين الضابط مذ عرف الخيل، بما فيها أفراس السلطان، تلك التي شدهته في إسطبلات قصر يلدز، وقد عقد مقارنة بين الحصان والفتى، وأشار إليه بأطراف أصابع كفه الأربع. ابتسم وقد سرّه أن وضع الفتى مقود الحصان في يده، وفهم تقدير الوجيه لشخصه وحسن مجاملته، لكنه فجأة طمس معالم سروره، وأطفأ ابتسامته، فانكمشت شفتاه انكماش فوّهة باذنجانة مقوّرة قرفعها التجفاف، واستدار إلى عسكره، وجعل يتأرجح على مقدمة قدميه؛ ثم عليهما، ثم على عقبيه وهكذا... وصاح سائلاً العسكر:‏

-: من تكونون.؟.‏

-: كواسر.‏

-: كيف تأكلون.؟.‏

-: سرطاً.‏

أفُلَ قرص الشمس منحدراً خلف التلال البعيدة، وسمع صوت الشيخ يرفع أذان المغرب، وسرّه أن تسير الأمور على هواه، فلن ينتظرونه كيما يصلّوا، وحسبَ الوقت فوجد أنه سيصل وقد فرغوا من صلاتهم. امتطى حصانه وأمر كبير الطهاة أن يمتطي حصان الوجيه، وأمر الأومباشي أن يكون في المؤخرة، وأوعز للفتى أن يبقى بمحاذاته، ومن غير أن يلتفت أمر الضابط كمالاً قائلاً:‏

-: أعهد إليك بحراسة المعسكر، ولعلك ترتاح بعدما بذلتَ في التدريب جهداً لا ينكر.‏

لكز حصانه وسار في المقدمة، وخلفه كبير الطهاة، ومضى الموكب مبتعداً، وكمال يضطرم الغيظ في كبده، عاقداً ساعديه على صدره، التفت إليه الأومباشي مرتين، شامتاً؛ أو يشاطره قساوة الموقف الفائح بإهانةٍ لا مسوّغ لها، ولكنها العسكرية.‏

اقترب الموكب، والوجيه وسط جماعته، راعه المشهد، وامتقع لونه وجفّت لهاته، واشتد لهبان جوفه. صاح أن يوسّعوا المائدة، ويضعوا كل ما في القدور، فقد وقع في فخٍ لم يكن في حسبانه قطّ، وذاك حصانه، يمتطيه من لم يرسله لأجله، والفتى يسير بمحاذاة الضابط سير عبدٍ أو أسير.!.‏

-: (هكذا إذاً.!. لن تنقضي الليلة، ما لم أردّ لك الصاع صاعين؛ أيها الضابط وأنت البادئ.).‏

تجمَّعَ الناس يتفرجون على الموكب. يا لها من فخامة يرفل بها ذاك الضابط.!.‏

أرخى المقود للفتى، ثم أمره بالتوقف، وتوقّف الموكب، حتى اقترب الوجيه وصحبه.‏

-: قد جئت ملبياً دعوتك، على رأس موكب يليق بمقامك. هكذا أفهم أن يقدِّر الرجلَ الرجلُ.‏

ثم ترجّل كما يليق بفارسٍ، وتوجّه إلى صدر المجلس، ودعا الفتى ليتخذ مكانه قبالته، وسط دهشة الجميع واستغراب الوجيه وقد أُسقط في يده. غصَّ المكان بالعسكر، ووقع الوجيه في حيص بيص، فأشار بحاجبيه لمن لا يخجل منه، أن يترك المكان لهذا الجراد الزاحف.‏

قال المضيف:‏

-: تفضلوا.‏

بسمل الشيخ، فتهيأ العسكر، ومدَّ الضابط يده؛ بمثابة إشارة البدء، فأخذت الأيدي تغرف وتلقم الأفواه، في حركة لا انقطاع فيها، فبدا منظرها كحركة "الحريش- أم أربع وأربعين" وإذا الطعام أثر بعد عين، والوجيه يردد في سرِّه:‏

-: (يا لك من وغدٍ غدّار أيها الضابط الثعلب.!!.).‏

قهقه الضابط بانفجار مباغت، فرنا الوجيه إليه ذاهلاً، وترك الشيخ اللقمة في يده معلقة بين الإناء وفمه، والضابط يقول في نفسه:‏

-: (هكذا يكون نجر الخوازيق.).‏

ثم اجتث اللسان من أصله، والعين من وقبها، وشحر الدماغ، واقتلع الأذن وجعلها لفافة، متلذذاً بمضغ بعضها مع بعض، ثم سأل العسكر:‏

-: هل شبعتم.؟.‏

ردوا بصوتٍ واحد:‏

-: لا.‏

اضمحلَّ الوجيه وذاب خجلاً، والتفت الضابط إليه وقال مراوغاً:‏

-: لو أولمت لنا دجاجة، لكنا لك من الشاكرين.‏

وأعطى إشارة للأومباشي، فأوعز للعسكر، فهبّوا وأحاطوا بالمكان، فبدوا كأنهم سورٌ تمَّ بنيانه للتو، ورفع الضابط صوته، قاصداً أن يسمع مَنْ في المكان أجمعين:‏

-: كونوا مستعدين، فسنتابع المسير عما قريب. سنوزّع الجعالات على الجميع.‏

والتفت إلى الوجيه وهمس:‏

-: لك جعالة أربع عائلات.‏

ورفع الشباب الزعّارة المائدة، وأداروا أكواب الشاي، ونظر الضابط إليهم واحداً إثر واحدٍ، وقال ساخراً:‏

-: من يراكم بهذا التهذيب، لا يصدق أنكم زعّارة الأمس.!.‏

ضحك مستظرفاً كلامه، فتضاحك الوجيه، وجاراه الشيخ الإمام، وابتسم بعض الذين قصدهم، وسأل كبير طهاته:‏

-: ما قولك بهذا الشاي.؟.‏

استنشق بخاره العابق، وأعاد النظر بلونه العقيقي، ثم تذوقه كمن يتقرى سره:‏

-: شاي السماور سلطاني لا يعلى عليه.‏

أحسَّ الوجيه أن كبير الطهاة ألغز كلامه، فقال بلهجة واثقة هادئة، شحنها بقدرٍ من التحدي:‏

-: لا شك أن سلطانكم ذوّاقة، ونحن ما عهدنا الشاي من غير السماور.‏

امتعض كبير الطهاة، ولم يأبه الضابط له بقدر ما أراحه أن يغمز أحد في قناة السلطنة، فسأل بخبث:‏

-: فلمن يعزى السماور وطيب شايه.؟.‏

ردَّ الوجيه مقاطعاً كبير الطهاة بثقة:‏

-: إلينا حتماً. لا بأس أيها المحترم، أجد مناسباً وقد فرغنا من طعامنا، أن أفضي إليك بما لدي.‏

تململ الضابط وقد أحسَّ أن للدعوة أسبابها، حدّث نفسه وهو يرشف من كوبه:‏

-: (أكنت تقول ما لديك، لو علمت أني لا أحبك، بل أبغضك، وإن كنت أحترمك لأسباب لا يمكنني تجاهلها.).‏

وجد أنه صمت أكثر مما ينبغي فقال:‏

-: إني مصغٍ.‏

-: هو اقتراح، وإن شئت عُدَّه طلباً.‏

-: عُدَّه أنت ما شئت، إني أستمع.‏

سرت همهمة بين الناس، وانتقلت سريعاً إلى العسكر، قاطعة على الوجيه فرصة الإفضاء بما لم يعلمه أحدٌ بعد، وقد رنا الحاضرون نحو العسكر، وتوجّس الضابط شراً فجمد لحظات، وركض الأومباشي نحوه معقود اللسان، صرخ الضابط:‏

-: أومباشي.. تكلم.‏

قال الأومباشي مرتعداً:‏

-: حريق في المعسكر.. أفندم.‏

هبَّ قاذفاً كوب الشاي في حضن مضيفه وزمجر:‏

-: فعلها الكلب.!.‏

التفَّ الزعّارة حولـه يؤكدون وجودهم ههنا طوال الوقت، ولم يعرهم اهتماماً وقد خرج عن طوره، وغلبه غضبه فصاح:‏

-: إليَّ بالحصان أيها الحيوان.. أومباشي... إلى هناك أيها "الجحش".‏

وانطلق الأومباشي خلفه، ولحقهما العسكر مثل زوبعة هبَّت للتو في المكان دون سابق إنذار.‏

غمز الوجيه للزعّارة فانتشروا خفافاً، والتفت إلى الشيخ قائلاً:‏

-: ألم يحن وقت صلاة العشاء يا مولانا.؟.‏

قفز الشيخ الإمام مجفلاً:‏

-: بلى.. لعنة الله على الشيطان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244