|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:45 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
5
ابتعدت
مقدمة القافلة عن أنف الجبل، تتسلق ذاك المرتفع البعيد،
وهاهي نهايتها تتابع حركتها، كأنها جزء من مخلوق أسطوري؛ اختفى وسطه في الوهدة،
فبدا برأس وذنب تفصلهما مسافة غير قصيرة؛ تربطهما تلك الحركة المتتابعة، وكلما
تقدم الرأس، ازداد العنق طولاً، وقصر الذنب، ثم تناهى في القصر حتى اختفى، بينما
الرأس يتقدم والجسد يتبعه، لكأنه شقّ الأرض وخرج من باطنها. وحين ارتفع النهار بدت
تحت أشعة الشمس والجو سديمي؛ مثل إحدى الفقاريات الخرافية، تتحرك ببطء يتناسب
وضخامتها، أو أنها عليلة آلمها الوجع فجعلها تتململ فتبدو متحركة ليس بهمةٍ، إنما
بدافع ذاك الوجع المختزن في أوصالها ومفاصلها، تتابع الزحف وقد تبثّر جلدها وخدّشه
الدود، وتجمّع النمل في الخدوش، فتحركت هاربة منه وهي تحمله.!. وكلما
تقدمت في السهوب، تعرَّت الأرض من كسوتها الشجراء، متلفعة بشجيرات وأعشاب، تتستر
بها من لفح الشمس ودودة ولدودة، تسقسق بين جنباتها طيور السمرمر والسُّماني
والسِبدان، تفرُّ حائمة أسراباً وواحدات، فوق أرض سافرة هنا محتجبة هناك، تخددها
المسايل وآثار انجرافات، تجددها أمطار المواسم، وبذا شرع الطقس يقلب سحنته،
والطبيعة تغير فروتها بغير ما اعتاده أهل القافلة، فأصابت أغلبهم حالات وأمراض لم
يعهدوها، خارت لها قوى بعضهم، وانحرفت أمزجة بعضهم الآخر، وفترت في كثير منهم ما
تبقى من مكابراتهم وشكائمهم، وتعكر صفو
معظمهم، فأضحوا كطيور البطريق؛ انقشع الثلج من حولها، وجفّت المياه تحتها، وهم
يمرون بين سمع الأرض وبصرها. انتبه
الضابط كمال إلى ذلك التغيّر الذي أصابهم، وحار في أمرهم، ولم يدرك ما ألمَّ بهم،
لكنه فسَّره على أنه تراكم الآلام في نفوسهم الكلمى وتساءل: ـ
: (لِمَ يزداد وضعهم سوءاً.؟). سأل
الضابط عثمان عن ذلك فابتسم بمكرٍ ولم يُجب، ألحَّ بالسؤال وطفق يبحث عن السبب،
علّه يتدارك الأمر فيسعفهم، لجأ إلى الأومباشي وسأله فأجاب: ـ
: ستتحسن أوضاعهم كلما مضينا بهم قدماً. لابد أن يتأقلموا، ولا شيء يدعو للقلق،
فحتى الدواب تحتاج لفترة تعتاد خلالها جديد الكلأ الذي ترعاه. ضرب
جبينه بباطن كفه وصفَّر صائحاً: ـ
: تباً للظلم.!. إنهم يقتاتون الأعشاب وجذور النبات منذ حين.!. كيف لم أفطن إلى
ذلك.؟ اقترب
من صاحبه العجوز يسأله: ـ
: كيف ترى الأمر أيها العم داود.؟. نظر
طويلاً في وجهه وهمس: ـ
: حتى أنت تناديني بهذا الاسم الغريب
عني.؟!.. أحسَّ
بالحرج، وشعر العجوز بتأثير عتابه على كمال، دنا من فرسه، ومدَّ إليها كفه مبسوطة
ببعض الجعالة، فشممتها وعافتها، فنثرها وهمهم بمرارة: ـ
: أصيلة فرسك هذه، لم تقبل بهذا الذي يعلفنا به ضابط الأستانة. انهار
المدعو نوح من إقياء وإسهال، ثم انهار كثر، وأعلن الحكيم إدريس عن موت موسى،
وتتالى عدد الموتى يزداد باضطراد. تنهد
المدعو رشاد وصاح: ـ
: جذور لعينة أيها الضابط عثمان. هذا لا يليق بابن آدم قطّ.. واحتج
المدعو أصلان قائلاً: ـ
: الكلاب.... يطعموننا علف الدواب. تباً
لهم، إنهم يزقموننا الزَّقوم. حوقل
الشيخ الإمام وابتعد صامتاً، ولم يأبه عثمان بما يُقال، وكان على صهوة حصانه، يقطع
المسافة بين مقدمة القافلة ونهايتها، كأنه في سبق أو رهان، فتصدى له فتاه عثمان
السِّكِّيت، وكاد الضابط يسقط عن صهوة جواده، وقد شبَّ فجأة على خلفيتيه، مدَّ يده
إلى غدَّارته، لكنه أمام فتاه الأثير.!.. صرخ الفتى فاقداً السيطرة على أعصابه،
خارجاً من سكوته الطويل: ـ
: اللعنة... لماذا لا تُصاب أنت وعسكرك بما نُصاب به نحن.؟. نزل
إليه وشرع يصفعه بيمينه وشماله، فأمسك الفتى ذراعه ولواها حتى كاد يخلعها، ثم قبض
على حزامه ورفعه فوق رأسه، دار مرات ثم طوّح به وجثا فوقه يخنقه، فركله الضابط بين
فخذيه فسقط متلوياً، وجرَّه من فروة رأسه وأوقفه، وأمسك بأنفه وهزَّه بعنفٍ
هامساً: ـ
: أيها الحيوان، مادمت أدركت الأمر، ما
الذي يعمي قلبك ويمنعك أن تكون واحداً من العسكر؛ بل من أفضلهم وأقربهم إليَّ.؟. لم
يترك له مهلة، ودفع به إلى العسكر فاعتقلوه، وأمرهم أن يربطوه في إحدى عربات الأرزاق، مؤكداً على كبير الطهاة أن يفتح
له علب الدبس وأكياس التين، ويقدم له
"جق ملبن وبصطيق". ثم اقترب منه ومسح على وجنتيه حيث صفعه وهمس له: ـ
: هل تحب اللحم المقدد.؟. ستجد أنواعاً وأصنافاً منه، لا يحلم بها قومك. مضى
إلى مقدمة القافلة، دون أن يوافق على التوقف لدفن الموتى، مخافة أن ينتهز الناس
الواقعة، فيجدوا فيها فرصة تتفتق خلالها جروحهم، والاحتمال قائم بانفجار أحقادهم،
وهي كدمامل انفثأت، لكنه قبل ـ على مضض ـ تخفيف سرعة القافلة، ريثما يلحق بها
أولئك الذين سمح لهم إنجاز مراسم الدفن، يراقبهم أنفار من العسكر. أصرّت
قمر أن تبقى معهم برغم معارضتهم واستنكار بعضهم، فأسكتتهم بقولها: ـ
: يجب أن أعرف كيف يتم ذلك، فقد أضطر لدفن أحدكم، مادمنا في ظروف مفتوحة على
احتمالات. ولم
يأبه بإلحاح الضابط لإطعام الناس، راوغ ثمَّ ردَّ بمكرٍ: ـ
: ليس قبل أن أقطع بعسكري المفازة، وأطمئن على سلامتهم. ـ
: المفازة سببٌ كافٍ لتوزيع الماء، وتحسين
الجعالات. ردَّ
وهو يجّهز بندقية الصيد: ـ
: كمال يا عزيزي.. العسكر أهم... ومضى
يتعقب طيور السُّماني والسمرمر، وبعض عسكره يتراكضون فيلتقطون ما يصطاده، وهو
جذلان؛ يسرّي عن نفسه، فتبرق أساريره... **** حين
أتموا دفن موسى، سأل الشيخ الإمام: ـ
: من يأخذ عزاءه.؟. نظر
الحاضرون بعضهم إلى بعضهم، وزفر أحدهم متمتماً: ـ
: ليس له أحد، فهو آخر عائلته.. تلفَّعت
قمر ونبرت قائلة: ـ
: إني آخذة عزاءه. أُحرج
الشيخ، وأسقط في يد من هم حوله، فتقدم الشيخ يعزيها وتبعه الباقون، وحين اقترب
نعمان قالت: ـ
:أيها الشاعر.. احفظ أنه ـ أيضاً ـ آخر
عائلته، وبموته طُويت صفحاتها. عضَّ
نعمان شفته فأدماها، وانفلتت قمر هائمة، تغني مرثيّة بصوتٍ شرَّخه الأسى، ورددت
صداها جنبات البرّية، فتوقف الدمع في المآقي كبلوراتٍٍ متلألئة، وجرجر الرجال أرجلهم، وترجّل
بعض العسكر عن دوابهم، ومشوا جميعاً في مهابة، فالحزن على قسوة المآل رباط يشدّ
القلوب في مصائب تجللها وطأة الموت، وراح عسكريان يلهوان عابثين، وقد وجدا فرصة
للتنفيث عن كبتهما، مطلقين مكنونات نفسيهما من عقلها، ولحق أحدهما بقمر يتفرّسها
ويرجمها بسهام نظراته المتجمّرة. طلب
الفتى عثمان السِّكِّيت من حارسه أن يفك وثاقه، وهو يتماسك كي لا يتحدَّر بوله، فلم
يأبه له، فهدد أنه سيتبرّز، وحين ترجّل توارى خلف رجم يفك سراويله على عجل،
والحارس يراقبه بقرف، وفوجئ كبير الطهاة أن الفتى أتى على كثير من حمولة
العربة.!... وما
برح يطحر موهماً الحارس أنه يقضي حاجة، بينما يفرغ عبّه وجيوبه حتى إذا ما اقتربت
جماعة المشيّعين، أشار لقمر إلى الأطعمة، ومضى ضارباً على بطنه كأنه تخفّف
فاستراح، وكبير الطهاة يزوره ريبةً، بينما كان الحارس يُعيد شدَّ وثاقه، شعر براحة تملأ جوانحه، وقمر تأكل وتبتسم له،
لحظات يشتريها بردحٍ من عمره، إنها وحدها سعادته، وإن لم تعرف مافي قلبه الشفيف،
ومشاعر مشعّة كالجمر، وهو الجَلْدُ: ـ
: (ألهبتِهِ مذ رأيتك قبل زواجك ولم يفتر. لو تدرين كم حقدت عليه، تمنيت أن يموت، ولم أقتله برغم أنني حسدته طوال
الوقت، ولم أقايضه بذهبٍ أغراني به عسكر القيصر، لكنني لم أسعفه حين جرح، وما
استجبت لاستغاثته، تركته وفررت بجلدي، فالقصف كان
كالصواعق والرصاص كالبَرَد. لأجلك تنازلت عن أن أكون بطلاً. ما ندمت لكني
عاقبت نفسي بسكوتي الطويل، فلو علمت أكنت تغفرين..؟. إنني
آخر من رآه حيّاً، وحين عدتُ وجدتهُ قد جمد متجلَّداً بدمه والثلج كفنه، عدتُ
بجثته، فقدّر حموك صنيعي، ولا أحد يعرف أنني عدت به كي تتحققي من موته،
فأحررك من ارتباطك به، لعلك بعدئذٍ تكونين
لي، فلو عرفت هل كنتِ تقبلين.؟.).. سأل
عبد الله: ـ
: مولانا.. هل ما نأكله حلال.؟.. طال
صمت الشيخ وهو يمضغ لقمته، فهتف رشاد: ـ
: نعم.. إنه حلال. ردَّ
إبراهيم: ـ
: بل هو حرام. ـ
: حلال.. ـ
:حرام.. قال
الوجيه عبدالحميد: ـ
: هلاّ حسمت الجدل يا مولانا.؟. تمنى
الشيخ لو لم يُسأل، لكنه قال: ـ
: حرام على الأغلب؛ والله أعلم.. ـ
: وكيف تأكله إذاً..؟!.. تفَّ
مافي فمه، كي لا يقول إنه محسوب على العسكر، وليس عليه حرج، فاحتجت قمر قائلة: ـ
: لِمَ تُحرِّمه يا مولانا.؟. ـ
: لأنه مسروق. ـ
: ممن.؟. ـ
: لا رزق بلا صاحب... ـ
: فمن أصحابه.؟. ـ
: العسكر. وهم على سفر. ـ
: ألسنا أيضاً على سفر.؟!. أما دفناهم للتو وقد قضوا جوعاً.؟... الجوع كافر يا
مولانا... اضطرب
الشيخ فزفر، وسئل الشاعر نعمان، فقال: وهو يمضغ لقمته: ـ
: إن لم آكل منه، أكون قد مت انتحاراً، أليس الانتحار حراماً يا مولانا.؟. امتعض
الشيخ فحوقل قائلاً: ـ
: هذا تلاعبٌ بالألفاظ، وإنني ماضٍ فلغطكم
لا يُحتمل. وأسرع
وهو يسوِّي عمامته، كاتماً غيظه؛ متنفساً الصعداء في آنٍ معاً. وما
زال الفتى السِّكيت يغدق على مَنْ حوله، وزاد العطاء لحارسه، بينما أسكت الحوذي
بقطعٍ نقديةٍ، وحين اشتكاه كبير الطهاة إلى الضابط، قهقه ثم صوّب وأطلق، فهوى
السمرمر بلا رأس ولا حوصله.!.. وأعلن
عباس عن موت أمِّه، وأطلق صوته ضاحكاً، والناس من حوله حيارى: ـ
: أيفرح المرء إن فقد أمَّه.؟!. همس
الضابط لنفسه: ـ
: (الجوع يعطّل العقل.). عزَّوا
عباساً فرقص.!. همس
الضابط لنفسه: ـ
: (العطش يكلُّ البصر.). ولام
المقرّبون عباساً فغنى، فقال الضابط لنفسه: ـ
: (الجوع ينفث اليأس في النفس.). ونهر
الشيوخ عباساً فهتف لسطوة المصير المبهم، فتمتم الضابط لنفسه: ـ
: (العطش والجوع ذبّاحان دون إراقة دماء.).. جلجلت
ضحكة عبّاس ثم خمدت، اضمحلت بسمته وانمحت، رفرفت عيناه وليس من دمعٍ فيهما يخمد
الحريق، جأر صائحاً، ذهب منعزلاً، انفرد متشيئاً، هام هبلاً، جرّه أترابه فطوّح
بهم، عاودوا الكرَّة ففتك بهم بقوة ثور، تكاثروا عليه فاستنجد بالجدّة نور، طوّقته
فهجع في حجرها ينشج، حتى إذا سمع صوت الضابط عثمان، هاج وراح يتخبّط ضارباً
بالحجر، ناثراً التراب، عاضاً ظاهر كفه حتى أدماه، ولم يستكن حتى أخذته قمر تطبطب
على خديه، ماسحة على رأسه، فابتسم مناغياً، عندئذٍ ربطوه إلى عربة الممسوسين. *** رمت
الشمس جمرات الظهيرة، فتصبب حصان الضابط عرقاً، ورطّب باطن سروايلـه، فاستبد لـه
بآخر، وآوى إلى عربته الفارهة، يضم إلى صدره صندوقه الأغلى، مغلقاً على ما يدور في
خلده، كاتماً في صدره ما نوى إثر حادثة رأس العريف، وبدا بسكوته كرافع راية بيضاء،
وقد وضع كمال يده على الشمعدان والكتاب، ولم يشك لحظة أنه ذهب بهما إلى أولاء
الأوباش،وما سكوتهم إلا عن نيّة بيّتوها لحين لزومها، وليظن كمال المأفون أنه
الأذكى، وأنه أجاد نصب فخٍ يوقعه فيه حين يشاء. ـ
: (وهل كنت آخذهم في نزهةٍ...؟.. أية نزهة
لي مع هؤلاء..؟!... أكنت دليل قافلةٍ من "الغوييم"؟... ألمثل هذا أحمل
هذي الرتب.؟ وما
قيمة ضابط مثلي في حالة سلم.؟. وكيف يهنأ لي العيش مالم يكن أمامي من أتخيله
عدوي.؟... لابد لي من عدوٍّ ولو توهمته.. شكّاكٌ أنا، محترز، أؤوّل الوقائع بأسوأ
احتمالاتها، فالناس أنجاس، وكلهم موضع ريبة، تحية أحدهم مغرضة، والبسمة مغشوشة،
وإبداء الخوف حيلة، وتصنّع الطاعة والاحترام كذب، والنوايا خبيثة، والصمت قناع
مخادع، فإن لم يثبت العكس، وقع المحتمل ضمن الحسبان، فتبوء المفاجأة بالخسران.
أوقعهم في الظن أنني هادنت، ولشدَّ ما ترضيني بساطتهم المفرطة، وخبثهم الساذج....
وإنهم يتيحون لي بطولة لائقة، ترفع مقامي، وتصلح لحكاية تروى عني، فأكون النجم
الذي أردت أن أكونه أيتها الأم الخزرية.). فَكَّرَ على هذا المنوال وقد كفَّ عن
الضرب والتقتيل، كما فعل بهم من قبل، إلا أنه مصر أن يأخذهم إلى حيث يحقق غايته
ويشبع رغبته، فالأرض القفر التي لم تكن يوماً درباً لأحد، كفيلة بفعل ما نوى،
يدفعهم إليها وقد استعدَّ لها، وتركهم مجردين من أسباب الصمود، وهم غافلون عن أنَّ
حارسهم هو قاتلهم..!.. ـ :
(فإن كانوا أبالسة، فأنا الشيطان نفسه، والعاقبة لمن شحذ ذهنه على مِسّنِّ
الزمن.). أرضٌ
منبسطة على مدِّ البصر، لا زرع فيها ولا نبت، والغيم مفقود في سمائها، وليس فيها
طير يطير؛ ولا تحتها وحش يسير؛ إلا هم.... أُولجوا العراء، فتلقاهم العجاج، مخروا
البيداء فانتخل التراب عليهم هباءً، تطيِّره الريح فيلزق على أسمالهم وجلودهم، ويلتصق بهدب
العيون، ويحف بفتحاتِ الأنوف، ويتسرب بعضه متجمعاً في سقوف الحلوق يستثيرها،
وينزلق إلى الحناجر، فتنتابهم نوبات سعال وبوادر اختناق، ويلتزج على الشفاه
والأسنان، ينسحق منجرشاً بينها، وينجبل بالعرق المغرق أجسادهم، ويزداد العطش،
والماء عزيز المنال، فعربة الماء تحت الحراسة المسلّحة، أسوة بعربات السلاح. فجأةً
عصفت الريح تسكُّ الآذان، وحبيبات الرمل تقذي العيون، وتلطم الخدود مثل وخز الإبر
ولسع الدبابير. اشتبك
الظامئون مع العسكر، فداستهم الدواب بسنابكها والحوافر ومات شيوخ ومرضى وعسكريان،
وماتت امرأة جاءها المخاض في هذا العذاب، وأظلمت الدنيا كأنما انطبقت السماء على
صدر الأرض. احتج
الوجهاء فراح احتجاجهم في الغبار، وصوتت النسوة وعلى رأسهن قمر، والريح تعوي كأنَّ
قطيعاً من الذئاب مقبل لنهش لحومهن، متهمات الضابط أنه أسود الكبد، مجرمٌ بلا قلب،
فردد في نفسه: ـ
: (بل في صدري قلب فحل، فمن أرادت أن تشرب بثدييها، سقيتها بيدي منقوع الزبيب
وشراب الدبس، أو فلتضمر أثداؤكن كما التين المجفف.). وبعد
لأيٍّ سكنت الريح وصفت السماء عن شمس أتون محرقةٍ، فدفنوا أمواتهم في كبدٍ. تفدّعت
الشفاه وتملَّحت، وتلاعب السراب بالأبصار، أزاغها، وأيبس الصدى الحلاقيم، وجفَّ
العرق على الأبدان فصار ملحاً، فثارت عليها بثور ونثور، وفي الأفواه غلظت الألسنة
وثقلت، ركع من ركع، وانبطح بعضهم وزحف. وجوهٌ
جَعِدة وبطون طاوية، وقامات عجفاء ناحلة كأعواد قصب زلٍ جفَّت اشتواءً بلفح
السعير، فهان قصمها. ذاك
حافٍ وهذا شبه عريان، وذا يمرّغ وجهه بالرمل ينبش من تحته التراب، علَّ بعض
الرطوبة فيه. شرب
الضابط عثمان، وسكب بقية الماء على رأسه
وعنقه، فناوله كبير الطهاة كوباً آخر، ثم قدم له قهوة. رشف منها وهو ينظر إلى قمر بعيني متهجدٍ وذئبٍ
في آنٍ معاً، عاقداً بينها والصبيّة
"أبهى" مقارنة لذا ذات التشهي؛ إن جمعه وإحداهما فراش. تمضمض
وبخّ الماء رذاذاً في عبّه وبين فخذيه، وأتاه كبير الطهاة بشاي كالعقيق، وأَذْهَبَ
أحد الطهاة بإناء شراب إلى أثيره وسميّه الفتى السِّكيت. اقتربت
قمر بفرسها من الضابط كمال حانقة، زفرت وهمست: ـ
: وبعد.؟!. تطلّع
إلى وجهها فأحسَّها تؤنبه بنظرة ليس لها تفسير آخر. لكز فرسه واتجه إلى عربة الماء
متلفتاً، أمر الحرس أن يبتعدوا، وأوقف العربة وأشار لقمر أن تقترب، صاحت في الجهات
من حولها: ـ
: الما.. ء، الماء.. كأنهم
ما صدّقوا، لكنهم هجموا دفعة واحدة. شتم عثمان الأرض والسماء؛ وحلب وقلعتها، وأطلق
من غدّارته في الهواء، فلم يأبهوا. لقَّم بندقيته الخاصة طلقة "خاصة"
وصوّب بدقةٍ، فطيّر كوبا ًمن يد "أصلان". ساد
صمت وسكن الجمع لحظات، وتعلقت العيون بعثمان، فأعاد تلقيم البندقية، دنت قمر من
كمال نافذة الصبر ونبرت: ـ
: ماذا تنتظر إن لم تجبن.؟. التفَّ
الشباب الزعّارة حولهما متقطعي الأنفاس: ـ
: دمه أو الماء. مامن خيار. نحن جاهزون. لاطفتهم
مهدئة: ـ
: تقبروني.. لم يحن دوركم بعد. سايرهم
كمال قائلاً: ـ
: اتركوا لي فرصة المحاولة. وانفرد
بعثمان قائلاً: ـ
: الماء للناس، أو أعلن عن الكتاب و..... ابتسم
عثمان رفّة عين، ونادى الشيخ الإمام بصوت كالرعد: ـ
: أذّن يا مولانا فالصلاة ناهية.. وصاح
بالناس أن يتيمموا فالصعيد طاهر، وويل لتاركي الصلاة، ولكل ساهٍ عنها..!.. صُعِقَ
كمال، والشيخ يؤذّن، ثم أَمَّ الضابط عثمان المصلين لا وياً رقبته إلى اليمين،
وقف العجوز داود بين الوجيه عبد الحميد
وكمال، وسأل: ـ
: ما الأمر.؟!.. قال
كمال: ـ
: إنه المكر. تمتم
عبد الحميد: ـ
: ماكان من رجال القيصر بكفةٍ، وما نراه
من هذا النمس المندسّ بكفّة.!. ـ
: قال الحكيم إدريس: ـ
: صلاة باطلة.. كان
أصلان والزعّارة خلف كمال في الصف الأخير، فسمعوا ما قاله الثلاثة، فانسلَّ عبد
الله ولحق به توفيق، ولبى أصلان إشارة قمر،ولحقه رشاد وإبراهيم، وفي السجدة
الثانية تلقفوا بنادق العسكر السجّد، استنكر كمال فعلتهم، فأبعده سليمان كأنه
يعتقله، هرعت إليهم قمر، وتلقفت من أصلان بندقية، فتبعتها أمينة وجلبهار وفاطمة
وجلنار. أخرجت قمر حماها وأباها من صف المصلين، وضمتهما إلى كمال، وأحاطت الفتيات
بالجمع مشهرات البنادق،
وطوّق الزعّارة المصلين مشرعي الأسلحة.احتجّ كمال فهمست لـه قمر أن يمتثل فتجنبه
وصاحبيه المسؤولية. حاول ثنيها ورفاقها عن
هذه اللعبة، فوضعت فوّهة البندقية بين كتفيه، وأمرته أن يجثو رافعاً يديه، نظر
مستنجداً بالعجوز والوجيه، فوجدهما لائذين بالصمت فامتثل. بُهِتَ
الضابط عثمان، همَّ أن يفعل شيئاً، فانتصبت أمينة أمامه فأبقته قاعداً، نظرإليها
بمكر وهمس: ـ
: هل أعلمك الرماية فتكونين أول أنثى في جيش السلطنة.؟. ـ
: تدربت تدريباً كافياً بمواجهتنا عسكر القيصر، إلا إذا رغبت أن تكون دريئة. شاغلها
بتلفته وصاح: ـ
: أومباشي .. أنفار. نار... وضعت
أمينة فوّهة البندقية بين عينيه، ووثب يوسف فوق الأومباشي وأطلق الزعّارة بين أقدام العسكر، فخرّوا
جاثمين، ولمّوا الأسلحة وطمروها في الرمل والتراب، وجرّدت أمينة عثمان من غدّارته
وشكّلتها في حزامها، وألقت بندقيته فتلقّفها أصلان، وساد الهرج. صاح
الضابط: ـ
: أيها الوجيه عبد الحميد، إنني أحمّلك تبعة ما يحدث. ردت
قمر: ـ
: الوجيه رهن الاعتقال، لا حول له ولا قوة. جالت
في ذهنه خلاصة حيثيات تراكمت في بواطنه منذ بدء التحضير للمسير، وليلة جاءته
"تانسو" برفقة "أولتان" مبعوثين سريين، وأبلغاه أن حاخام
الأستانة الأكبر "موشي ليفي" يؤكد عليه أن مهمته في "عينتاب"
هي الأَوْلَى باهتمامه، وعلى نجاحها يتوقف صعوده السلّم، وأن يتشفى ممن أوكل إليه
سيد "يلدز" تأمين سلامتهم، بعدما نجح المزروعون في مراكز القوى بإقناعه
أن المخلص عثمان، خير من يؤتمن على مَنْ وثقوا بعظمة جلالته.!... ثم يكون جلوازهم
تشفياً للخزريين، ولتعنت السلطان دون رغبتهم... ـ
: (تهون الدنيا يا سادتي دون رغباتكم.). حقن
عينيه بشحنة توسّل، وأبدى تضرعاً وخنوعاً، فأبعد برؤوس أصابعه فوَّهة البندقية من
بين عينيه، كمن يهش ذبابة، وبدا مهادناً، وأنمّت تعابير وجهه تذللاً ومسكنةً، ورقق
صوته حتى قارب الهوان، فأبعدت أمينة
البندقية عن وجهه، لكنها ثبتت فوّهتها في نقرته، رضي بهذا الانفراج فلهج بالشكر،
ثم قال بصوتٍ مشدود: ـ
: كمال... لا أشك أنك مدبّر مايحدث، وسيعلم عظمة السلطان بخيانتك، وهو يغفر
لرعاياه من أخطائهم ما شاء، إلا الخيانة، إنني أرأف بك فأدعوك لترتدع.. ـ
: (إن هي إلا لهجة مبطنة أيتها الأم الخزريّة، علّها تصيب من قلبه نقطة ضعف..).. قال
توفيق متهكماً: ـ
: أين نحن وأنت من السلطان أيها الأغبر.؟!.. ردَّ
واثقاً مهدداً: ـ
: رجاله في "أورفة" و"عينتاب" والوالي في حلب. هزّ
الوجيه عبد الحميد رأسه قائلاً: ـ
: يبدو واثقاً من تهديده... ولكن.. هبَّ
توفيق غاضباً: ـ
: في أفواهنا ألسنة تبلغهم عما كان منك،
فإن لم يسمعوا فسحقاً لهم ولك. نهره
الوجيه قائلاً: ـ
: فلتخرس يا ولد. لسنا رهن حماقتك. غمزت
قمر لكمال ونبرت: ـ
: توفيق... اهدأ. اطمئن يا أبتاه، سأعالج الأمر. ووجهت
كلامها إلى الضابط قائلة: ـ
: الضابط كمال تحت رحمة سلاحي، لا حول له
ولا قوة. عطس
أبوها وتلعثم محتجاً: ـ
: العمى.!.. تحمينه وتوقعين بنفسك.؟!.. أي تهوّر هذا.!.. قال
توفيق: ـ
: أيخيفنا الذئب وهو في المصيدة.؟!.. ردَّ
العجوز داود: ـ
: لو تعلم أيها الفتى كم يكون الذئب
ضارياً، وقد جرحته الإهانة.!... ابتسم
توفيق قائلاً: ـ
: لست بتلك البلاهة، وإنني ممن خبروا الوحوش تماماً؛ وأنت أدرى. ضحك
العجوز داود وسأل: ـ
: توفيق.. أستحلفك، ألم تكن ثملاً حين صرعته.؟. ـ
: بلى... كنت وقتذاك في جاهليتي، أكلت فخذ خروف مثوّم، وشربت حتى بت أرى الهواء،
وأسمع ضحكة النملة، ورقصت بخمسة سيوف مع ثلاث حسناوات، وفي طريق عودتي إلى القرية
هاجمني فصارعته. ثم أفقت وأبي يوقظني، قال إن حصاني دلّهم على مكاني، وجدتُ الدب
صريعاً بجانبي، سلخت جلده لأهديه إلى صديقي العريس المحتفى به، لكن عسكر القيصر
سرقوه مني.ذاك أبي اسألوه. ـ
: توفيق يا بني، لست الآن ثملاً لتواجه الضاري عثمان، دعك منه لاعدمناك. أُسقط
في يد الضابط فصاح: ـ :
كمال... أنا رئيسك وإنني مهان. أنسيت واجبك نحوي.؟. همس
كمال: ـ
: بدأ يعلك... ألجموه.. قالت
قمر: ـ
: أنا الآمرة الآن، وجّه كلامك إلي أيها الضابط عثمان. ـ
: ما الذي تريدونه أيتها المحترمة.؟. ردَّ
أصلان جازماً: ـ
: الماء والطعام والسلام. لم
تنتظر قمر إجابة فصاحت: ـ
: إلى الماء والطعام، وليأخذ كلٌّ حاجته فحسب، مولانا الشيخ إنك خير من يتولى
التوزيع. قال
الشيخ في سرّه: ـ
: (تورطينني وأنا في غنى عما أنتم فيه..!!).. هزَّ
رأسه محوقلاً، والتقت نظراته بنظرة عثمان، فحوّل بصره إلى السماء. تلكأ قليلاً،
وكاد يقول شيئاً، لكنه كتم رغبته ومضى، وأمرت قمر كبير الطهاة وطاقمه أن يتبعوا
الشيخ ليساعدوه، فامتثلوا غير متحمسين ولا رافضين، قالت: ـ
: أولموا للضابط، وأكثروا له مما يرغب. وابتعد
كمال محاولاً عدم لفت نظر صاحبيه، تنحنح وهمس:
استغربت
ونظرت إلى نفسها مستنكرة قذارة ثيابها، تأففت متخيلة وجهها وقد تلمسته، وفركت
بأناملها الغبار عنه فانفتل متطيناً بالعرق. هبّت
في فمها ضحكة فكتمتها، وتمتمت: ـ
: (وما قوله لو رآني في عزِّ بهائي.؟!).. تنهدت
قائلة: ـ
: تتحرش بي. ألا تخشى أن أقتلك؛ ونحن في ظرف وتَّر أعصابنا.؟. فهمس:
ابتسمت
رفة جفن، وكادت الأنثى في داخلها، أن ترق وتعلن عن نفسها، بيد أنها أخنعتها،
وقطّبت قائلة: ـ
: تأدب..!.. صاح
الضابط عثمان: ـ
: برغم أنك سمحت لي بأكل القديد، لكنك ستندمين يا قمر.. ـ
: فات أوان الندم. ـ
: أيها الضابط كمال، قل لها ما عاقبة العصيان. صاح
عبد الله: ـ
: ليست من عسكرك لتعاقبها إن عصتك. ذهبت
إليه، وقفت، نظرت في عينيه بعيني امرأة غيّبت أنوثتها تحت همها،كادت تبصق فمنعتها
شيمتها. كادت تضغط على الزناد، جحظت عيناه، تدفق الكلام من داخله فملأ فمه، كزّ
أسنانه واختزل القول بكلمة: ـ
: نتفاهم.. ـ
: بدون شروط مسبقة، وهذا شرطنا الوحيد. جفل
عباس الملتاث؛ من طاس الماء حين حاولوا أن يسقوه، صرخ وهذى، اهتزّ وتشنج، تأتأ
وبكى واشتكى أنه لا يجيد السباحة، ورجاهم أن يبعدوه عن هذي البئر العميقة، فهو لا
يريد أن يموت غرقاً، وقد ماتت أمّه عطشاً.!.. وحين
أدنوا الماء من أحد المحتضرين، فرح المسكين، عبَّ حتى ارتوى، نظر في الوجوه من
حوله ممتناً، ثم ابتسم بطلاوة ومات..!... ـ
: نحرقها ولا نتركها.. ـ
: يالك من أحمق..!... سألتهما
قمر: ـ
: علام تتصارع الديكة.؟. قال
عبد الله: ـ
: الأسلحة يا قمر.. ـ
: ألا يكفيكم ما غنمتم من سلاح عسكر ألكسندر.؟!.. ردَّ
توفيق: ـ
: السلاح ثروة، والثروة لا يكتفى منها وإن زيد عليها. حسمت
الخلاف بقولها: ـ
: لا يطمعنَّ أحد بأسلحة عسكر عثمان. سنسلمها لأول مركز نصله. ولم تثمر المفاوضات طائلاً، فقد ساقها عثمان
إلى طريق مسدودة، فاستأنفت القافلة سيرها بأمرة الضابط كمال، وعن يمينه الوجيه عبد
الحميد، وإلى يساره أصلان، وأمامهم توفيق، وخلفهم الأومباشي، وأُبقي عثمان في
عربته، وبخدمته كبير الطهاة بحراسة أمينة، وعهد إلى العجوز داود أمر عربة الماء،
وتوزّع الزعّارة على عربات الأرزاق، وأنيطت بالفتى عثمان السِّكيت مهمة مراقبة
العسكر، ووزعت البغال والخيول على الشيوخ والمتعبين، وقمر تلحظ القافلة كلها،
بينما نعمان ينشد حاثاً على تحمل المشقّة، موحياً بالتطلع إلى أملٍ مرتجى، حتى
إذاتعب، تلا الشيخ وتلامذته ما تيسر من آي الذكر الحكيم... فقدت
خطة المفازة والأرض القفر فاعليتها، دون أن تحقق كامل رغبة الضابط عثمان، فقد نوى
فعل الأفاعيل فأخفق، وبرغم أن ما جرى هائل، لكنه لم يشفِ غليله، فعذّب نفسه
وهويجلدها بأسئلة مقلقة حيّرته: ـ
: (أفعلت ما طُلب منك..؟!... أيكون جوابك
"نعم"..؟!.. يا لخيبتك..!! الأرض القفر منحتك فرصة إبادتهم، دون أن تلوث
يديك بقطرة دم، وما كان لأحدٍ أن يتهمك أو يُؤَثمك. الله أراد.. الله فعل...!! ولا
شيء يخضعك للمساءلة، فما عذرك..؟!.. أتبكي..؟! من ذا الذي ينفعه بكاؤك..؟!.. ومن
ذا الذي يقنعه دمعك وإن كان حراقاً..؟!... قصّرت؛ لم تقم بما عليك. اعترف أنك أخفقت.
أصعبة هذه عليك..!؟.. إذن قل إنك لم تنجح تماماً. مقبولة هذه أليس كذلك..؟!... بيد
أن هذه وتلك لا تعفيانك، بقدر ما تضعانك أمام الكير بين الغاية والوسيلة. دعك من
الوسيلة، اتركها خارج تفكيرك. الغاية الغاية يا عثمان. ها أنتذا تقر أنك لست
مرتاحاً، فماعساك فاعل..؟!... ما زال في الوقت متسع، وفي الطريق بقية...)... *** سرب
الحمائم ما أجمله..!! سبحان مَنْ والفه..!!... سائر الغيد يتهامسن مسرورات، غناؤهن
كالهديل وأرخم، بعث بهجة تجلو الغُمة رويداً، وروْداً سرى بين الأخريات همس
النغمات، فأشعن بعض الفرح في جوف كآبة فراغٍ فتّاك؛ فأغظن الجدة المهيبة نور،
فزجرتهن سائلة: ـ
: ما الذي جعلكن تقوقئن كالدجاجات..؟!... ـ
: فرحات أيتها الجدّة... ـ
: بِمَ..؟!.. ـ
: بنصرنا على الضبع عثمان... قالت
الجدة وقد شخص بصرها: ـ
: خاسرون نحن، حتى لو تحولت هذي الأرض فراديس... ـ
: ما الأمر أيتها الجدة..؟!... صاحت:
ـ
: سليمان.. أوقف
بغلته ممتثلاً والتفت إليها.. ـ
: تعال اقترب
مترجلاً، وسار بجانب العربة مصغياً... ـ
: أفهم هذه الزغاليل معنى أننا خاسرون. هزّ
رأسه طاعة؛ وتنهد خلسةً ثم قال: ـ
: جدتي عارضت أن نترك أرضنا.. تلعثم
وغصَّ فسكت. نظرت إليه غير راضية، وهزأت: ـ
: وأوأ ابن الوجاهة مثل جروٍ وصمت. مابك..؟!... أتخجل أن تذكر ما قلته للآثم
أبيك...؟!.. أم تراك خجلاً لأن قولي بفعلته كان صائباً..؟! خجلك هذا لا يساوي
حفنةً من مزبلة قريتنا يا ولد... كزَّ
أسنانه أسىً وزأر: ـ
: كرمى لروح جدي.. كفى.. سحب
بغلته وابتعد.. ـ
: هه..! هرب..!!.. من يهرب من عيبه لا يتطهر منه.. أوقفت
العربة فتوقف من خلفها الركب، حدّقت في الوجوه المترقبة وصاحت: ـ
: الأرض كالعرض ولا مسوّغ يفصلهما. ورددت
بكائية ضبطت إيقاعها بنقر عصاها، وعلا صوتها، فانتقلت العدوى إلى العربات الأخر،
تفاقم الغناء البكائي وارتفع، نبتت له أجنحة، رأته الجدة يتحوّل أطياراً، تجوب
الفضاء فوقهم، تذهب إلى هناك، إلى حيث الحلم كان يعطي للحياة معنى الحياة، أكدّت
أنها ترى ذلك، ترى القمم تتدلى منها أجنحة من الخضرة، تصنع قباباً وودياناً، تشرق
في أحضانها عيون من الينابيع والبحيرات، مشكّلة حالةً حميمية بين السماء
والأرض؛ الأرض التي جعلها الخالق جنة
لذاته الجميلة، ولأنه أحبّ أولاء، أعطاهم جنته الأخاذة تلك... انتهز
الضابط عثمان الحالة فنبّه الضابط كمال،
إلى هذا العويل المنفلت من كمّامات
الصدور، وأكد على خطورته، فهو جمر وإن غطاه الرماد؛ إن هبّت ريح نفوسهم أذهبت
الرماد، وجهجهت قبسهم، فتتقد نارهم، عندئذٍ تحرق ولا شفيع، فالقانطون مطموسة
أبصارهم وبصائرهم، خطرون هم، ومن الغباء
معاملتهم بغير هذا المفهوم، وما قمر إلا طائر رخمة غدّار، زيّنها في عينيك الحرمان
يا كمال.. أقلقه
الكلام، والتقاها مرات محاولاً تلمّس مافي قاع نفسها من نوايا. حذراً جسَّ الهواجس
وظل نافراً، وكلام عثمان يقرع ناقوس الريبة في نفسه، ولاحظت قمر فتوره، ولم يقنعها
ما أدلى به مقتضباً، أنه منشغل البال
بأهله. وماكان
الفتى السِّكيت يراقب العسكر؛ بقدر انشغاله بمراقبتهما، وغيرته تشتعل ملهبة خياله؛
فَيُسْمِعه ما لا يقولان، ويُريه مالم يكن منهما، فاستغلَّ الضابط انفعالات أثيرة،
فنفخ بزهوه، كيما يجعله طاووساً، وامتدح فتنة قمر
فاذاب أطراف
قلبه، وملأه اهتياجاً وجوى، غامزاً في قناة غريمه، وأنها مأخوذة بجرأته، وهي
الأرملة المقسورة على الحرمان، وقد عزف على وتر وحشة فراغها، فيما هو يضمر ويكبت،
كأنه غافل عن فعالية الثناء في الغانيات، فأعاده إلى الساح مشحوناً برغبة إثبات
ذاته، فالقوة تحسم الأمر، وأين كمال من
قوّته..!؟.. وحين
توقفت القافلة قبيل الغروب، في موقع مناسب للمبيت، انصرف الخلق لتدبير شؤونهم،
وذهب كمال يتحرى محيط المكان، (ولرغبته بخلوة، يتفكَّر خلالها، فكلام عثمان ما زال
يصدِّع رأسه)... لحق
به الفتى السِّكيت، وقد نوى الإفادة من
قوّته المختزنة، وهي فيصلٌ هذا أوانه؛ لعله يكسب قمراً. ذهب
كلام كمال هباءً، ولم تجدِ محاولته للتفاهم مع الثور الصامت نفعاً، ولم يجدْ سبيلاً
غير أن يصطرعا، فأثخنته الجراح ووسمته الكدمات، قبل أن يُهرع إليهما بعضهم فيحجزوا
بينهما. وإثر
تفشي الخبر، عقد الشيوخ محكمة بكامل هيئتها من كبار السنِّ والضالعين بالأعراف،
وحرّاس التقاليد المتوارثة مشافهةً وممارسةً، وجوهر تشريعها الأخلاق وقدسيتها، يتساوى
أمامها الكبير والصغير من الذكور، كذلك الأنثى، وإن حظيت بإجلال الجميع لها،
وأحكامها مبرمة ملزمة، أما مخالفتها فخروج على نهج الجماعة، وللمسألة عندئذٍ تدبير
آخر.. وكانت
بهجة الضابط عثمان عارمة؛ إذ نال من كمال وهدَّ أنفته، وأثبت له خطأ مضيّه بعيداً
عنه بتحالفه مع أولئك "القرباط"!!... وبيّن له أنه والأومباشي سواء بسواء، مادام جّرَّد عسكره من أسلحتهم،
وتركهم كرعيان ماعز بلا عصيٍّ، فمكانته
منوطة بقوة عسكره، وإلا فلا معنى لأن يكون ضابطاً، أما خلافهما فهو واهٍ،
وضربٌ من سوءِ التفاهم، بيديهما تسويته
بطريقةٍ راقيةٍ، دون أن يطمع بهما أولاء الرعاع
المتربصون، وكرر عليه أنّ وحشة الحرمان زيّنت له تلك الرخمة الحمقاء قمراً،
وعليه ألا يتهوّر.. مضى
والشك يعذبه، وقضى وقتاً يقلِّب الأمر على وجوهه، وعاذَ من وسواسه بصفحات مما
انتهى إليه "الكواكبي" عن الاستبداد... حدَّث
الضابط عثمان نفسه مبتسماً: ـ
: (سلمت يا بغلي الصموت، فقد لقّنت ابن الحلبيّ والنابلسية درساً يليق به أكثر من
رتبته، ولقد صدقني حدسي إذ اصطفيتك، ولسوف يسطع نجمك، وتضج فحولتك لهباً مشتهىً؛
كنار القرم في ليلٍ شتائي طويل قارس البرودة، تبعث الدفء في صقيع المخدع، فاصطبر ريثما ننتهي إلى حلب..!!).... وانتصب
السؤال في رأس كمال عارياً: ـ
: (هل أحبها..؟؟؟!..). عذّبه
السؤال ملحاحاً، ونفسه مفعمة رقّة وشفافية، كادت تجعل الدمع يطفر من عينيه، تخيّل
"رقوش"، هفّت نفسه إلى حمّام السوق، تذكر رفاقه في "القصيلة"
تمشى في "ساحة الملح"، وتجوّل تحت القلعة، وتمشى أمام "جامع
زكريا"، دخل "قسطل الحجّارين، وذهب إلى حانوت أبيه في
"بحسيتا"، تذكّر أنه قرأ أن "بحسيتا" سريانية الأصل وتعني
"بيت الشرف". ومرَّت أمامه ملامح زبن أبيه الموَسوسين بالطرابيش الحمر
العثمانية، وحسن مظهرها. رأى بائع "الإنكنار"، وبائع شراب عرق السوس آتٍ
من بعيدٍ، يُخبر عنه صوت طاساته النحاسية يسقي الزبن ضيافةً من صاحب الحانوت،
ويترك على الجدار قرب الباب علامات
حوّارية بعدد الطاسات التي قدمها، يحاسب على ثمنها فيما بعد بموجب العلامات
المرسومة. استنشق نكهة طبيخ أمِّه، سمع أصوات احتفال بختمة القرآن؛ وأصوات حفلة
ختان، تخيّل رقوش البضّة؛ عنابيّة البشرة، وغمّازتها الجذّابة؛ وصدرها المتوثب،
ثديان يتقافزان ويتحرشان بالنسمة، رأى داره وقد غصَّ فِناؤها بالمدعوين والأقارب
والمحبين و"جوقة الآلاتية" في حفل قبوله ضابطاً في الجيش، وسمع بِوَلّهٍ
شدو المنشد المطرب يترنّم بموشحات وقدود، ولاح لـه وجه "رقوش" من فرجة
الباب، تناوله أطباق "المهلبية الهيطلية"، حينذاك همس لها: ـ
: (قربان الذي خلق، حلوة أنت مثل "الهيطلية"..!..).. وقطف
لها عرق ريحان ووردة جوريّة، وأهدته منديلاً مشغولاً على الطارة. ـ
: (جفف به عرق جبينك وتذكرني..).. تنحنح
رشاد عند باب الخيمة، وأبلغه أن الشيوخ ينتظرونه، فسأل: ـ
ألم ينتصف الليل..؟!... ـ
: الوقت ميت لا ميزة له بين ليل ونهار. نظر
في وجه محدِّثه ملياً، يتقرى الوقت متوقفاً..!!، ومضى مع رشادٍ، وحين وصلا، تقدم
من خصمه، ربت على كتفه، قائلاً: ـ
: احترس من نفسك يا فتى، وعفا الله عما مضى.. ساد
الصمت لحظات، ثم أعلن أكبرهم سناً إدانة الفتى السِّكيت، وكفل الوجيه عبد الحميد أن ينّفذ المدان الحكم
بنفسه.. وبقي
الرجال في أماكنهم بطلب من كمال، فناقشوا وضع القافلة، فحمي النقاش بين معارض ومتحفّظ
ومشكك، وواثق بكمال وسداد رأيه وطيب
نواياه، واتفقوا أن يعيدوا أسلحة العسكر، ويتسلح الرجال بما أخفوه من أسلحة عسكر
ألكسندر، وأن توضع الذخيرة بتصرف أصلان، فيكون مساعد الضابط كمال بما يخصّهم،
يساعده الأومباشي بشؤون العسكر؛ وإبقاء الضابط عثمان قائداً صورياً، وطلب كمال
إقصاء النساء وعدم تسليحهن. استهجن بعضهم هذا الطرح، وشكك بعضهم بما ذهب إليه،
لكنهم أذعنوا لحجة الحكيم إدريس، بأنَّ
ذلك يقطع دابر فتن الضابط عثمان، ويدعم موقف الضابط كمال مستقبلاً. ارتاح
للاتفاق، وأقنع نفسه بصحة القرار، فيتخلّص من احتمال أن تكون قمر نقطة ضعفه، ولعله
بهذا يتأكد من شعوره نحوها، ويجد إجابة عن سؤاله، وفجأة سكنوا كأنهم لم يتأكدوا،
ثم أصاخوا السمع فاكفهّرت وجوهٌ، وتطيّر بعضهم، ونظروا إلى الفتى السِّكيت وكمال،
كأنهما مصدر الشؤم، ومالبث الصوت أن مرَّ
من فوقهم، وأراحهم أن فسَّر إدريس الحكيم صوت البوم، بقربهم من خربةٍ مهجورة،
ولعلَّ خلاصهم من خطر المفازة بات وشيكاً، سرت همهمات، وبعضهم مازال متأثراً
بالموروث عن شؤم البوم، ثم تتالى صياح الديك، فهتفوا لديك الجدة نور، حتى ارتفع صوت الشيخ الإمام مؤذّناً
لصلاة الصبح. ********* |